كتاب سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين . Kısım 5
المبحث الثاني في معنى الصلاة:
المبحث
الثاني في معنى الصلاة:
قال
الراغب: الصلاة في اللغة الدعاء والتبرك والتمجيد ومن الله التزكية ومن الملائكة
الاستغفار ومن الناس الدعاء
وقال
الماوردي: هي اسم مشترك لمعان فمن الله في أظهر الوجوه الرحمة ومن الملائكة
الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء
وقال
الزمخشري: هي الرحمة والترأف ومنه قولهم [صلى الله عليك] ترحم وترأف
قال
الحافظ السخاوي وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله تعالى
على نبيه ثناؤه وتعظيمه وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك من الله تعالى والمراد طلب
الزيادة لا طلب أصل الصلاة
ونقل
القاضي عياض عن بكر القشيري قال: الصلاة على النبي من الله تشريف وزيادة تكرٌمة
وعلى من دون النبي رحمة وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم
وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ} وقال قبل ذلك في نفس السورة {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ
وَمَلائِكَتُهُ} ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك
أرفع مما يليق بغيره
وقال
الحليمي في شعب الإيمان: أما الصلاة في اللسان (لسان العرب( فهي التعظيم وسميت
الصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصلى وهو وسط الظهر لأن إنحناء الصغير
للكبير إذا رآه تعظيم منه له في العادات
ثم
سموا قراءتها أيضاً صلاة إذ كان المراد من عامة ما في الصلاة من قيام وقعود
وغيرهما تعظيم الرب
ثم
توسعوا فسموا الدعاء صلاة إذ كان الدعاء تعظيماً للمدعو بالرغبة إليه والتباؤس له
وتعظيماً للمدعو له بإبتغاء ما ينبغي له من فضل الله تعالى وجميل نظره فمعنى
الصلوات لله أي الأذكار التي يراد بها تعظيم المذكور والاعتراف له بجلالة القدر
وعلو الرتبة كلها لله تعالى أي هو مستحقها لا تليق بأحد سواه
فإذا
قلنا [اللهم صل على محمد] فإنما نريد اللهم عظم محمداً في الدنيا بإعلاء ذكره
وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء
فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين الشهود
قال:
وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ كل شيء
منها ذو درجات ومراتب فقد يجوز إذا صلى عليه واحد من أمته فاستجيب دعاؤه فيه أن
يزاد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه رتبة ودرجة ولهذا
كانت الصلاة مما يقصد بها قضاء حقه ويتقرب بآدائها إلى الله عز وجل
ويدل
أن معنى قولنا [اللهم صل على محمد صلاة منك عليه] أنَّا لا نملك إيصال ما يعظَّم
به أمره ويعلو به قدره إنما ذلك بيد الله تعالى فصح أن صلاتنا عليه الدعاء له بذلك
وابتغاؤه من الله عز وجل ثناؤه
قال:
وقد يكون للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه آخر وهو أن يقال الصلاة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال السلام على رسول الله والسلام على فلان وقد
قال الله عز وجل {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}
ومعناه لتكن أو كانت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال صلى الله
عليه أي كانت من الله عليه الصلاة أو لتكن من الله الصلاة عليه
ووجه
هذا أن التمني على الله سؤال ألا ترى أنه يقال [غفر الله لك ورحمك] فيقوم ذلك مقام
[اللهم ارحمه] والله أعلم. انتهى كلام الحليمي
قال
الحافظ السخاوي بعد نقله وقوله أن معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم التعظيم
قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجر لا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه فإنه لا
يمتنع أن يٌدعى لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به وما تقدم عن أبي
العالية أظهر فإنه يحصل به استعمال لفظ بالنسبة إلى الله تعالى وإلى ملائكته وإلى
المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد. أ. هـ
((تنبيه((
الصلاة
وإن كانت بمعنى الرحمة فقد اختلفوا بجواز الدعاء له صلى الله عليه وسلم بلفظ
الرحمة
قال
الإمام النووي في (شرح مسلم( قال القاضي عياض: ولم يجيء في هذه الأحاديث ذكر
الرحمة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في بعض الأحاديث الغريبة
قال:
واختلف شيوخنا في جواز الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة
فذهب
بعضهم وهو اختيار أبي عمر بن عبد البر إلى أنه لا يقال
وأجازه
غيره وهو مذهب أبي محمد بن أبي زيد
وحجة
الأكثرين تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه وليس فيها ذكر الرحمة
والمختار
أنه لا يذكر الرحمة. أ. هـ
وقال
ابن حجر في (الدر المنضود(: اعلم أن ابن عبد البر ذهب إلى منع الدعاء له صلى الله
عليه وسلم بالرحمة
وردوه:
بوروده في الأحاديث الصحيحة أصحها
١ - حديث التشهد [السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله]
٢ - ومنها قول الأعرابي [اللهم ارحمني
وارحم محمداً]
٣ - وتقريره صلى الله عليه وسلم لذلك
وقوله صلى الله عليه وسلم [اللهم إني أسألك رحمة من عندك اللهم أرجو رحمتك يا حي
يا قيوم برحمتك أستغيث]
٤ - وفي خطبة رسالة الشافعي رضي الله
تعالى عنه [صلى الله عليه وسلم ورحم وكرم]
نعم
قضية كلامه كحديث التشهد أن محل الجواز أن ضم إليها لفظ الصلاة والسلام وإلا لم
تجز
وقد
أخذ به جمع بل نقله القاضي عياض في (الإكمال( عن الجمهور
قال
القرطبي: وهو الصحيح
وجزم
بعدم جوازه يعني منفرداً الغزالي فقال: لا يجوز ترحم أي استقلالاً ويدل له قوله
تعالى {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
بَعْضاً} والصلاة وإن كانت بمعنى الرحمة إلا أنه صلى الله عليه وسلم كالأنبياء
خٌصٌّوا بها تعظيماً لهم وتمييزاً لمرتبتهم الرفيعة على غيرهم صلى الله عليهم وسلم
على أنها في حقهم ليست بمعنى مطلق الرحمة بل المراد بها ما هو أخص من ذلك
نعم
ظاهر قول الأعرابي السابق [اللهم ارحمني وارحم محمداً] وتقريره صلى الله عليه وسلم
له الجواز ولو بدون انضمام صلاة أو سلام إليها وهو الذي يتجه وتقريره المذكور خاص
فيقدم على العموم الذي اقتضته الآية
وينبغي
حمل قول من قال لا يجوز ذلك أن مرادهم نفي الجواز المستوي الطرفين فيصدق بأن ذلك
مكروه أو خلاف الأولى وإنما دٌعىَ له صلى الله عليه وسلم بالرحمة مع أنه عينها
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} لأن كونه رحمة لهم من جملة
رحمة الله له ولله عليه رحمات أٌخَرْ فطلب له بالدعاء بالرحمة حصول نظائر تلك.
انتهى كلام (الدر المنضود(
ورأيت
في هامشه ما نصه: قال شيخنا المؤلف رحمه الله في شرح (العباب( قال الزركشي في
(الخادم(:
أن
ابن عبد البر وأبا القاسم الأنصاري شارح (الإرشاد( والقاضي عياض نقلوا عن الجمهور
منع إطلاق الرحمة في حقه صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنفراد
ويرد
عليهم ما رواه البخاري في صحيحه من قول الأعرابي [اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا
ترحم معنا أحداً] فقال له صلى الله عليه وسلم [لقد حجرت واسعاً] ولم ينكر إطلاق
الرحمة
ثم
رد ما مر من أنه لا يقال رحمت عليه بأن الرحمة ضمنت معنى الصلاة فعٌديِّت بما تعدى
به
ورد
ما مر من أن في ترحمت معنى التكلف بأن التاء في هذا ونحوه كالتكبر للتفرد والتخصيص
لا للتعاطي والتكلف أو هي زائدة محضة كما في [قر واستقر بالمكان] انتهى قول
الزركشي.
وقال
العزيزي في شرح (الجامع الصغير( قال العلقمي قال شيخنا قال ابن عبد البر:
لا
يجوز لأحد إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول رحمه الله لأنه قال [من صلى
عليَّ] ولم يقل من ترحم عليَّ ولا من دعا لي وإن كان معنى الصلاة الرحمة ولكنه صلى
الله عليه وسلم خٌصَّ بهذا اللفظ تعظيماً له فلا يٌعدل عنه إلى غيره ويؤيده قوله
تعالى {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
بَعْضاً}
وقال
أبو القاسم الأنصاري شارح (الإرشاد(: يجوز ذلك مضافاً للصلاة ولا يجوز مفرداً
وفي
(الذخيرة( من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإيهامه النقص لأن الرحمة غالباً إنما
تكون لفاعل ما يلام عليه وقول الأعرابي وحديثه في الصحيحين [اللهم ارحمني وارحم
محمداً] فقد يجاب عنه بأن الدعاء فيه على سبيل التبعية لما قبله
المبحث الثالث: في معنى اسم النبي
صلى الله عليه وسلم محمد واشتقاقه:
وقوله
في حديث أبي داود كان يقول بين السجدتين [اللهم اغفر لي وارحمني ... ] إلى آخره
قال شيخنا: قلت لا يٌرد بهذا على ابن عبد البر حيث منع الدعاء له صلى الله عليه
وسلم بالمغفرة والرحمة فإن هذا الحديث سِيق للتشريع وتعليم الأمة كيف يقولون في
هذا المحل من الصلاة مع ما فيه من تواضعه صلى الله عليه وسلم لربه وأما نحن فلا
ندعو له إلا بلفظ الصلاة التي أمرنا أن ندعو له بها لما فيها من التعظيم والتفخيم
والتبجيل اللائق بمنصبه الشريف
وقد
وافق ابن عبد البر على المنع: أبو بكر ابن العربي ومن أصحابنا الصيدلاني ونقله
الرافعي في (الشرح( وأقره النووي في (الأذكار(. انتهت عبارة العزيزي.
المبحث
الثالث: في معنى اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد واشتقاقه:
قال
ابن القيم: هذا الاسم هو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وهو في الأصل اسم منقول
من الحمد وهو يتضمن الثناء على المحبوب ومحبته وإجلاله وتعظيمه هذا هو حقيقة الحمد
وبناؤه
على زنة مٌفعَّلْ مثل معظَّم ومحبَّب ومودَّد ومبجَّل ونظائرها لأن هذا البناء
موضوع للتكثير
فإن
اشتق منه اسم فاعل فمعناه: من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة كمعلِّم ومفهِّم
ومبيِّن ومخلِّص ومفرِّح ونحوه
وإن
اشتق منه اسم مفعول فمعناه: من تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى أو الذي استحق
أن يحمد مرة بعد أخرى يقال حٌمِّدَ فهو محمد كما يقال عٌلِّمَ فهو معلم
وهذا
عَلمْ وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه صلى الله عليه وسلم وإن كان عَلَمَاً محضاً
في حق كثير ممن تسمى به غيره وهذا شأن أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه
هي أعلام دالة على معانٍ هي بها أوصاف ولا تضاد فيها العَلَمِيةِ الوصف بخلاف
غيرها من أسماء المخلوقين
فهو
الله الخالق الباريء المصور الغفار فهذه أسماء دالة على معان هي صفاته
وكذلك
القرآن والفرقان والكتاب المبين وغير ذلك من أسمائه
وكذلك
أسماء النبي صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد والماحي
وفي
حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [إن لي أسماء أنا محمد
وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر]
فذكر
صلى الله عليه وسلم هذه الأسماء مبيناً ما خصه الله به من الفضل وأشار إلى معانيها
وإلا فلو كانت أعْلاماً محضة لا معنى لها لمْ تدل على مدح ولهذا قال حسان رضي الله
عنه
وشَقَّ
له من إسمه ليٌجْله ***** فذو العرش محمود وهذا محمد
إذا
ثبت هذا فتسميته صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم لِما اشتمل عليه مسماه وهو الحمد
فإنه صلى الله عليه وسلم محمود عند الله ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه من
المرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم
فإن
ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر جحوداً أو عناداً أو جهلاً
باتصافه بها لحمده فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه فهو في
الحقيقة حامد له
وهو
صلى الله عليه وسلم اختص من مٌسمْىَ الحمد بما لم يجتمع لغيره
فإنه
محمد وأحمد
وأمته
الحمادون يحمدون الله على السراء والضراء
وصلاة
أمته مفتتحة بالحمد
وخطبه
مفتتحة بالحمد
وكتابه
مفتتح بالحمد
وبيده
صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة
ولمَّا
يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ
وهو
صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون قال تعالى {وَمِنَ اللَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً
مَحْمُوداً} وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم
أولهم وآخرهم
وهو
محمود صلى الله عليه وسلم بما يملأ به الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع
والعمل الصالح وفتح به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنقذهم من أسر
الشيطان ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به حتى نال به أتباعه شرف الدنيا
والآخرة فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها فإنهم كانوا بين عباد
أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكواكب ومغضوباً عليهم قد باؤا بغضب من الله
وحيران لا يعرف رباً يعبده ولا بماذا يعبده والناس يأكل بعضهم بعضاً من استحسن
شيئاً دعا إليه وقاتل من خالفه وليس في الأرض موضع قدم مشرقاً بنور الرسالة وقد
نظر الله سبحانه وتعالى حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عَرَبهم وعجمهم إلا بقايا على
آثارٍ من دين صحيح فأغاث الله به صلى الله عليه وسلم البلاد والعباد وكشف به تلك
الظلم وأحيى به الخليقة بعد الموت فهدى به من الضلالة وعَلَّمَ به بعد الجهالة
وكَثَّر به بعد القلة وأعزَّ به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وفتح به أعيناً
عٌميا وآذاناً صٌما وقلوباً غٌلفا فعرف الناس ربهم ومعبودهم إلى غاية ما يمكن أن
تناله قواهم من المعرفة وأبدأ وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله
حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين وانجابت سحائب الشك والريب عنها
كما تنجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى
من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب
{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
روى
أبو داود في مراسيله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من
التوراة فقال [كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم الذي أنزل على نبيهم]
فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ}
وعرفهم
صلى الله عليه وسلم الطريق الموصل إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته فلم يدع حسناً إلا
أمر به ولا قبيحاً إلا نهى عنه كما قال صلى الله عليه وسلم [ما تركت من شيء يقربكم
إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه]
قال
أبوذر رضي الله عنه [لقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه
في السماء إلا ذكر لنا منه علماً]
وعرفهم
صلى الله عليه وسلم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف فكشف الأمر وأوضحه ولم
يدع باباً من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مٌشْكلاً إلا
بيَّنه وشرحه حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها وأغاثها به
من جهلها فأي بشر أحق باسم محمد منه صلى الله عليه وسلم وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
وأصح
القولين في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} أنه
على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهين
أحدهما:
أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته صلى الله عليه وسلم
أما
أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة
وأما
أعداؤه والمحاربون له فجعل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم لأن حياتهم زيادة لهم
في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير
لهم من طول أعمارهم في الكفر
وأما
المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شراً بذلك العهد من
المحاربين له
وأما
المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها وجريان
أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره
وأما
الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض
فأصاب
كل العالمين النفع برسالته صلى الله عليه وسلم
والوجه
الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم رحمة لكل أحد لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة
فانتفعوا بها دنيا وأخرى والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم
يقبلوها كما يقال هذا دواء لهذا المرض فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون
دواء لذلك المرض
ومما
يحمد عليه صلى الله عليه وسلم ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم
فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها أخلاق الخلق وأكرم شيم
الخلق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثاً
وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالاً وأعظمهم عفواً ومغفرة وكان لا تزيده شدة
الجهل عليه إلا حلماً كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه
أنه قال صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة [محمد عبدي ورسولي سميته
المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو
ويغفر ولم أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعيناً عٌميا وآذاناً صٌما
وقلوباً غٌلفا حتى يقولوا لا إله إلا الله]
وكان
صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعاً لهم في دينهم
ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيراً عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة
الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر وأصدقهم في مواطن اللقاء وأوفاهم بالعهد
والذمة وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه وأشدهم تواضعاً وأعظمهم إيثاراً على
نفسه وأشد الخلق ذباً عن أصحابه وحماية لهم ودفاعاً عنهم وأقوم الخلق بما يؤمر به
وأتركهم لما ينهى عنه وأوصل الخلق لرحمه
قال
علي رضي الله عنه [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدراً وأصدق الناس
لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه] يقول
ناعته [لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم]
شرح
قول علي رضي الله عنه:
فقوله
كان أجود الناس صدرأ
أراد
به بر الصدر وكثرة خيره وأن الخير يتفجر منه تفجيراً وأنه منطو على كل خلق جميل
وعلى كل خير كما قال بعض أهل العلم [ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيراً من صدر
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جٌمِعَ بحذافيره وأودع في صدره صلى الله عليه
وسلم]
وقوله
أصدق الناس لهجة
هذا
مما أقر له به أعداؤه المحاربون له ولم يٌجربْ عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة دع
شهادة أوليائه كلهم له به وقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل
الكتاب منهم وليس منهم أحد يوماً من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة
قال
المسور بن مخرمة قلت لأبي جهل وكان خالي يا خال
هل
كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول مقالته؟
فقال
والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يٌدعىَ فينا الأمين فلما وخطه الشيب لم
يكن ليكذب
قلت
يا خال فلم لا تتبوعنه؟
قال
يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا
وأجرنا فلما تجائينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى نأتيهم بهذه.
فقال
تعالى يسليه ويهون عليه قول أعدائه {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي
يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى
مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ
اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}
وقوله
وألينهم عريكة
يعني
أنه سهل لين قريب من الناس مجيب لدعوة من دعاه قاض لحاجة من استقضاه جابر لقلب من
قصده لا يحرمه ولا يرده خائباً وإذا أراد أصحابه منه أمراً وافقهم وتابعهم فيه وإن
عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن
مسيئهم
وقوله
أكرمهم عشرة
يعني
أنه لم يكن يعاشر جليساً له إلا كان أتم عشرة وأحسنها وأكرمها كان لا يعبس في وجهه
ولا يغلظ في مقالة ولا يطوي عنه بشرة ولا يمسك عليه فلتات لسانه ولا يؤاخذه بما
يصدر منه من جفوة ونحوها بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان ويحتمله غاية الإحتمال
فكانت عشرته لهم احتمال آذاهم وجفوتهم جملة لا يعاتب أحداً منهم ولا يلومه ولا
يبادئه بما يكره
من
خالطه يقول أنا أحب الناس إليه لما يرى من لطفه به وقربه منه وإقباله عليه
واهتمامه بأمره ونصيحته له وبذل إحسانه إليه واحتمال جفوته فأي عشرة كانت أو تكون
أكرم من هذه العشرة
قال
الحسين رضي الله عنه سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال
[كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ
ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه راجيه ولا
يٌخَيِّبٌ فيه قد ترك نفسه من ثلاث كان لا يذم أحداً ولا يعيبه ولا يطلب عورته ولا
يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير وإذا سكت
تكلموا لا يتسارعون الحديث من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث
أولهم , يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في
منطقه ومسئلته حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم ويقول إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها
فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه
بنهي أو قيام.
وقوله
من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه
وصفه
بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص وهما الإجلال والمحبة وكان قد ألقى عليه
هيبة منه ومحبة فكان كل من يراه يَهابَه ويٌجلْه ويملأ قلبه تعظيماً وإجلالاً وإن
كان عدواً له فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق فهو المجَّل المٌعَظَّم المحبوب
المٌكَرَّم وهذا كمال المحبة أن تقترن بالتعظيم والهيبة فالمحبة بلا هيبة ولا
تعظيم ناقصة والهيبة والتعظيم من غير محبة كما يكون للقادر الظالم نقص أيضاً
والكمال
أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب
صفات الكمال التي يستحق أن يٌعظمْ لأجلها ويٌحبْ لأجلها
ولمَّا
كان الله سبحانه وتعالى أحق بهذا من كل أحد كان المستحقَّ بأن يٌعظَّمْ ويٌكَبَّر
ويٌهاب ويٌحب ويٌود بكل جزء من أجزاء القلب ولا يجعل له شريك في ذلك
وهذا
هو الشرك الذي لا يغفره سبحانه أن سوى بينه وبين خلقه في هذا الحب قال تعالى
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} فأخبر أن من أحب
شيئاً غير الله مثل حبه لله كان قد اتخذه نداً
وقال
أهل النار في النار لمعبوديهم {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ
نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ولم يكن تسويتهم لهم بالله في كونهم خلقوا
السماوات والأرض أو خلقوهم وخلقوا آباءهم وإنما سووهم برب العالمين في الحب لهم
كما يحب الله تعالى فإن حقيقة العبادة هي الحب والذل
وهذا
هو الإجلال والإكرام الذي وصف به نفسه في قوله تعالى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي
الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ}
وأصح
القولين في ذلك أن الجلال هو التعظيم والإكرام هو الحب وهو سر قول العبد لا إله
إلا الله والله أكبر
ولهذا
ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال [ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام] أي إلزموها والهجو بها
وفي
مسند أبي يعلي الموصلي عن بعض الصحابة أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم فرأى في
منامه مكتوباً في السماء في النجوم [يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال
والإكرام]
وكل
محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعاً لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسول الله صلى الله
عليه وسلم فإنها من تمام محبة مٌرْسِلَه وتعظيمه فإن أمته يحبونه بحب الله له
ويعظمونه ويجلٌّونه لإجلال الله له فهي محبة لله من موجبات محبة الله
وكذلك
محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة رضي الله عنهم وإجلالهم تابعة لمحبة الله
ورسوله لهم
والمقصود
أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الله سبحانه وتعالى عليه منه المهابة والمحبة
ولكل مؤمن مخلص حظ من ذلك
قال
الحسن البصري رحمه الله [إن المؤمن ذو حلاوة ومهابة] يعني يٌحب ويٌهاب ويٌجل بما
ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك
ولهذا
لم يكن بشراً أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله صلى الله عليه وسلم
في صدور أصحابه
قال
عمرو بن العاص قبل إسلامه إنه لم يكن شخص أبغض إليه منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب
إليه منه ولا أجل في عينه منه قال ولو شئت أن أصفه لكم لما أطقت لأني لم أكن أملأ
عينيَ منه إجلالاً له
وقال
عروة بن مسعود لقريش [يا قوم والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك فما رأيت
ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً والله ما يحدٌّون النظر إليه
تعظيماً له وما يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وصدره وإذا
توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه]
فلما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملاً على ما يقتضي أن يٌحمد عليه مرة بعد مرة
سٌمي محمداً وهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه
والفرق
بين لفظ أحمد ومحمد من وجهين
أحدهما:
أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد فهو دال على كثرة حمد الحامدين له وذلك يستلزم
كثرة موجبات الحمد فيه
وأحمد
أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره
فمحمد
زيادة حمده في الكمية وأحمد زيادته في الكيفية فيٌحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده
البشر
الوجه
الثاني: أن محمداً هو المحمود حمداً متكرراً كما تقدم
وأحمد
هو الذي حَمْدٌهٌ لربه أفضل من حمد الحامدين غيره
فدل
أحد الإسمين وهو محمد على كونه محموداً ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد
الحامدين لربه
وهذا
هو القياس فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل
الفاعل ولا يبنيان من فعل المفعول
ونازعهم
في ذلك آخرون وقالوا يجوز بناء فعلي التعجب والتفضيل من فعل الفاعل ومن الواقع على
المفعول.
والمقصود
أنه صلى الله عليه وسلم سمي محمداً وأحمد لأنه يحمد أكثر مما يٌحْمَدٌ وأفضل مما
يٌحْمَدٌ غيره فالاسمان واقعان على المفعول وهذا هو المختار. وذلك أبلغ في مدحه
وأتم معنى
ولو
أريد به معنى الفاعل سمي الحماد وهو كثير الحمد كما سمي محمداً وهو المحمود كثيراً
فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمداً لربه فلو كان اسمه باعتبار الفاعل
لكان الأولى أن يسمى حماداً كما أن اسم أمته الحمادون
وأيضاً
فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى
محمداً وأحمد فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة ويحمده أهل السماء والأرض
فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوت العادَّين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان
التفضيل والزيادة في القدر والصفة. انتهى كلام ابن القيم.
وقال
القاضي عياض قد حمى الله هذين الاسمين يعني محمداً وأحمد أن يتسمى بهما أحد قبل
زمانه أما أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى عليه السلام فمنع الله بحكمته أن
يٌسمى به أحد غيره أو يٌدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل اللَّبْس ولا الشك فيه على
ضعيف القلب وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده
أن نبياً يٌبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم
هو والله أعلم حيث يجعل رسالاته. أ. هـ
ورأيت
في شرح العارف بالله عبد الله بن أبي حمزة على مختصره للبخاري عند قوله صلى الله
عليه وسلم [تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي] ما نصه
وإباحته
صلى الله عليه وسلم لهم التسمية باسمه عليه الصلاة والسلام فذلك لما جاء فيه من
الخبر لأنه قد جاء أن [ما من بيت فيه من أسمه محمد إلا لا يخلو عن خير]
وقد
ذكر أنه [إذا نوديَ يوم القيامة باسمه يا محمد فمن سمعه ورفع له رأسه أفلح وسعد]
وجاءت فيه مما يشبه هذا آثاراً كثيرة
قال
وقد رأيت بعض المباركين وكان عنده شيء من لسان العلم وكان له جملة أولاد كلهم
سماهم محمداً وما فرق بينهم إلا بالكٌنى لمِا سمع من الخبر الذي جاء في هذا الاسم
المبارك ولمن سمي به ابنه ولذلك ما رأيته وإياهم إلا في خير عظيم من غير أن يقصد
أحداً أو يخرج عما كان مشتغلاً مما يعنيه من دينه. انتهى
وقال
الحافظ السيوطي في كتابه (الرياض الأنيقة في أسماء خير الخليقة( في الكلام على هذا
الاسم الكريم
قال
تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} وقال {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} وقال
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}
وسبق
في الأحاديث ذكره وهو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وأجلها ولذلك اختص بأمور
* منها أنه لا يصح إسلام الكافر حتى
يتلفظ به بأن يقول محمد رسول الله فلا يكفي أحمد
وجوزه
الحليمي بشرط أن يضم إليه أبو القاسم وأقره الاسنوي في (التمهيد(
* ومنها أنه يتعين الإتيان به في
التشهد ولا يكفي غيره من أسمائه صلى الله عليه وسلم ولا أحمد كما في شرح (المهذب(
و (التحقيق( وكذا الخطبة
*ومنها أنه يكره حمله في الخلاء ويجب
تحويله من اليد (إذا كان منقوشاً على خاتم وتلبسه في يدك اليسرى( عند الاستنجاء
فلو
نقش من اسمه محمد هذا الاسم مريداً نفسه ففي الالتحاق به نظر
* ومنها أنه يخرج منه بالضرب مع الكسر
والبسط عدد المرسلين وهو ثلاثمائة وثلاثة عشر
وذلك
أن فيه الميم الأولى والثانية المشددة بحرفين والميم إذا كسرت فهي (م ى م( وكل ميم
بتكسيرها في الحساب تسعون إذاً الميم بأربعين والياء بعشرة فالثلاثة مائتان وسبعون
والدال خمسة وثلاثون لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين والحاء بثمانية
ولا تكسر فمبلغها العدد المذكور (ثلاثمائة وثلاثة عشر(
ثم
روى في سبب تسميته به صلى الله عليه وسلم
بسنده
(السيوطي( إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال [لمَّا ولد النبي صلى الله عليه وسلم
عقَّ عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمداً فقيل له يا أبا الحارث ما حملك على أن
تسميه محمداً ولم تسمه باسم آبائه فقال أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس
في الأرض]
وأخرج
البيهقي بسنده عن ابن اسحاق قال [كانت آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم
تحدث أنها أتيت حين حملت بمحمد صلى الله عليه وسلم فقيل لها إنك حملت بسيد هذه
الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد مع أبيات أخرى وسميه
محمداً فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في الإنجيل
أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في القرآن محمد فسمته محمداً لذلك]
وقال
الكلاعي في سيرته [ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمداً لرؤيا رآها زعموا أنه رأى
في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في
المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق
والمغرب يتعلقون بها فقصها فعٌبِّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق
والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض فلذلك سماه محمداً مع ما حدثته به أمه]
وروى
الحافظ السيوطي بسنده إلى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [ليلة عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً محمد
رسول الله] وأخرجه أبو يعلي والبزار
وروى
الطبراني بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [لمَّا أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال أسألك بحق محمد
إلا غفرت لي فأوحى الله إليه ومن محمد فقال تبارك اسمك لمَّا خلقتني رفعت رأسي إلى
عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك
قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله إليه يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك
ولولاه ما خلقتك]
وأخرجه
الحاكم في (المستدرك( وصححه والبيهقي في (دلائل النبوة(
وروى
أبو نعيم في (الحلية( بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم [ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله إلا الله
محمد رسول الله]
وأخرج
البزار وغيره عن أبي ذر رفعه [أن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت
فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب عجبت ممن ذكر النار ثم
يضحك عجبت ممن ذكر الموت ثم يغفل لا إله إلا الله محمد رسول الله]
وروى
أي السيوطي بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله]
وروى
الطبراني بسنده إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [كان فص خاتم سليمان بن داود سماوياً فألقي إليه فوضعه في خاتمه وكان نقشه
أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي]
قال
وأصلح الأحاديث التي رويت في فضل التسمية به حديث أبي أمامة الباهلي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم [من ولد له مولود فسماه محمداً حباً وتبركاً بإسمي كان هو
ومولوده في الجنة] واسناده لا بأس به. أ. هـ
وقال
ابن حجر المكي في شرح (الشمائل(
ومن
مزاياهما أي اسم محمد وأحمد مساواتهما لحروف الجلالة
ومن
فوائد هذين الاسمين الشريفين أن من كتبهما في بطاقة وحملها واستدام النظر إليها
وهو يصلي عليه صلى الله عليه وسلم كثرت رؤيته في المنام للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال
سيدي السيد مصطفى البكري في آخر شرحه على (حزب الإمام النووي( رضي الله عنهما
محمد
هو أشهر أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتسم به أحد قبله لكن لمَّا قرب زمان
ظهور نوره وفشا ذكره وانتشر سمى به أهل الكتاب أولادهم رجاء النبوة وعِدَّتهم خمسة
عشر
وأسماؤه
صلى الله عليه وسلم قيل ألف وقيل ألفان وعشرون ولكن ألذها للأسماع وأشرفها لتسكين
لاعج الإلتياع هذا الاسم الكريم وإن كانت كل أسمائه صلى الله عليه وسلم بهذا
المنزل العظيم
قال
شارح (الدلائل( قريباً من الأوائل هو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وأخصها
وأعرفها وبه يناديه الله تبارك وتعالى ويسميه في الدنيا والآخرة وهو المختص بكلمة
التوحيد وبه كني آدم عليه الصلاة والسلام وبه تشفع وعليه صلى في مهر حواء وبه كان
يٌسمي نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم فيقول [أنا محمد بن عبد الله] [والذي نفس
محمد بيده]
و
[فاطمة بنت محمد] ويكتب [من محمد رسول الله] وبه يصلي عليه الملائكة وبه يسميه
عيسى عليه السلام في الآخرة حين يدل عليه للشفاعة وبه سمَّاه جبريل في حديث
المعراج وغيره وبه سمَّاه إبراهيم عليه السلام في حديث المعراج أيضاً وبه سمَّاه
جده عبد المطلب حين ولد وبه كان يدعوه قومه وبه ناداه ملك الجبال وبه صعد ملك
الموت إلى السماء باكياً لمَّا قبض روحه الشريفة ينادي [وامحمداه] وبه يٌسمي نفسه
صلى الله عليه وسلم لخازن الجنان حين يستفتح فيٌفتح له إلى غير ذلك مما لم يحضرني
الآن
وقال
عند شرح أسمائه صلى الله عليه وسلم
وهو
اسم عَلَم على ذاته صلى الله تعالى عليه وسلم قال تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ
اللَّهِ}
وهو
منقول من الصفة إذ أصله اسم مفعول من حمَّد المضاعف ثم نٌقِل وجٌعِل علماً عليه
صلى الله تعالى عليه وسلم
وهو
من صيغ المبالغة معنىً إذا الثلاثي تٌضعَّف عينه لقصد المبالغة فكان الأصل محموداً
من حٌمِد المبني للمفعول ثم ضٌعِّف فصار الفعل حمًّد بالتضعيف والمفعول محمد كذلك
وذلك للمبالغة لتكرار الحمد له مرة بعد مرة فالمحمد في اللغة هو الذي يٌحمد حمداً
بعد حمد ولا يكون مٌفعَّل مثل مضرب وممدح إلا لمن تكرر عليه الفعل مرة بعد أخرى
فهو
اسم مطابق لذاته ومعناه صلى الله عليه وسلم إذ ذاته محمودة على ألسنة العوالم من
كل الوجوه حقيقة وأوصافاً وخَلقاً وخٌلقاً وأعمالاً وأحوالاً وعلوماً وأحكاماً
وجميع عوالمه المتنزل لها والظاهر بها
فهو
محمود في الأرض وفي السماء وهو أيضاً محمود في الدنيا والآخرة ففي الدنيا بما هدى
إليه ونفع به من العلم والحكمة وفي الآخرة بالشفاعة
فقد
تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ ومع ذلك هو الحامد إذ ما حمده أحد إلا بما علَّمه
إياه إذ هو نبي الجميع فهو الحامد وإن شئت قلت هو الحامد لله تعالى على الإطلاق
بالتحقيق وبحمده لله تعالى حمده الله على ألسنة عباده فهو الحامد المحمود
إلا
أنه أخص من حيث تنزل الأمر ومبدأ الفاعلية بالأحمدية ومن حيث بلوغ الأمر ومنتهى
المفعولية بالمحمدية فكان اسمه في السماء أحمد وفي الأرض محمداً فهو صلى الله
تعالى عليه وسلم خير من حَمِد وأفضل من حٌمِد
وعلى
التحقيق لم يَحمِدَ ولم يٌحمدَ من الخلق إلا هو صلى الله عليه وسلم وكيف ولواء
الحمد بيده وهو صاحب المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون. أ. هـ
قال
يعني الفاسي في (شرح الدلائل(
وغالب
هذا الكلام للشيخ أبي عبد الله البكي في شرح (الحاجبية(
ثم
إنه لم يكن محمداً حتى كان أحمد وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس وكذلك وقع في
الوجود فإن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة وتسميته محمداً وقعت في القرآن
وأحمد أيضاً منقول من الصفة التي معناها التفضيل بمعنى أحمد الحامدين لربه وكذلك
هو في المعنى لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله فيحمد
ربه بها ولذلك يٌعقد له لواء الحمد
ثم
قال قال الشيخ أبو عبد الله البكي ولهذا الاسم أعني محمداً إشارات لطيفة من حيث
صورته ومادته أي من جهة حروفه المادية ومن جهة هيئته الصورية
أما
الأول فلِما اشتمل عليه باعتبار حروفه من ميم الملكوت الأعلى وحاء الحياة والحفظ
الذي به وفيه كتب القلم الأسنى وميم الملكوت الباطن في ميم الملك الظاهر ودال
الدوام والاتصال الماحية لوهمي الإنقطاع والانفصال
وأما
الثاني فإن صورة هذا الاسم على صورة الإنسان فالميم الأولى رأسه والحاء جناحاه
والميم الثانية بطنه والدال رجلاه. أ. هـ
وقال
الشيخ عبد الرحمن البسطامي رحمه الله تعالى في كتاب (درة الظنون في رؤية قرة
العيون( في الفصل الثاني منه ثم إن هذا الاسم الأقدس لم يتسمَّ به على الحقيقة أحد
قبله ولا بعده صلى الله عليه وسلم وإنما وقع للناس مشاركات في جهات من جهات لفظه
لا من جهات معناه إذ ما من مخلوق سواه إلا ويلحقه نقص ما ولو عدم التناهي في
الكمال إلى رتبته صلى الله عليه وسلم فلا يكون محمداً على الإطلاق فإن الوصف بعدم
بلوغ الغاية في الكمال نوع من الذم ومن يلحقه الذم بوجه ما فليس محمداً على
الحقيقة فلا محمداً إلا محمد صلى الله عليه وسلم
ولهذا
المعنى لمَّا أراد المشركون هَجْوَهٌ بالكلام الموزون صرف الله تعالى عنه ذلك لأن
حقيقته صلى الله عليه وسلم لا تقتضيه بوجه من الوجوه فكانوا يهجون مذمماً وهو
الشيطان فإن هذا الاسم أجمع أسماء الشياطين لإشتماله على ما يتضمن نقصاً مع بلوغ
الغاية وللمباينة الواقعة بين هذين الاسمين وعدم الاشتراك بينهما في وصف من
الأوصاف لم يكن للشيطان أن يتمثل على صورته صلى الله عليه وسلم
فإن
قيل إذا كان اشتقاق اسم محمد من اسمه عز وجل محمود كما قال حسان رضي الله تعالى
عنه أي في قوله
وشق
له من إسمه ليجله ******* فذو العرش محمود وهذا محمد
فلِمَ
بولغ في هذا دون ذلك؟
فالجواب
أنه صلى الله عليه وسلم لمَّا كان بشراً وليس من شأن البشر الكمال في الأوصاف ولا
بلوغ الغاية فيها أحتيج إلى المبالغة في اسمه صلى الله عليه وسلم للإعلام بأنه ليس
مثلهم في هذا الوصف بل مرآته قابلة لجميع حقائق الأسماء والصفات. أ. هـ
وقال
سيدي أبو المواهب الشاذلي رضي الله تعالى عنه في (قوانين الإشراق(
قال
الله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} فإن قلت
السجود لغير الله حرام فكيف جاز السجود؟
قلنا
هذا السجود معناه خضوع تواضع الأصغر للأكبر لا أنه سجود المربوب للرب لأن آدم عليه
السلام عبد لا رب لكنه أٌكْرِمَ في الصورة الآدمية بظهور السمة المحمدية فهذا هو
الذي أوجب السجود في المحراب يا أولي الأذواق والألباب وذلك أن رأس آدم ميم ويده
حاء وسرته ميم وباقيه دال وكذلك كان يٌكتب في الخط القديم
قال
أبو المواهب رحمه الله ويؤيد مقالنا ما قاله استاذنا أي سيدي علي وفا رضي الله
تعالى عنه
لو
أبصر الشيطان طلعة نوره ****** في وجه آدم كان أول من سجد
وهو
صلى الله عليه وسلم نور جميع الرسل والأنبياء وكل أهل الصلاح من الأتقياء كما قال
عيسى
وآدم والصدور جميعهم ******* هم أعين هو نورها لما ورد
وذلك
أنه صلى الله عليه وسلم جمع الله تعالى له نور الأنبياء وإرشاد الرسل وهداية
الأولياء ثم اختصه بنور الختم
وههنا
لطيفة وهي أن اسم محمد الميم الأولى منه إذا قلت ميم كانت ثلاثة أحرف والحاء حرفان
حاء وألف والهمزة لا تعد لأنها الألف والميمان المضعَّفان ستة أحرف والدال ثلاثة
دال وألف ولام فإذا عددت حروف اسمه كلها ظاهرها وباطنها حصل لك من العدد ثلاثمائة
وأربعة عشر الثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد الرسل الجامعين للنبوة ويبقى واحد من
العدد هو لمقام الولاية المفرق على جميع الأولياء التابعين للأنبياء وله عليه
وعليهم الصلاة والسلام
وههنا
رقية وهي كونه لم يبق من العدد المفرق على الأولياء إلا الفرد لأن فيهم الأفراد
الذين اختصوا من التحقيق بالإنفراد أولئك الواحد منهم يجعله الحق في كيانه جامعاً
لنور زمانه وهذه الدقيقة الفردانية من الحقيقة الجامعة المحمدية كما قال
وليس
على الله بمستنكر ***** أن يجمع العالم في واحد
.ا. هـ
ونقل
الشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد الأفقهسي في كتابه (كشف الأسرار عما خفى عن
الأفكار(
أن
لإسمه الشريف عشرة خصائص إلى أن قال
والرابع
كتب اسمه صلى الله عليه وسلم على ساق العرش
ويروى
[أن الله تعالى لمَّا خلق العرش اضطرب فلما كتب عليه اسم محمد صلى الله تعالى عليه
وسلم سكن] وفيه تنبيه على أنه صلى الله عليه وسلم هو المخلوق الأكبر
وقال
في حروف اسمه صلى الله عليه وسلم قال قوم
أن
معنى الميم محو الكفر بالاسلام أو محو سيئات من اتبعه وقيل الميم منَّ الله تعالى
على المؤمنين وقيل ملك أمته أو المقام المحمود
وأما
الحاء فقيل حكمه بين الخلق بأحكام الله تعالى قال الله تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وقيل حياة أمته
وأما
الميم الثانية فمغفرة الله تعالى لأمته وقيل منادي الموحدين
وأما
الدال فهو الداعي إلى الله تعالى قال الله تعالى {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ
بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} فهو صلى الله عليه وسلم دليلهم في الدنيا والآخرة
إلى الجنة ذكره النيسابوري. أ. هـ
وما
أحسن قول الإمام البوصيري رضي الله تعالى عنه في (بردته(
فإن
لي ذمة منه بتسميتي ******** محمداً وهو أوفى الخلق في الذمم
قال
العلامة شهاب الدين أحمد القسطلاني رحمه الله تعالى في شرحه عليها
وفي
كلامه دليل على الترغيب في التسمية باسمه صلى الله تعالى عليه وسلم
وقد
جاء في ذلك أحاديث فمنها
١ - وذكر سنده إلى حميد الطويل عن أنس
قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم [يوقف عبدان بين يدي الله عز وجل
فيأمر بهما إلى الجنة فيقولان ربنا بم استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً يجازينا
الجنة فيقول الله عز وجل عبديَّ ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي لا يدخل النار من
اسمه أحمد ولا محمد]
٢ - وعن نبيط بن شريظ قال قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم قال الله عز وجل [وعزتي وجلالي لا عذبت أحداً تسمى باسمك
في النار] رواه ابو نعيم وعنه أبو علي الحداد وعنه أبو منصور الديلمي في (مسند
الفردوس( بسنده مرفوعاً وقال متصل الإسناد
٣ - وروي عن جعفر بن محمد [إذا كان يوم
القيامة نادى مناد ألا ليقم من اسمه محمد فيدخل الجنة لكرامة اسمه صلى الله تعالى
عليه وسلم]
وفي
لفظ آخر [ينادى يوم القيامة يا محمد فيرفع رأسه في الموقف من اسمه محمد فيقول الله
جل جلاله أشهدكم أني قد غفرت لكل من اسمه على اسم محمد نبيي]
٤ - وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه
قال [من ولد له مولود فسماه محمداً تبركاً كان هو ومولوده في الجنة] رواه صاحب
(الفردوس( وابنه منصور
٥ - ورويا أيضاً عن علي بن أبي طالب رضي
الله تعالى عنه قال [ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدَّس
الله تعالى ذلك المنزل كل يوم مرتين]
قال
أي القسطلاني قلت وأنا ولله الحمد لي منه صلى الله تعالى عليه وسلم ذمة بتسميتي
أحمد كإسمه الشريف وأسأل الله من فضله كما منَّ عليَّ بذلك أن ينظمني في سلك محبيه
وورثته بمنه وفضله ورحمته. أ. هـ
وقال
السيد مصطفى البكري قلت
وقد
صح لي بحمد الله ذمة من المقتفى بتسميتي كإسمه الشريف مصطفى وأخبرني مكاشف من أهل
الوفا راشف كأس عين الصفا أن بعض الفقراء له حقائق كثيرة مسماه بأسماء كبيرة وقد
سميت واحدة منها بهذا الاسم الكريم ولكن الحاكم هو الاسم الظاهر وله بحسب المقام
وصف التقديم
وفي
شرح (البردة( للأفقهسي رحمه الله تعالى زيادة على بعض ما تقدم
١ - عن الحسن البصري رحمه الله تعالى [أن
الله تعالى يوقف عبداً بين يديه يوم القيامة اسمه أحمد أو محمد فيقول يا جبريل خذ
بيد عبدي فأدخله الجنة فإني استحييت أن أعذب بالنار من اسمه على اسم حبيبي محمد]
٢ - وعن علي بن موسى عن أبيه عن جده رضي
الله تعالى عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [إذا سميتم محمداً فعظموه
ووقروه وبجلوه ولا تذلوه ولا تقهروه ولا تردوا له قولاً تعظيماً لمحمد صلى الله
عليه وسلم]
٣ - وعن وائلة بن الأسقع رضي الله تعالى
عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من ولد له ثلاثة من الولد ولم يسمِّ
أحداً منهم محمداً فقد جهل]
٤ - وعن علي رضي الله تعالى عنه [ما
اجتمع قوم في مشورة مع رجل منهم اسمه محمد فلم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك لهم]
٥ - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم [لا يدخل الفقر بيتاً فيه إسمي].أ. هـ
قال
السيد مصطفى البكري بعد ما ذكر
وهذا
الاسم الشريف يوافق عدده من الأسماء الحسنى [[باسط ودود]] فيناسب من كان اسمه
محمداً أن يذكر هذين الإسمين
وأفادنا
شيخنا الشيخ محمد الخليلي القاطن الآن في بيت المقدس أنه تلقى عن بعض مشايخه اسم
[[أمان]] وأن هذا اسم إلهي موافق عدد اسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم
وله
كان الله له رسالة في هذا الاسم المحمدي الشريف وأخبرني أنه يريد أن يشرحها ليفوز
بظل الأجر الوريف وهو أحد من أجازني بمشيخته حباه الله جزيل مننه
وقال
اليافعي رحمه الله تعالى في (الدر النظيم في خواص القرآن العظيم(
حكى
لي بعض أصحابنا عن بعض مشايخه أن الشيخ محيي الدين بن العربي قال
من
أخذ عدد اسمه بالجملة ونظر تلك الجملة في أي شيء من أسماء الله تعالى الحسنى اتفق
فإن وجده في اسم وإلا طلبه في اسمين أو في ثلاثة أو في أربعة
مثاله
محمد عدده اثنان وتسعون نظرنا موافقته في اسم فلم نجده وفي اسمين وجدناه في عدد
[[أول دائم]] وفي ثلاثة فلم نجده ووجدناه في أربعة أسماء من أسماء الله الحسنى جل
وعلا وهي [[حي وهاب واجد ولي]]
فقال
يقرأ الفاتحة اثنتين وتسعين مرة عدد الاسم ثم آية الكرسي والمعوذتين كذلك وسورة
ألم نشرح العدد المذكور وبعد ذلك يذكر الأسماء الأربعة العدد المذكور ويتخذ ذلك
رياضة ويقول في آخر الذكر عند انقضاء العدد [يا حي أحي ذكري وارزقني أو ماشاء يا
وهاب هب لي كذا يا واجد أوجد لي كذا يا ولي تولني] وقس على ذلك. أ. هـ
وعن
بعض المشايخ أن اسمه تعالى [[سلام]] إذا أضيف إليه واحد كان عدد اسم محمد صلى الله
عليه وسلم فإن عدده إذا قلنا بأن الميم المشدد بحرفين مائة واثنين وثلاثون ولهذا
الاسم مناسبة باسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه قلب العالم ويس قلب القرآن
و {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} قلب يس والسلام الأمان وهو صلى الله تعالى
عليه وسلم أمان لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم [أنزل الله تعالى عليَّ أمانين
لأمتي {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فإذا مضيتٌ تركت فيهم الإستغفار إلى يوم
القيامة}]
ويأتي
في آخر باب فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فوائد شتى لآيات قرآنية
وأذكار نبوية وغيرها ومن جملتها فوائد تتعلق بهذا الاسم الشريف اسم محمد صلى الله
عليه وسلم.
وقد
رأيت مؤلفاً مخصوصاً في فضائل اسم أحمد ومحمد جمع أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن
عبد الله بن بكير الحافظ بخط عبد الرحمن بن محمد الشهير بابن الفرفير الدمشقي سبط
شيخ الاسلام القطب الخيضري كتبه سنة ٩٨٩ هجرية في دمشق الشام وعلى ظهره تحت اسم
الكتاب بخطه ما صورته
الحمد
لله تعالى وحده أروي هذا الكتاب المذكور أعلاه عن شيخنا شيخ الاسلام شمس الدين
محمد بن أبي اللطف المقدسي الشافعي مكاتبة مما كتبه إلىَّ من البيت المقدس عن شيخه
شيخ الاسلام الكمال بن أبي شريف المقدسي عن شيخه شيخ مشايخ الاشلام قاضي القضاة
أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الشافعيين قال
أخبرنا
به المسند العابد زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك ابن حماد الغزي
الشهير بابن الشيخة رحمه الله تعالى قال أنبأنا به أبو العباس أحمد بن يعقوب
الصابوني قال أنبأنا به الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد الحنبلي الشهير
بابن البخاري أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد سماعاً وعبد العزيز بن محمد ابن
الأخضر قال أنبأنا يحيى بن علي بن محمد بن علي بن الطراح أنبأنا الحسين بن أحمد
ابن عبد الله بن بكير فذكره
وهذا
نص المؤلف المذكور
بسم
الله الرحمن الرحيم
أخبرنا
الشيخ الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن محمود الجنابذي قراءة
عليه وأنا أسمع في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ببغداد قيل له أخبركم الشيخ
الصالح أبو محمد يحيى بن علي بن محمد بن علي بن الطراح المدبر في يوم الجمعة قبل
الصلاة الثاني من شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فأقر به أخبركم القاضي
الشريف أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد المهتدي بقراءة أبيك علي
بن محمد عليه في ذي الحجة من سنة ثلاث وستين وأربعمائة فأقر به حدثنا أبو عبد الله
الحسين بن أحمد ابن عبد الله بن بٌكَيْر الحافظ قال
باب
ما روي من الآثار الحميدة السند الجليلة البهية العمد في فضل من اسمه أحمد ومحمد
١ - حدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا جدي
لأبي أبو العباس صدقة بن موسى بن تميم بن ربيعة بن ضمرة الغنوي مولى علي بن أبي
طالب حدثنا أبي عن حٌميدَ الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم [يوقف عبدان بين يدي الله تبارك وتعالى فيأمر بهما إلى الجنة
فيقولان ربنا وبم استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً يجازينا الجنة فيقول الله عز وجل
لهما عبداي ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا
محمد]
٢ - حدثني أبو الحسن حامد بن حماد بن
المبارك عن عبد الله العسكري بنصيين حدثنا اسحاق بن يسار بن محمد أبو يعقوب
النصيبي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سنمة عن برد بن سنان عن مكحول عن أبي
أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من ولد له
مولود فسماه محمداً تبركاً به كان هو ومولوده في الجنة]
٣ - حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي
حدثنا حبيب بن نصر بن زياد المهلَّى حدثنا عبد الصمد بن محمد بن مقاتل العبَّاداني
بعبَّادان حدثنا منصور بن عكرمة بعبادان في رباطنا عن أبي العلاء بن سنان عن مكحول
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من ولد
له مولود فسمَّاه محمداً حباً لي وتبركاً باسمي كان هو ومولوده في الجنة]
٤ - حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن علي
بن الحسين بن الفرج الوافقي السكري المقري حدثنا القاسم بن علي بن أبان العلاف
حدثنا علي بن ميمون العطار حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي عن عمر بن موسى
الوجيهي عن القاسم عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [من ولد له ثلاثة أولاد ولم يسمِّ أحدهم محمد فقد جهل]
٥ - حدثني أبو الحسين سِلَّار بن علي ابن
أيوب الباجدابي حدثنا أبو بدر أحمد بن خالد بن مسرح الحراني حدثنا عمي الوليد بن
عبد الملك بن مسرح الحراني حدثنا موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد ابن
جبر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من
ولد له ثلاثة فلم يسمِّ أحدهم محمداً فقد جهل]
٦ - وحدثني أبو القاسم بن أبي الخطاب
لفظاً حدثنا أبو عمرو الشاهد بالأنبار حدثنا علي بن محمد النخعي حدثنا محمد بن
منصور الرمادي حدثنا عبد الله بن داهر الرازي حدثنا عمرو بن جميع عن جعفر بن محمد
عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من رزق ثلاثة من الولد فلم
يسمِّ أحدهم محمداً فهو من الجاهلين]
٧ - حدثني أبو محمد اسماعيل بن الحسين بن
الحسن بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [من ولد له ثلاثة فلم يسمِّ أحدهم محمداً فقد جفاني]
٨ - أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن
معقل بن سنان بخطه عن الحسن بن علي ابن عفان العامري حدثنا عثمان بن عبد الرحمن
وحدثنا أبو سعيد نافع بن محمد بن الحسن ابن عَلٌّويَةْ بن حَيٌّويَهْ بن يوسف بن
واقد بن حزَوَّر الابيوردي الشافعي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن معقل حدثنا
الحسن بن علي بن عفان حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن الحراني عن أحمد بن حفص الجزري
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول
الله صلى الله صلى الله عليه وسلم [ما اجتمع قوم في مشورة معهم رجل اسمه محمد فلم
يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك لهم]
٩ - وروي عن الحسين بن علي ابن أبي طالب
عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ما من قوم كانت لهم
مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم] حدثنا بذلك
أحمد ابن محمد بن يعقوب حدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي قال
حدثني أبي حدثنا علي ابن موسى الرضا قال حدثني موسى بن جعفر قال حدثني أبي جعفر بن
محمد قال حدثني أبي محمد ابن علي قال حدثني أبي علي بن الحسين قال حدثني أبي
الحسين بن علي قال حدثني أبي علي بن أبي طالب
١٠ - وحدثني ابن عبيد الله أحمد بن عبد
الرحمن الذهبي وعبيد الله بن يحيى بن زكريا بن يزيد بن أبي عمرو الدقيقي قال حدثنا
أبو طالب عبد الله بن محمد بن الحسن بن شهاب البكري حدثنا عبد الله بن محمد بن
غياث أبو القاسم الهروي الكاتب الخرساني حدثنا أحمد بن عامر ابن سليمان الطائي
حدثنا علي بن موسى الرضا قال حدثني أبي موسى قال حدثني أبي جعفر قال حدثني أبي
محمد قال حدثني أبي علي قال حدثني أبي الحسين قال حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي
الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر
معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم]
١١ - حدثني أبو حفص الفاروق بن عبد الكبير
بن عمر الخطابي بالبصرة حدثنا العباس بن الفضل الاسفاطي حدثنا أبو عثمان سعيد بن
سليمان النشيطي وحدثنا عبد الله بن اسحاق بن إبراهيم بن عبد العزيز البغوي الدقيق
حدثنا زياد بن الخليل التُّسَتري حدثنا سعيد بن سليمان النشيطي أبو عثمان حدثنا
الحكم بن عطية بن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [يسمونهم محمداً ثم يسبونهم]
١٢ - وحدثنا محمد بن عبد الله العسكري
حدثنا محمد بن اسماعيل بن يوسف بن اسماعيل الترمذي السليمي حدثنا إبراهيم بن حميد
الطويل حدثنا الحكم بن عطية عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم [يسمونه محمداً ثم يسبونه]
١٣ - حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن
عباد حدثنا محمد ابن غالب أبو جعفر الضَّبي حدثنا إبراهيم بن حميد الطويل حدثنا
الحكم بن عطية حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
[يسمونه محمداً ثم يسبونه]
١٤ - حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح وأحمد
بن محمد بن يعقوب قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي حدثنا علي
بن موسى الرضا وحدثني أبو الطيب عبيد الله أحمد بن الذهبي بعكبرا وعبيد الله بن
يحيى بن زكريا بن يزيد ابن أبي عمرو الدقيق قالا حدثنا أبو طالب عبد الله بن محمد
بن الحسن بن شهاب العكبري حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن غياث الهروي
الخراساني الكاتب حدثنا أحمد بن عامر بن سليمان الطائي حدثنا علي بن موسى الرضا
قال حدثني أبي موسى بن جعفر قال حدثني أبي جعفر ابن محمد قال حدثني أبي محمد بن
علي قال حدثني أبي علي بن الحسين قال حدثني أبي الحسين بن علي قال حدثني أبي علي
بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما من مائدة وضعت
وحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين]
١٥ - حدثني أبو القاسم الحسين بن محمد بن
اسحاق بن إبراهيم ابن اسماعيل بن محمد بن أبان بن أبي الخطاب لفظاً حدثنا أبو عمرو
عبيد الله بن عبد الله بن الحسن الشاهد الأنباري بالأنبار حدثنا علي بن محمد
النخعي أبو القاسم حدثنا محمد بن منصور الرمادي حدثنا عبد الله بن داهر الرازي
حدثنا عمرو بن جُميع عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [إذا سميتموه محمداً فعظموه ووقروه وبجلوه ولا تذلوه ولا تحقروه ولا
تجبهوه تعظيماً لمحمد صلى الله عليه وسلم]
١٦ - وجدت في كتاب علي بن بندار البردعي
حدثنا أبو عيسى محمد ابن أحمد بن مطر حدثنا أبو الأسود محمد بن محمد بن يحيى بن
حفص الفريابي حدثنا محمد بن رجاء الواسطي حدثنا عثمان بن زكريا الرازي وهشيم بن
بشير عن يونس ابن عبيد عن الحسن البصري رحمه الله قال [إن الله ليوقف عبداً بين
يديه يوم القيامة اسمه أحمد أو محمد قال فيقول الله تعالى محمد عبدي أما استحييتني
وأنت تعصيني واسمك باسم حبيبي محمد فينكس العبد رأسه ثم يقول اللهم إني فعلت فيقول
الله عز وجل يا جبريل خذ بيد عبدي فأدخله الجنة فإني أستحي أن أعذب بالنار من اسمه
على اسم حبيبي محمد]
١٧ - حدثني أحمد بن محمد بن يعقوب النسوي
وأحمد ابن محمد بن الجراح النهثلي حدثنا عبد الله بن أحمد بن علي بن سليمان الطائي
قال حدثني أبي حدثنا علي بن موسى الرضا قال حدثني أبي موسى قال حدثني أبي جعفر بن
محمد قال حدثني أبي محمد قال حدثني أبي موسى قال حدثني أبي الحسين قال حدثني أبي
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحدثنا عبيد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الذهبي أبو
الطيب وعبيد الله بن يحيى بن زكريا بن يزيد بن أبي عمرو الدقيقي قال حدثنا أبو
طالب عبد الله بن محمد حسن بن شهاب العكبري حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن
عياش الهروي الخراساني حدثنا أحمد بن عامر بن سليمان الطائي حدثنا علي بن موسى
الرضا قال حدثني أبي موسى قال حدثني أبي جعفر قال حدثني أبي محمد قال حدثني أبي
علي قال حدثني أبي الحسين قال حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم [إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه وأوسعوا له في
المجلس ولا تقبحوا له وجهاً]
١٨ - حدثني أبو نصر محمد بن أحمد بن موسى
ابن جعفر بن أبي محمد البخاري المستملي حدثنا الأمير عبد الله محمد بن عباس العصمي
الهروي حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن نصر العطار الدؤلي حدثنا محمد بن هارون
المِصَيِصِي قال حدثنا خالد بن يزيد عن محمد بن إبراهيم الهاشمي عن أبي جعفر
المنصور عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال [ما من أهل بيت فيهم من اسمه محمد
إلا لم يزالوا يتعاهدهم الله عز وجل في كل يوم وليلة] يعني بالبركة في كل يوم
وليلة
١٩ - حدثني محمد بن أحمد بن محمد بن فارس
الطوسي الأشقر حدثنا أبو نصر النعمان بن محمد الجرجاني بنيسابور حدثنا أبو أحمد
عبد الله بن عدي الحافظ الجرجاني حدثنا الفضل بن عبد الله بن سليمان العطار
بأنطاكية حدثنا محمد بن المصفى حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الملك عن
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم [لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسمي]
٢٠ - حدثني محمد بن عبد الله حدثنا محمد
ابن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي حدثنا محمد بن حُمَيْد الرازي حدثنا إبراهيم
ابن المختار حدثنا النضر بن حميد عن أبي اسحاق السبيعي عن الأصبغ بن نباته عن علي
بن أبي طالب رشي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ما من أهل بيت فيهم
اسم نبي إلا بعث الله إليهم ملكاً يقدسهم بالغداة والعشي]
٢١ - وجدت في كتاب أبي محمد جعفر بن الحسن
بن منصور البغدادي الأشقر حدثنا أحمد بن العباس البغوي حدثنا عمر بن شبَّة بن عبدة
النُّمَيْري حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا إبراهيم بن المختار حدثنا النضر بن
حميد حدثنا أبو اسحاق السبيعي عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ما من أهل بيت فيهم اسم نبي إلا بعث إليهم ملكاً
يقدسهم بالغداة والعشي]
٢٢ - حدثني أبو القاسم عبيد الله بن أحمد
بن يحى بن منصور بن المعافى الأزدي العدل حدثنا أبو بكر عبد الله بن أحمد بن علي
الخطيب املاء حدثنا أبو بكر القاسم بن عبد الرحمن الأنباري حدثنا محمد بن يحيى بن
رزين المصيصي حدثنا اسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي
بكر الصديق حدثنا عبد الرحمن بن روح عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها
قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما أكل طعام قط من حلال عليه رجل اسمه
اسمي إلا تضاعف لهم البركة في طعامهم]
٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الله العسكري
حدثنا أبو يعقوب اسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شداد
بن سعيد الراسبي عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن
عباس قالا رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من ولد له مولود
فليحسن أدبه واسمه فإذا بلغ فليزوجه فإذا بلغ ولم يزوجه فأصاب إثماً باء بإثمه]
٢٤ - وأخبرنا أبو الحسن ابن المهتدى قراءة
عليه يوم قرأنا هذا الجزء حدثنا أبو عبد الله بن أحمد بن بكير حدثنا الحديث عبد
الرحيم الهروي حدثنا مالك بن سليمان الهروي حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار حدثنا
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [الهدية ثلاثة هدية مكافأة وهدية لئلا يقال للرجل سوء وهدية يثيبه الله تعالى
عليها]
هذا
آخر كتاب فضائل من اسمه أحمد ومحمد جمع أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الله
بن بكير الحافظ وروايته عن شيوخه والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه وتابعيه وأحبابه.
انتهى
نص الكتاب المذكور رحم الله مؤلفه.
المبحث الرابع في معنى النبي * | *
المبحث الخامس في معنى الأمي
المبحث
الرابع في معنى النبي:
أما
النبيء بالهمزة فقيل هو المنبيء واشتقاقه من النبأ وهو الخبر لإنبائه عن الله فهو
فعيل بمعنى فاعل
ويجوز
أن يكون بمعنى مفعول أي مُنبَّأ من الله بأوامره ونواهيه واستدلوا على ذلك بجمعه
على نبآء كظريف وظرفاء قال العباس بن مرادس
يا
خاتم النبآء إنك مرسل ****** بالحق بل هدى الإله هداكا
إن
الإله أثنى عليك محبة ***** في خلقه ومحمداً سماكا
أو
هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر وارتفع فهو فعيل بمعنى فاعل أي ظاهر مرتفع أي بمعنى
مفعول أي رفعه الله على خلقه أو مأخوذ من النبأ الذي هو الطريق وذلك أن النبي طريق
الله إلى خلقه به يتوصلون إلى معرفة خالقهم
والنبي
إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فرسول أيضاً فالنبي أعم
فإن
قلت أيما أفضل النبوة أم الرسالة؟
أجاب
الشيخ عز الدين بن عبد السلام في (قواعده(
بأن
النبوة أفضل لأنها إخبار عما يستحقه الرب سبحانه من صفات الجلال ونعوت الكمال فهي
متعلقة بالله من طرفيها والإرسال دونها لأنه أمر بالإبلاغ إلى العباد فهو متعلق
بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر ولا شك أن ما تعلق بالله من طرفيه
أفضل مما تعلق به من أحد طرفيه والنبوة سابقة على الإرسال فإن قوله تعالى لموسى
{إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} متقدم على قوله {اذْهَبْ إِلَى
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} فجميع ما قاله قبل قوله {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ}
نبوة وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال والحاصل أن البنوة راجعة إلى التعريف
بالإله وبما يجب للإله والإرسال راجع إلى أمره الرسول بأن يبلغ عنه إلى عباده أو
إلى بعضهم ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته واجتناب معصيته. انتهى ملخصاً من
(مسالك الحنفا(
المبحث
الخامس في معنى الأمي:
قال
في (القول البديع(
الأميّ
بالتشديد منسوب إلى الأم وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب كأنه على أصل ولادة
أمه بالنسبة إلى الكتابة
أو
نسب إلى أمه لأنه بمثل حالها إذ الغالب من حال النساء عدم الكتابة
وقيل
منسوب إلى أم القرى
المبحث السادس في معنى الآل
وقيل
إلى الأمة التي لا تقرأ ولا تكتب في الأكثر الأغلب وهم العرب
وقيل
إلى الأمة لكثرة اهتمامه بأمرها
وقيل
إلى أم الكتاب إما بمعنى أنها أنزلت عليه أو لأنه صدق بها ودعا إلى التصديق بها
وقيل
إلى الأمة وهي القامة والخلقة
وقيل
إلى الأمة على سذاجتها قبل أن تعرف الأشياء وقد كان عدم الكتابة معجزة لنبينا عليه
الصلاة والسلام مع ما أوتينه من العلوم الباهرة قال الله تعالى {وَمَا كُنْتَ
تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ} وفي القرآن الكريم أيضاً {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
المبحث
السادس في معنى الآل
اختلف
في الآل فقيل أصله أهل قلبت الهاء همزة
واختلف
في المراد بآل محمد هنا
فالمرجح
أنهم من حرمت عليهم الصدقة وهذا نص عليه الشافعي واختاره الجمهور
ويؤيده
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة للحسن ابن علي [إنَّا آلَ محمد لا تحل
لنا الصدقة]
وقوله
في أثناء حديث مرفوع أن هذه الصدقة [إنما هي أوساخ الناس] وأنها لا تحل لمحمد ولا
لآل محمد
وقال
أحمد المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته
وعلى
هذا فهل يجوز أن يقول أهل عِوَض آل؟ روايتان عندهم
وقيل
المراد بآل محمد أزواجه وذريته لأن أكثر طرق الحديث جاءت بلفظ وآل محمد وجاء في
حديث أبي حميد موضعه
[وأزواجه
وذريته] فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية
وتعقب
بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة الماضي فيُحمل على أن بعض
الرواة حفظ ما لم يحفظه غيره والمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن حرمت عليهم
الصدقة ويدخل فيهم الذرية فبذلك يجمع بين الأحاديث
وقد
أطلق على أزواجه صلى الله عليه وسلم آل محمد في حديث عائشة [ما شبع آل محمد من خبز
مأدوم ثلاثاً]
وفي
حديث أبي هريرة [اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً] وكأن الأزواج أفردوا بالذكر
تنويهاً بهن وكذا الذرية
وقد
روى عبد الرزاق في (جامعه( عن النووي سمعته وسأله رجل عن قوله [اللهم صل على محمد
وعلى آل محمد] من آل محمد؟
فقال
اختلف فيه منهم من يقول آل محمد أهل البيت ومنهم من يقول من أطاعه
وقيل
المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة حكاه النووي في (شرح المهذب(
وقيل
هم جميع قريش حكاه ابن الرفعة في (الكفاية(
وقيل
المراد بالآل جميع الأمة أمة الإجابة قال ابن العربي مال إلى ذلك مالك واختاره
الزهري وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية ورجحه النووي في (شرح مسلم(
وقيده
القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم وعليه يحمل كلام من أطلق ويؤيده قوله تعالى
{إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}
وفي
(نوادر( أبي العيناء أنه غضَّ من بعض الهاشميين فقال له أتغض مني وأنت تصلي عليَّ
في كل صلاة في قولك
[اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد] فقال إني أريد الطيبين الطاهرين ولستَ منهم أفاده شيخنا.
وقد
حكى الخطيب قال دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو بالري زائراً له ومسلماً عليه
فقال
العلوي ليحيى ما تقول فينا أهل البيت؟
فقال
ما أقول في طين عُجِنَ بماء الوحي وغرست فيه شجرة النبوة وسقي ماء الرسالة فهل
يفوح منه إلا مسك الهدى وعنبر التقى
فقال
العلوي ليحيى إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك فلك الفضل زائراً ومزوراً. انتهى
قال
جميع ذلك الحافظ السخاوي ثم قال قال شيخنا
ويمكن
أن يحمل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة المطلقة فلا يحتاج إلى تقييد بالأتقياء
وقد
استدل لهم بحديث أنس رفعه [آل محمد كل تقي] أخرجه الطبراني لكن سنده واهٍ جداً
وأخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف.
وأما
ذريته صلى الله عليه وسلم الواردة الصلاة عليهم في بعض الأحاديث فهم أولاده
وأولادهم وهل يدخل أولاد البنات؟ فمذهب الشافعي ومالك وهو رواية عن أحمد أنهم
يدخلون لإجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم
المطلوب لهم من الله الصلاة وحكى ابن الحاجب عن المالكية دخول ولد البنت قال لأن
عيسى من ذرية إبراهيم عليهما السلام
ومذهب
أبي حنيفة ورواية أخرى عن أحمد أنهم لا يدخلون واستثنى أولاد فاطمة عليها السلام
لشرف هذا الأصل العظيم. أ. هـ من (القول البديع(
وأما
أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن فأولهن
١ - خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
٢ - ثم سودة بنت زمعة رضي الله عنها
٣ - ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي
الله عنهما ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها
٤ - ثم حفصة بنت عمر الفاروق رضي الله
عنهما
٥ - ثم زينب بنت خزيمة رضي الله عنها ولم
يمت في حياته منهن غيرها
٦ - ثم أم سلمة هند بنت أمية رضي الله
عنها
٧ - ثم زينب بنت جحش رضي الله عنها
٨ - ثم جويرية بنت الحارث رضي الله عنهما
٩ - ثم ريحانة بنت شمعون رضي الله عنها
١٠ - ثم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي
الله عنهما
١١ - ثم صفية بنت حيي رضي الله عنها
١٢ - ثم ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها
فهؤلاء
جملة من دخل بهن من النساء وهن ثنتا عشرة امرأة وعقد على سبع ولم يدخل بهن
فالصلاة
على أزواجه صلى الله عليه وسلم تابعة له لإحترامهن وتحريمهن على الأمة وأنهن نساؤه
في الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم.
المبحث السابع في لفظ إبراهيم
المبحث
السابع في لفظ إبراهيم:
قال
ابن القيم
معنى
إبراهيم بالسريانية أب رحيم والله سبحانه جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم فإن
أبانا الأول آدم والثاني نوح فأهل الأرض كلهم من ذريته قال تعالى {وَجَعَلْنَا
ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} والأب الثالث أبو الأنبياء وعمود العالم وإمام
الحنفاء الذي اتخذه الله سبحانه وتعالى خليلاً وجعل النبوة والكتاب في ذريته ذاك
خليل الرحمن وشيخ الأنبياء وقد سماه الله إماماً وأمة قانتاً وحنيفاً
قال
تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ
إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}
وقال
تعالى {ِإنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً}
فالأمة
هو القدوة المعلم للخير والقانت المطيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على
الله المُعْرِض عما سواه ومن أقبل على شيء مال عن غيره فإبراهيم صلى الله عليه
وسلم هو أبونا الثالث وهو إمام الحنفاء وتسميه أهل الكتاب عمود العالم وجميع أهل
الملل متفقة على تعظيمه ومحبته
وكان
خير بنيه سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم يُجلُّه ويُعظِّمه وكان أشبه الخلق
به كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال [رأيت إبراهيم فإذا أقرب الناس
شبهاً به صاحبكم] يعني نفسه صلى الله عليه وسلم
وكان
صلوات الله على نبينا وعليه أول من أقرى الضيف وأول من اختتن وأول من رأى الشيب
فقال ما هذا يا رب قال وقار قال رب زدني وقاراً
وكان
صلى الله عليه وسلم كما قيل قلبه للرحمن وولده للقربان وبدنه للنيران وماله
للضيفان
ولما
اتخذه ربه خليلاً والخلة هي كمال المحبة وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة
وكان قد سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً فوهب له اسماعيل فأخذ هذا الولد شُعبة من
قلبه فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره فامتحنه بذبحه ليظهر سر
الخلة في تقديم محبة خليله على محبة ولده فلما استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وظهر
سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثاراً لمحبة خليله على محبته نسخ الله ذلك
عنه وفداه بالذبح العظيم
ولما
أضرم له أعداء الله النار وألقوه في المنجنيق عرض له جبريل عليه السلام بين السماء
والأرض فقال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا فجعل الله سبحانه عليه النار
برداً وسلاماً
وروى
الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لقيت إبراهيم ليلة
أسري بي فقال يا محمد أقريء أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء
وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر] قال
الترمذي هذا حديث حسن. انتهى باختصار
وأما
آل إبراهيم عليه السلام فهم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة وإن ثبت أنه
كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة ثم المراد المسلمون منهم بل
المتقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم
وههنا
سؤالان
أحدهما
لمَ خص إبراهيم عليه السلام بالتشبيه دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؟
والجواب
أن ذلك وقع إما إكراماً له
أو
مكافأة على ما فعل حيث دعا لأمة محمد بقوله {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}
أو
لعدم مشاركة غيره من الأنبياء له في ذلك
واختصاصهما
بالصلاة
إما
لأنه كان خليلاً ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيباً
أو
لأن إبراهيم كان منادي الشريعة حيث أمره الله بقوله {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ} ومحمد صلى الله عليه وسلم كان منادي الدين لقوله {رَبَّنَا إِنَّنَا
سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}
أو
لأنه سأل الله عز وجل في ذلك حيث رأى الجنة في المنام وعلى أشجارها مكتوب لا إله
إلا الله محمد رسول الله وسأل جبريل عن ذلك فأخبره عن حاله فقال يا رب أجر ذكري
على لسان أمة محمد ولقوله {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}
أو
لأنه أفضل من بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والسؤال
الثاني ما اشتهر من السؤال عن موقع التشبيه في قوله [كما صليت على إبراهيم] مع أن
المقرر أن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأن محمداً صلى الله عليه وسلم
وحده أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم لا سيما وقد أضيفت إليه آل محمد وقضية كونه أفضل
أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره؟
وأجيب
عن ذلك بأجوبة استحسن منها الإمام النووي جواب الشافعي وهو
أن
التشبيه راجع للآل أو المجموع بالمجموع أو تشبيه أصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر
بالقدر فهو كقوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
نُوحٍ} وقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ} فإن المختار فيه أن المراد أصل الصيام لا وقته وعينه وهو كقول القائل
أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره ومنه قوله تعالى
{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ورجح هذا الجواب القرطبي في (المفهم(
وقال
العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في الباب الرابع عشر من كتابه
(المنن الكبرى(
ومما
أنعم الله تبارك وتعالى به عليَّ شهودي بنور الإيمان وسر الإيقان أن نبينا محمداً
صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق فلا أحد من أهل السموات وأهل
الأرض يناسبه في مقام من المقامات ثم لا يتوقف على دليل في ذلك إلا من أعمى الله
بصيرته صار بصره كبصر الخفافيش لأن نور شريعته صلى الله عليه وسلم أضوأ من نور
الشمس وقت الظهيرة ويكفي في بيان فضله صلى الله عليه وسلم إجماع أمته كلهم في سائر
الأقطار على تفضيله على الأولين والآخرين بالبديهة من غير توقف مع أن أحداً منهم
لم يره وإنما رأى شرعه وسمع هديه فقط وقد قال صلى الله عليه وسلم [لا تجتمع على
أمتي ضلالة]
وقد
وقع في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة أن شخصاً زعم أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أفضل
من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مستنداً إلى تعليمه صلى الله عليه وسلم الصحابة
كيفية الصلاة عليه في الصلاة وقوله في حديث التشهد [كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم] بناء على قاعدة أهل المعاني من أن المشبه به أعلى من المشبه
وغاب
عن هذا الشخص أن المسألة واردة على سبب وذلك أن الصحابة لمَّا قالوا [يا رسول الله
قد علمنا السلام عليك فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا فقال قولوا اللهم صل على محمد
وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... ] إلى آخره فالنكتة في قوله صلى الله عليه
وسلم [كما صليت على إبراهيم] كونه صلى الله عليه وسلم مسئولاً في تعليم الكيفية
وتأمل
إذا قلت لإنسان من الأولياء والعلماء مثلاً علمني تحية أعظمك بها وأمدحك بها
وأفضلك بها بين الناس كيف لا يسعه إلا السكوت أو النطق بما فيه تواضع ولذلك جاء في
حديث كعب بن عجرة أنه قال [لمَّا سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي سكت
وتمعر وجهه حتى تمنينا أن لو لم نكن سألناه] يعني من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم
وقوله
صلى الله عليه وسلم [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض
وأول شافع وأول مشفع] صريح في تفضيله على جميع الخلق حتى آدم عليه السلام وقوله
تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}
وإنما
تأدب صلى الله عليه وسلم مع أبيه آدم لأنه لا ينبغي للولد أن يقول أنا أفضل من أبي
إلا فيما ورد به الإذن الإلهي فيه كما في حديث [آدم فمن دونه تحت لوائي]
وقد
انتصر علماء مصر وصنفوا مصنفات في الرد على هذا الشخص بتقدير ثبوت ذلك عنه كسيدي
محمد البكري وسيدي محمد الرملي والشيخ ناصر الدين الطبلاوي والشيخ نور الدين
الطندتائي وقرئت تلك المصنفات على رؤس الأشهاد بحضرة خلائق لا يحصون فافهم ذلك
والحمد لله رب العالمين. أ. هـ
ويشبه
حكاية هذا الشخص المنكر المخذول ما ذكره رضي الله عنه في (طبقاته الكبرى( في ترجمة
العارف بالله سيدي أبي المواهب الشاذلي قال فيها وكان يقول يعني أبا المواهب رضي
الله عنه
وقع
بيني وبين شخص من الجامع الأزهر مجادلة في قول صاحب البردة رحمه الله تعالى
فمبلغ
العلم فيه أنه بشر ******* وأنه خير خلق الله كلهم
وقال
ليس له دليل على ذلك فقلت له قد انعقد الإجماع على ذلك فلم يرجع فرأيت النبي صلى
الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر جالساً عند منبر الجامع الأزهر وقال لي مرحباً
بحبيبنا ثم قال لأصحابه أتدرون ما حدث اليوم قالوا لا يا رسول الله فقال إن فلاناً
التعيس يعتقد أن الملائكة أفضل مني فقالوا بأجمعهم يا رسول الله ما على وجه الأرض
أفضل منك فقال لهم فما بال فلان التعيس الذي لا يعيش وإن عاش عاش ذليلاً خمولاً
مضيقاً عليه خامل الذكر في الدنيا والآخرة يعتقد أن الإجماع لم يقع على تفضيلي أما
علم أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة لا تقدح في الإجماع. انتهى كلام الشعراني
ونقل
العلامة القسطلاني في شرحه على (البخاري( و (المواهب اللدنية( عن العارف الرباني
أبي محمد المرجاني أنه قال
وسر
قوله صلى الله عليه وسلم [كما صليت على إبراهيم] و [كما باركت على إبراهيم] ولم
يقل كما صليت على موسى لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان التجلي له بالجلال فخر
موسى صعقا والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان التجلي له بالجمال لأن المحبة
والخلة من آثار التجلي بالجمال ولهذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا
عليه كما صلى على إبراهيم ليسألوا له التجلي بالجمال وهذا لا يقتضي التسوية فيما
بينه وبين الخليل صلوات الله وسلامه عليهما لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلي
بالوصف الذي تجلى به للخليل عليه الصلاة والسلام
والذي
يقتضيه الحديث المشاركة في الوصف الذي هو التجلي بالجمال ولا يقتضي التسوية بين
المقامين ولا في الرتبتين فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما وإن
اشتركا في وصف التجلي بالجمال فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده ورتبته منه
ومكانته فيتجلى للخليل عليه الصلاة والسلام بالجمال بحسب مقامه ويتجلى لسيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم بالجمال على حسب مقامه فعلى هذا يفهم الحديث. أ. هـ
يعني
ومقام سيدنا محمد أرفع من مقام سيدنا إبراهيم فتكون الصلاة المطلوبة له من الله
تعالى أعلى وأرفع من الصلاة على سيدنا إبراهيم
وهذا
يؤيد ما قاله النووي من أن أحسن الأجوبة عن إشكال تشبيه الصلاة على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بالصلاة على سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع كونه أفضل منه
ما نسب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه من أن التشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة.
وقال
العلامة أحمد بن حجر المكي في كتابه (الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي
المكرم(
المبحث الثامن في لفظ البركة
سبب
إيثار سيدنا إبراهيم الخليل وآله المؤمنين أن الله تعالى لم يجمع بين البركة
والرحمة إلا لهم بقوله في سورة هود
{رَحْمَتُ
اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} وأنه
أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أ. هـ
وقال
تقي الدين السبكي رحمه الله كما في (الطبقات( لولده
إذا
صلى عبد على نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الكيفية فقد سأل الله أن يصلي على محمد
كما صلى على إبراهيم وآله ثم إذا قال عبد آخر فقد طلب صلاة أخرى غير التي طلبها
الداعي الأول ضرورة أن المطلوبين وإن تشابها مفترقان بافتراق الطالب وأن الدعوتين
مستجابتان إذ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعوة مستجابة فلابد أن يكون ما
طلبه هذا غير ما طلبه ذاك لئلا يلزم تحصيل الحاصل فالحاصل كما قال ولده التاج أن
الله تعالى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة مماثلة لصلاته على إبراهيم
عليه السلام وآله كلما دعا عبد فلا تنحصر الصلوات من ربه التي كل واحدة منها بقدر
ما حصل لإبراهيم وآله إذ لا ينحصر عدد من صلى عليه بهذه الصلاة والله أعلم.
المبحث
الثامن في لفظ البركة:
ومعناها
النمو والزيادة من الخير والكرامة وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية
وقيل
المراد ثبات ذلك ودوامه واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض وبه سميت
بركة الماء لإقامته فيها وبه جزم أبو اليمن بن عساكر فقال وبارك أي أثبت لهم وأدم
ما أعطيتهم من الشرف والكرامة وهو من قولهم برك البعير إذا لزم موضعه الذي أنيخ
فيه. أ. هـ
وقد
يوضع موضع التيمن فيقال للميمون مبارك بمعنى أنه محبوب مرغوب فيه
والحاصل
أن المطلوب أن يعطى من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر فإذا قلنا [اللهم بارك على
محمد]
المبحث التاسع في الكلام على
العالمين * | * المبحث العاشر في الكلام على حميد مجيد
فالمعنى
اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته وكثِّر أتباعه وأشياعه وعرف أمته من يمنه
وسعادته أن تشفعه فيهم وتدخلهم جناتك وتُحلَّهم دار رضوانك فيجمع التبريك عليه
الدوام والزيادة والسعادة قاله الحافظ السخاوي قال ولم يصرح أحد بوجوب قوله [وبارك
على محمد] فيما عثرنا عليه غير أن ابن حزم ذكر ما يفهم وجوبها في الجملة فقال على
المرء أن يبارك عليه ولو مرة في العمر. أ. هـ
المبحث
التاسع في الكلام على العالمين:
قال
في (القول البديع(
المراد
بالعالمين فيما رواه أبو مسعود وغيره في الحديث أصناف الخلق وفيه أقوال أخرى
وقيل
ما حواه بطن الفلك
وقيل
ما فيه روح
وقيل
كل محدث
وقيل
بقيد العقلاء
وقيل
الإنس والجن فقط
وقيل
هما والملائكة والشياطين
قال
في الصحاح العالم الخلق والجمع العوالم والعالمون أصناف الخلق
وقال
في (المحكم( العالم الخلق كله ولا واحد له لأنه جمع أشياء مختلفة والجمع عالمون
وأشار
بقوله العالمين إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين وانتشار شرفه
وتعظيمه وأن المطلوب لنبينا عليه الصلاة والسلام صلاة تشبه تلك الصلاة وبركة تشبه
تلك البركة في انتشارها في الخلق وشهرتها وقد قال تعالى {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي
الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} انتهى ملخصاً
المبحث
العاشر في الكلام على حميد مجيد:
فالحميد
فعيل من الحمد وهو بمعنى محمود وهو أبلغ من المحمود فإن فعيلاً إذا عُدِلَ به عن
مفعول دلَّ على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجية والغريزة والخُلُق اللازم كما إذا
قلت لفلان ظريف وشريف وكريم
فالحميد
هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محموداً وإن لم يحمده غيره
فهو حميد في نفسه والمحمود من يُعلق به حمد الحامدين وهكذا المجيد والممجد والكبير
والمكبر والعظيم والمعظم
والحمد
والمجد إليهما يرجع الكمال كله
فإن
الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامداً له
وكذا من أثنيت عليه لغرض ما ولم تحبه لم تكن حامداً له حتى تكون مثنياً عليه محباً
له وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال
ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير فإن هذه هي أسباب المحبة وكلما كانت هذه الصفات
أجمع وأكمل كان الحمد والحب أتم وأعظم والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق الذي
لا نقص فيه بوجه ما والإحسان كله له ومنه فهو أحق بكل حمد وبكل حب من كل جهة فهو
أهل أن يحب لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه ولكل ما صدر منه سبحانه
وتعالى
وأما
المجد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال والحمد يدل على صفات الإكرام والله سبحانه
وتعالى ذو الجلال والإكرام وهذا معنى قول العبد لا إله إلا الله والله أكبر فلا
إله إلا الله دال على ألوهيته وتفرده فيها وألوهيته تستلزم محبته التامة والله
أكبر دال على مجده وعظمته وذلك يستلزم تعظيمه وتمجيده وتكبيره
ولهذا
يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيراً كقوله تعالى {رَحْمَتُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} فذْكِر هذين
الاسمين الحميد والمجيد عقب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله مطابق
لهذه الآية
ولمَّا
كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي ثناء الله عليه وتكريمه والتنويه به
ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه كانت مشتملة على الحمد والمجد فكأن المصلي طلب من
الله أن يزيد في حمده ومجده فإن الصلاة هي نوع حمد له وتمجيده فناسب ختمها بهذين
الاسمين الحميد المجيد لأن الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى
مناسب لمطلوبه أو يفتتح دعاءه به لقوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا}
قال
سليمان عليه السلام {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي
لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}
وقال
صلى الله عليه وسلم للصديق رضي الله عنه وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته
قل [اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من
عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم] وهذا كثير فلما كان المطلوب للرسول صلى الله
عليه وسلم حمداً ومجداً بصلاة الله عليه ختم هذا السؤال باسمي الحميد المجيد.
انتهى ملخصاً من (جلاء الأفهام(
وقال
في (القول البديع(
الحميد
فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها
وقيل
هو بمعنى الحامد أي يحمد أفعال عباده
والمجيد
هو من المجد وهو صفة الإكرام
ومناسبة
ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه
والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى
أنهما كالتعليل للمطلوب أو كالتذييل له والمعنى إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من
النعم المترادفة كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك ولله الحمد. انتهى
الباب التاسع في الكلام على رؤية
النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً
الباب
التاسع في الكلام على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً
اعلم
أني قدمت هذا الباب على العاشر لأن من أعظم فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم رؤياه في المنام ويترقى الأمر للكثيرين منها إلى رؤيته يقظة صلى الله عليه
وسلم ولمَّا كان ذلك من أكبر النعم والعلم به وبأسبابه من أهم العلوم بسطت الكلام
عليه في هذا الباب وجمعت فيه من أقوال سادات الأولياء وأئمة العلماء ما لم يجتمع
قبل هذا في كتاب كما ستقف عليه من عباراتهم إن شاء الله تعالى
قال
أبو عبد الله الرصاع في كتابه (تحفة الأخيار(
لمَّا
تقررت منزلة هذه الأمة عند ربها وثبت فضلها بفضل نبيها وسادت على سائر الأمم بشدة
محبتها في النبي الأمي المحترم وكان خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم وآمنوا به وهم الصحابة الكرام السادة الأعلام الذين حازوا قصب
السبق وفازوا بصحبة سيد الخلق ومشاهدة أنوار حبيب الحق وبقىَ منْ بعدهم الذين
نُقلت لهم آياته وتُليت عليهم صفاته وثبَتت عندهم معجزاته وتوالت عليهم خيراته
وبركاته فآمنوا به وصدقوه واتبعوا النور الذي أن
زل
معه فحققوا في تصديقهم به علم اليقين وثبت عندهم بالقطع أنه الصادق المصدوق الأمين
تمنوا بقلوبهم وأنفسهم أن لو شاهدوا في حياتهم النور المبين وتمتعوا برؤيته بعين
اليقين جبر الله سبحانه وتعالى صدع قلوبهم برؤيته في النوم ومشاهدته وحقق لهم أن
ما يرونه من صفاته حق وما يشاهدونه من ذاته صدق وإذا رآه المؤمن المحب في نومه
انشرح صدره واستنار قلبه وتقوى إيمانه وتحقق إيقانه فمن اشتاق إلى رؤية النبي عليه
الصلاة والسلام وغلب الحب على قلبه في سيد الأنام ولم يكن في قلبه غيره من حب
الحطام صار قلبه مرآة يظهر فيها صاحب بديع الصفات ورؤيته صحيحة ومشاهدته في المنام
قطعية فما بينك وبين ذلك إلا أن تطهر قلبك وتقوي حبك فإن الصادق المصدوق قد قال
[من رآني في المنام فقد رآني حقاً] فمهما اشتقت إلى مشاهدة بدر التمام وحبيب الملك
العلام فقوِّ حبك وصفِّ نفسك وعمِّر أوقاتك بالصلاة عليه حتى تملأ جوانح زوايا
قلبك بالأنوار وتتلاشى منها غياهب الأغيار وتنطبع فيه صورة الهاشمي المختار صلى
الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أولي البصائر والأبصار. أ. هـ
وقد
عقد الإمام الترمذي في آخر كتاب (الشمائل( باباً فيما جاء في رؤية رسول الله صلى
الله عليه وسلم في المنام وروى فيه عدة أحاديث في ذلك
الحديث
الأول: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من
رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي]
الحديث
الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من رآني
في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتصور - أو قال لا يتشبه- بي]
الحديث
الثالث: عن طارق بن أشيم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من
رآني في المنام فقد رآني]
الحديث
الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من رآني
في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثلني]
قال
كليب الراوي عن أبي هريرة فحدثت به ابن عباس فقلت قد رأيته أي النبي صلى الله عليه
وسلم فذكرت الحسن بن علي فقلت شبهته به فقال ابن عباس إنه كان يشبهه.
الحديث
الخامس: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول [إن
الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني]
قال
يزيد الفارسي وكان يكتب المصاحف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام زمن ابن
عباس فقلت لابن عباس إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال ابن
عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول [إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي
فمن رآني في النوم فقد رآني] هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم؟
قال
نعم أنعت لك رجلاً بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى بياض (أي أحمر لأن السمرة تطلق
على الحمرة( أكحل العينين حسن الضحك جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته ما بين هذه
إلى هذه (أي ما بين هذه الأذن إلى هذه الأذن الأخرى( قد ملأت نحره فقال ابن عباس
لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
الحديث
السادس: عن أبي قتادة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من رآني
- يعني في النوم- فقد رآى الحق]
الحديث
السابع: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [من رآني في
المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي] قال [ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين
جزأ من النبوة]
وقال
شيخ مشايخي الشيخ إبراهيم الباجوري رحمه الله في حاشيته وجه ذلك على ما قيل
أن
زمن الوحي ثلاث وعشرون سنة وأول ما ابتديء صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصالحة
وكان زمنها ستة أشهر ونسبة ذلك إلى سائر المدة المذكورة جزء من ستة وأربعين جزأ
ثم
قال وأظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزأ من أجزاء النبوة أنها جزء من أجزاء علم
النبوة لأنها يُعلم بها علم الغيوب ويُطلع بها على بعض المغيبات ولا شك أن علم
المغيبات من علم النبوة ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه
مرفوعاً [لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا الصالحية
يراها الرجل المسلم أو ترى له] أخرجه البخاري قال والتعبير بالمبشرات للغالب وإلا
فقد تكون من المنذرات انتهى باختصار.
ورأيت
في فتاوى الشهاب الرملي أنه سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني فقد رآني
حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي] ما الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم نفسه الشريفة
ولم يذكره في حق الباري جل وعلا؟ وهل إذا أجاب مجيب بأنه صلى الله عليه وسلم لما
كانت صورته الشريفة مشابهة للصورة البشرية وأمكن أن يتخيل الشيطان أي يتمثل بها
ناسب أن يذكر في حق نفسه صلى الله عليه وسلم وأما الباري جل وعلا فليس كمثله شيء
فلم يستطع العقل أن يجوز ذلك في حقه تعالى وتقدس فلم يحتج للتنبيه عليه يكون
مصيباً بذلك أم لا؟
فأجاب
بأنه صلى الله عليه وسلم خص نفسه الشريفة بالذكر لحِكَمْ منها
لأجل
قوله [فقد رآني حقاً] ولا كذلك الباري جل وعلا
فقد
قال القاضي أبو بكر الباقلاني رؤية الله تعالى في المنام أوهام وخواطر في القلب
بأمثال لا تليق به سبحانه وتعالى عنها وقال الغزالي في بعض كتبه إن ذلك لا يوهم
رؤية الذات عند الأكثرين فإن توهم شخص خلاف الحق فسر له معناه
قال
والخلاف عائد إلى إطلاق اللفظ بعد الاتفاق على حصول المعنى إذ ذات الله غير مرئية
فإن المرئي مثال والله يضرب الأمثال لذاته وهو منزه عن المثل
ومنها
أن رؤية الله تعالى قال جماعة أنها مستحيلة لأن ما يرى في المنام خيال ومثال وكل
منهما على القديم محال
ومنها
ما أجاب به المجيب المذكور فإنه مصيب انتهت عبارة الفتاوى
وقال
العارف بالله عبد الله بن أبي حمزة في كتابه (بهجة النفوس( شرح مختصره لصحيح
البخاري عن قول النبي صلى الله عليه وسلم [تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ومن رآني
في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل صورتي فمن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ
مقعده من النار]
واختلف
العلماء في هذا
فمنهم
من قال أن الصورة التي لا يتمثل الشيطان عليها هي الصفة التي توفى صلى الله عليه
وسلم عليها حتى قالوا ويكون في لحيته عدة تلك الشعرات البيض التي كانت فيها
وقال
بعضهم وحتى تكون رؤياه له في دار الخيزران وهذا تحكم على عموم الحديث وتضييق
للرحمة الواسعة
ومنهم
من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته عليه الصلاة والسلام أصلاً جملة كافية فمن
رآه في صورة حسنة فذلك حسن في دين الرائي وإن كان في جارحة من جوارحه شين فتلك
الجارحة من الرائي فيها خلل من جهة الدين وهذا هو الحق
وقد
جرب هذا فوجد على هذا الأسلوب سواء بسواء ولم ينكر وبهذا تحصل الفائدة الكبرى في
رؤياه عليه الصلاة والسلام حتى يتبين للرائي هل عنده خلل في دينه أو لا؟ لأنه صلى
الله عليه وسلم نور فهو مثل المرآة الصقلية ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره
تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين
وكذلك
ذكروا في كلامه عليه الصلاة والسلام في النوم أنه يُعرض على سننه عليه الصلاة
والسلام فما وافقها مما سمعه الرائي فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فإنه
صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً
كثيراً فتكون رؤيا الذات المباركة حقاً ويكون الخلل قد وقع في سمع الرائي وهو الحق
الذي لا شك فيه
قال
رحمه الله وهل تحمل الخواطر التي تخطر لأرباب القلوب بتمثيله صلى الله عليه وسلم
في بعض المخاطبات التي يخاطبون بها على لسانه عليه الصلاة والسلام وتشكل صورته
المباركة في عالم سرائرهم في بعض المحاضرات والمحادثات التي من عادة طريقهم
المبارك على أنها مثل رؤيا المنام فتكون حقاً أم لا؟
فاعلم
وفقنا الله وإياك أن خواطر أرباب القلوب حق بحسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية وأنها
أصدق من مرائي غيرهم لمِا منَّ عليهم من تنويرها وبركتها دون إشارة من قبله صلى
الله عليه وسلم ورؤياه صلى الله عليه وسلم من مبارك وغيره حق فكيف بهما إذا اجتمعا
فذلك تأكيد في صدقها وقد بيَّنا خواطر الرجال في غير ما موضع من الكتاب فإذا اجتمع
ما ذكرنا من تشكل صورته المباركة أو كلامه المبارك للمباركين فقد اجتمع على تصديق
ذلك أدلة الكتاب والسنة وكفى في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام [فإن الشيطان لا
يتمثل صورتي] لأنه لفظ عام ولأجل حمل العام على عمومه وما نفاه عليه الصلاة
والسلام من طريق الباطل الذي هو طريق الشيطان وتخيلاته لم يبق أن يكون إلا حقاً
لكن بشرط أن يُعرض على كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فما وافق فامض
وإلا فلا. أ. هـ
وقال
رحمه الله في شرحه المذكور عند قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي]
ظاهر
الحديث يدل على حكمين
أحدهما:
أنه من رآه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة
والثاني:
الإخبار بأن الشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام والكلام عليه من وجوه: منها
أن يقال
هل
هذا على عمومه في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد مماته أو كان في حياته ليس إلا؟
وهل
يتمثل بغيره من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أو هذا من
الأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام؟
وهل
ذلك لكل من رآه مطلقاً أو خاصاً بمن فيه الأهلية والإتباع لسننه عليه الصلاة
والسلام؟
أما
قولنا هل هو على العموم في حياته عليه الصلاة والسلام وفي مماته أو في حياته لا
غير؟
اللفظ
يعطي العموم ومن يدعي الخصوص به فبغير مخصص منه صلى الله عليه وسلم وقد وقع من بعض
الناس عدم التصديق بعمومه وقال على ما أعطاه عقله وكيف يكون من هو في دار البقاء
يُرى في دار الفناء وفي هذا القول من المحذور وجهان خطران
أحدهما:
أنه قد يقع في عدم التصديق بعموم قول الصادق عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن
الهوى
والثاني:
الجهل بقدرة القادر وتعجيزه كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله
عز وجل {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فضرب قبر الميت أو هو نفسه ببعض
البقرة فقام حياً سوياً وأخبرهم بقاتله وذلك بعد أربعين سنة على ما ذكره أهل العلم
لأن بني إسرائيل تأخر أمرهم في طلب البقرة على الصفة التي نعتت لهم أربعين سنة
وحينئذ وجدوها.
وكما
أخبر أيضاً في السورة نفسها في قصة العزير وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في
الأربعة من الطير وكيف قص علينا في شأنهما
فالذي
جعل ضرب الميت ببعض البقرة سبباً لإحيائه وجعل دعاء إبراهيم سبباً لإحياء الطيور
وجعل تعجب العزير سبباً لإحيائه وإحياء حماره بعد بقائه مائة سنة ميتاً قادر أن
يجعل رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم في النوم سبباً لرؤيته في اليقظة.
وقد
ذكر عن بعض الصحابة وأظنه ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه
وسلم في النوم فتذكر هذا الحديث وبقي متفكراً فيه ثم دخل على بعض أزواج النبي صلى
الله عليه وسلم وأظنها ميمونة فقص عليها القصة فقامت وأخرجت له جِبة ومرآة وقالت
له هذه جِبته وهذه مرآته صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه فنظرت في المرآة
فرأيت صورة النبي عليه الصلاة والسلام ولم أر لنفسي صورة.
وقد
ذُكر عن السلف والخلف إلى هلم جرا عن جماعة ممن كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في
النوم وكانوا يحملون هذا الحديث على ظاهره فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن
أشياء كانوا منها متخوفين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون
فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
والمنكر
لهذا لا يخلو أن يصدق بكرامات الأولياء أو يكذب بها
فإن
كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة
وقد تكلمنا على هذا أول الكتاب وبينَّاه بما فيه كفاية بفضل الله تعالى
وإن
كان مصدقاً بها فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يُكشف لهم بخرق العادة عن أشياء
في العالمَين العلوي والسفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك.
وأما
قولنا هل جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مثله عليه الصلاة والسلام في
ذلك لا يتمثل الشيطان على صورهم أو هذا خاص به صلوات الله عليه وعليهم أجمعين؟
فليس
في الحديث ما يدل على الخصوص قطعاً ولا على العموم قطعاً ولا هذه الأمور مما يؤخذ
بالقياس ولا بالعقل
وما
يُعلمْ من علو مكانتهم عند الله تعالى يُشعرْ أن العناية تعمهم أجمعين لأنهم صلوات
الله وسلامه عليهم أتوا إلى إزالة الشيطان وحزبه فأشعر ذلك أن الشيطان لا يتمثل
بصورهم المباركة كما أخبر عليه الصلاة والسلام في كرامته وكرامتهم أن لحومهم على
الأرض حرام حتى تُخرجهم كما جعلوا فيها كذلك يساوونه في هذه الكرامة والله أعلم.
وأما
قولنا هل ذلك على عمومه لكل من رآه عليه الصلاة والسلام أو خاص؟
فاعلم
أن الخبر المقطوع به والمنصوص عليه والمشار إليه بأدلة الشرع وقواعده إنما هو لأهل
التوفيق
ويبقى
في غيرهم على طريق الرجاء للجهل بعاقبتهم فلعلهم ممن سبقت لهم سعادة الأزل فلا
تقطع باليأس عليهم من الخير لا سيما مع قوله عليه الصلاة والسلام [إن أحدكم ليعمل
بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبين الجنة إلا شبراً أو ذراع فيسبق عليه الكتاب
فيعمل بعمل أهل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبين النار
إلا شبراً أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة] لكن كيف يراه من لا
يصدق بقوله هذا من طريق الأدلة بعيد
وأما
من فيه مخالفة لسننه عليه الصلاة والسلام فاختلف العلماء في رؤياه له صلى الله
عليه وسلم إذا إدعى أنه رآه هل هي حق أم لا؟ وقد تقدم البحث على هذا في الكتاب
فكيف تكون الرؤية في اليقظة مع عدم التسليم في رؤيا النوم هذا فيه ما فيه.
وفي
هذا الحديث إشارة وهي أنه لمَّا أخبر صلى الله عليه وسلم أن في آخر الزمان من أمته
من يود أنه خرج من أهله وماله بأن يكون رآه أبقي لهم هذا التأنيس العظيم بأنه من
رآه في النوم فسيراه في اليقظة فطَمِعَتْ لذلك نفوس المحبين الصادقين المصدقين
فرأوا ما به أُخْبِروا كما به أَخْبَروا لكن صاحب الشك لا يثبت له في خيرٍ قدم
وإذا تتبعت أحوال الذين روي عنهم أنهم رأوه صلى الله عليه وسلم تجدهم مع التصديق
بهذا الحديث محبين فيه صلى الله عليه وسلم حباً يزيدون فيه على غيرهم.
وقد
صح عندي عن بعض الأشخاص الذين ذكرتهم قبل في أول الكلام على هذا الحديث أنه صح
عنده من طريق لا شك فيه أنه لمَّا رآه في بعض مرائيه أقبل عليه صلى الله عليه وسلم
إقبالاً عجيباً فقال له يا رسول بمَ استوجبت أنا هذا فقال له صلى الله عليه وسلم
بحبك فيْ فلم يجعل له سبباً إلى رفع منزلته غير حبه له
وهنا
إشارة لو عرفها المنكر ما أنكر وذلك أن المحب فيمن أحبه فانٍ قد أخرجه الاشتغال
بمن أحبه عن هذه الدار وأهلها فلما كان معدوداً في الفانين لحق بدار أهل البقاء
برؤية أهلها والتنعم بمشاهدتهم وكانت جثته في هذه الدار كظاهر القبر في الدنيا
وباطنه في الآخرة لأنه أول منزل من منازل الآخرة وقد تلوح مراراً على ظاهر القبر
علامات مما هو داخله من خير أو غيره وهذا من الشهرة بين الناس خلف عن سلف بحيث لا
يحتاج أن نذكر له حكاية ولا خبراً
وفي
هذا دليل على قدرة الله تعالى كيف جعل للشيطان القدرة على أن يتصور في أي صورة شاء
ويتشبه بمن شاء يؤخذ ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام [ولا يتمثل الشيطان بي] فدل
على أنه يتمثل الشيطان بغيره
ومثل
ذلك جاء عن الملائكة عليهم السلام أن الله عز وجل أعطاهم التطور يتمثلون على أي
صورة شاؤا
فانظر
إلى ما بين حالة المَلَكْ وحالة الشيطان وقد أُعْطِيَا معاً هذه الحالة العجيبة
فمن
أجل هذا لم يلتفت أهل التوفيق إلى الكرامات بخرق العادات وطلبوا التوفيق لما به
أُمِرُوا ولَطَفَ الله بهم في الدنيا والآخرة لأن خرق العادة قد يكون للصديق
والزنديق وهي للزنديق من طريق الإملاء والإغواء وإنما يقع التفرقة بين ما هو منها
كرامة أو بلاء وإغواء بالاتباع للكتاب والسنة.
وقال
رحمه الله في شرحه المذكور عند قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في المنام فقد
رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي]
و
[رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة] بعد كلام
أما
قولنا ما الحكمة في أن قال في هذا الحديث على إحدى الروايتين [فإن الشيطان لا
يتخيل بي] وفي الذي قبله [ولا يتمثل الشيطان بي]؟
فنقول
والله الموفق للصواب إن مقتضى الحديثين يدل على أن الشيطان له مع الذي يترائى له
في النوم حالتان
إحداهما:
أن يتصور ويتطور ويتمثل بنفسه للذي يترائى له على الصورة التي يريد ما عدا صورة
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
وأنه
مرة أخرى يوهم للذي يترائى له أنه على صورة ما وهو في ذاته على صورته التي هو
عليها لم يتغير عنها ومثل هذا يشاهده الناس من الذين يشتغلون بالسحر في هذا العالم
يرى الناظرون أشياء على خلاف ما هي عليه والشيء في نفسه على ما هو عليه لم يتغير
وفيه
دليل على ما ذكرناه في الأحاديث قبل حين أوردنا من السؤال هل يلحق بذلك تشكله عليه
الصلاة والسلام في خواطر المباركين وأصحاب القلوب والخواطر أم لا؟
فهذا
يدل على أنه كما لا يتمثل على صورته عليه الصلاة والسلام كذلك لا يتخيل بها لا في
كلام ولا في خاطر ولا في نوع من الأنواع لأنك إذا نظرت لا تجد ما يتخيل به إلا
قسمين
إما
بالذات أو بما يدل على الذات من كلام أو إشارة أو حديث في السر أو خاطر في القلب
فدل بالحديث الذي قبل هذا على منعه من التمثيل بصورته عليه الصلاة والسلام
المباركة وأنه يتصور على صورة غيره ودل بهذا الحديث على أنه لا يتخيل بشيء مما يدل
عليه من جهة ما من صفة من الصفات أو لمحة من اللمحات أو خطرة من الخطرات أو إشارة
من الإشارات وإن الله عز وجل قد منعه من هذا كله وأنه في غير جهة سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم يعمل من ذلك كله ما شاء وإن الله عز وجل قد أعطاه ذلك وهذه بشارة
عظيمة
والبحث
في هذا التخييل في حق غير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام كالبحث في الحديث قبله وهذا كله يشترط فيه وهو ما قدمنا ذكره فيما تقدم عن
العلماء في أن كل ما يقع من الأمر والنهي والزجر والمخاطبة وغير ذلك فإنه يُعرض
على سنته عليه الصلاة والسلام فما وافقها مما سمعه الرائي فهو حق وما خالفها
فالخلل في سمع الرائي فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى {وَلَوْ كَانَ
مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} فتكون رؤيا
الذات المباركة حقاً ويكون الخلل قد وقع في سمع الرائي وهو الحق الذي لا شك فيه
فكذلك فيما نحن بسبيله من تشكله عليه الصلاة السلام للمباركين في أسرارهم ورؤيته
عليه الصلاة والسلام في اليقظة ومخاطبته عليه الصلاة والسلام والخواطر التي تمر
بهم من قِبَلِه وما يقع من هواجس النفوس من قِبَلِه عليه الصلاة والسلام فكل ذلك
يُعرض على كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام كما تقدم والله الموفق للصواب
وفيه
دليل على عظم قدرة القادر سبحانه مثلما تقدم قبل
وفيه
بشارة للمحبين فيه عليه الصلاة والسلام المتبعين له فإنه إذا كانت رؤياه عليه
الصلاة والسلام حقاً فكل ما يكون من إشارة أو خطرة هو عليه الصلاة والسلام فيها أو
منه أتت فإنها حق على الشرط المذكور فزادهم بهذا فرحاً إلى فرح جعلنا الله منهم
بمَنِه في الدارين في عافية لا رب سواه انتهت عبارة شرح ابن أبي حمزة ومنه نقلت.
وقال
العلامة ابن حجر في شرح (شمائل( الترمذي عند قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في
المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي] وفي رواية لمسلم [إنه لا ينبغي
للشيطان أن يتمثل بصورتي] وفي رواية للبخاري [فإن الشيطان لا يتكونني] وفي أخرى له
[لا يترائى بي] أي لا يستطيع أن يتمثل بي لأن الله تعالى وإن مكَنه من التصور بأي
صورة أراد لم يُمكنه أن يتصور بصورته صلى الله عليه وسلم
قال
جماعة:
محل
هذا إذا رآه صلى الله عليه وسلم في صورته التي كان عليها
وبالغ
بعضهم فقال:
في
صورته التي قبض عليها
ومن
هؤلاء ابن سيرين رحمه الله تعالى فإنه صح عنه أنه كان إذا قُصتْ عليه رؤياه قال
للرائي صف لي الذي رأيته فإن وصف له صفة لم يعرفها قال لم تره
ويؤيده
حديث عاصم بن كليب ولفظه عند الحاكم بسند جيد [قلت لابن عباس رضي الله عنهما رأيت
النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال صفه لي فقال فذكرتُ الحسن بن علي فشبهته
به فقال قد رأيته]
ولا
يعارضه خبر [من رآني في المنام فقد رآني فإنني أرى في كل صورة] لأنه ضعيف
وقال
آخرون: لا يشترط ذلك
منهم
ابن العربي رضي الله تعالى عنه قال ما حاصله:
رؤيته
عليه السلام بصفته المعلومة إدراك للحقيقة وبغيرها إدراك للمثال فإن الصواب أن
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تغيرهم الأرض فإدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك
الصفات إدراك للمثال
ومعنى
قوله [فسيراني] تفسير [من رآني] لأنه حق وغيب
وقوله
[فكأنما رآني] أي أنه لو رآني يقظة لطابق ما رآه نوماً فيكون الأول حقاً وحقيقة
والثاني حقاً وتمثيلاً هذا إن رآه بصفته المعروفة وإلا فهو مثال فإن رآه مقبلاً
عليه مثلاً فهو خير للرائي وعكسه بعكسه
ومنهم
القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث قال:
قوله
[فقد رآني] أو [فقد رأى الحق] يحتمل أن المراد به أن من يراه بصورته المعروفة في
حياته كانت رؤياه حقاً ومن رآه بغير صورته كانت رؤيا تأويل
وتعقبه
النووي رحمه الله تعالى فقال:
هذا
ضعيف بل الصحيح أنه رآه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها.
وأجاب
عنه بعض الحفاظ:
بأن
كلام القاضي عياض لا ينافي ذلك بل ظاهر كلامه أنه رآه حقيقة في الحالين لكن في
الأول لا تحتاج تلك الرؤيا إلى تعبير وفي الثانية تحتاج إليه
ومنهم
الباقلاني وغيره:
فإنهم
ألزموا الأولين بأن من رآه بغير صفته تكون رؤياه أضغاثاً
وهو
باطل إذ من المعلوم أنه يُرى نوماً على حالته اللائقة به محافظة لحالته في الدنيا
ولو تمكن الشيطان من التمثل بشيء مما كان عليه أو يُنسب إليه لعارض عموم قوله [فإن
الشيطان لا يتمثل بي] فالأولى تنزيه رؤياه ورؤيا شيء مما نُسب إليه عن ذلك فإنه
أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في اليقظة فالصحيح أن رؤيته في
كل حال ليست باطلة ولا أضغاثاً بل هي حق في نفسها وإن رئي بغير صفته إذ تُصوَّر
تلك الصورة من قبل الله تعالى فعُلم أن الصحيح بل الصواب كما قاله بعضهم أن رؤياه
حق على أي حالة فرضت
ثم
إن كان بصورته الحقيقة في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهولته أو آخر
عمره لم يحتج إلى تأويل وإلا احتاجت لتعبير يتعلق بالرائي
ومن
ثم قال بعض علماء التعبير:
من
رآه شيخاً فهو غاية سلم
ومن
رآه شاباً فهو غاية حرب
ومن
رآه مبتسماً فهو متمسك بسنته
وقال
بعضهم:
من
رآه على هيئته وحالة كان دليلاً على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره ممن عاداه
ومن
رآه متغير الحال عابساً كان دليلاً على سوء حال الرائي
قال
ابن أبي جمرة:
رؤياه
في صورة حسنة حسن في دين الرائي
ومع
شين أو نقص في بعض بدنه خلل في دين الرائي
لأنه
كالمرآة الصقلية ينطبع فيها ما قابلها وإن كانت ذاتها على أحسن حال وأكمله وهذه
الفائدة الكبرى في رؤيته صلى الله عليه وسلم إذ بها يُعرف حال الرائي
وقال
غيره:
أحوال
الرائي بالنسبة إليه مختلفة إذ هي رؤيا بصيرة لا عين ورؤيا البصيرة لا تستدعي حصر
المرء بل يٌرى شرقاً وغرباً وأرضاً وسماءً كما ترى الصورة في مرآة إذا قابلتها
وليس جرمها منتقلاً كجرم المرآة فاختلاف رؤيته كأن يراه إنسان شيخاً وآخر شاباً في
حالة واحدة كاختلاف الصورة الواحدة في مرائي مختلفة الأشكال والمقادير فتكبر وتصغر
وتعوج وتطول في الكبيرة والصغيره والمعوجة والطويلة وبهذا عُلِمَ جواز رؤية جماعة
له صلى الله عليه وسلم في آن واحد من أقطار متباعدة وأوصاف مختلفة
وأجاب
عن هذا أيضاً البدر الزركشي:
بأنه
صلى الله عليه وسلم سراج ونور والشمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم كلها
فكما أن الشمس يراها كل من في المشرق والمغرب في ساعة واحدة بصفات مختلفة كذلك هو
صلى الله عليه وسلم
ومن
الغلو والحماقة كما قاله ابن العربي قول بعضهم أن الرؤيا في النوم بعين الرأس وعين
بعض المتكلمين أنها مدركة بعينين في القلب وأنه ضرب من المجاز
وحكى
ابن أبي جمرة والبارزي واليافعي وغيرهم عن جماعات من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى
الله عليه وسلم كذلك عن أماثل كالإمام عبد القادر الجيلاني كما في (عوارف المعارف(
والإمام أبي الحسن الشاذلي كما حكاه عنه التاج ابن عطاء الله ولصاحبه أبي العباس
المرسي والإمام على الوفائي والقطب القسطلاني والسيد نور الدين الإيجي
وجرى
على ذلك الغزالي فقال في كتابه (المنقذ من الضلال(:
وهم
يعني أرباب القلوب في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتاً
ويقتبسون منهم فوائد. انتهى كلام الغزالي.
ودعوى
الأهدل استلزام ذلك خروجه من قبره الشريف غير صحيحة لأن من كرامات الأولياء أن
الله يخرق لهم الحجب فلا مانع عقلاً ولا شرعاً ولا عادة أن الولي وهو بأقصى المشرق
أو المغرب يكرمه الله تعالى بأن لا يجعل بينه وبين الذات الشريفة وهي في محلها في
القبر الشريف المنيف ساتراً ولا حاجباً بأن يجعل تلك الحجب كالزجاج الذي يحكي ما
وراءه وحينئذ يقع نظره عليه صلى الله عليه وسلم ونحن نعلم أنه صلى الله عليه وسلم
حي في قبره يصلي وإذا أكرم إنسان بوقوع بصره على ذاته الشريفة فلا مانع أن يكرم
بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن أشياء وأنه يجيب عنها وهذا كله غير منكر شرعاً ولا
عقلاً
وقال
صاحب (فتح الباري( وهذا مشكل جداً ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء
الصحبة إلى يوم القيامة
ويرد
بأنا قررنا ما يعلم به أنه لا إشكال في ذلك بوجه ودعواه تلك الملازمة ليست في
محلها كيف والشرط في الصحابي أن يكون رآه في حياته صلى الله عليه وسلم حتى اختلفوا
فيمن رآه بعد موته وقبل دفنه هل يسمى صحابياً أو لا على أن هذا أمر خارق للعادة
والأمور التي كذلك لا تغير لأجلها القواعد الكلية
ونُوزِعَ
في ذلك أيضاً بأنه لم يُحكَ ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم وبأن فاطمة اشتد
حزنها عليه صلى الله عليه وسلم حتى ماتت كمداً بعده بستة أشهر وبيتها مجاور لضريحه
الشريف صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدة
ويرد
أيضاً بأن عدم نقله لا يدل على عدم وقوعه فلا حجة في ذلك كما قُرِرَ في محله وكذلك
موت فاطمة رضي الله عنها كمداً لأنه يكرم المفضول بما لا يكرم به الفاضل.
وتأويل
الأهدل وغيره ما وقع للأولياء من ذلك بأنه إنما هو في حال غيبتهم فيظنونه يقظة فيه
إساءة ظن بهم حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة وهذا لا يظن بأدون العقلاء
فكيف بالأكابر
وعجيب
قوله في قول العارف أبي العباس المرسي [لو حجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم
طرفة عين ما عددت نفسي مسلماً] وهذا فيه تجوز أي لم يحجب عني حجاب غفلة ولم يرد
أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين فذلك مستحيل
فيقال
له دعواك الإستحالة إن عنيت بها الإستحالة العقلية فباطل أو الشرعية فمن أى دليل
أو قاعدة أخذت ذلك كلا لا استحالة في ذلك بوجه كما قدمناه. انتهى كلام ابن حجر في
شرح (الشمائل(
وعبارته
في خاتمة الفتاوى
وسُئل
نفع الله به هل تمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟
فأجاب
بقوله
أنكر
ذلك جماعة
وجوزه
آخرون وهو الحق
فقد
أخبر بذلك من لا يُتهمْ من الصالحين بل استدل بحديث البخاري [من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة] أي بعيني رأسه وقيل بعين قلبه واحتمال إرادة القيامة بعيد من
لفظ اليقظة على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من
رآه في المنام ومن لم يره.
وفي
شرح ابن أبي جمرة للأحاديث التي انتقاها من البخاري ترجيح بقاء الحديث على عمومه
في حياته ومماته لمن له أهلية الاتباع للسنة ولغيره ومن يدعي الخصوص بغير تخصيص
منه صلى الله عليه وسلم فقد تعسف ثم ألزم مُنْكِر ذلك بأنه غير مُصدِق بقول الصادق
وبأنه جاهل بقدرة القادر وبأنه مُنْكِر لكرامات الأولياء مع ثبوتها بدلائل السنة
الواضحة
ومراده
بعموم ذلك وقوع رؤية اليقظة الموعود بها لمن رآه في النوم ولو مرة واحدة تحقيقاً
لموعده الشريف الذي لا يُخلف وأكثر ما يقع ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار فلا
تخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده
وأما
غيرهم فيحصل لهم ذلك قبل ذلك بقلة أو بكثرة بحسب تأهلهم وتعلقهم وإتباعهم للسنة إذ
الإخلال بها مانع كبير
وفي
صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه [أن الملائكة كانت تسلم عليه إكراماً له
لصبره على ألم البواسير فلما كواها انقطع سلام الملائكة عنه فلما ترك الكي أي بريء
كما في رواية صحيحة عاد سلامهم عليه] فلكون الكي خلاف السنة منع تسليمهم عليه مع
شدة الضرورة إليه لأنه يقدح في التوكل والتسليم والصبر.
وفي
رواية البيهقي [كانت الملائكة تصافحه فلما كوى تنحت عنه]
وفي
كتاب (المنقذ من الضلال( لحجة الاسلام بعد مدح الصوفية وبيان أنهم خير الخلق
حتى
أنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً
ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها
نطاق النطق.
وقال
تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي
ورؤية
الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة.
وفي
(المدخل( لابن الحاج المالكي
رؤيته
صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق وقلَّ من يقع له ذلك إلا من كان على صفةٍ
عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالباً مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من
الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم
قال:
وقد أنكر بعض علماء الظاهر ذلك محتجاً بأن العين الفانية لا ترى العين الباقية وهو
صلى الله عليه وسلم في دار البقاء والرائي في دار الفناء
ورد
بأن المؤمن إذا مات يرى الله وهو سبحانه لا يموت والواحد منهم يموت في كل يوم
سبعين مرة
وأشار
البيهقي إلى رده بأن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج.
قال
المارزي:
وقد
سمع جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة
حياً بعد وفاته.
ونقل
اليافعي وغيره عن الشيخ الكبير أبي عبد الله القرشي
أنه
وقع بمصر غلاء كبير فتوجه للدعاء برفقة فقيل لا تدعُ فلا يسمع لأحد منكم في هذا
الأمر دعاء
قال:
فسافرت إلى الشام فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة
والسلام تلقَّاني فقلت يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر فدعا لهم
ففرج الله عنهم.
قال
اليافعي: فقوله تلقَّاني الخليل قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يَرِد عليهم
من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير
أموات كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من الأنبياء في السماء وسمع
خطابهم وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي
وحكى
ابن الملقن في (طبقات الأولياء( أن الشيخ عبد القادر الجيلي قال
رأيت
النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر
فقال
لي يا بني لم لا تتكلم؟
قلت
يا أبتاه أنا رجل أعجمي كيف أتكلم على فصحاء بغداد؟
فقال
لي افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعا وقال تكلم على الناس و {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}
فصليت
الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فارتجَّ عليَّ فرأيت علياً قائماً بإزائي في المجلس
فقال
يا بني لم لا تتكلم؟ فقلت يا أبتاه قد ارتجَّ عليَّ؟
فقال
افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستاً
قلت
لم لا تكملها سبعاً؟
قال
أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توارى عني فتكلمت.
وذُكر
في ترجمة جماعة غيره أن كل واحد منهم كان كثير الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم
يقظة ومناماً وذُكر منهم الكمال الأدفوي ممن أخذ عنهم ابن دقيق العيد وغيره.
وقال
التاج ابن عطاء الله عن شيخه الكامل العارف أبي العباس المرسي
صافحت
بكفي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى
ابن فارس عن سيدي علي وفا قال
كنت
وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل فأتيته مرة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم
يقظة لا مناماً وعليه قميص أبيض قطن ثم رأيت القميص عليَّ فقال لي اقرأ فقرأت عليه
سورة والضحي وألم نشرح ثم غاب عني فلما أن بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت بصلاة الصبح
بالقرافة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قبالة وجهي فعانقني فقال {وَأَمَّا
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} فاوتيت لساناً من ذلك الوقت
والحكايات
في ذلك عن أولياء الله كثيرة جداً ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم
وعُلم
مما مر عن ابن العربي
أن
أكثر ما تقع رؤيته صلى الله عليه وسلم بالقلب ثم بالبصر لكنها ليست كالرؤية
المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من
باشره كذا قيل ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته صلى الله عليه وسلم
طائفة في العالم أو تكشف الحجب له بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبره
فينظره حياً فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة
لكن
الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته وعليه يحمل قول الغزالي ليس المراد أن
يرى جسمه وبدنه بل مثالاً له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه
والآلة إما حقيقية وإما خيالية والنفس غير الخيال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو
روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا هو شخصه بل هو مثال له على التحقيق
قال:
ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي
تعريفاتهم إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقاً في
كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله في المنام لا يعني أني رأيت ذات
الله تعالى كما يقول في حق غيره. أ. هـ كلام ابن حجر
قال:
ثم رأيت ابن العربي صرح بما ذكرته من أنه
لا
يمتنع رؤية ذات النبي صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده لأنه وسائر الأنبياء أحياء
رُدت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأُذِنَ لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في
الملكوت العلوي والسفلي
ولا
مانع من أن يراه كثيرون في وقت واحد لأنه كالشمس
وإذا
كان القطب يملأ الكون كما قاله التاج ابن عطاء الله فما بالك بالنبي صلى الله عليه
وسلم
ولا
يلزم ذلك أن الرائي صحابي لأن شرط الصحبة الرؤية في عالم الملك وهذه رؤيته وهو في
عالم الملكوت وهي لا تفيد صحبة وإلا لثبتت لجميع أمته لأنهم عُرِضوا عليه في ذلك
العالم فرآهم ورأوه كما جاءت به الأحاديث. انتهت عبارة فتاوى ابن حجر
وذكر
رحمه الله مثل ذلك في شرحه على همزية الإمام البوصيري عند قوله
ليته
خصني برؤية وجه ***** زال عن كل من رآه الشقاء
وقال
في آخر كلامه هناك
ولقد
كان شيخي وشيخ والدي الشمس محمد بن أبي الحمائل يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة
كثيراً حتى يقع له أنه يُسأل في الشيء فيقول حتى أعرضه على النبي صلى الله عليه
وسلم ثم يُدخل رأسه في جيب قميصه ثم يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه كذا
فيكون كما أخبر لا يختلف ذلك أبداً فاحذر من إنكار ذلك فإنه السم الوحيَ. أ. هـ
وقال
العلامة المناوي في شرح (الشمائل( في شرح قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في
المنام فقد رآني] رواية مسلم [فسيراني في اليقظة] أو [فكأنما رآني في اليقظة] أو
[فقد رأى الحق]
أي
من رآني نوماً بأي صفة كانت فليعلمْ أنه رأى الرؤيا الحق أي رؤية الحق لا الباطل
لأن اتحاد الشرط والجزاء دلَّ على غاية الكمال وتناهي المبالغة أي من رآني فقد رأى
حقيقتي على كمالها لا شبهة ولا ريب فيما رأى فهو على التشبيه والمرئي ليس روحه ولا
شخصه بل مثاله على التحقيق ذكره حجة الاسلام
ثم
أردف ذلك بما هو كالتأكيد للمعنى والتعليل للحكم فقال [الشيطان لا يتمثل بي] أي لا
يستطيع ذلك سواء رآه الرائي على صفته المعروفة أو غيرها على المنقول المقبول عند
ذوي العقول لأنه سبحانه جعله رحمة للعالمين هادياً للضالين محفوظاً عن وسواس
الشياطين وإذا تنَوَّر العالم بنور وجوده ورُجِمت الشياطين لميلاده وهُدمت بنيان
الكهنة فكيف يتصور أن يتمثل الشيطان بصورته ولو قدر أن يتمثل بصورته لقتل في
الخارج كذلك فرؤياه حق على أي صوة كانت
ثم
ذكر بعض ما تقدم عن ابن أبي جمرة وابن حجر وبعض ما سيأتي عن صدر الدين القونوي.
وقال
الملا علي القاري في شرح (الشمائل( حكى المارزي عن الباقلاني أن حديث رؤية النبي
عليه الصلاة والسلام على ظاهره والمراد من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك
والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره
ثم
قال القاري عند قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان
لا يتمثل بي] رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس
ورواه
أحمد والشيخان عن أبي قتادة بلفظ [من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتراآني]
أي
من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى
ويدل
عليه قوله صلى الله عليه وسلم [فقد رأى الحق]
أي
من رآني فقد رأى حقيقة صورتي الظاهرة وسيرتي الباهرة فإن الشيطان لا يتمثل بي أي
لا يستطيع أن يتصور بشكلي الصوري وإلا فهو بعيد عن التمثل المعنوي
قال
رحمه الله ثم اعلم أن الله سبحانه وتعالى كما حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم حال
اليقظة من تمكُن الشيطان منه وإيصال الوسوسة فكذلك حفظه الله بعد خروجه من دار
التكليف فإنه لا يقدر أن يتمثل بصورته وأن يتخيل للرائي بما ليس هو فرؤية الشخص في
المنام إياه صلى الله عليه وسلم بمنزلة رؤيته في اليقظة في أنها رؤية حقيقته لا
رؤية شخص آخر لأن الشيطان لا يقدر أن يتمثل بصورته صلى الله عليه وسلم ويتشكل بها
ولا أن يتشكل بصورة نفسه ويتخيل إلى الرائي أنها صورته صلى الله عليه وسلم فلا
احتياج لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بأي صورة كانت أن يُعبَّر هذا
ويظن أنه شيء آخر وإن رآه بغير صورته في حياته صلى الله عليه وسلم على ما ذكره
مَيْرَك
فإن
قيل قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير في حالة واحدة على وجوه مختلفة
قلنا
هذه الاختلافات ترجع إلى اختلاف حال الرائين لا إلى المرئي كما في المرآة فمن رآه
مبتسماً يدل على أنه يستن بسنته صلى الله عليه وسلم ورؤيته غضبان على خلاف ذلك ومن
رآه ناقصاً يدل على نقصان إتباعه سنته فإن الناظر يرى الطائر الأبيض مثلاً وراء
الزجاج الأخضر ذا خضرة وقس على هذا قاله صاحب (الأزهار( وهو في غاية التحقيق
ونهاية التدقيق
إلا
أنه قد ترجع إلى محل المرأى كما روي أنه صلى الله عليه وسلم [رُئِىَ في قطعة من
مسجد كأنه ميت] فعبَّره بعض العارفين بأن دخول تلك البقعة في المسجد ليس على طريق
السنة ففتش عنها فوجدت أنها كانت مغصوبة
ثم
قال عند قوله صلى الله عليه وسلم [فقد رأى الحق]
أي
الرؤية المتحققة الصحيحة أي الثابتة لا أضغاث فيها ولا أحلام ذكره الكرماني
وقال
الطيبي الحق هنا مصدر مؤكد أي من رآني فقد رآني رؤية الحق ويؤيده أنه جاء هكذا في
رواية
وقال
زين العرب الحق ضد الباطل فيصير مفعولاً مطلقاً تقديره فقد رأى الرؤية الحق
وقال
مَيْرَك قيل الحق مفعول به وفيه تأمل انتهى
ولعل
وجه التأمل أنه أراد به ضد الباطل فلا يصح أن يكون مفعولاً مطلقاً
نعم
يصح أن يراد به الحق سبحانه على تقدير مضاف أي رأى مظهر الحق أو مظهره أو من رآني
فسيرى الله سبحانه لأن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسيراه يقظة في
دار السلام فيلزم منه أنه يرى الله في ذلك المقام ولا يبعد أن يكون المعنى من رآني
في المنام فسيرى الله في المنام فإن رؤيتي له مقدمة أو مبشرة لذلك المرام. أ. هـ
وقال
العارف بالله سيدي صدر الدين القونوي في شرحه على (الأحاديث الأربعين( الذي ألفه
على لسان أهل الحقيقة ولم يكمله بل وقف عند السابع والعشرين قال:
الحديث
العشرون: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من رآني في
المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي]
وفي
رواية [فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي]
وفي
رواية [فإن الشيطان لا يتكونني]
وفي
أخرى [من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يترائى بي]
كَشْفُ
سِرِه وإيضاح معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن ظهر لجميع أحكام أسماء الحق
وصفاته تخلقاً وتحققاً فإن من مقتضى مقام رسالته وإرشاده للخلق الذين أرسل إليهم
ودعوته إياهم إلى الحق هو أن يكون الأظهر فيه حكماً وسلطنة من صفات الحق وأسمائه
صفة الهداية والاسم الهادي كما أخبر الحق عن ذلك بقوله {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فهو عليه الصلاة والسلام صورة الاسم الهادي ومظهر صفة
الهداية والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بضفة الضلالة فهما ضدان
وروينا
في بعض الأحاديث مايؤيد هذا المعنى وهو حديث طويل فيه
[أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل
الاجتماع بإبليس ليرى ما عنده وأُحْضِرَ بين يديه وحفت الملائكة بالنبي عليه
الصلاة والسلام تحرسه لئلا يقصده إبليس بسوء
فقال
رسول الله عليه الصلاة والسلام يا إبليس قل ما عندك
فقال
يا محمد إن الله خلقك للهداية وما بيدك من الهداية من شيء وخلقني للغواية وما بيدي
من الغواية من شيء
فأوحى
الله إلى النبي عليه الصلاة والسلام صدقك وإنه لكذوب]
فثبت
بهذا أيضاً أن الشيطان في الحقيقة ضدٌ للنبي عليه الصلاة والسلام والضدان لا
يجتمعان ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر
وأيضاً
فإن النبي عليه الصلاة والسلام خلقه الله للهداية كما مر ولو ساغ ظهور إبليس
بصورته لزال الاعتماد والثقة بكل ما يبديه الحق ويظهره لمن شاهد آيته صلى الله
عليه وسلم فلهذه الحكمة عصم الله صورة النبي عليه الصلاة والسلام من أن يظهر بها
شيطان
فإن
قيل عظمة الحق سبحانه أتم من عظمة كل عظيم فكيف اعتاص (استعصى( على إبليس أن يظهر
بصورة النبي عليه الصلاة والسلام مع أن اللعين قد ترائى لكثيرين وخاطبهم بأنه الحق
طلباً لإضلالهم وقد أضل جماعة بمثل هذا حتى ظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه؟
فأقول
الفرق بين الأمرين من وجهين
أحدهما:
أن كل عاقل يعلم أن الحق ليست له صورة معينة توجب الإشتباه بخلاف النبي عليه
الصلاة والسلام فإنه ذو صورة معينة معلومة مشهودة.
والوجه
الآخر: أن مقتضى حكم سعة الحق أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما مر التبيه عليه
في الحديث المتضمن محاورة إبليس مع النبي عليه الصلاة والسلام وتصديق الحق إياه في
ذلك الإخبار خصوصاً وأنه أعلمه أنه كذوب وأما النبي عليه الصلاة والسلام فمقيد
بصفة الهداية وظاهر بصورتها فوجبت عصمة صورته من أن يظهر بها الشيطان لبقاء
الاعتماد وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله هدايته به عليه الصلاة والسلام ولولا
ذلك لم يظهر سر قوله {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ولم تحصل
فائدة البعثة فافهم.
غير
أن هنا ميزاناً ودليلاً يجب التنبيه عليهما وهو أن الرؤيا الصحيحة للنبي عليه
الصلاة والسلام هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة بصورته الثابتة حليتها بالنقل
الصحيح وإلى ذلك الإشارة في بعض روايات الحديث [من رآني في المنام فقد رآني] حتى
أنه إن رآه أحد في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه عليه
الصلاة والسلام مثل أن يراه طويلاً أو قصيراً جداً أو يراه أشقر أو شيخاً أو شديد
السمرة ونحو ذلك وحصول الجزم في نفس الرائي أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام ليس
بحجة بل ذلك المرئي هو صورة الشرع بالنسبة إلى إعتقاد الرائي أو حاله أو بالنسبة
إلى صفته أو حكم من أحكام الاسلام أو بالنسبة إلى الموضع الذي رأى فيه ذلك الرائي
تلك الصورة التي ظن أنها صورة النبي عليه الصلاة والسلام وقد جربنا ذلك كثيراً في
نفسنا وفي غيرنا وسمعنا من شيوخنا أيضاً ما يؤيد ذلك مراراً شتى
من
جملتها أن شيخنا الإمام الأكمل محيي الدين بن محمد بن علي بن العربي رضي الله عنه
حكى لي في هذا الباب أنه رأى مرة في صباه في المنام في جامع إشبيليه وهي بلدة من
بلاد الأندلس النبي عليه الصلاة والسلام ميتاً مسجَّى في بعض زواياه فلما كان بعد
ذلك بسنين ودخل الشيخ طريق أهل الله وترك المُلك وما كان بيده من الدنيا واشتغل
وفتح الله عليه قُدِّرَ له أنه دخل ذلك الجامع مع بعض أهل بلده من أهل الفضل
والخير ليعْبُر من أحد أبواب الجامع إلى الجانب الآخر لبعض مصالحه وكان يكره أن
يمر أحد في الجامع ويجعله طريقاً دون أن يحييه بركعتين وحينئذ يقصد الخروج من أي
أبوابه شاء وكان ينهانا معشر الأصحاب أيضاً أن نجعل المساجد ذوات الأبواب المتعددة
طريقاً دون أن نحيي المسجد بركعتين
قال
رضي الله عنه فلما دخلت الجامع مع صاحبي المذكور قلت إني لا أجوز الجامع حتى أركع
فيه ركعتين فقال لي تعال نركع في تلك الزاوية وأشار إلى ذلك الموضع الذي رأيت
النبي عليه الصلاة والسلام فيه ميتاً مسجَّى فأبيت فقال لي لِمَ تتأبى من الصلاة
هناك فقلت إني رأيت النبي عليه الصلاة والسلام وقتاً ما في المنام هناك ميتاً
مسجَّى فأنا أكره الصلاة هناك فتعجب وقال رأيت الحق وسأخبرك عن سر رؤياك اعلم أن
ذلك الموضع كان بيتي وأراد صاحب بلاد المغرب أن يوسع الجامع فرفع أحد حيطانه
واشترى البيوت التي كانت وراءه ليدخلها في جملة المسجد فلم يبقَ إلا بيتي فثامنوني
عليه ولم يعطوني ما أرضى به فأبيت وأخذوه بغير رضاي بما اشتهوا فالذي رأيته لم يكن
النبي عليه الصلاة والسلام وإنما هو شرعه مات بالنسبة إلى هذا الموضع وستر بصورة
المبايعة ولم تكن مبايعة صحيحة بل الموضع كان مغصوباً وأما الآن فأشهدك أني تركت
حقي للمسلمين فتعال نصلي فيه فمضينا وصلينا فيه وخرجنا إلى حاجتنا
وذكر
لي أيضاً في الشام أن رجلاً من الصلحاء رأى في المنام أنه لطم النبي عليه الصلاة
والسلام فانتبه فزعاً وهاله ما رأى مع جلالة النبي عليه الصلاة والسلام عنده فأتى
بعض الشيوخ فعرض عليه رؤياه فقال له الشيخ اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أعظم
من أن يكون لك عليه يد أو لغيرك والذي رأيته لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام
إنما هو شرعه قد أخللت بحكم من أحكامه وكون اللطمة في الوجه يدل أنك ارتكبت أمراً
محرماً من الكبائر فافتكر الرجل في نفسه فلم يذكر أنه أقدم على محرم من الكبائر
وكان من أهل الدين ولم يتهم الشيخ في تعبيره لعلمه بإصابته فيما كان يعبِّره فرجع
إلى بيته حزيناً كئيباً فسألته زوجته عن حزنه وما سببه فأخبرها برؤياه وتعبير
الشيخ فتعجبت الزوجة وأظهرت التوبة وقالت أنا أخبرك كنت حلفت أني إن دخلت دار فلان
أحد معارفه أني طالق فعَبَرتُ على بابهم فحلفوا عليَّ فاستحييت من إلحاحهم فدخلت
إليهم وخشيت أن أذكر لك ما جرى فكتمت الحال فتاب الرجل واستغفر وتضرع إلى الحق
واعتدَّت المرأة ثم جدد العقد عليها.
قال
القونوي رضي الله عنه بعد ما تقدم وأما أنا فرأيت في الليلة التي أُخِذَت بغداد في
صبيحتها النبي عليه الصلاة والسلام مكفناً في نعش وقوم يشدونه على النعش ورأسه
مكشوف وشعره يكاد يمس الأرض فقلت لأولئك ما تصنعون فقالوا إنه مات ونحن نريد حمله
ودفنه فوقع في قلبي أنه عليه الصلاة والسلام لم يمت فقلت لهم ما أرى وجهه وجه ميت
اصبروا حتى نتحقق الأمر فدنوت إلى فمه فوجدته يتنفس نفساً ضعيفاً فصحت عليهم
ومنعتهم مما كانوا عازمين عليه واستيقظت فزعاً كئيباً وعرفت بما كنت أعلم من هذه
المسئلة والتجارب المكررة أن ذلك مثال حادث عظيم حدث في الاسلام
ولما
كان الخبر قد وصل بأن المغول قد قصدوا بغداد وقع لي أنه قد أخذت بغداد فضبطت
التاريخ فجاء غير واحد ممن حضروا الوقعة من أهل الخبرة وذكروا أن ذلك اليوم أخذت
فيه بغداد فخرجت الرؤيا على نحو ما وقع في تعبيرها
ولو
ذكرت ما سمعته من الثقات وما جربته في هذه المسئلة مراراً كثيرة في نفسي وفي غيري
لطال الكلام وإنما ذكرت هذا القدر على سبيل التبيه والأنموذج ومما اشتبه على جماعة
من السالكين طريق الله بسبب ما ذكرنا أنهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام في
زعمهم على ما مرَّ بيانه وأخبرهم بأمور فلم تقع على نحو ما وقع الإخبار به فلما
سألتهم عن حلية الصورة المئية وأخبروني وجدتها مخالفة لحلية صورته الأصلية
فأخبرتهم بالسبب ونبهتهم ففرحوا وتنبهوا
وكما
جربنا هذا النوع المذكور غير مرة كذلك جربنا أنه من رأى النبي عليه الصلاة والسلام
في صورته الأصلية وأخبره بما أخبره فإن ذلك الإخبار لم يخرم ولم يتغير بل وجدناه
نصاً جلياً وروينا عنه أيضاً والحمد لله وحده.
وذكر
القونوي بعد هذا كلاماً طويلاً دقيقاً من سر عالم المثال وسبب رؤية الناس بعضهم
بعضاً في المنام وبيَّن أن تلك الرؤيا تقع على ضروب وأنحاء متفرقة بحسب المناسبات
وخلاصة ما نحتاج إليه هنا مما قاله
أن
السبب الأقوى لاجتماع الناس بعضهم ببعض من حيث صورهم في هذا العالم ومن حيث نفوسهم
في العوالم العلوية يقظة ومناماً وجود المناسبة وما به الاتحاد
وكثرة
الاجتماع وقلته ترجعان إلى قوة آثارها وضعفها فإن المناسبة قد تثبت بين اثنين من
حيث الصفات والأحوال والأفعال وقد تثبت من حيث الأفعال فحسب وإن انضم إلى ذلك حكم
الاشتراك في الرتبة كان أقوى فإن قُدَّرَ مع ذلك ثبوت المناسبة من حيث الذات فقد
تم الأمر
فمن
ثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الكُمَّل من الأنبياء والأولياء اجتمع بهم متى شاء
يقظة ومناماً
قال
ورأيت ذلك لشيخنا يعني الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي رضي الله عنه سنين
عديدة ورأيت بعض ذلك لغيره
أما
الشيخ رضي الله عنه فإنه كان متمكنا من الاجتماع بروح من شاء من الأنبياء
والأولياء وسائر الماضين على ثلاثة أنحاء
إن
شاء استنزل روحانيته في هذا العالم وأدركه متجسداً في صورة مثالية شيسهة بصورته
الحسية العنصرية التي كانت له في حياته الدنيوية لا ينخرم منها شيء
وإن
شاء أحضره في نومه
وإن
شاء اسنلخ من هيكله واجتمع به حيث تعينت مرتبة نفسه إذ ذاك من العالم العلوي بحسب
رجحان حكم المناسبة الثابتة بين ذلك المرئي وبين بعض الأفلاك على أحكام ما بينه
وبين باقي الأفلاك والعوالم من المناسبات
وهذا
الحال الذي ذكرته من تمكن شيخنا رضي الله عنه هو من آيات صحة الإرث النبوي وإليه
الإشارة بقوله تعالى
{وَاسْأَلْ
مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} فلو لم يكن أي النبي صلى الله عليه وسلم متمكناً
من الاجتماع بهم لم يكن لهذا الخطاب فائدة ولا تستبعد حصول مثل هذا فتفر إلى تأويل
سخيف فغيرك والله قد رأى من غير واحد من هؤلاء هذا ومثله غير مرة. انتهى كلام
الصدر القونوي.
وقال
الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين العربي رضي الله عنه في الباب الثالث والستين
وأربعمائة من (الفتوحات المكية(
رأيت
جميع الرسل والأنبياء كلهم مشاهدة عين وكلمت منهم هوداً أخا عاد دون الجماعة ورأيت
المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضاً من كان منهم ومن يكون إلى يوم القيامة أظهرهم الحق
لي في صعيد واحد في زمانين مختلفين وصاحبت من الرسل وانتفعت به سوى محمد صلى الله
عليه وسلم جماعة منهم إبراهيم الخليل قرأت عليه القرآن وعيسى تبت على يديه وموسى
أعطاني علم الكشف والإيضاح وعلم تقليب الليل والنهار فلما حصل عندي زال الليل وبقى
النهار في اليوم كله فلم تغرب لي شمس ولا طلعت فكان لي هذا الكشف إعلاماً من الله
أنه لا حظ لي في الشقاء في الآخرة وهود عليه السلام سألته عن مسئلة عرَّفني بها
فوقعت في الوجود كما عرَّفني بها إلى زماني هذا وعاشرت من الرسل محمداً صلى الله
عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى وهوداً وداود وما بقي فرؤية لا صحبة. أ. هـ
وقال
العارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي في الباب الستين من كتابه (الإنسان الكامل(
اعلم
حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى
آخره وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين ثم له تنوع في ملابس فيسمى باسم
باعتبار لباس ولا يسمى به باعتبار لباس آخر
فاسمه
الأصلي الذي هو له محمد وكنيته أبو القاسم ووصفه عبد الله ولقبه شمس الدين
ثم
له باعتبار ملابس أخرى أسامٍ وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان
فقد
اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي
وكنت أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأعلم أنه الشيخ وهذا من جملة مشاهد
شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة
وسر
هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة فالأديب إذا رآه في الصورة
المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه وإذا رآه في صورة ما من الصور
وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على
الحقيقة المحمدية
ألا
تراه صلى الله عليه وسلم لمَّا ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه قال الشبلي
لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه فقال أشهد إنك رسول الله
وهذا أمر غير منكور
وهو
كما يرى النائم فلاناً في صورة فلان وأقل مراتب الكشف أن يسوغ في اليقظة ما يسوغ
به في النوم
لكن
بين النوم والكشف فرق وهو أن الصورة التي يُرى فيها محمد صلى الله عليه وسلم في
النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية لأن عالم المثال يقع التعبير
فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة
بخلاف
الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين
يلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك
الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه وسلم لما أعطاك الكشف أن محمداً صلى الله عليه
وسلم متصور بتلك الصورة فلا يجوز لك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم فيها أن
تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل
ثم
إياك أن تتوهم شيئاً في قولي من مذهب التناسخ حاشا لله وحاشا رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن يكون ذلك مرادي بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم له من التمكين في
التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم أنه لا
يزال يتصور في كل زمان بصورة أكبرهم ليُعْلي شأنهم ويقيم مَيَلَانهم فهم خلفاؤه في
الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم. انتهى كلام الجيلي.
وقال
الشيخ جلال الدين السيوطي رضي الله عنه في (تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي
والملك(
قد
كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وسلم وإن طائفة من أهل
العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك وادعوا أنه مستحيل فألفت هذه
الكراسة في ذلك ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك
أخرج
البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي]
وأخرج
الطبراني مثله من حديث مالك ابن عبد الله ومن حديث أبي بكرة
وأخرج
الدارمي مثله من حديث أبي قتادة
قال
العلماء اختلف في قوله [فسيراني في اليقظة]
فقيل
معناه فسيراني في القيامة وتعقب بأنه لا فائدة في التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم
القيامة من رآه منهم ومن لم يره وقيل المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه
حينئذ غائباً فيكون مبشراً له أنه لابد أن يراه في اليقظة قبل موته
وقال
قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلابد أن يراه في اليقظة بعيني رأسه وقيل بعين
في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي
وبعد
أن ساق السيوطي بعض ما تقدم عن ابن أبي جمرة و (المدخل( لإبن الحاج قال
قال
القاضي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب (توثيق عرى الإيمان( قال
البيهقي في كتاب (الاعتقاد(
الأنبياء
بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء وقد رأى النبي صلى
الله عليه وسلم ليلة المعراج جماعة منهم وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه
وأن سلامنا يبلغه وأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء
قال
البارزي
وقد
سمع عن جماعة من الأولياء في زمننا وقبله أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة
حياً بعد وفاته
ونقل
السيوطي عن الشيخ صفي الدين بن أبي منصور فى رسالته والشيخ عفيف الدين اليافعي في
(روض الرياحين( قصة الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه أبي عبد
الله القرشي لمَّا جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر وسفره إلى بلاد الشام واستقبال
سيدنا إبراهيم الخليل له إلى آخر قصته السابقة ثم قال
قال
اليافعي وقوله تلقاني الخليل قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من
الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات
كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام في الأرض ونظره أيضاً هو
وجماعة من الأنبياء في السموات وسمع منهم مخاطبات وقد ثبت أن ما جاز للأنبياء
معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي
قال
وقال الشيخ سراج الدين بن الملقن في (طبقات الأولياء( في ترجمة الشيخ خليفة بن
موسى النهر ملكي وقرية نهر ملك من أرض العراق
أنه
كان كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً فكان يقول أن أكثر
أفعاله متلقاه بأمر منه صلى الله عليه وسلم إما يقظة وإما مناماً رآه في ليلة
واحدة سبع عشرة مرة قال له في إحداهن يا خليفة لا تضجر مني كثير من الأولياء مات
بحسرة رؤيتي يا خليفة ألا أعلمك استغفاراً تدعو به فعلمه
[اللهم إن حسناتي من عطائك وسيئاتي من
قضائك فجد بما أنعمت على ما قضيت وامح ذلك بذلك جَلَّيْتَ أن تطاع إلا بإذنك أو
تعصى إلا بعلمك اللهم ما عصيتك حين عصيتك استخفافاً بحقك ولا استهانة بعذابك لكن
لسابقة سبق بها علمك فالتوبة إليك والمغفرة لديك]
وقال
الشيخ عبد الغفار بن نوح القوصي في كتاب (التوحيد( من أصحاب الشيخ أبي يحيى أبو
عبيد الله الأسواني المقيم باخميم
كان
يخبر أنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ساعة حتى لا تكاد تمر ساعة إلا
ويخبر عنه
وقال
في (التوحيد( أيضاً
كان
للشيخ أبي العباس المرسي وصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويجاوبه إذا تحدث معه
وقال
الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في (لطائف المنن(
قال
رجل للشيخ أبي العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فقال والله ما صافحت بكفي
هذه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال
الشيخ صفي الدين ابن أبي منصور في رسالته والشيخ عبد الغفار في (التوحيد(
حكي
عن الشيخ أبي الحسن الوفائي قال أخبرني الشيخ أبو العباس الطنجي قال وردت على سيدي
أحمد الرفاعي فقال ما أنا شيخك إنما شيخك عبد الرحيم بقنا رُحْ إليه فسافرت إلى
قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال لي أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت
لا قال لي رُحْ إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُحْت إلى
بيت المقدس فحين وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملؤة من رسول الله
صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى الشيخ فقال لي أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت نعم قال الآن كملت طريقتك لم تكن الأقطاب أقطاباً والأوتاد أوتاداً والأولياء
أولياءً إلا بمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال
الشيخ صفي الدين
رأيت
الشيخ الجليل الكبير أبا عبد الله القرطبي أجل أصحاب الشيخ القرشي وكان أكثر
إقامته بالمدينة النبوية وكان له بالنبي صلى الله عليه وسلم وصلة وأجوبة ورد
للسلام حمَّله صلى الله عليه وسلم رسالة للملك الكامل وتوجه بها إلى مصر وأداها
وعاد إلى المدينة
وقال
اليافعي في (روض الرياحين(
أخبرني
بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة وليلة
الأثنين وليلة الخميس وعد لي جماعة كثيرة من الأنبياء وذكر أنه يرى كل واحد منهم
في موضع معين يجلس فيه حول الكعبة ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابته وأصحابه وذكر
أن نبينا صلى الله عليه وسلم يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصى عددهم
إلا الله تعالى ولم تجتمع على سائر الأنبياء
وذكر
أن إبراهيم وأولاده يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف
وموسى
وجماعة من الأنبياء بين الركنين اليمانيين
وعيسى
وجماعة معه في جهة الحجر
ورأى
نبينا صلى الله عليه وسلم جالساً عند الركن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء
أمته
وحكى
عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي هذا باطل
فقال الفقيه من أين لك هذا فقال هذا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واقف على رأسك
يقول إني لم أقل هذا الحديث
قال
السيوطي بعد ما ذكر
وفي
بعض المجاميع أن سيدي أحمد الرفاعي لمَّا وقف تجاه الحجرة النبوية الشريفة أنشد
في
حالة البعد روحي كنت أرسلها ***** تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه
نوبة الأشباح قد حضرت ***** فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فخرجت
اليد الشريفة من القبر فقبلها
قال
وزاد من روى هذه الحكاية ورآها كل من حضر
ولا
تمنتع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء
أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم في الخروج من القبور والتصرف في
الملكوت العلوي والسفلي
وقد
ألف البيهقي جزأ في حياة الأنبياء وقال في (دلائل النبوة(
الأنبياء
أحياء عند ربهم كالشهداء
وقال
الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي
المتكلمون
المحققون من أصحابنا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم حي بعد وفاته وأنه يُسَرُ
بطاعة أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته وقال
الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئاً وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا
صلى الله تعالى عليه وسلم أنه رآه في السماء الرابعة ورأى آدم وإبراهيم وإذا صح
لنا هذا الأصل قلنا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم قد صار حياً بعد وفاته وهو على
نبوته. أ. هـ
وقال
القرطبي في (التذكرة( في حديث الصعقة نقلاً عن شيخه
الموت
ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال
ويدل
على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين وهذه صفة
الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى وقد صح أن
الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة
الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائماً يصلي في قبره وأخبر صلى الله
عليه وسلم أنه يرد السلام على كل من يسلم عليه إلى غير ذلك مما يحصل من جملته
القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غُيِّبُوا عنا بحيث لا تدركهم وإن
كانوا موجودين أحياء وكذلك الحياة في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد
إلا من خصه الله تعالى بكرامة. أ. هـ
وأخرج
أبو يعلي في مسنده والبيهقي في كتاب (حياة الأنبياء( عن أنس أن النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم قال [الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون]
وأخرج
البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال [أن الأنبياء لا يتركون بعد
أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور]
وروى
سفيان الثوري في الجامع قال قال شيخ لنا عن سعيد ابن المسيب قال [ما مكث نبي في
قبره أكثر من أربعين ليلة حتى يرفع]
قال
البيهقي فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى
وروى
عبد الرزاق في مصنفه عن النوري عن أبي المقداد عن سعيد ابن المسيب قال [ما مكث نبي
في الأرض أكثر من أربعين يوماً] وأبو المقداد هو ثابت بن هرمز الكوفي شيخ صالح
وأخرج
ابن حيان في تاريخه والطبراني في (الكبير( وأبو نعيم في (الحلية( عن أنس قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما من نبي يموت ويقيم في قبره إلا أربعين صباحاً]
وقال
إمام الحرمين في (النهاية( ثم الرافعي في (الشرح( روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال [أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث]
زاد
إمام الحرمين [أكثر من يومين]
وذكر
أبو الحسن بن الزاغوني الحنبلي في بعض تصانيفه حديث [إن الله لا يترك نبياً في
قبره أكثر من نصف يوم]
وقال
الإمام بدر الدين بن الصاحب في (تذكرته( فصل في حياته صلى الله عليه وسلم بعد موته
في البرزخ
وقد
دل على ذلك تصريح المشايخ وإيماؤهم ومن القرآن قوله تعالى {وَلا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
فهذه
الحالة وهي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الموتى من الشهداء وحالهم أعلى
وأفضل ممن لم تكن لهم هذه المرتبة لا سيما في البرزخ ولا تكون رتبة أحد من الأمة
أعلى من مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم بل إنما حصلت لهم هذه الرتبة بتزكيته
وتبعيته وأيضاً فإنما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة والشهادة حاصلة للنبي صلى الله
عليه وسلم على أتم الوجوه
وقال
عليه الصلاة والسلام [مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي
في قبره] وهذا صحيح في إثبات الحياة لموسى فإنه وصفه بالصلاة وأنه كان قائماً ومثل
هذا لا توصف به الروح وإنما يوصف به الجسد وفي تخصيصه بالقبر فإن أحداً لم يقل
أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد وأرواح الشهداء والمؤمنين في الجنة وفي
حديث ابن عباس [سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا
بوادٍ فقال أي وادٍ هذا فقلنا وادي الأزرق فقال كأني أنظر إلى موسى واضعاً إصبعيه
في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية ماراً بهذا الوادي
ثم
سرنا حتى أتينا على ثنية فقال كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف
ماراً بهذا الوادي ملبياً]
وسئل
هنا كيف ذكر حجهم وتلبيتهم وهم أموات وهم في الأخرى وليست دار عمل
فأجيب
بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا بما
استطاعوا وإنهم وإن كانوا في الأخرى فإنهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى
إذا فنيت وأعقبها الأخرى التي هي دار الجزاء انقطع العمل
هذا
لفظ القاضي عياض رضي الله تعالى عنه
فإذا
كان القاضي عياض يقول إنهم يحجون بأجسادهم ويفارقون قبورهم فكيف يستنكر مفارقة
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقبره
فحصل
من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه وأنه
يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل
وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مُغَيَّب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم
أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته
التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال. انتهى كلام
السيوطي في كتاب (تنوير الحلك( وقد نقلته عمن نقله عنه.
وقال
الإمام القسطلاني في (المواهب اللدنية( بعد كلام طويل تقدم أكثره في كلام السيوطي
وغيره
قال
الشيخ ابن أبي منصور في رسالته
ويقال
أن الشيخ أبا العباس القسطلاني دخل مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله بيدك يا أحمد
وعن
الشيخ أبي السعود قال كنت أزور شيخنا أبا العباس وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت
واشتغلت وفتح عليَّ لم يكن لي شيخ إلا النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يكتب
مناشير الأولياء بالولاية قال وكتب لأخي محمد معهم منشوراً فقلت يا رسول الله ما
تكتب لي كأخي قال أتريد أن تكون قمهاراً وهذه لغة أندلسية يعني طرقياً وفهم عنه أن
له مقاماً غير هذا
ثم
قال في المواهب بعد نقل عبارة الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال( ورؤية سيدي علي
وفا للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة
وأما
ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في (لطائف المنن( عن الشيخ أبي العباس
المرسي أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالقيروان في ليلة الجمعة سابع عشرين
في رمضان فذهب معه إلى الجامع .... الحكاية إلى أن قال
ورأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول [يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله
في كل نفس .. إلى آخره] فيحتمل أن يكون مناماً
وكذلك
قول الشيخ قطب الدين القسطلاني
كنت
أقرأ على أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة الشريفة فجئته يوماً
في وقت خلوة وأنا يومئذ حديث السن فخرج إليَّ وقال لي من أدبك بهذا الأدب وعاب
عليَّ قال فذهبت وأنا منكسر الخاطر فدخلت المسجد فقعدت عند قبر النبي صلى الله
عليه وسلم فبينا أنا جالس على تلك الحال فإذا بالشيخ قد جاءني وقال قم فقد جاء فيك
شفيع لا يرد
ونحوه
ما حكاه السهروردي في (عوارف المعارف( عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه قال ما
تزوجت حتى قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج. أ. هـ
وقال
الإمام الشعراني في مقدمة كتابه (المنن الكبرى(
كان
سيدي علي الخواص رحمه الله يقول: لا يصح لعبد ابتداء السير في طريق العارفين حتى
يزهد في نعيم الدارين ولا يكون له محبوب إلا الله تعالى وكُمَّل ورثته
وكان
يقول: أخذت طريقي هذه عن سيدي إبراهيم المتبولي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وتارة
يقول: أخذت طريقي هذه عن أبينا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام
ولا
منافاة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ أن يتبع ملة إبراهيم عليه
السلام في محاسن الأخلاق وإن كانت أخلاق إبراهيم عليه السلام هي بالأصالة لمحمد
صلى الله عليه وسلم لأنه نبي الأنبياء كلهم
وصورة
أخذ الأولياء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن روحهم تجتمع برسول الله صلى الله
عليه وسلم يقظة ومشافهة من حيث أرواحهم لا من حيث أجسامهم فليس اجتماعهم به صلى
الله عليه وسلم كاجتماع الصحابة فافهم.
وكان
سيدي أبو العباس المرسي رحمه الله يقول: لا يكمل مقام فقير إلا إن صار يجتمع برسول
الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه في أموره كما يراجع التلميذ شيخه
وقال
بلغنا أن سيدي محمد الغمري لمَّا عَمَّرَ جامعه بمصر استأذن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بواسطة فقال له عَمِّر وتوكل على الله
فلا
أدري أكان ذلك قبل الكمال أو استأذن بالواسطة حياء من رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهذا هو اللائق بمقامه فإنه كان مشهوراً بالكمال
وكان
سيدي ياقوت العرش رحمه الله يقول: من ادعى أنه يأخذ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم الأدب والعلم فاسألوه عن كيفية ما وقع له فإن قال رأيت نورأ يملأ المشرق
والمغرب وسمعت قائلاً يقول لي من ذلك النور في ظاهري وباطني لا يختص بجهة من
الجهات اسمع لما يأمرك به نبيي ورسولي فصدقوه وإلا فهو مفتر كذاب. أ. هـ
فعُلِم
أن مقام الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة مقام عزيز لا يناله كل
أحد
وقد
سمعت سيدي علياً المرصفي رحمه الله يقول: بين الفقير وبين مقام الأخذ عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم بلا واسطة مائتا ألف مقام وسبعة وأربعون ألف مقام وتسعمائة
وتسعة وتسعون مقاماً وأمهاتها مائة ألف مقام وخاصتها ألف مقام فمن لم يقطع هذه
المقامات كلها لا يصح له الأخذ المذكور.
وكان
سيدي إبراهيم المتبولي رحمه الله يقول: نحن في الدنيا خمسة لا شيخ لنا إلا رسول
الله صلى الله عليه وسلم الجعيدي يعني نفسه والشيخ أبو مدين والشيخ عبد الرحيم
القناوي والشيخ أبو السعود بن أبي العشائر والشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنهم
أجمعين.
قال
الإمام الشعراني بعد هذا
واعلم
يا أخي أني لا أعلم في مصر الآن أحداً من الفقراء الظاهرين أقرب سنداً في طريقه
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فإني بيني وبين رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيها رجلان فقط سيدي علي الخواص وسيدي إبراهيم المتبولي فجميع أخلاق الكُمَّل
المذكورة في هذا الكتاب المأخوذة عنهما مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تصريحاً أو إشارة كما أخبرني سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى وأخبرني الشيخ أبو
الفضل الأحمدي أن سيدي علياً لم يمت حتى صار يأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بلا واسطة فبيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه رجل واحد
وهذا
الأمر شبيه بسندي بالمصافحة فإني صافحت الشيخ إبراهيم القيرواني وهو صافح الشريف
الساوي بمكة وهو صافح بعض الجن الذين صافحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيني
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجال.
ثم
قال رضي الله عنه في الباب الخامس منها
ومما
أنعم الله تبارك وتعالى به عليَّ شدة قربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وطي
المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات حتى ربما أضع يدي على مقصورته وأنا
جالس بمصر وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه
وهذا
الأمر لا يدرك إلا ذوقاً ومن لم يشهد ذلك فربما أنكره والإنسان تابع لقلبه لأن
القلب تابع للجسم وفي كلام السيد عيسى عليه الصلاة والسلام [قلب الإنسان حيث يكون
ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء] أي تصدقوا بها تصعد إلى
السماء وتروا ثوابها هناك.
وكان
سيدي الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه يقول: لو حجبت عني جنة الفردوس
طرفة عين أو رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين أو فاتني الوقوف بعرفة سنة
واحدة ما عددت نفسي من جملة الرجال. أ. هـ
قال
الشعراني
فسَلِّم
يا أخي للفقراء ما يدَّعونه من مثل ذلك ولا تنكر عليهم إلا ما صرحت الشريعة بمنعه
فقد أجمعوا على أن كل من أنكر شيئاً من مقاماتهم حرم الوصول إليه فافهم ذلك والحمد
لله رب العالمين.
وقال
رضي الله عنه في مقدمة كتابه (الميزان الكبرى(
كان
سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول: لا يصح خروج قول من أقوال الأئمة المجتهدين
عن الشريعة أبداً عند أهل الكشف قاطبة
وكيف
يصح خروجهم عن الشريعة مع إطلاعهم على مواد أقوالهم من الكتاب والسنة وأقوال
الصحابة ومع الكشف الصحيح ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسؤالهم منه عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا
يقظة ومشافهة بالشروط المعروفة بين أهل الكشف وكذلك كانوا يسألونه صلى الله عليه
وسلم عن كل شيء فهموه من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله تعالى
به ويقولون يا رسول الله قد فهمنا كذا من آية كذا وفهمنا كذا من قولك في الحديث
الفلاني كذا فهل ترتضيه أم لا ويعملون بمقتضى قوله وإشارته
ومن
توقف فيما ذكرناه من كشف الأئمة المجتهدين ومن اجتماعهم برسول الله صلى الله عليه
وسلم من حيث الأرواح قلنا له هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين وإن لم تكن الأئمة
المجتهدين أولياء فما على وجه الأرض ولي أبداً
وقد
اشتهر عن كثير من الأولياء الذين هم دون الأئمة المجتهدين في المقام بيقين أنهم
كانوا يجتمعون برسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ويصدقهم أهل عصرهم على ذلك
كسيدي عبد الرحيم القناوي وسيدي الشيخ أبي مدين المغربي وسيدي أبي السعود ابن أبي
العشائر وسيدي الشيخ إبراهيم الدسوقي وسيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي وسيدي الشيخ
أبي العباس المرسي وسيدي الشيخ إبراهيم المتبولي وسيدي الشيخ جلال الدين السيوطي
وسيدي الشيخ أحمد الزواوي البحيري وجماعة ذكرناهم في كتاب (طبقات الأولياء(
ورأيت
ورقة بخط الشيخ جلال الدين السيوطي عن أحد أصحابه وهو الشيخ عبد القادر الشاذلي
مراسلة لشخص سأله في شفاعة عند السلطان قايتباي رحمه الله تعالى
اعلم
يا أخي أنني قد اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتي هذا خمساً وسبعين
مرة يقظة ومشافهة ولولا خوفي من احتجابه صلى الله عليه وسلم عني بسبب دخولي للولاة
لطلعت القلعة وشفعت فيك عند السلطان وإني رجل من خدام حديثه صلى الله عليه وسلم
وأحتاج إليه في تصحيح الأحاديث التي ضعفها المحدثون من طريقهم ولا شك أن نفع ذلك
أرجح من نفعك أنت يا أخي. أ. هـ
قال
ويؤيد الشيخ جلال الدين في ذلك ما اشتهر عن سيدي محمد زين المادح لرسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومشافهة ولمَّا حج
كلمه من داخل القبر ولم يزل هذا مقامه حتى طلب منه شخص من النحراوية أن يشفع له
عند حاكم البلد فلما دخل عليه أجلسه على بساطه فانقطعت عنه الرؤية فلم يزل يتطلب
من رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤية حتى قرأ له شعراً فترائى له من بعيد فقال
تطلب رؤيتي مع جلوسك على بساط الظلمة لا سبيل لك إلى ذلك فلم يبلغنا أنه رآه بعد
ذلك حتى مات.
وقد
بلغنا عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الشيخ أبي العباس المرسي وغيرهما أنهم
كانوا يقولون: لو احتجبت عنا رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددنا
أنفسنا من جملة المسلمين
فإذا
كان هذا قول آحاد الأولياء فالأئمة المجتهدون أولى بهذا المقام. انتهت عبارة
(الميزان(
وقال
رضي الله عنه في خطبة كتابه (لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية( وهو
العهود الكبرى
اعلم
يا أخي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا كان هو الشيخ الحقيقي لأمة الإجابة
كلها ساغ لنا أن نقول في تراجم عهود الكتاب كلها أُخِذَ علينا العهد العام من رسول
الله صلى الله عليه وسلم أعني معشر جميع الأمة المحمدية فإنه صلى الله عليه وسلم
إذا خاطب الصحابة بأمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب انسحب حكم ذلك على جميع أمته إلى
يوم القيامة فهو الشيخ الحقيقي لنا بواسطة الأشياخ أو بلا واسطة مثل من صار من
الأولياء يجتمع به صلى الله عليه وسلم في اليقظة بالشروط المعروفة عند القوم وقد
أدركت بحمد الله تعالى جماعة من أهل هذا المقام كسيدي علي الخواص والشيخ محمد
العدل والشيخ محمد بن عنان والشيخ جلال الدين السيوطي وأضرابهم رضي الله عنهم
أجمعين
ثم
قال رضي الله عنه في العهد الثاني من الكتاب المذكور
أُخِذَ
علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبع السنة المحمدية في
جميع أقوالنا وأفعالنا وعقائدنا فإن لم نعرف لذلك الأمر دليلاً من الكتاب والسنة
أو الإجماع أو القياس توقفنا عن العمل به حتى ننظر فإن كان ذلك الأمر قد استحسنه
بعض العلماء استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ثم فعلناه أدباً مع ذلك
العالِم وذلك خوف الإبتداع في الشريعة المطهرة فنكون من جملة الأئمة المضلين
وقد
شاورته صلى الله عليه وسلم في قول بعضهم أنه ينبغي أن يقول المصلي في سجود السهو
[سبحان من لا ينام ولا يسهو] فقال صلى الله عليه وسلم هو حسن
ثم
لا يخفى أن الإستئذان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بحسب المقام الذي فيه
العبد حال إرادته الفعل فإن كان من أهل الإجتماع به صلى الله عليه وسلم يقظة
ومشافهة كما هو مقام أهل الكشف استأذنه كذلك وإلا استأذنه بالقلب وانتظر ما يحدثه
الله تعالى في قلبه من استحسان الفعل أو الترك.
ثم
قال في نفس هذا العهد
فاعمل
يا أخي على جلاء مرآة قلبك من الصدا والغان وعلى تطهرك من سائر الرزائل حتى لا
تبقى فيك خصلة واحدة تمنعك من دخول حضرة الله تعالى أو حضرة رسول الله صلى الله
عليه وسلم فإن أكثرت من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم فربما تصل إلى
مقام مشاهدته صلى الله عليه وسلم وهي طريقة الشيخ نور الدين الشوني والشيخ أحمد
الزواوي والشيخ أحمد بن داود المنزلاوي وجماعة من مشايخ اليمن فلا يزال أحدهم يصلي
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكثر منها حتى يتطهر من كل الذنوب ويصير يجتمع
به صلى الله عليه وسلم يقظة أي وقت شاء ومشافهة ومن لم يحصل له هذا الإجتماع فهو
إلى الآن لم يكثر من الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإكثار
المطلوب ليحصل له هذا المقام.
وأخبرني
الشيخ أحمد الزواوي أنه لم يحصل له الإجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة حتى
واظب على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سنة كاملة يصلي كل يوم وليلة خمسين ألف
مرة
وكذا
أخبرني الشيخ نور الدين الشوني أنه واظب على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
كذا وكذا سنة يصلي كل يوم ثلاثين ألف صلاة.
وسمعت
سيدي علياً الخواص رحمه الله يقول: لا يكمل عبد في مقام العرفان حتى يصير يجتمع
برسول الله صلى الله عليه وسلم أي وقت شاء
قال
يعني الخواص وممن بلغنا أنه كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة ومشافهة من
السلف الشيخ أبو مدين شيخ الجماعة والشيخ عبد الرحيم القناوي والشيخ موسى الزولي
والشيخ أبو الحسن الشاذلي والشيخ أبو العباس المرسي والشيخ أبو السعود بن أبي
العشائر وسيدي إبراهيم المتبولي
والشيخ
جلال الدين السيوطي كان يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واجتمعت به يقظة نيفاً
وسبعين مرة
وأما
سيدي إبراهيم المتبولي فلا يحصى اجتماعه به لأنه كان يجتمع به في أحواله كلها
ويقول ليس لي شيخ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان
الشيخ أبو العباس المرسي يقول: لو احتجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ما
عددت نفسي من جملة المؤمنين
واعلم
أن مقام مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز جداً
وقد
جاء شخص إلى سيدي علي المرصفي وأنا حاضر فقال يا سيدي قد وصلت إلى مقام صرت أرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة أي وقت شئت فقال يا ولدي بين العبد وبين هذا
المقام مائتا ألف مقام وسبعة وأربعون ألف مقام ومرادنا تتكلم لنا يا ولدي على عشرة
مقامات منها فما درى ذلك المُدَّعي ما يقول وافتضح فاعلم ذلك والله يهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم.
وقال
رضي الله عنه في الكتاب المذكور في عهد تطويل الجلوس في المسجد
أخبرني
سيدي محمد بن عنان أن أولياء العصر حجوا مع سيدي أبي العباس الغمري نفعنا الله
ببركاته وكانوا خمسة عشر ولياً من مصر وقراها
فقالوا
له يا سيدي دستوركم نجاور في مكة أو المدينة
فقال
من قدر منكم على أدب مكة أو المدينة فليجاور
فقالوا
له وما أدب مكة
فقال
أن يكون على صفات أهل حضرة الله تعالى من الأنبياء والأولياء والملائكة ولا يطرق
سريرته قط شيء يكرهه الله مدة إقامته بها فكيف إذا فعل ما يكرهه الله
فقالوا
له وما أدب المدينة فقال هو كأدب مكة ويزيد عليها أنه لا يخالف سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم في جميع أحواله حتى إنه يُصَغَّر عمامته ويتصدق بكل شيء دخل يده
ولا يلقي بين يده في المدينة درساً إلا بما صرحت به الشريعة دون ما فيه رأي أو
قياس أدباً معه صلى الله عليه وسلم أن يكون لغيره كلام في حضرته إلا بمشاورته فإن
كان من أهل الصفاء فليشاوره صلى الله عليه وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس
ويفعل ما أشار به صلى الله عليه وسلم بشرط أن يسمع لفظه صلى الله عليه وسلم صريحاً
يقظة كما كان عليه الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله قال وقد صححت منه صلى
الله عليه وسلم عدة أحاديث قال بعض الحفاظ بضعفها فأخذت بقوله صلى الله عليه وسلم
فيها ولم يبق عندي شك فيما قاله وصار ذلك عندي من شرعه الصحيح أعمل به وإن لم
يطعني عليه العلماء بناء على قواعدهم
فقال
المشايخ كلهم ما منا أحد يقدر على ما قلته ورجعوا كلهم تلك السنة مع سيدي أبي
العباس
وكان
من جملتهم سيدي محمد بن داود وسيدي محمد العدل وسيدي محمد أبو بكر الحديدي والشيخ
علي ابن الجمال والشيخ عبد القادر الدشطوطي
وأخبرني
شيخي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري وكان حاجاً معهم أن سيدي عبد القادر
الدشطوطي لم يدخل الحرم المدني وإنما ألقى خده على عتبة باب السلام من حين دخل
الحج للزيارة حتى رحلوا وحملوه وهو مستغرق فما أفاق إلا في مرحلة أبيار علي رضي
الله عنه.
ثم
قال رضي الله عنه في عهد طلب الإكثار من الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم
وقال
لي مرة يعني الشيخ أحمد الزواوي طريقتنا أن نكثر من الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم حتى يصير يجالسنا يقظة ونصحبه مثل الصحابة ونسأله عن أمور ديننا وعن
الأحاديث التي ضعفها الحفاظ عندنا ونعمل بقوله صلى الله عليه وسلم فيها وما لم يقع
لنا ذلك فلسنا من المكثرين للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
ثم
قال في هذا العهد
وقد
قدمنا أوائل العهود أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم البرزخية تحتاج إلى صفاء
عظيم حتى يصلح العبد لمجالسته صلى الله عليه وسلم وإنَّ من كان له سريرة سيئة
يستحي من ظهروها في الدنيا والآخرة لا يصلح له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولو كان على عبادة الثقلين كما لم تنفع صحبة المنافقين ومثل ذلك تلاوة الكفار
للقرآن لا ينتفعون بها لعدم إيمانهم بأحكامه. أ. هـ
وقال
العلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي في خاتمة معراجه الكبير المسمى بـ (النور
الوهاج في الكلام على الإسراء والمعراج(
سئلت
هل أحد من الناس يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أم لا؟ وإن ادعى جماعة من
أمكنة متباعدة رؤيته صلى الله عليه وسلم في آن واحد فهل يصدقون في ذلك أم لا؟ لأنه
إذا رآه شخص بأقصى المشرق فكيف يراه من بأقصى المغرب في آن واحد؟ وهل أشخاص متعددة
في آن واحد في صفات مختلفة؟
فأجبت
بما صورته
الحمد
لله رب العالمين رؤيته عليه الصلاة والسلام يقظة لمن اصطفاه الله لها من الناس
واقعة بلا ريب كما هو معلوم لمن وقف على سير الصالحين أو خالطهم بحيث يصير ذلك
عنده كالعلم الضروري ثم بعد أن نقل رحمه الله تعالى بعض ما تقدم عن ابن حجر
الهيتمي و (المدخل( لابن الحاج والشعراني والسيوطي قال
وقد
رأيت ولله الحمد جماعة ممن وقع لهم رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة وسمعت منهم ذلك
منهم
شيخنا العارف بالله تعالى شيخ الطائفة المالكية في زمنه الشيخ محمد البنوفري وقد
ذكر ذلك لجمع من الناس
ومنهم
شيخنا العارف بالله تعالى الشيخ علي الحمصاني المشهور بحشيش وكان يقع له ذلك
كثيراً
والقرائن
الدالة على صدقهما في ذلك بيِّنة مفيدة للقطع
ومنهم
شيخنا نور الدين القلصمي وشيخه العارف بالله تعالى الشيخ أحمد الأحمدي وقد اجتمعت
به مراراً عديدة ودعا لي بالدعوات الصالحة وأخبرني من أثق به من جماعته الصادقين
بما يفيد أن الشيخ المذكور كان يراه في غالب أوقاته يقظة وقال أن شخصاً من تلامذته
سأله عن شخص آخر يدَّعي رؤيته صلى الله عليه وسلم كثيراً يقظة فصدقه الشيخ في ذلك
فقال له أنت لم تذكر لنا إنك ترى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فقال إن الذي يكون
في الشمس دائماً ماذا يحدِّث عنها هذا
وإذا
ادعى جماعة من الناس في أمكنة متباعدة رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في آن واحد
وهم من أهل الخير والصلاح فإنهم يصدقون في ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كالشمس في
الوجود فكما أن الشمس يراها الذي بالمشرق والمغرب وغيرهما في آن واحد فكذلك هو صلى
الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب جمع منهم الشهاب القرافي من أئمتنا ناقلاً له عن
الصوفية لكنه بحث فيه وتعقبه
وقد
ذكر ذلك بعض المختصرين لكلامه فقال إذا كان المُدْرَك في المنام هو المثال فيحصل
الجواب عما يقال كيف يرى صلى الله عليه وسلم يقظة في مكانين أو أكثر مثالان أو
أكثر وإنما المشْكِل أن يكون الواحد في مكانين في زمان واحد وأجاب الصوفية بأنه
صلى الله عليه وسلم كالشمس ترى في أماكن عدة وهي بمكان واحد
ويرد
بأن الشمس إنما رؤيت لجميع الناس لأنها ليست بمكان محصور من الأمكنة التي أطلعتها
عليها السماء بل هي مرتفعة عن جميعها ولو كانت بمكان محصور لم يرها من في غيره وهو
صلى الله عليه وسلم يرى بمكان محصور ويراه من في مكان آخر فلا توازي رؤيته رؤية
الشمس إلا لو كانت الشمس بمكان محصور ويراها من هو بغيره والحاصل أنه صلى الله
عليه وسلم يرى بمكانين أو أكثر من أمكنة محصورة ويراها من هو بغيره والحاصل أنه
صلى الله عليه وسلم يرى بمكانين أو أكثر من أمكنة محصورة كل واحد منهما أو منها
يحجب رؤية من فيه عمن في غيره ولا يجري مثل ذلك في الشمس. أ. هـ وبعضه بالمعنى
وتبعه في ذلك الزركشي
قال
الأجهوري
وقد
يقال أن مراد الصوفية أنه صلى الله عليه وسلم كالشمس من حيث أنه يراه كل واحد وإن
كان ليس كالشمس من حيث أنها إذا كانت بمكان محصور تحجب رؤيتها عمن بمكان آخر
بخلافه صلى الله عليه سولم فإنه لا يحجب رؤيته المكان الذي هو فيه ولا غيره عن أحد
خرقاً للعادة وكرامة له صلى الله عليه وسلم فليس كالشمس في هذا.
وذهب
جمع إلى أنه صلى الله عليه وسلم ملأ الوجود كنور الشمس وإلى هذا أشار اللعارف
بالله تعالى سيدي تاج الدين بن عطاء الله السكندري صاحب (الحكم( وغيرها حسبما ذكره
عنه بعض تلاميذه فقال
حججت
فلما كنت بالطواف رأيت الشيخ فعزمت أن أسلم عليه إذا فرغ من طوافه فلما فرغ منه
غاب عني فلم أرَه ثم رأيته في عرفة ووقع لي معه مثل ذلك وكذا في سائر المشاهد
فرجعت إلى القاهرة وسألت عن الشيخ فقيل لي إنه طيب بخير فقلت هل سافر؟ فقالوا لا
فجئت إليه وسلمت عليه وقلت له يا سيدي رأيتك وذكرت له ما وقع لي فقال يا فلان
الرجل الكبير يملأ الكون ولو دُعِىَ القطب من حجر لأجاب. أ. هـ
فإذا
كان هذا حال الرجل الكبير فسيد المرسلين أولى.
وأما
رؤية جماعة له في آن واحد على صفات مختلفة فهي ممكنة بل واقعة ولا غرابة في ذلك
فإن آلة رؤية كل واحد بحسب مقامه وهي كالمرآة وهي تكون تارة صغيرة وتارة كبيرة
وتارة مستقيمة وتارة معوجة وتارة صقلية جداً وتارة لا تكون كذلك والصورة الواحدة
تختلف في المرآة بحسب ذلك فترى صغيرة في المرآة الصغيرة وكبيرة في المرآة الكبيرة
ومعوجة في المرآة المعوجة ومستقيمة في المرآة المستقيمة وعلى صفة في الصقلية جداً
وعلى غيرها في غيرها
هذا
ولا يقال أن بعضهم يراه عليه الصلاة والسلام أبيض وبعضهم يراه أسود في آن واحد
وبعضهم يراه شيخاً وبعضهم يراه شاباً كذلك والمرآة الحسية لا يرى فيها الأبيض أسود
ولا عكسه ولا الشيخ شاباً ولا عكسه
ويجاب
بأن مرآة الرائي تخالف المرآة الحسية في ذلك لقيام صفة بها تقتضي ذلك من ثواب
الإيمان والطاعات أو ضد ذلك فليست كالمرآة الحسية من كل وجه بل هي بمنزلة المرآة
الحسية في الجملة إذ المرآة لا تختلف فيها صورة المرئي بالبياض والسواد والشيب
وخلافه فلا ترى في مرآة صورة الأبيض أسود ولا عكسه ولا صورة الشايب غير شايب ولا
عكسه مع أن ذلك واقع في رؤيته عليه الصلاة والسلام فيراه إنسان شايباً ويراه إنسان
شاباً ونحو ذلك. انتهت عبارة معراج الأجهوري
وفي
فتاوى الاستاذ العلامة الشيخ محمد الخليلي دفين بيت المقدس
سئل
فيمن يرى المصطفى صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً هل هي جائزة ويرى ذاته الشريفة
حقيقة وما الحكم إذا رآه اثنان في آن واحد وأحدهما بالمشرق والثاني بالمغرب؟
أجاب
اتفق الحفاظ رحمهم الله تعالى أن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً جائزة
ولكن اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالاً يحكيها؟
فذهب
إلى الأول (يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة( جماعة
وذهب
إلى الثاني (يرى مثالاً يحكيها( الغزالي واليافعي وآخرون
واحتج
الأول (يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة( بأنه صلى الله عليه وسلم سراج الهدى ونور
الظلام وشمس المعارف فكما يرى نور السراج والشمس من بُعْد والمرئي جرم الشمس
بأعراضه وخواصه فكذلك الجسم الكريم والبدن الشريف فلا تلزم مفارقته الروضة الشريفة
ولا خلو الضريح منه بل يخرق الله تعالى الحجب للرائي ويزيل المانع حتى يراه وهو في
مكانه ويمكن على هذا أن يراه اثنان في آن واحد ومكان واحد أحدهما بالمشرق والثاني
بالمغرب أو يجعل تلك الحجب شفافة لا تواري ما وراءها
وقال
القرافي رحمه الله تعالى محل النزاع ما إذا رآه الرائي في بيته بالمشرق وآخر في
ذلك الوقت في بيته بالمغرب فإن الشمس إنما يرى في البيت شعاعها وأما جرمها فهو في
مكانه من السماء ولو حصرها محل الرائي لاستحال كونها في ذلك الآن في محل غيره فوجب
القول بالثاني بالمثال.
وقد
قال جماعة من أكابر الصوفية بالعالم المثالي سواء وافق صورته عليه الصلاة والسلام
الحقيقية أو لا لأن المرئي على خلافها إنما هو صورة الرائي المنطبعة في مثاله عليه
الصلاة والسلام الذي هو كالمرآة للصورتين
وتوسط
بعضهم فقال رؤياه صلى الله عليه وسلم على صورته وصفته الحقيقية رؤيا لا تحتاج إلى
تعبير ورؤياه على غيرها رؤيا تحتاج إلى تعبير وهي حقيقية في الوجهين جميعاً لا
تلبيس فيها من الشيطان باتفاق العموم بل هي حق وأن رؤى بغير صفته إذا تصور تلك
الصور من قبل الله تعالى
فمن
رآه شيخاً فهو في غاية سلم
ومن
رآه شاباً فهو في غاية حرب
ومن
رآه مبتسماً فهو متمسك بسنته
ومن
رآه على حالة وهيئته كان دليلاً على صلاح الرائي وكمال حاله وجاهه وظفره على
أعدائه
ومن
رآه على حالة وهيئة كان دليلاً على سوء حال الرائي حتى إن الموحد يراه حسناً
والملحد
يراه قبيحاً لأنه كالمرآة الصقلية ينطبع فيها كل ما قابلها وإن كانت ذاتها على
أحسن حال وأكمله والله تعالى أعلم. أ. هـ
وقال
غوث زمانه سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه في الفصل الثاني من كتاب (الإبريز(
الذي تلقاه عنه تلميذه العلامة سيدي أحمد بن المبارك
بقي
معي سيدي عبد الله البرناوي يرشدني ويسددني ويقويني ويمحو الخوف من قلبي فيما
أشاهده بقية شهر رجب وشعبان ورمضان وشوال وذي القعدة وعشر ذي الحجة أي من سنة إحدى
وعشرين بعد المائة والألف فلما كان اليوم الثالث من يوم العيد رأيت سيد الوجود صلى
الله عليه وسلم فقال سيدي عبد الله البرناوي يا سيدي عبد العزيز قبل اليوم كنت
أخاف عليك واليوم حيث جمعك الله مع رحمته تعالى سيد الوجود صلى الله عليه وسلم أمن
قلبي واطمأن خاطري فأستودعك الله عز وجل وكانت إقامته معي بقصد أن يحفظني من دخول
الظلام عليَّ في الفتح الذي وقع لي إلى أن يقع لي الفتح في مشاهدة النبي صلى الله
عليه وسلم لأنه لا يُخَاف على المفتوح حينئذ وإنما يُخَاف عليه قبل ذلك
ثم
قال ابن المبارك في الباب الأول من الكتاب المذكور
وسألته
رضي الله عنه عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم [إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف]
فقد اختلف العلماء فيه اختلافاً شديداً وأحسن كلام رأيته فيه كلام أربعة من الفحول
القاضي الباقلاني في كتاب (الإنتصار( والإمام ابن الجزري في كتاب (النشر( والحافظ
ابن حجر في (شرح البخاري( في كتاب فضائل القرآن منه والحافظ السيوطي في كتاب
(الإتقان في علوم القرآن( فقلت لشيخنا رضي الله عنه لا أسألك إلا عن مراد النبي
صلى الله عليه وسلم فقال رضي الله عنه غداً نجيبك إن شاء الله فلما كان من الغد
قال لي رضي الله عنه وقد صدق فيما قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مراده
بهذا الحديث فأجابني عن مراده صلى الله عليه وسلم وقد تكلمت مع الشيخ رضي الله عنه
في ذلك ثلاثة أيام وذكر ملخص ما سمعه من شيخه رضي الله عنه في ذلك.
ثم
قال سيدي عبد العزيز رضي الله عنه في الباب الثاني
ولا
يزال المفتوح عليه على خطر عظيم وهلاك قريب حتى يشاهد مقام سيدنا ومولانا محمد صلى
الله عليه وسلم فإذا شاهده حصل له الهناء وتم له السرور لأن في ذاته صلى الله عليه
وسلم قوة جاذبة إلى الله عز وجل اختصت بها ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم من بين
سائر المخلوقات ولذا كان أعز المخلوقات وأفضل العالمين فإذا وصل المفتوح عليه إلى
مقام نبينا صلى الله عليه وسلم تزايد جذبه إلى الله عز وجل وأمن من الانقطاع.
ثم
قال ابن المبارك في الباب الخامس
وسأله
رضي الله عنه بعض الفقهاء عن الشيخ الذي يدعي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة
مما نصه
من
ادعى أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة قال العارفون بالله لا تقبل دعواه إلا
ببينة وهو أن يقطع ثلاثة آلاف مقام إلا مقاماً ويُكَلْف المدعي بعدِّها وبيانها
فالمطلوب من سيادتكم أدامها الله أن تعدوا لنا ولو برمز واختصار أو ما تيسر منها
من غير استكثار.
فأجاب
رضي الله عنه بأن في باطن كل ذات ثلاثمائة وستة وستين عرقاً كل عرق حامل للخاصية
التي خلق لها والعارف ذو البصيرة يشاهد تلك العروق مضيئة شاعلة في معاني خواصها
فللكذب عرق مشعول بخاصيته وللحسد عرق يضيء به وللرياء عرق يضيء به وللغدر عرق يضيء
به وللعُجْب عرق يضيء به وللكبر عرق يضيء به وهكذا حتى تأتي على سائر العروق حتى
إن العارف إذا نظر إلى الذوات رأى كل ذات بمنزلة فنار علقت فيه ثلاثمائة وست وستون
شمعة كل شمعة على لون لا يشابه لون غيره
ثم
هذه الخواص في كل واحدة منها تفاصيل وأقسام فخاصية الشهوة مثلاً لها أقسام بحسب ما
تضاف إليه فإن أضيفت إلى الفروج كانت قسماً وإن أضيفت الجاه كانت قسماً وإلى المال
كانت قسماً وإلى طول الأمل كانت قسماً وهكذا خاصية الكذب فمن حيث أن صاحبها لا
يقول الحق تعد قسماً ومن حيث أن صاحبها يظن في غيره أنه لا يقول الحق ويشك في
كلامه ولا يصدقه تعد قسماً ولا يفتح على العبد حتى يقطع هذه المقامات بأسرها فإذا
أراد الله بعبده خيراً وأهَّلَه للفتح فإنه يقطعها عنه شيئاً فشيئاً على التدريج
فإذا قطع عنه مثلاً خاصية الكذب حصل على مقام الصدق ثم على مقام التصديق وإذا قطع
عنه خاصية الشهوة في المال حصل على مقام الزهد أو شهوة المعاصي حصل على مقام
التوبة أو شهوة طول الأمل حصل على مقام التجافي عن دار الغرور وهكذا
ثم
إذا فتح عليه وجعل السر في ذاته تدرج في مقامات المشاهدة للعوالم فأول ما يشاهد
الأجرام الترابية ثم الأجرام النورانية ثم يشاهد سريان أفعاله تعالى في خليقته وله
في مشاهدة الأجرام الترابية تدريج فأول ما يشاهد الأرض التي هو فيها ثم يشاهد
البحور التي هي فيها ثم يشاهد ما بين الأرض التي هو فيها والأرض الثانية بأن يخرق
نظره التخوم إلى الثانية ثم يشاهد الأرض الثانية ثم تخومها إلى الثالثة وهكذا إلى
السابعة ثم يشاهد الجو الذي بينه وبين السماء الأولى ثم السماء الأولى وهكذا على
نحو الترتيب السابق في الأرض ثم يشاهد البرزخ والأرواح التي فيه ثم الملائكة
والحفظة وأمور الآخرة وعلى العبد في كل مشاهدة من هذه المشاهدات حق من حقوق
الربوبية وأدب من آداب العبودية ويعرض له في ذلك قواطع وتعتريه عوائق ويشاهد
أموراً هائلة قتَّالة فلولا توفيق الله تعالى وفضله على العبد الضعيف ورحمته به
لكان أقل درجاتها يرجع بسببها من جملة الحمقى
ثم
قطعه لمقامات الخواص باطني لا يشعر به إلا بعد الفتح وقطعه لمقامات المشاهدة ظاهري
يعاينه ويراه لأنه أمر يخوضه بعد الفتح فإذا صفا نظره وتمَّ نور بصيرته ورحمه الله
الرحمة التي لا شقاء بعدها رزقه الله سبحانه رؤية سيد الأولين والآخرين عليه أفضل
الصلاة وأزكى التسليم فيراه عياناً ويشاهده يقظة ويمده الله تعالى بما لا عين رأن
ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فحينئذ يحصل على مقام الهناء والسرور فهنيئاً له
السعادة فإذا اعتبرت العدد السابق في الخواص والأقسام الداخلة فيها مع المقامات
التي توجد من المشاهدات السابقة وجدت ذلك ينوف على العدد المذكور
ثم
إن النبي صلى الله عليه وسلم لا تخفى شمائله المطهرة على أمته فقد دَوَّنت العلماء
رضي الله عنهم ما خصه الله تبارك وتعالى به في ظاهر ذاته وفي باطنه عليه أفضل
الصلاة وأزكى التسليم فمن ادعى رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة فليسأل عن شيء من
أحواله الزكية ويسمع جوابه فإنه لا يخفى من يجيب عن عيان ولا يلتبس بغيره أبداً
والسلام
فإن
قنعتم بهذا فبها ونعمت وإن أردتم كلاماً آخر فاعلم أن العبد إذا فتح الله تعالى
عليه أمده بنور من أنوار الحق يدخل على ذاته من جميع الجهات ويخرقها حتى يخرق
اللحم والعظم ويعاني من برودته ومشقة دخوله على الذات ما يقارب سكرات الموت ثم
إنَّ ذلك النور من شأنه أن يمد بأسرار المخلوقات التي أراد الله أن يفتح على ذلك
العبد في مشاهدتها فيدخل النور على ذاته متلوناً بألوان المخلوقات المذكورة فإذا
أراد الله تعالى أن يفتح عليه مثلاً في مشاهدة المخلوقات التي على ظهر الأرض فإن
ذلك النور يأتيه مرة ويخرقه بالأسرار التي تكونت بها ذوات بني آدم ويأتيه مرة
بالأسرار التي تكونت بها البهائم ويأتيه مرة بالأسرار التي تكونت بها الجمادات من
فواكه وثمار ونحوها بحيث أنه لا يفتح عليه في مشاهدة شيء منها حتى يُسقى أولاً
بأسرارها ومع ذلك فإنه يعاني في كل كرة ما يعانيه في أول مرة
ومن
جملة المخلوقات سيد الوجود وعلم الشهود صلى الله عليه وسلم فإذا وعد الله عبداً
بالفتح عليه في مشاهدة ذاته الشريفة فإنه لا يشاهده حتى يُسقى بالأسرار التي في
ذاته الشريفة
فلنفرض
الذات قبل الفتح بمثابة شيء مظلم والذات الشريفة بمنزلة نور ذي شُعَب متنوعة تنتهي
إلى مائة ألف أو أكثر فإذا أراد الله رحمة تلك الذات المظلمة فإن ذلك النور الذي
يمدها ويسقيها يأتيها مرة ويخرقها بتلك الشُعَب واحدة بعد واحدة ولنفرضها مثلاً
شُعبة الصبر فيزول بها سواد ضده الذي هو الجزع والقلق ويأتيه مرة بشُعبة أخرى
ولنفرضها شُعبة الرحمة فيزول بها سواد ضدها الذي هو عدم الرحمة ويأتيه مرة بشُعبة
أخرى ولنفرضها شُعبة الحلم فيزول بها سواد ضده وهكذا حتى تأتي على جميع الشُعَب
التي في الذات المطهرة المنورة وتزول عن الذات المظلمة جميع الأوصاف السوادية وعند
ذلك يتمكن العبد من المشاهدة في الذات الشريفة لأنه متى بقيَ عليه شيء من السواد
كان ذلك سواداً في ذاته ولا يطيق مشاهدة الذات الشريفة حتى يخرج السواد بأسره من
ذاته
ولسنا
نريد أنه إذا سُقيَ بالأسرار التي في الذات الشريفة أنها تكون فيه على الكمال التي
هي عليه في الذات الشريفة بل نريد أنه يُسقى بها على ما تطيقه ذاته وأصل خِلْقته
ولسنا
نريد أيضاً أنه إذا سُقيَ بشيء من تلك الشُعَب أنه ينقص من الذات الشريفة ويبقى
محله خالياً منه فإن الأنوار لا تزول من محلها بالأخذ منها
فظهر
لك بهذا أن العبد لا يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى تمحى جميع أوصافه بورود
تلك الأسرار الشريفة والأنوار اللطيفة وفي ذلك قطع لمقامات لا تعد ولا تحصى
فإن
فضل رسول الله ليس له ******* حد فيعرب عنه ناطق بفم
وكأن
من حصرها في ألفين أو أكثر أخبر عن حالته وما وقع له من الفتح وبقيَ عليه ما بقى
وما سبق من نفي المشاهدة عن الذي لا يُسقى بجميعها فإنما نعني به نفي المشاهدة على
الكمال فإنَّ من بقيت عليه شُعب وحصلت له مشاهدة حصلت له لا علي الكمال والله أعلم.
ثم
قال ومنها أي من أسئلة بعض الفقهاء المذكورة
سيدي
هل استحضار صورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذهن المؤمن وتشخصه إياها هو من عالم
الروح أو من عالم المثال أو من عالم الخيال وهل الصورة الذهنية وما اشتملت عليه من
تعقل المحادثة والمكالمة محفوظ صاحبها من الشيطان مثل الرؤيا المنامية عملاً بقوله
صلى الله عليه وسلم [من رآني فقد رأى حقاً فإن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي] أو
كما قال عليه الصلاة والسلام أو هي ليست مثلها أجيبوا مأجورين ولكم أزكى تحية
وسلام
فأجاب
رضي الله عنه بأن ذلك الاستحضار من روح الشخص وعقله فمن توجه بفكره إليه صلى الله
عليه وسلم وقعت صورته في ذهنه
فإن
كان ممن يعلم صورته الكريمة لكونه صحابياً أو من العلماء الذين عنوا بالبحث عنها
ثم حصَّلوها فإنها تقع في فكره على نحو ما هي عليه في الخارج
وإن
كان من غير هذين فإنه يستحضره في صورة آدمي في غاية الكمال في خَلْقه وخُلقه فقد
توافق الصورة التي في فكره ما في الخارج وقد تخالفه والحاضر في الفكر هو صورة ذاته
صلى الله عليه وسلم لا صورة روحه عليه الصلاة والسلام فإنًّ الذي شاهده الصحابة
رضي الله عنهم وأخبر عنه العلماء هو الذات لا الروح الشريفة ولا يجول الفكر إلا
فيما يعلمه الشخص ويعرفه فقولكم هل هو من عالم الروح إن أردتم به الاستحضار فهو من
عالم الروح أي من روح التفكر وإن أردتم به الحاضر أي فهل الحاضر في أفكارنا روحه
صلى الله عليه وسلم فقد سبق أنه ليس إياها
وأما
المحادثة والمكالمة إذا حصلت لهذا المتفكر
فإن
كانت ذاته طاهرة وتحبها روحه ولم تحجب عنها أسرارها وكانت معها كالخليل مع خليله
فالمحادثة معصومة وهي حق وإن كانت الذات على العكس فالأمر على العكس والله الموفق.
ثم
قال في الباب السادس عند الكلام على الأشياخ الذين ورثهم الشيخ رضي الله عنه
وسمعته
رضي الله عنه يتكلم في المشاهدة ويُعظِّم أمرها ويشير إلى عجز أكثر الخلق عنها
ويذكر الأسباب في عجزهم إلى أن حكى لنا عن نفسه حكاية فقال رضي الله عنه
لقيت
بعض أوليائه تعالى في آخر سنة سبع وعشرين
فقلت
ادع الله تعالى لي أن يرزقني مشاهدته
فقال
لي دع عنك هذا ولا تطلبها منه تعالى حتى يكون هو الذي يعطيها لك من غير سؤال فإنه
إن أعطاها لك من غير سؤال أعانك عليها وأعطاك القوة عليها قبل أن تنزل هي بك وإذا
جعلت تسألها منه سبحانه وتعالى وتكثر منه فإنه لا يخيب سؤالك ولكن نخاف أن يكلك
إلى نفسك فتعجز عنها
قال
فقلت اطلبها لي فإني أطيقها
فقال
لي انظر إلى عَاَلم الإنس فنظرت إليه فقال أجمعه كله بين عينيك حتى يكون مثل دور
الخاتم فقلت جمعته
فقال
انظر إلى عَاَلم الجن وافعل به كذلك فقلت فعلت
فقال
انظر إلى عَاَلم الملائكة ملائكة الأرض والسموات والعرش وافعل بهم كذلك فقلت فعلت
قال
وجعل يعدد العَوَالِم كلها عَاَلماً عَاَلماً حتى عد أنواعاً كثيرة وذكر عَاَلم
الجنة وجميع ما فيه وعَاَلم النيران وجميع ما فيه ويأمرني أن أجمع ذلك بين عيني
وأنا أجمعه وأقول فعلت
ثم
قال انظر إلى هذا الذي بين عينيك مجموعاً وانظر إليه بنظرة واحدة واجتهد هل تقدر
على استحضار الجميع في تلك النظرة الواحدة ففعلت فلم أقدر
فقال
لي أنت لم تطق أن تشاهد هذه المخلوقات وعجزت عن استحضارها في نظرك فكيف مشاهدة
الخالق سبحانه وتعالى فعلمت الحق وبكيت بدموع القلب على حرصي على شيء لا أطيقه
قال
رضي الله عنه واستحضار هذه المخلوقات في نظر واحد لا يطيقه بشر ولا يقدر عليه
إنسان
قال
رضي الله عنه وكذا من يرى النبي صلى الله عليه وسلم من أولياء الله تعالى في
اليقظة فإنه لا يراه حتى يرى هذه العَوَالِم كلها لا بنظر واحد
ثم
قال رضي الله عنه في الباب التاسع بعد كلام طويل
فإذا
حصلت له مشاهدة ذات النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة حصل له الأمان من تلاعب
الشيطان لاجتماعه مع رحمة الله تعالى وهي سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه
وسلم ثم اجتماعه مع الذات الشريفة سبب إلى معرفته بالحق سبحانه ومشاهدة ذاته
الأزلية لأنه يجد الذات الشريفة غائبة في الحق هائمة في مشاهدته سبحانه فلا يزال
الولي ببركة الذات الشريفة يتعلق بالحق سبحانه ويترقى في معرفته شيئاً فشيئاً إلى
أن تقع له المشاهدة وأسرار المعرفة وأنوار المحبة
ثم
قال في الباب التاسع أيضاً
وسمعته
رضي الله عنه يقول
لكل
شيء علامة وعلامة إدراك العبد مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة أن يشتغل
الفكر بهذا النبي الشريف اشتغالاً دائماً بحيث لا يغيب عن الفكر ولا تصرفه عنه
الصوارف ولا الشواغل فتراه يأكل وفكره مع النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب وهو كذلك
ويخاصم وهو كذلك وينام وهو كذلك
فقلت
وهل يكون هذا بحيلة وكسب من العبد؟
فقال
رضي الله عنه لا إذ لو كان بحيلة وكسب من العبد لوقعت له الغفلة عنه إذا جاء صارف
أو عرض شاغل ولكنه أمر من الله تعالى يحمل العبد عليه ويستعمله فيه ولا يحس العبد
من نفسه اختياراًً فيه حتى لو كلف العبد ما استطاع ولهذا كانت لا تدفعه الشواغل
والصوارف فباطن العبد مع النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره مع الإنس يتكلم معهم بلا
قصد ويأكل بلا قصد ويأتي لجميع ما يشاهد في ظاهره بلا قصد لأن العبرة بالقلب وهو
مع غيرهم فإذا دام العبد على هذا مدة رزقه الله تعالى مشاهدة نبيه الكريم ورسوله
العظيم صلى الله عليه وسلم في اليقظة ومدة الفكر تختلف فمنهم من تكون له شهراً
ومنهم من تكون له أقل ومنهم من تكون له أكثر
قال
رضي الله عنه ومشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم أمرها جسيم وخطبها عظيم فلولا أن
الله تعالى يقوي العبد ما أطاقها
فلو
فرضنا رجلاً قوياً عظيماً اجتمع فيه قوة أربعين رجلاً كل واحد منهم يأخذ بأُذُن
الأسد من الشجاعة والبسالة ثم فرضنا النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكان على هذا
الرجل لانفلقت كبده وذابت ذاته وخرجت روحه وذلك من عظمة سطوته صلى الله عليه وسلم
ومع
هذه السطوة العظيمة ففي تلك المشاهدة الشريفة من اللذة ما لا يُكَيَّف ولا يحصى
حتى أنها عند أهلها أفضل من دخول الجنة وذلك لأن من دخل الجنة لا يرزق جميع ما
فيها من النعم بل كل واحد له نعيم خاص به بخلاف مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم
فإنه إذا حصلت له المشاهدة المذكورة سُقيت ذاته بجميع نعيم أهل الجنة فيجد لذة كل
نوع وحلاوة كل نوع كما يجد أهل الجنة في الجنة وذلك قليل في حق من خُلِقَت الجنة
من نوره صلى الله عليه وسلم وشَرِّف وكَرِّم ومَجِّد وعَظِّم وعلى آله وصحبه
قال
وفي مشاهدة يحصل هذا السقي فمن دامت له دام له هذا السقي
قال
ابن المبارك قلت
وكنت
أنظر في (شمائل( الإمام الترمذي رحمه الله وفي شروحها فإذا اختلفوا في شيء من لونه
صلى الله عليه وسلم أو طول ذاته أو طول شعره أو مشيته أو غير ذلك من أحواله صلى
الله عليه وسلم ذهبت إلى شيخنا رضي الله عنه فأسأله عن الواقع من ذلك فيجيبني جواب
المعاين المشاهد قال وقد كتبنا بعض ذلك في آخر الباب الأول والله اعلم.
قال
ومن عجيب أمره رضي الله عنه أني سألته عن هذه الأمور وهو رضي الله عنه مشتغل
بتنقية الأشجار وإزالة ما لا يصلح بقاؤه فيها في صورة المعرض عن سؤالي الذي يرد
باله إلى غيره فما أكْمل السؤال عن شيء مما سبق حتى يجيب سريعاً من غيرتأمل في
كلامي تحقيقاً لما سبق في قوله إن العبرة بالباطن وكل ما يفعله ظاهراً فهو بلا قصد
فتنقية الأشجار ونحوها كانت منه رضي الله عنه من غير قصد وباطنه كان مع الجناب
العلي ولهذا كان لا يتفكر في أمر الجواب والله أعلم.
قال
رضي الله عنه: وعلامة إدراك العبد لمشاهدة ربه عز وجل أن يقع في فكره بعد مشاهدة
النبي صلى الله عليه وسلم التعلق بربه بحيث يغيب فكره في ذلك مثل الغيبة السابقة
في النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يزال كذلك إلى أن يقع له الفتح في مشاهدة الحق
سبحانه فيقع على ثمرة الفؤاد ونتيجة الفكر وإذا كانت ذاته تسقى بجميع أنواع نعيم
أهل الجنة عند مشاهدته النبي صلى الله عليه وسلم فما ظنك بما يحصل له عند مشاهدة
الحق سبحانه وتعالى الذي هو خالق النبي صلى الله عليه وسلم وخالق الجنة وكل شيء.
قال
رضي الله عنه: ثم بعد الفتح في مشاهدة الحق سبحانه انقسم الناس قسمين
فقسم
غابوا في مشاهدة الحق سبحانه عما سواه
وقسم
أكمل غابت أرواحهم في مشاهدة الحق سبحانه وبقيت ذواتهم النبي صلى الله عليه وسلم
فلا مشاهدة أرواحهم تغلب مشاهدة ذواتهم ولا مشاهدة ذواتهم تغلب مشاهدة أرواحهم.
قال
رضي الله عنه: وإنما كان هذا القسم أكمل لأن مشاهدتهم في الحق سبحانه أكمل من
مشاهدة القسم الأول وإنما كانت مشاهدتهم في الحق سبحانه أكمل لأنهم لم ينقطعوا عن
مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي سبب في الارتقاء في مشاهدة الحق سبحانه
فمن زاد في مشاهدته عليه السلام زيد له في مشاهدة الحق سبحانه ومن نقص منها نُقِص
له
قال:
ولو كان الاختيار للعبد وكان عمره تسعين سنة مثلاً لاختار في جميع هذه المدة أن لا
يشاهد إلا النبي صلى الله عليه وسلم وقبل موته بيوم يفتح له في مشاهدة الحق سبحانه
فإنه يحصل له في هذا اليوم من الفتح في مشاهدة الحق سبحانه لأجل رسوخ قدمه في
مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحصل لمن فتح له في مشاهدتين معاً في
تلك المدة من أولها إلى آخرها
ثم
جعل رضي الله عنه مرآة بين عينيه وجعل ينظر في الحروف فقال
أليس
إن الذي يظهر في الحروف وصفائها في النظر يتبع صفاء المرآة وحسن مائها فقلت نعم
فقال
رضي الله عنه فمشاهدة النبي صلى الله بمنزلة المرآة ومشاهدة الحق سبحانه بمنزلة
الحروف فعلى قدر الصفاء في المشاهدة النبوية يحصل الصفاء ويزول العماء في المشاهدة
للذات الأزلية سمعت هذا الكلام منه رضي الله عنه
وقد
سأله بعض فقهاء الأشراف أيمكن أن يترك الولي الصلاة؟
فقال
رضي الله عنه: لا يمكن أن يترك الولي الصلاة وكيف يمكنه ذلك وهو دائماً بمشهابين
فذاته تكوى بمشهاب مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم وروحه تكوى بمشهاب مشاهدة الحق
سبحانه وكل من المشاهدتين يأمره بالصلاة وغيرها من أسرار الشريعة
وقال
رضي الله عنه مرة أخرى: كيف يترك الولي الصلاة والخير الذي حصل له في المشاهدتين
إنما حصل له بعد سقي ذاته بأسرار ذات النبي صلى الله عليه وسلم وكيف تسقى ذاتٍ
بأسرار الذات الشريفة ولا تفعل ما تفعله الذات الشريفة هذا لا يكون. انتهت عبارة
الإبريز
وذكر
فيه في الباب الرابع
كيفية
اجتماع الأولياء في الديوان في غار حراء كل ليلة وحضور النبي صلى الله عليه وسلم
في بعض الأوقات وحضوره مع سائر الأنبياء والملائكة عليه وعليهم صلوات الله وسلامه
في ليلة القدر مع أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وأكابر أصحابه رضي الله عنهم
أجمعين فليراجعه من شاءه.
وقال
العارف بالله سيدي الشيخ عبد الغني النابلسي في شرح صلوات سيدي عبد القادر
الجيلاني رضي الله عنهما عند قوله (واتحفنا بمشاهدته صلى الله عليه وسلم(
أي
رؤيته ومعاينته يقظة في الدنيا وللشيخ جلال الدين السيوطي رسالة في ذلك سمَّاها
(إنارة الحلك في جواز رؤية النبي والملك(
قال
الشيخ عبد الغني
وقد
اجتمعت في المدينة المنورة عام مجاورتي بها في شهر رمضان سنة خمس بعد المائة
والألف بالشيخ الإمام الهمام الفاضل الكامل العالم العامل السيد محمود الكردي رحمه
الله تعالى وكنت أجلس معه عند باب الحجرة النبوية على ساكنها أشرف صلاة وأكمل سلام
وتحية وكان يخبرني أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ويتكلم معه ويأتي مرة
إلى الحجرة فيقال له ذهب يزور عمه حمزة رضي الله عنه ويحكي لي وقائع جرت بينه وبين
النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وأنا مؤمن بذلك ومصدق له فيه وهو رجل من
العلماء الصادقين حتى أنه مرة دعاني إلى بيته داخل المدينة وأضافني وأخرج لي
تفسيراً جمعه للقرآن العظيم في ثمان مجلدات ورأيت له كتاباً في الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم مثل كتاب (دلائل الخيرات( المشهور وأكبر منه
ثم
قال بعد أن ذكر عبارة ابن حجر الهيتمي في شرح (الهمزية( أقول
وليس
هذا بأمر عجيب ولا شأن غريب فإن أرواح الموتى مطلقاً لم تمت ولا تموت أبداً ولكنها
إذا فارقت الأجسام الترابية العنصرية تصورت في صورها كتصور الروح الأمين جبريل
عليه السلام في صورة أعرابي وفي صورة دحية الكلبي كما ورد في الأحاديث الصحيحة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان هذا في أرواح عامة الناس الذين لم تحبس
أرواحهم بالتبعات والحقوق التي ماتوا وهي عليهم كما قال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}
وذكر
الجندي في شرح (الفصوص( أن الشيخ الكبر قدس الله سره كان بعد موته يأتي إلى بيته
يزور أم ولد له ويقول لها كيف حالكِ كيف أنتِ أخبرته بذلك وهو لا يشك في صدقها فما
بالك بأرواح النبيين والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين وليس الموت بإعدام
الأرواح وإن بليت أجسامها وسؤال القبر حق وكذلك نعيمه وعذابه حق في مذهب أهل السنة
والجماعة والسؤال والنعم والعذاب إنما يكون في عالم البرزخ لا في عالم الدنيا
وعالم البرزخ بابه القبر وليس في القبور إلا أجسام الموتى لأن القبور من عالم
الدنيا وأرواح الموتى في عالم البرزخ أحياء بالحياة الأمرية وإنما كانت الأجسام في
الدنيا أحياء بأرواحها فلما عزلت عن التصرف فيها ماتت الأجسام والأرواح باقية في
حياتها على ما كانت وإنما الموت نقله من عالم إلى عالم
فالأرواح
المطلقة غير المرهونة بما كسبت تسرح في عالم البرزخ وهي في صورة أجسامها وملابسها
وتظهر في الدنيا لمن شاء الله تعالى أن يظهرها له كأرواح الأنبياء والأولياء
والصالحين من عباد الله تعالى وهذا أمر لا ينبغي للمؤمن أن يشك فيه لأنه مبني على
قواعد الإسلام وأصول الأحكام ولا يرتاب فيه إلا المبتدعة الضالون الجامدون على
ظواهر العقول والأفهام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو بكل شيء عليم. أ.
هـ
وقال
العارف النابلسي أيضاً في آخر شرحه على الصلوات المحمدية للشيخ الأكبر عن قوله
(وعلى آله أل الشهود والعرفان(
وأصحابه
صلى الله عليه وسلم جمع صاحب وهو كل من لقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به
ومات على الإيمان إلى آخر الزمان فإن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم باقية لأهل
الكمال في الإيمان من أهل الصدق والإيقان
وقد
اجتمعت بواحد منهم كان من العلماء الكاملين وكان يخبرني برؤيته واجتماعه بالنبي
صلى الله عليه وسلم يقظة وكنت أجتمع به في المدينة الشريفة في الحرم النبوي عام
مجاورتي في شهر رمضان سنة خمس ومائة وألف فأقعد معه عند باب الحجرة الشريفة
ويخبرني بوقائعه معه صلى الله عليه وسلم وأنا مصدق له في كل ذلك باطناً وكان يحبني
وأحبه ويدعوني إلى بيته فأفطر عنده وأراني مرة تفسيره للقرآن في كذا مجلد وهو من
العلماء الكبار رحمه الله تعالى. أ. هـ
قلت
(مؤلف هذا الكتاب(
وقد
ظفرت للشيخ محمود الكردي المذكور رضي الله عنه بثلاثة كتب أحدها كتاب الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو بحجم (دلائل الخيرات( واسمه (أدل الخيرات(
والثاني كتاب بنحو حجمه اسمه (الباقيات الصالحات( في فضل الصلاة على النبي صلى
الله عليه وسلم وغيرها من الأذكار والثالث كتاب سماه (الكفاية( ذكر فيه أذكار
الصباح والمساء الواردة في كتاب الحديث وهو من جملة من نقلت عنهم في هذا الكتاب
وقد
ذكر في (الباقيات الصالحات( أنه سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم من خارج
الحجرة الشريفة فرد عليه السلام وأنه جرى له مثل ذلك مع سيدنا حمزة رضي الله عنه
وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صاحب اليد الطويل ولم يذكر أن ذلك كان
يقظة أو مناماً وقوله (صاحب اليد الطويل( هكذا هو في النسخة التي نقلت منها ويحتمل
أن يكون محرفاً عن الطولَى
وذكر
في (أدل الخيرات( أنه اجتمع بسيدنا الخضر عليه السلام وهذه عبارته قال
وكان
جمع كثير من أولي الأبصار قائلين ببقاء الخضر ومؤلف هذا الكتاب رآه بعينه في مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحه وطلب منه الدعاء ولله الحمد وللمنكر العفو
فإن المسالة غير متفق عليها. أ. هـ
وقال
القطب محمد بن عبد الكريم السمان على ما نقله عنه الشيخ عمر الفوتي في كتاب
(الرماح(
التعلق
بجنابه صلى الله عليه وسلم على قسمين
الأول:
استحضار صورته صلى الله عليه وسلم والتأدب معها حالة الاستحضار بالإجلال والتعظيم
والهيبة والوقار فإن لم تستطع فاستحضر الصورة التي رأيتها في النوم فإن لم تكن
رأيته قط في منامك ففي حال ذكرك له صلى الله تعالى عليه وسلم تصور كأنك بين يديه
متأدباً بالإجلال والتعظيم والهيبة والحياء فإنه يراك ويسمعك كلما ذكرته لأنه متصف
بصفات الله وهو سبحانه جليس من ذكره.
الثاني:
من التعلق المعنوي استحضار حقيقته الكاملة الموصوفة بأوصاف الكمال الجامعة بين
الجلال والجمال المتجلية بأوصاف الله تعالى الكبير المشرقة بنور الذات الإلهية
آباد الآباد فإن لم تستطع فاعلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم الروح الكلي القائم
بطرفي حقائق الوجود القديم والحادث فهو حقيقة كل من الجهتين ذاتاً وصفات لأنه
مخلوق من نور الذات جامع لأوصافها وأفعالها وآثارها ومؤثراتها حكماً وعيناً ومن
ثَمَّ قال الله تعالى في حقه {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ
أَوْ أَدْنَى} وإنما كان صلى الله عليه وسلم برزخاً بين الحقيقة والحقِّية الخلقية
لأنه حقيقة الحقائق جميعها ولهذا كان مقامه ليلة المعراج فوق العرش وقد علمت أن
العرش غاية المخلوق إذ ليس فوقه مخلوق فعند استوائه صلى الله تعالى عليه وسلم فوق
العرش كانت المخلوقات بأسرها تحته وربه فوقه فصار برزخاً بالمعنى لأنه موجود من
الحق والخلق موجودون منه فهو المتصف بكلا الوصفين من كلتا الجهتين صورة ومعنى
وحكماً وعيناً قال صلى الله تعالى عليه وسلم [أنا من الله والمؤمنون مني] فإذا
علمت ما ذكرته لك سهل عليك استحضار هذا الكمال المحمدي إن شاء الله تعالى
ثم
اعلم وفقنا الله وإياك وأذاقنا من هذا المشرب الصافي أن للحقيقة المحمدية ظهوراً
في كل عالم فليس ظهوره صلى الله عليه وسلم في عالم الأجسام كظهوره في عالم الأرواح
لأن عالم الأجسام لا يسع ما يسعه عالم الأرواح وليس ظهوره في عالم الأرواح كظهوره
في عالم المعنى لأن عالم المعنى ألطف من عالم الأرواح وأوسع وليس ظهوره في الأرض
كظهوره في السماء وليس ظهوره في السماء كظهوره عن يمين العرش وليس ظهوره عن يمين
العرش كظهوره عند الله تعالى حيث لا أين ولا كيف فكل مقام أعلى يكون ظهوره فيه أتم
وأكمل من المقام الأول ولكل ظهور جلالة وهيبة يقبلها المحل حتى أنه يتناهى إلى محل
لا يستطيع أن يراه فيه أحد من الأنبياء والملائكة والأولياء وذلك معنى قوله صلى
الله عليه وسلم [لي مع الله تعالى وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل] فارفع
يا أخي همتك لتراه في مظاهر العلياء المعاينة الكبرى أينما هو فافهم الإشارة
وأوصيك
يا صفي بدوام ملاحظة صورته ومعناه صلى الله عليه وسلم ولو كنت في أول الأمر
متكلفاً في الإستحضار فعن قريب تألف روحك فيحضرك صلى الله تعالى عليه وسلم عياناً
وتحدثه وتخاطبه فيجيبك ويحدثك ويخاطبك فتفوز بدرجة الصحابة وتلحق بهم إن شاء الله
تعالى قال صلى الله عليه وسلم [أكثركم عليَّ صلاة أقربكم مني يوم القيامة] وإذا
كان هذا نتيجة الصلاة باللسان فما نتيجة الصلاة عليه بالقلب والروح والسر وهل تكون
إلا معه وعنده تعالى لأن نتيجة العمل الظاهر وهو الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
الفوز بالمكان وهو الجنة ونتيجة الباطن وهو التعلق والإقبال ودوام الاستحضار صورة
ومعنى الفوز بالقرب بالمكانة فهو عند الله تعالى نزل في مقعد صدق حيث لا أين ولا
كيف فافهم الإشارة تقع على البشارة.
واعلم
أن الولي الكامل كلما ازدادت معرفته في الله تعالى سكن وثبت لوجوده عند ذكره لأن
الله لا ينساه وكلما ازدادت معرفته في رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب وظهرت
الآثار عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن معرفة الولي بالله تعالى على قدر
قابليته ومحبته في الله تعالى ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم نشأت من معرفة الله
تعالى على قدر قابلية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولأجل هذا لا يليق أن يثبت
له وتظهر الآثار وكلما ازداد الولي معرفة بالنبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل من
غيره وأمكن في الحضرة الإلهية وأطلق في معرفة الله تعالى على الإطلاق.
ثم
اعلم أن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الأولياء في تَجلٍّ من التجليات
الإلهية لابساً خلعة من خلع الكمال فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم يتصدق بتلك
الخلعة على الذي رآه بها وهي له هدية من الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان قوياً
أمكن له لبسها على الفور في الدنيا وإلا فهي مدخرة له عند الله تعالى يلبسها متى
يقوى استعداده إما في الدنيا وإما في الآخرة فمن حصلت له تلك الخلعة ولبسها في
الدنيا ففي الآخرة تكون هذه الفتوة له من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
وكل
من رأى ذلك الولي أيضاً في تَجلٍّ من التجليات وعليه تلك الخلعة النبوية فإنَّ ذلك
الوليَّ يخلعها ويتصدق بها نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الرائي
الثاني وتنزل من المقام المحمدي للولي خلعة أخرى أكمل من تلك الخلعة عوض ما تصدق
به عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهكذا إلى ما لا نهاية له ولم تزل هذه
الفتوة دأبه وعادته لسائر من يراه من الأولياء أبد الآبدين
وهذه
كيفية أخرى من التعلق الصوري وهي أن تلاحظ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ملء الكون
بل عينه وأنه نور محض وإنك منغمس في ذلك النور مع تغميض عين البصر لا البصيرة فإذا
حصل لك الاستغراق في النور والتلاشي والعينية تتصف حينئذ بمقام الفناء فيه ومن حصل
له مقام الفناء ذاق محبته وهو أحد قسمي التعلق الصوري وكيفيته أن تتبعه صلى الله
عليه وسلم وتلازم الشوق والمحبة له حتى تجدد ذوق محبته صلى الله عليه وسلم في جميع
وجودك قلباً وروحاً وجسماً شعراً وبشراً كما تجد سريان الماء البارد في وجودك إذا
شربته بعد الظمأ الشديد.
هذا
وإن حبه صلى الله تعالى عليه وسلم فرض على كل أحد قال تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وقال صلى الله تعالى عليه وسلم [لن يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده] فإن لم تجد في جميع وجودك هذه
المحبة وصفتها فاعلم أنك ناقص الإيمان فاستغفر الله وتضرع إليه وتب من ذنوبك وتولع
واطلب الحب بدوام ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والتأدب معه والقيام بما أمر
مع الاجتناب عما نهى لعلك تنال ذلك فتحشر معه لأنه القائل صلى الله عليه وسلم
[المرء مع من أحب]
وإذا
تحققت مقام الفناء فيه صلى الله تعالى عليه وسلم فليكن فناؤك عن الفناء وهو المقام
المحمود فعند ذلك تلقَّى ما يفاض عليك منها أي الصورة التي ظهرت من النور وكيفيته
أن تلاحظ عند توجهك إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه المتوجه لنفسه حتى تتلاشى
فيه وكذلك إذا صليت عليه صلى الله تعالى عليه وسلم لاحظ أنه صلى الله تعالى عليه
وسلم هو المصلي لا أنت لأن جميع الأشياء خلقت من نوره صلى الله تعالى عليه وسلم
وفي كل ذرة من الذارت رقيقة منه صلى الله تعالى عليه وسلم وتظهر تلك الرقيقة بحسب
حال الذي هي فيه وأنت من جملة الأشياء وفيك سرٌ منه صلى الله تعالى عليه وسلم
فالمتوجه منك له صلى الله عليه وسلم ذلك السر الكامن فيك
ولم
تزل كذلك من مقام إلى مقام حتى ينقلك الله تعالى إلى مقام البقاء به صلى الله عليه
وسلم فعند ذلك تكون إنساناً كاملاً وارثاً الحقيقة جامعاً الكمالات المصطفوية
فاحمد الله تعالى على ما أولاك وأعطاك وكن طالباً مقام العبودية غارقاً في بحار
الأحدية عارفاً بتصرفات الواحدية. انتهى كلام القطب السمان رضي الله عنه.
قال
العارف بالله سيدي الشيخ عبد الرحمن العيدروس في شرحه على صلوات أبي الفتيان سيدنا
أحمد البدوي رضي الله عنه بعد أن ذكر جماعة من أولياء الله اجتمعوا بالنبي صلى
الله عليه وسلم يقظة ممن تقدم ذكرهم
ومما
نُقِل إلينا أنه وقع له ذلك من أسلافنا حسبما يحضرني الآن سيدي الجد الأعلى محمد
بن علي الشهير بالفقيه المقدم وولده علوي وولد ولده وهو سيدي محمد بن علي بن علوي
المذكور وولده سيدي عبد الرحمن بن محمد الشهير بالسقاف وولده سيدي أبو بكر بن عبد
الرحمن الشهير بالسكران وأخوه سيدي عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف وولده
العيدروس عبد الله بن أبي بكر وصاحبه سيدي سعد والسيدة سلطانة الزبيدية وسيدي أبو
بكر بن سالم السقاف وسيدي عبد الله بن الحسين السقاف وابن عمه سيدي عبد الرحمن
وزوجة السيد عبد الرحمن سيدتي الشريفة علوية السقافية ساكنة المدينة المنورة وهي
الشهيرة بالعيدروسية وقد صافحتها باليد التي أخبرتني أنها صافحت بها جدها المصطفى
صلى الله عليه وسلم في اليقظة والحمد لله على ذلك وقد كان جد الجد الأعلى وهو سيدي
علي بن علوي إذا قال في صلاة أو غيرها السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
يسمع جده المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول له وعليك السلام يا ولدي
واعلم
أنه قد يراه صلى الله عليه وسلم جمع كثير في آن واحد في أماكن متعددة والمدير لتلك
الصور التي رأوها هي الروح المحمدية كما تدير روحك الواحدة جميع أجزاء بدنك ومن ثم
انقسم ولده العيدروس عشرة آلاف صورة. أ. هـ
وقد
تلقى سيدي العارف بالله أحمد بن إدريس شيخ الطريقة الإدريسية التي هي فرع من
الطريقة الشاذلية أحزابه وصلواته من إملاء النبي صلى الله عليه وسلم يقظة كما هو
مذكور في مجموعة أحزابه وصلواته التي نقلت بعضها في كتابي
(أفضل
الصلوات على سيد السادات( كما نقلت فيه عند ذكر صلوات العارف بالله سيدي محمد بن
أبي الحسن البكري المصري أنه تلقى الأولى منها من إملاء النبي صلى الله عليه وسلم
كما ذكر ذلك في شرحها العارف بالله سيدي السيد مصطفى البكري.
ورأيت
رسالة في حجم كراسة منسوبة للشيخ نور الدين علي الحلبي سماها (تعريف أهل الإسلام
والإيمان بأن محمداً لا يخلو منه مكان ولا زمان( فمما قال فيها بعد نقل شيء من
كلام السيوطي في (تنوير الحلك( وغيره
والذي
يظهر إن شاء الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين مات انتقل إلى أزكى
الرضوان وإلى أعلى فراديس الجنان وإلى درجة الوسيلة على ترتيب معقود وهو أنه صلى
الله عليه وسلم وصل إلى روضته المشرفة ومحل قبره المعظم ثم رفعه الله بلا شبهة إلى
أشرف درجة عنده وهي الوسيلة التي يغبطه فيها الأولون والآخرون ثم أذن الله سبحانه
وتعالى له إذناً متحتماً أن يسير في أقطار السموات والأرض والبر والبحر والسهل
والوعر حيث شاء متى شاء ومع هذا فقد أعطاه الله تعالى قوة وهيبة وأهَّلَه أهلية
بحيث يكون في درجة الوسيلة موجوداً ولو ناداه منها نبي مرسل أو ملك مقرب لأجابه من
يوم موته إلى ما لا نهاية له مما بعد القيامة كما هو كذلك في درجة الوسيلة فكذلك
يجده طالبه بين يدي ربه سبحانه وتعالى ويجده المُسَلِّم عليه داخل قبره ويجده كل
طالب بين يدي مطلوبه كما يجده المتفكر في فكره والعارف في سره كما أذن الله تعالى
للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد رفعهم إلى حظيرات قدسه العلي في إقامة شَبَح
منهم في قبورهم تأنيساً لأهل الأرض وفي تجريد أشباح تسرح حيث شاءت على أنه لا
حَجْر على ذلك والشبح المقيم في القبر ليس لإقامته معنى سوى أنه متى طلبه طالب
وجده ومتى حضر عليه رأى شخصه ويوضح ذلك ما سيأتي في موسى.
قال
الحافظ السيوطي في كتابه المذكور بعد استيعابه لأكثر نقول العلماء والأحاديث
الدالة على إمكان رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام واليقظة
قد
تحصَّل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه
وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل
وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه يغيب عن الأبصار كما غُيبَت الملائكة مع كونهم أحياء
بأجسادهم فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد كرامته برؤيته صلى الله عليه
وسلم رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية
المثال. انتهى كلام السيوطي
قال
الحلبي قلت: وأما كلامنا والذي نقوله إن شاء الله أن الأمر كما قاله الجلال
السيوطي وأخص من ذلك أن الذي أراه أن جسده الشريف لا يخلو منه زمان ولا مكان ولا
امكان ولا محل ولا عرش ولا لوح ولا كرسي ولا قلم ولا بر ولا بحر ولا سهل ولا وعر
ولا برزخ ولا قبر كما أشرنا إليه أيضاً وأنه امتلأ الكون الأعلى به كامتلاء الكون
السفل به وكامتلاء قبره به فتجده مقيماً في قبره طائفاً حول البيت قائماً بين يدي
ربه لآداء الخدمة تام الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة ألا ترى أن الرائين له
يقظة أو مناماً في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرائين له كذلك في تلك الساعة
بعينها في أقصى المشرق فمتى كان كذلك مناماً كان في عالم الخيال والمثال ومتى كان
يقظة كان بصفتي الجمال والإجلال وعلى غايات الكمال كما قال القائل
ليس
على الله بمستنكر ***** أن يجمع العالم في واحد
ويدل
لذلك ما رويناه من أنه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء رأى أخاه موسى يصلي في
قبره وجاء إلى بيت المقدس فرآه أيضاً وصلى موسى خلفه أسوة الأنبياء صلوات الله
عليه وعليهم ثم فارقه وصعد صلى الله عليه وسلم إلى السماء السادسة فوجده فيها
وكذلك آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وإبراهيم صلى بهم صلى الله عليه وسلم
في بيت المقدس ووجدهم في السموات وهم دونه في الفضل فهو أولى منهم بكونه موجوداً
في كل مكان ومقيماً في قبره صلى الله عليه وسلم فقد ترقى ليلة الإسراء إلى ما لا
وصول إليه لملك مقرب ولا نبي مرسل.
قال:
ومن الأدلة النقلية على ذلك ما رواه البخاري وغيره من أن الملكين يقولان للمقبور
[ما تقول في هذا الرجل] أي النبي صلى الله عليه وسلم واسم الإشارة لا يشار به إلا
لحاضر.
ثم
قال: ولمَّا كان صلى الله عليه وسلم روح العوالم العلوية والسفلية وجب أن لا يخلو
جزء منها من جسده الشريف وروحه الزكية وحكى السيوطي وغيره عن كثير من الأولياء
أنهم كانوا يجتمعون به صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً فالحجاب من قبلنا بسبب
مساوينا لا من قبله صلى الله عليه وسلم ولهذا تجد العبد متى فارق نفسه ولو بالنوم
وأغمض عينيه يراه صلى الله عليه وسلم إذا قسَمَ الله تعالى له ذلك ومتى قتلها
بقمعها وأماتها بردعها لم يبق بينه وبينه صلى الله عليه وسلم حجاب لا مناماً ولا
يقظة ولهذا كان شيخنا الشيخ نور الدين الشوني يجتمع عليه صلى الله عليه وسلم في
المحيا بالأزهر يقظة وكان علامة اجتماعه به عليه الصلاة والسلام قيامه في المحيا
فيقوم الناس معه تارة آخر الليل وتارة نصفه وتارة عند ابتداء القراءة في المحيا
بُعَيْد العشاء فيستمر قائماً إلى الصبح وكان يجتمع به في خلوته بالسيوفية في باب
الزهومة ليلاً ونهاراً غالباً.
ثم
قال: ومن البراهين على ذلك أن الأبدال من هذه الأمة إنما سمي الواحد منهم لأنه
يسافر ويترك مكانه بدلاً عنه في صورته وقد اتفق لقضيب البان رضي الله عنه أنه
ادُّعِيَ عليه بترك الصلاة فسأله القاضي ماذا تقول فانقسم منه سبع صور كل منها لا
يشك شاكٍ أنه قضيب البان فقالت صورة من تلك الصور للقاضي والمدعين انظروا عليَّ أي
صورة تدعون بترك الصلاة فإذا كان هذا لواحد من الأبدال أفلا يظهر لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ألف ألف مثال.
وحج
مريد لابن عطاء الله السكندري فما وقف بموقف إلا رآه ومتى همَّ أن يكلمه لا يجده
ثم أتى الإسكندرية فسأل عنه فقيل له أنه لم يفارقها ولمَّا اجتمع به أخبره عما وقع
له.
ثم
قال: ومن البراهين العقلية على جواز ذلك أنه يجوز أن يجعل الله تعالى العوالم
العلوية والسفلية بين يديه صلى الله عليه وسلم كجعله الدنيا بين يدي سيدنا عزرائيل
فقد سئل كيف تقبض روح رجلين حضر أجلهما معاً أحدهما في أقصى المشرق والآخر في أقصى
المغرب فقال إن الله تعالى جعل الدنيا بين يديَّ كالقصعة بين يدي الآكل أتناول
منها ما شئت.
قال:
ومن البراهين على ذلك أيضاً أن أمرالبرزخ لا يقاس على غيره ألا ترى لمَلَكَي
السؤال مع تناهي عظمهما في أضيق اللحود من أين يأتيان ومن أين يذهبان وكيف يسألان
ميْتَين أو أمواتاً في وقت واحد منهم من هو في أقصى المشرق ومنهم من هو في أقصى
المغرب وكيف يخرق بإصبعه في جانب اللحد طاقة تنفذ إلى الجنة وطاقة إلى النار مع أن
الجنة عند سدرة المنتهى والنار تحت البحر المالح فلا مانع من أن يعطي الله تعالى
سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه لمَلَكَي السؤال وملك الموت وفوق ذلك
إذ هما دونه لأنهما إنما يسألان عنه.
ثم
قال: وبلغنا عن الولي العارف سيدي عبد العزيز الديريني أنه لما نُسِبَت إليه
المشيخة بديرين ونازعه فيها جماعة من الأشراف اتفقت آراء أهل البلاد على موعد بعد
صلاة الجمعة وأن السادة الأشراف ينادون جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن
سيدي عبد العزيز يناديه أيضاً وأن كل من أجابه النبي صلى الله عليه وسلم كان الحق
له فاجتمع لذلك جماهير الناس فقال سيدي عبد العزيز للأشراف تقدموا أنتم ونادوا
فتقدم واحد بعد واحد كل منهم ينادي يا جدي يا رسول الله فلم يُجبْ واحداً فعند ذلك
تقدم العارف سيدي عبد العزيز فقال يا سيدي يا رسول الله فسمع الناس قاطبة لبيك يا
عبد العزيز فقال جماعة إن الصف الذي يلي سيدي عبد العزيز سمع والصفوف التي خلفه لم
تسمع فأعاد النداء فأعيدت الإجابة له ثلاث مرات فانظر إلى اتصال النبي صلى الله
عليه وسلم بديرين مع أن جسده الشريف مقيم بطيبة في مقام أمين تجده دليلاً على أنه
صلى الله عليه وسلم ملأ الأكوان بيقين.
قال
رحمه الله: واعلم أن آخر من اجتمعنا عليه من المشايخ العارفين من أصحاب التسليك
الهادين المهديين الشيخ نور الدين الشوني صاحب الحال النبوي والمدد المصطفوي الذي
كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دأبه ليلاً ونهاراً حتى صارت له شعاراً
ودثاراً وكان كثير الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً بحيث شاع عنه
ذلك وذاع وملأ الأفواه والأسماع.
وروى
البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي]
وروى
مثله الطبراني من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي وأبي بكرة رضي الله عنهما
وروى
مثله الدارمي من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه
وفي
هذا الحديث التبشير بأن من فاز من أمته برؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام لابد
أن يراه في اليقظة ولو قبل الموت إن شاء الله تعالى على أن جمهور الصلحاء من السلف
والخلف اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم حقيقة يقظة وسألوه عن أشياء فأجابهم عنها
فظهر الأمر كما قال سواء بسواء
وقد
ثبت أن أرواح المؤمنين المأذونة تسرح وتمرح في الجنة والسموات وتأتي إلى أفنية
قبورها لزيارة أجسادها أحياناً وتدنو من سماء الدنيا تجاه قبورها وأن المؤمن يعرف
زائره والمُسَلِمْ عليه ويرد عليه متى تمكن وأذن له ولم يكن مشغولاً عنه وأن تلك
المعرفة تزداد من عشية يوم الجمعة وتستمر الزيادة إلى صبيحة يوم السبت وأن
الأولياء والأصفياء أزيد من عامة المؤمنين في ذلك وأن العلماء العاملين والشهداء
والصحابة والآل والقرابة أقوى في ذلك وأن الأنبياء يسيرون في الكون بأشباحهم
وأرواحهم ويحجون ويعتمرون متى أذن الله تعالى لهم في ذلك كما كانوا أحياء وأن
النبي صلى الله عليه وسلم ملأ العوالم العلوية والسفلية لأنه أفضل عباد الله تعالى.
قال:
فإن قيل قد ورد في صحيح الأخبار أن الله تعالى وَكَّلَ ملكاً بقبر النبي صلى الله
عليه وسلم يبلغه الصلاة والسلام من المُصَلِّي والمُسَلِّم عليه صلى الله عليه
وسلم فلو كان موجوداً في كل مكان لما احتاج الأمر إلى الملك.
فالجواب
أن القبر الشريف له مزية على باقي الأماكن بوجوده صلى الله عليه وسلم فيه بصفة
مخصوصة زيادة عن وجوده في غيره من الأمكنة فهو بمنزلة كرسي المملكة ومحل الخدمة
وقد جعل الله وظيفة أداء خدمة التبليغ لذلك المَلَك على سبيل الاحترام والتوقير له
صلى الله عليه وسلم ومن هذا القبيل عرض الملائكة أعمال أمته عليه صلى الله عليه
وسلم بكرة وعشياً فإن ذلك ليس لخفائها عليه بل لإقامة أداء الخدمة أيضاً والاجتماع
بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان لا يكون إلا لمن فاز من الله
تعالى بخصوصيات المواهب وحاز في الدين أسنى المناصب وأعلى المراتب وعمل عملاً يصح
أن يكون وسيلة إلى ذلك كما وقع لشيخنا الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى
بسبب ملازمته للصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بالغدو والآصال والعشي
والإبكار وآناء الليل وأطراف النهار بحيث اتخذ ذلك ورداً وجعله حزباً وكان لا يسلك
إلا بها لا بعذبة ولا سجادة ولا تلقين.
قال:
ومن الأدلة على ما ذكرناه قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} والشاهد لابد أن يكون حاضراً
للمشهود عليه وناظراً للمشهود به فعلم أنه صلى الله عليه وسلم ماليء كل العالم
وحاضر في كل مكان.
ثم
قال: ومن الأدلة على أن الأنبياء يسيرون في الكون ما رويناه في كتاب (الإعلام بحكم
عيسى عليه السلام( للجلال السيوطي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت
حيناً فسلم على شيء في الهواء فسُئل عن ذلك فقال رأيت أخي عيسى بن مريم يطوف
بالبيت فسلم عليَّ وسلمت عليه.
قال:
ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم [من رآني في المنام فسيراني في اليقظة]
لأنه يُرى في المشرق والمغرب وغيرهما ولا يصح أن يفسر باقتصاره على رؤيته في
الآخرة لأن سائر الأمم تراه يومئذ سواء في ذلك من رآه في الدنيا ومن لم يره.
وبالجملة
والتفصيل فهو صلى الله عليه وسلم موجود بين أظهرنا حساً ومعنى وجسماً وروحاً وسراً
وبرهاناً. انتهى كلام الحلبي في رسالته المذكورة باختصار.
وممن
كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة ويلقنه الأوراد والأحزاب وصيغ الصلوات
سيدي العارف بالله السيد أحمد بن إدريس شيخ الطريقة الإدريسية كما في مجموعة
أحزابه وأوراده وسيدي العارف بالله السيد أبي العباس التيجاني صاحب الطريقة
التيجانية كما في كتاب (جواهر المعاني( للشيخ علي حرازم وكتاب (الرماح( للشيخ عمر
بن سعيد الفوتي.
وقد
ذكرت في كتابي (أفضل الصلوات( أن سيدي القطب محمد بن أبي الحسن البكري المصري رضي
الله عنهما وعن أسلافهما وأعقابهما قد تلقى صلاته السابعة والأربعين من (أفضل
الصلوات( وهي {اللهم صل على نورك الأسنى .. إلخ}
من
إملاء النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنه كان يجتمع به يقظة عليه الصلاة
والسلام.
________________
تعليق
ناقل الكتاب
وإتماماً
للفائدة ننقل هنا الصلاة السابعة والأربعين من (أفضل الصلوات على سيد السادات( وهي
الصلاة
السابعة والأربعون: للبكري
لسيدي
محمد ابن أبي الحسن البكري رضي الله عنهما وعن أسلافهما وأعقابهما
___________
{اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى
نُورِكَ الأَسْنَى. وَسِرِّكَ الأَبْهَى. وَحَبِيبِكَ الأَعْلَى. وَصَفِيِّكَ
الأَزْكَى. وَاسِطَةِ أَهْلِ الْحُبِّ. وَقِبْلَةِ أَهْلِ الْقُرْبِ. رُوحُ
الْمُشَاهِدِ الْمَلَكُوتِيًةِ. وَلَوْحِ الأَسْرَارِ الْقَيُّومِيَّةِ.
تَرْجُمَانِ الأَزَلِ وَالأَبَدِ. لِسَانِ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يُحِيطُ بِهِ
أَحَدٌ. صُورَةِ الْحَقِيقَةِ الْفَرْدَانِيَّةِ. وَحَقِيقَةِ الصُّورَةِ
الْمُزَيَّنَةِ بِالأَنْوَارِ الرَّحْمَانِيَّةِ. إِنْسَانِ الله الْمُخْتَصِّ
بِالْعِبَارَةِ عَنْهُ. سِرِّ قَابِلِيَّةِ التَّهَيُّئِ الإِمْكَانِيِّ
الْمُتَلَقِّيَةِ مِنْهُ. أحْمَدِ مَنْ حَمِدَ وَحُمِدَ عَنْدَ رَبِّهِ. مُحَمَّدِ
الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ بِتَفْعِيلِ التَّكْمِيلِ الذَّاتِي فِي مَرَاتِبِ
قُرْبِهِ. غَايَةِ طَرَفَي الدَّوْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِتَفْعِيلِ التَّكْمِيلِ
الذَّاتِيِّ فِي مَرَاتِبِ قُرْبِهِ. غَايَةِ طَرَفَي الدَّوْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
الْمُتَّصِلَةِ بِالأَوَّلِ نَظَراً وَإِمْدَاداً. بِدَايَةِ نُقْطَةِ
الاِنْفِعَالِ الْوُجُودِيَّ إِرْشَاداً وَإِسْعَاداً. أمِينِ الله عَلَى سِرِّ
الأُلُوهِيَّةِ الْمُطَلْسَمِ. وَحَفِيظِهِ عَلَى غَيْبِ اللاَّهُوتِيَّةِ الْمُكَتَّمِ.
مَنْ لاَ تُدْرِكُ الْعُقُولُ الْكَامِلَةُ مِنْهُ إِلاَّ مِقْدَارَ مَا تَقُومُ
عَلَيْهَا بِهِ حُجَّتُهُ الْبَاهِرَةُ. وَلاَ تَعْرِفُ النُّفُوسُ الْعَرْشِيَّةُ
مِنْ حَقِيقَتِهِ إِلاَّ مَا يَتَعَرَّفُ لَهَا بِهِ مِنْ لَوَامِعِ أنْوَارِهِ
الزَّاهِرَةِ. مُنْتَهَى هِمَمِ الْقُدْسِيِّينَ وَقَدْ بَدَوْا مِمَّا فَوْقَ
عَالَمِ الطَّبَائِعِ. مَرْمَى أبْصَارِ الْمُوَحِّدِينَ وَقَدْ طَمَحَتْ
لِمُشَاهَدَةِ السِّرِّ الْجَامِع. مَنْ لاَ تُجْلَى أشِعَّةُ الله لِقَلْبٍ
إِلاَّ مِنْ مِرْآةِ سِرِّهِ. وَهُوَ الْوِتْرُ
______________
الشَّفْعِيُّ
الْمُحَقَّقُ. الْمَحْكُومُ بِالْجَهْلِ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعْرِفَةَ الله
مُجَرَّدَةً فِي نَفْسِ الأَمْرِ عَنْ نَفَسِهِ الْمُحَمَّدِيِّ. الْفَرْعِ
الْحِدْثَانِيِّ الْمُتَرَعْرِعِ فِي نَمَائِهِ بِمَا يُمِدُّ بِهِ كُلَّ أصْلٍ
أبَدِيٍّ. جَنِيِّ شَجَرَةِ الْقِدَمِ. خُلاَصَةِ نُسْخَتَي الْوُجُودِ
وَالْعَدَمِ. عَبْدِ الله وَنِعْمَ الْعَبْدُ الَّذِي بِهِ كَمَالُ الْكَمَالِ.
وَعَابِدِ الله بِالله بِلاَ حُلُولٍ وَلاَ اتِّحَادٍ وَلا اتِّصَالٍ وَلا
انْفِصَالٍ. الدَّاعِي إِلَى الله عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. نَبِيِّ
الأَنْبِيَاءِ وَمُمِدِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِ بِالذَّاتِ وَعَلَيْهِمْ مِنْهُ
أفْضَلُ الصَّلاَةِ وَأشْرَفُ التَّسْلِيمِ. يَا الله يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ
{اللَّهُمَّ} صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى جَمَالِ التَّجَلِّيَاتِ الاِخْتِصَاصِيَّةِ.
وَجَلاَلِ التَّدَلِّيَاتِ الإِصْطِفَائِيَّةِ. الْبَاطِنِ بِكَ فِي غَيَابَاتِ
الْعِزِّ الأَكْبَرِ. الظَّاهِرِ بِنُورِكَ فِي مَشَارِقِ الْمَجْدِ الأَفْخَرِ.
عَزِيزِ الْحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ. وَسُلْكَانِ الْمَمْلَكَةِ الأَحَدِيَّةِ.
عَبْدِكَ مِنْ حَيْثُ أنْتَ كَمَا هُوَ عَبْدُكَ مِنْ حَيْثُ كَافَّةُ أسْمَائِكَ
وَصِفَاتِكَ. مُسْتَوَى تَجَلِّي عَظَمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَحُكْمِكَ فِي جَمِيعِ
مَخْلُوقَاتِكَ. مَنْ كَحَلْتَ بِنُورِ قُدْسِكَ مُقْلَتَهُ فَرَأى ذَاتَكَ
الْعَلِيَّةَ جِهَاراً. وَسَتَرْتَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فِي بَاطِنِهِ
لَكَ أسْرَاراً. وَفَلَقْتَ بِكَلِمَةِ خُصُوصِيَّتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِحَارَ
الْجَمْعِ. وَمَتَّعْتَ مِنْهُ بِمَعْرِفَتِكَ وَجَمَالِكَ وَخِطَابِكَ الْقَلْبَ
وَالْبَصَرَ وَالسَّمْعَ. وَأخَّرْتَ عَنْ مَقَامِهِ تَأْخِيراً ذَاتِيًّا كُلَّ
أَحَدٍ. وَجَعَلْتَهُ بِحُكْمِ أحَدِيَّتِكَ وِتْرَ الْعَدَدِ.
________________
لِوَاءِ
عِزَّتِكَ الْخَافِقِ. لِسَانِ حِكْمَتِكَ النَّاطِقِ سَدِّدِنَا مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. وَشِيعَتِهِ وَوَارِثِيهِ وَحِزْبِهِ. يَا الله يَا
رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ {اللَّهُمَّ} صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى دَائِرَةِ الإِحَاطَةِ
الْعُظْمَى. وَمَرْكَزِ مُحِيطِ الْفَلَكِ الأَسْمَى. عَبْدِكَ الْمُخْتَصِّ مِنْ
عُلُومِكَ بِمَا لَمْ تُهَيِّئْ لَهُ أحَداً مِنْ عِبَادِكَ. سُلْطَانِ مَمَالِكِ
الْعِزَّةِ بِكَ فِي كَافَّةِ بِلاَدِكَ. بَحْرِ أنْوَارِكَ الَّذِي تَلاَطَمَتْ
بِرِيَاحِ التَّعَيُّنِ الصَّمَدَانِيِّ أمْوَاجُهُ. قَائِدِ جَيْشِ الندبُوَّةِ
الَّذِي تَسَارَعَتْ بِكَ إِلَيْكَ أفْوَاجُهُ. خَلِيفَتِكَ عَلَى كَافَّةِ
خَلِيقَتِكَ. أمِينِكَ عَلَى جَمِيعِ بَرِيَّتِكَ. مَنْ غَايَةُ الْمُجِدِّ
الْمُجِيدِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ الاعْتِرَافْ بِالْعَجْزِ عَنِ اكْتِنَاهِ
صِفَاتِهِ. وَنِهَايَةُ الْبَلِيغِ الْمُبَالِغِ أنْ لاَ يَصِلَ إِلَى مَبَالِغِ
الْحَمْدِ عَلَى مَكَارِمِهِ وَهِبَاتِهِ. سَيِّدِنَا وَسَيِّدِ كُلِّ مَنْ لَكَ
عَلَيْهِ سِيَادَةٌ. مُحَمَّدِكَ الَّذِي اسْتَوْجَبَ مِنَ الْحَمْدِ بِكَ لَكَ
إِصْدَارَهُ وَإِيرَادَهُ. وَعَلَى آلِهِ الْكِرَامِ. وَأصْحَابِهِ الْعِظَامِ.
وَوُرَّاثِهِ الْفِخَامِ. الْحَمْدُ لله وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
اصْطَفَى سَبعاً أي يكرر هذه الآية تالي الصلوات سبع مرات ثم يقول: سُبْحَانَ
رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ ويقرأ الفاتحة ويهديها لمنشئ هذه الصلوات
ويقول: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ
عَلَيْنَا إِنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَصَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا
مُحَمَّدٍ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ
لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
____________
هذه
الصلاه للولي الكبير وعلم العلم الشهير قطب دائرة الوجود وسلالة أبي بكر الصديق
الذي ورث عنه مقام الصديقية حتى بلغ في دقائق المعارف الإلهية على درجات التحقيق
سيدنا ومولانا أبي المكارم الشيخ محمد شمس ابن أبي الحسن البكري رضي الله عنهما
وعن أسلافهما وأعقابهما ونفعنا ببركاتهم أجمعين. هذه الصلاة قد نقلتها من شرحها
لسيدي العارف بالله السيد مصطفى البكري رضي الله عنه وقد كُتب على هامش هذا الشرح
في عدة مواضع ما يصرح بأَن صاحبه وكاتبه أَحمد العروسي قرأَه على شيخه مؤلفه
المشار إِليه رضي الله عنه ولذلك كانت هذه النسخة في غاية الصحة والضبط
أما
فضل هذه الصلاة ومزيتها فكفاها فضلاً وشرفاً أَن صاحبها سيدي محمد البكري المشهود
له بالقطبانية والتقديم قد تلقاها عن صاحب الرسالة الحبيب الخليل الكليم وهذه
عبارة السيد مصطفى البكري في مقدمة شرحه المذكور.
وقال
العلامة ابن عابدين في ثبته بعد ذكره المسبعات العشر نقلاً عن ثبت سيدي ولي الله
الشيخ محمد البديري القدسي.
قال
يعني البديري وهذه المسبعات العشر تنقذ من يقرؤها كل يوم على هذا الترتيب من جميع
المهالك في الدنيا وفي يوم الحشر وهي من المكفرات لجميع السيئات وحرز حصين من جميع
الآفات فهي في النفع كصلاة الأستاذ الأعظم والملاذ الأفخم العارف الرباني والقطب
الغوث الصمداني سيدي محمد الكبير البكري الصديقي الأشعري سبط الحسين صاحب الأنفاس
العلية والكرامات السنية وتلك الصلاة العالية قد تلقاها الأستاذ المذكور من إملاء
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما هو مشهور فكم لقارئها من الأجور. ومزيد القرب
من الله الغفور. ونيل المقاصد والحبور. ولو لم يكن له إلا دخوله في سلك السادات
البكرية والعبور.
_____________
قال
ابن عابدين ثم ذكرها يعني البديري بتمامها في ثبته المزبور. فمن أحب الاطلاع عليها
فليراجعها فإنه مشهور. ا. ه. والمسبعات العشر هي
الفاتحة
فالناس فالفلق فالإخلاص فالكافرون فآية الكرسي سبعاً سبعاً
ثم
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم سبعاً
ثم
الصلاة الإبراهيمية سبعاً
ثم
اللهم اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم
والأموات سبعاً
ثم
اللهم افعل بي وبهم عاجلاً وآجلاً في الدين والدنيا والآخرة ما أنت أهل ولا تفعل
بنا يا مولانا ما نحن له أهل إنك غفور حليم جواد كريم رؤوف رحيم سبعاً
ومن
أراد زيادة الوقوف على فوائدها فليراجع الأحياء ومقدمة صلوات الدردير مع شرحها
للعارف الصاوي.
{فائدة}
من فوائد شرح هذه الصلاة نقل الشارح رحمه الله عند قول المصنف [وقبلة أهل القرب]
عن الفشاء أن أبا جعفر أمير المؤمنين قال للإمام مالك يا أبا عبد الله أستقبل
القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعوا فقال ولمَ تصرف وجهك
عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع
به قال الله تعالى
{وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} ا. ه.
________________
{فائدة
أخرى منه} قال الشارح عند قول المصنف رضي الله عنه [يا الله يا رحمن يا رحيم] وقد
جعل المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الصلاة النبوية ثلاثة مراكز ووقف في المركز الأول
والثاني بهذه الأسماء الثلاثة اقتداء بوالده في حزب الفتح ولعله إنما خص هذه
الأسماء بالذكر لأنها أسماء البسملة الرفيعة الذكر ولها خواص بهذه النسبة عند خواص
أهل الكشف والرشف لا الفكر. ومزية باهرة إذ بها افتتح الذكر ا. ه. والذكر الأخير
هو القرآن وقد افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم.
{فائدة}
قال صاحب عمدة التحقيق حدثني العلامة شيخنا الشيخ عبد القادر المحلي مشافهة قال
إذا كان لك حاجة إلى الله وأنت في أي مكان من الأرض فتوجه نحو قبر الشيخ محمد
البكري وقل يا شيخ محمد يا ابن أبي الحسن يا أبيض الوجه يا بكري توسلت بك إلى الله
تعالى في قضاء حاجتي كذا وكذا فإنها تقضي وهي مجربة. ا. ه. وقبره رضي الله عنه في
مصر توفي فيها سنة أربع وتسعين وتسعمائة وقد كانت ولادته في ثالث عشر ذي الحجة سنة
ثلاثين وتسعمائة ومن أراد زيادة الاطلاع على مناقبه ومناقب أسلافه وأعقابه رضي
الله عنهم ونفعنا ببركاتهم فليراجع كتاب عمدة التحقيق.
انتهى
التعليق بتصرف بسيط
ورأيت
في مناقب سيدي محمد الحنفي المصري شيخ الطريقة الخلوتية لتلميذه الشيخ علي الفوي
بلداً المكي وطناً ومولداً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاهَد في درس شيخه
المذكور رضي الله عنه مراراً وأن من جملة تلاميذه الشيخ أحمد البنا كان كثيراً ما
كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم واليقظة وأن منهم الشيخ محمود الكردي
كثيراً ما كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه متى أراد رؤيته عليه الصلاة
والسلام رآه وأن منهم السيد منصور الحلبي لم يحجب عنه صلى الله عليه وسلم لا يقظة
ولا مناماً قال وسمعت استاذي رضي الله عنه يقول هو محبوب النبي صلى الله عليه
وسلم. أ. هـ
وقد
تقدم في باب اللطائف عن سيدي أحمد بن ثابت المغربي في مرائيه للنبي صلى الله عليه
وسلم أن الثامنة عشر منها هي رؤية يقظة لا رؤيا منام.
ومن
اجتماع الأولياء بروحانيته صلى الله عليه وسلم ما حكاه السيد عبد الرحمن العيدروس
في شرحه على صلوات سيدي أحمد البدوي عن كتاب (الزهر الباسم( لسيدي عبد القادر
العيدروس قال نفع الله به
روي
عن الشيخ الكبير العارف بالله تعالى محمد بن أحمد البلخي قدس سره قال سافرت من بلخ
إلى بغداد وأنا شاب لأرى الشيخ عبد القادر فوافيته يصلي العصر بمدرسته وما كنت
رأيته ولا رآني قبل ذلك فلما سلم وهرع الناس للسلام عليه تقدمت إليه وصافحته فأمسك
بيدي ونظر إليَّ متبسماً وقال مرحباً بك يا بلخي يا محمد قد رأى الله مكانك وعلم
نيتك
قال:
فكان كلامه دواء الجريح وشفاء العليل وذرفت عيناي خيفة وارتعدت فرائضي هيبة وخفقت
أحشائي شوقاً ومحبة واستوحشت نفسي من الخلق ووجدت في قلبي أمراً لا أحسن أن أعبر
عنه ثم مازال ذلك ينمو ويقوى وأنا أغالبه فلما كان ذات ليلة قمت إلى وردي وكانت
ليلة مظلمة فبرز لي من قلبي شخصان بيد أحدهما كأس وبيد الآخر خلعة فقال لي صاحب
الخلعة أنه علي بن أبي طالب وهذا أحد الملائكة المقربين وهذا كأس شراب المحبة وهذه
خلعة من خلع الرضا ثم ألبسني تلك الخلعة وناولني صاحبه الكأس فأضاء بنوره المشرق
والمغرب فلما شربته كشف لي عن أسرار الغيوب ومقامات أولياء الله تعالى وغير ذلك من
العجائب
فكان
مما رأيت مقاماً تزل أقدام العقول في سره وأفهام الأفكار في حاله وتخضع رقاب
الأولياء لهيبته وتذهل أسرار السرائر في بصائره وتدهش أبصار البصائر بأشعة أنواره
لا تسامته طائفة من الملائكة الكروبيين والروحانيين والمقربين إلا حنت ظهورها على
هيئة الراكع تعظيماً لقدر ذلك المقام ويتحقق الناظر إليه أن كل مقام لواصل وحال
لمحدَّث أو سر لمحبوب أو علم لعارف أو تصريف لولي أو تمكن لمقرب فمبدؤه وموئله
وجملته وتفصيله وكله وبعضه وأوله وآخره فيه استقر ومنه نشأ وعنه صدر وبه كمل فمكثت
مدة لا أستطيع النظر إليه ثم طُوقْتُ النظر إليه ومكثت مدة لا أستطيع مسامتته ثم
طُوقْتُ مسامتته ومكثت مدة لا أعلم بمن فيه فإذا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن يمينه آدم وإبراهيم وجبريل وعن شماله نوح وموسى وعيسى صلوات الله تعالى عليه
وعليهم أجمعين وبين يديه أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والأولياء قدس الله
أرواحهم قياماً على هيئة الحلقة كأن على رؤسهم الطير من هيبته صلى الله عليه وسلم
وكان ممن عرفت منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة والعباس رضي الله عنهم أجمعين
وممن عرفت من الأولياء معروف الكرخي وسري السقطي والجنيد وسهل التستري وتاج العارفين
أبو الوفاء والشيخ عبد القادر والشيخ عدي والشيخ أحمد الرفاعي رحمهم الله وكان من
أقرب الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ومن أقرب الأولياء إليه الشيخ
عبد القادر فسمعت قائلاً يقول [إذا اشتاقت الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون
والأولياء المحبوبون إلى رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ينزل من مقامه الأعلى عند
ربه الذي لا يستطيع النظر إليه أحد إلى هذا المقام فتتضاعف أنواره برؤيته وتزكو
أحواله بمشاهدته ويعلو مكانه ومقاماته ببركته ثم يعود إلى الرفيق الأعلى]
قال
فسمعت الكل يقول {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ} ثم بدت لي بارقة من القدس الأعظم فغيبتني عن كل مشهود واختطفتني عن كل
موجود وأسقطت مني التمييز بين مختلفين وأقمت على هذا الحال ثلاث سنين فلم أشعر إلا
وأنا في سامرَّا والشيخ عبد القادر رضي الله عنه قابض على صدري وإحدى رجليه عندي
والأخرى في بغداد وقد عاد إلىَّ تمييزي وملكت أمري
فقال
لي يا بلخي قد أمرت أن أردك إلى وجودك وأملكك حالك وأسلب عنك ما قهرك ثم أخبرني
بجميع مشاهداتي وأحوالي من أول أمري إلى ذلك الوقت إخباراً يدل على اطلاعه عليَّ
في كل نفس
وقال
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مرات حتى طُوقتَ النظر إلى ذلك المقام وسبع
مرات حتى طُوقتَ مسامتته وسبع مرات حتى اطلعت على من فيه وسبع مرات حتى سمعت
المنادي وقد سألت الله فيك سبع مرات وسبع مرات وسبع مرات حتى لاحت لك تلك البارقة
وكنت من قبل سألته فيك سبعين مرة حتى سقاك كأساً من محبته وألبسك خلعة من رضوانه
يا بني اقض جميع ما فاتك من الفرائض. أ. هـ
ورأيت
كتاباً في حجم عشرة كراريس أو أكثر للعارف بالله سيدي روز بهان اسمه (المكاشفات(
ذكر فيه مكاشفاته واجتماعه بروحانية الأنبياء والأولياء ورؤيته للملائكة ومشاهدته
لله سبحانه وتعالى بغير كيف ولا انحصار.
ثم
بعد نقل جميع ما تقدم رأيت كتاباً لسيدي العارف بالله الشيخ إبراهيم الرشيد خليفة
سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنهما أجاب به عن أسئلة وردت عليه في ١٣ رمضان سنة
١٢٧١ هـ من العلامة الشيخ علي عبد الرزاق قال فيه وما ذكرتم لنا من الإفادة عن
كيفية الحضور للرسول صلى الله عليه وسلم وما المراد منه هل إن كل أحد من أتباعكم
يرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة بعين بصره أو مناماً أو بعين البصيرة أو
مثالاً وهل ذلك لروح المصطفى صلى الله عليه وسلم أو جسده الشريف أو هما معاً وضحوا
لنا ذلك؟
قال
رضي الله عنه المسألة العاشرة في الحضور للرسول عليه الصلاة والسلام وتحتها مسائل
الأولى
السؤال عن كيفية الحضور للرسول صلى الله عليه وسلم وذلك جائز باتفاق الحفاظ كما
أرشد إلى ذلك جمع من الأعلام
فمن
ذلك ما ذكره الشيخ سيدي العلامة أحمد النفراوي في آخر شرحه على رسالة ابن أبي زيد
القيرواني رضي الله عنهم فقال: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم تجوز في اليقظة
والمنام باتفاق الحفاظ وإنما اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى
مثالاً يحكيها؟
فذهب
إلى الأول (يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة( جماعة
وذهب
إلى الثاني (يرى مثالاً يحكيها( الغزالي والقرافي والرافعي وآخرون
واحتج
الأولون (يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة( بأن رؤية سراج الهداية ونور الهدى وشمس
المعارف كما يُرى النور والسراج والشمس من بُعْد والمرئي جرم الشمس بأعراضه فكذلك
البدن الشريف فلا تفارق ذاته القبر الشريف بل يخرق الله الحجب للرائي ويزيل
الموانع حتى يراه كل راءٍ ولو من المشرق والمغرب أو تجعل الحجب شفافة لا تحجب من
وراءها.
والذي
جزم به القرافي أن رؤياه مناماً إدراك بجزء لم تحله آفه النوم من القلب فهو بعين
البصيرة لا بعين البصر بدليل أنه قد يراه الأعمى.
ثم
ساق سيدي الشيخ إبراهيم الرشيد بعض ما تقدم من النقول عن الحافظ السيوطي وغيره فلم
أر لزوماً لإعادته هنا.
فصل
في تعبير رؤياه صلى الله عليه وسلم في المنام غير ما تقدم في عباراتهم
قال
سيدي عبد الغني النابلسي في كتابه (تعطير الأنام في تعبير المنام( بعد أن نقل
عبارة العلامة ابن حجر المتقدمة عن شرح (الشمائل( في شرح حديث [من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي]
وكذلك
سائر الأنبياء عليهم السلام فإن الشيطان لا يتمثل بالله ولا بآياته ولا بالأنبياء
ولا بالملائكة عليهم السلام
فمن
رأى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يزل خفيف الحال
وإن
كان مهموماً فرج عنه أو مسجوناً خرج من سجنه
وإذا
رؤي في مكان فيه حصاراً أو غلاء فرج عنهم ورخصت أسعارهم
وإن
كانوا مظلومين نصروا أو خائفين أمنوا
ورؤيته
صلى الله عليه وسلم على ما وردت به السنة من صفاته التي لا يحسن واصف أن يعبر عنها
فبشارة للرائي بحسن العافية في دينه ودنياه
وعلى
قدر ذاتك وصفاء مرآتك تتنزل لك رؤيته عليه الصلاة والسلام في المنام
فمن
رآه مقبلاً عليه أو معلماً له أو مؤتماً به في صلاته أو في طريق أو أنه أطعمه شيئا
حسنا أو كساه ملبوساً لائقاً أو وعده أو دعا له بخير
فإن
كان الرائي أهلاً للمُلك مَلَك وكان في زمنه عادلاً حاكماً بالحق يأمر بالمعروف
وينهي عن المنكر
وإن
كان عالماً عمل بما علم
وإن
كان عابداً بلغ إلى منازل أهل الكرامات
وإن
كان عاصياً تاب وأناب إلى الله تعالى
وإن
كان كافراً اهتدى وربما بلغ قصده من علم أو قراءة أو عمارة باطن مع أميته لقوله
تعالى {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
وإن
كان الرائي خائفاً أمن من ذي سلطان ورُزِق شفيعاً مقبولاً لأنه صلى الله عليه وسلم
صاحب الشفاعة
وإن
كان الرائي على بدعة وضلالة فليتق الله في نفسه خصوصاً إن رآه معرضاً عنه
وربما
قدمت على الرائي بشارة مفرحة وتدل رؤيته على إظهار الحجج وصدق المقالة والوفاء
بالوعد
وربما
نال من بين أهله وأقاربه مبلغاً لم يبلغه أحد منهم
وربما
حصلت له منهم العداوة والحسد والبغض
وربما
فارق أهله وانتقل من وطنه إلى غيره وربما أدركه اليتم من أبويه
وقد
تدل رؤيته صلى الله عليه وسلم على إظهار الكرامات لأن الظبي سلَّم عليه والبعير
قبَّل قدميه وأسري به إلى السماء وكلَّمه الذراع وسَعَت الأشجار إليه
وإن
كان الرائي من الكحالين الذين يعالجون الأبصار بلغ في صناعته مبلغاً لم يبلغه أحد
لأنه عليه الصلاة والسلام رد عين قتادة
وإن
كان الرائي في سفر وقد أجهد الناس العطش دل على نزول الغيث وانصباب الرحمة لأنه
صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه عند عدم الماء
وكذلك
إن كان الناس في جهد وقحط دل على الشبع والرخاء والبركة من حيث لا يحتسبون
وإن
رأته امرأة بلغت رتبة عظيمة وشهرة صالحة وعفة وأمانة لنفسها وصيانة
وربما
ابتليت بالضرائر ورزقت نسلاً صالحاً
وإن
كانت ذات مال أنفقته في طاعة الله تعالى
ورؤيته
صلى الله عليه وسلم تدل على الصبر على الأذى
وإن
رآه يتيم بلغ مبلغاً عظيماً وكذلك إن كان غريباً
وإن
كان الرائي ممن يعالج الأبدان انتفع الناس بطبه
وربما
دلت رؤيته صلى الله عليه وسلم على نصر المؤمنين ودمار الكافرين خصوصاً إن كان معه
أصحابه
وإن
رآه صلى الله عليه وسلم مديون قضى دينه
وإن
رآه مريض شفاه الله تعالى
وإن
رآه من لم يحج حج البيت الحرام
وإن
رآه محارب نصره الله تعالى
وإن
رآه ممتحن كفاه الله تعالى
وإن
رُؤِيَ صلى الله عليه وسلم في أرض جدبة أخصبت إذا كان على هيئته
وإن
رآه شاحب اللون مهزولاً أو ناقصاً بعض الجوارح فذلك يدل على وهن الدين في ذلك
المكان وظهور البدعة وكذلك إن رأى عليه كسوة رثة
وإن
رأى أنه شرب دمه عليه الصلاة والسلام حباً فيه خفية فإنه يستشهد في الجهاد
وإن
رأى أنه شربه علانية دلَّ ذلك على نفاقه ودخل في دم أهل بيته صلى الله عليه وسلم
وأعان على قتلهم
وإن
رآه راكباً فإنه يزور قبره راكباً
وإن
رآه راجلاً توجه إلى زيارته راجلاً
وإن
رآه قائماً استقام أمره وأمِنَ إمام زمانه
وإن
رآه قد مات يموت من نسله صلى الله عليه وسلم رجل شريف
وإن
رأى جنازته فإنه تحدث في تلك البقعة مصيبة عظيمة
وإن
رأى أنه شيع جنازته حتى قبره فإنه يميل إلى البدعة
وإن
رأى أنه قد زار قبره أصاب مالاً عظيماً
وإن
رأى أنه ابن النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو من نسله دلَّت رؤياه على خلو من
إيمانه ويقينه
ورؤيا
الرجل الواحد رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه لا يختص ببركتها بل تعم جميع
المسلمين
وإن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعطاه شيئاً من متاع الدنيا أو من طعام أو شراب
فهو خير يناله بقدر ما أعطاه
وإن
كان ما أعطاه رديء الجوهر مثل البطيخ ونحوه فإنه ينجو من أمر عظيم إلا أنه يقع به
أذى وتعب
وإن
رأى أن عضواً من أعضائه عليه الصلاة والسلام عند صاحب الرؤيا قد أحرزه فإنه على
بدعة من شرائعه
ومن
رأى أنه تحول في صورته عليه الصلاة والسلام أو لبس ثوباً من ثيابه أو دفع له خاتمه
أو سيفه
فإن
كان طالباً للمُلك ناله ودانت له الأرض
وإن
كان في ذل وهوان أعزه الله
وإن
كان طالب علم نال من ذلك مراده
وإن
كان فقيراً استغنى أو عازباً تزوج
وإن
رآه صلى الله عليه وسلم في مكان خراب فإنه يعمر ببركته
وإن
رآه في داخل مكان جالساً فيه فإنه يكون في ذلك المكان آية وعبرة
ومن
رآه صلى الله عليه وسلم يؤذن في موضع كثر خصبه وعمارته ورجاله
وإن
رآه أقام الصلاة في مكان وصلى فيه اجتمع الأمر المتفرق بالمسلمين
ومن
رآه صلى الله عليه وسلم يكتحل فإنه يأمر بصلاح دينه وطلب حديثه
وإن
رأته حامل أو رآه بعلها فإن الحمل غلام
ومن
رآه حسناً زائد الحسن فإن ذلك زيادة في دين صاحب الرؤيا
ومن
رأى لحيته الكريمة سوداء ليس فيها بياض فإنه ينال سروراً وخصباً عظيماً
ومن
رآه صلى الله عليه وسلم في صورة كهل فإنه يدل على قوة حاله ونصره على أعدائه
وإن
رآه عليه الصلاة والسلام أعظم ما يكون فإن الإمام تعظم رياسته وسلطانه
وإن
رأى عنقه غليظاً فإن الإمام حافظ لأمانة المسلمين
وإن
رأى بطنه خالياً فإن الخزانة خالية لا مال فيها
وإن
رأى أصابعه اليمنى مضمومة فإن الإمام لا يعطي الأرزاق وصاحب الرؤيا لا يحج ولا
يجاهد ولا ينفق على عياله
وإن
رأى يده اليسرى مضمومة فإن الإمام يحبس رزق أجناده وأموال الجهاد والصدقات وصاحب
الرؤيا لا يؤدي الزكاة ويمنع السائل
وإن
رأى يده صلى الله عليه وسلم مفرجة الأصابع فإن الإمام يعطي الأرزاق وصاحب الرؤيا
يحج ويجاهد
وإن
رأى يده قابضة أصابعها على كفها انعقدت أمور الإمام وأصابه هم وكذا صاحب الرؤيا
ومن
رأى فخذه عليه الصلاة والسلام أعظم وأجمل وأكثر شعراً فإن عشيرته يقوون بالكثرة
والمال
وإن
رأى ساقيه طوالاً طال عمر الإمام
ومن
رآه عليه الصلاة والسلام في عسكر وعليه سلاح وهم يضحكون ويعجبون فإن جيش المسلمين
ينهزم في تلك السنة
وإن
رآه في عسكر قليل وسلاح غير تام تظهر عليهم الذلة والخضوع فإن المسلمين ينتصرون
على أعدائهم لقوله تعالى
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ
بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
ومن
رأى أنه عليه الصلاة والسلام يمشط رأسه ولحيته فإنه يدل على زوال هم صاحب الرؤيا
وإن
رآه في مسجده عليه الصلاة والسلام أو حرمه أو مكانه المعروف فإنه ينال قوة وعزاً
ومن
رآه يواخي بين الصحابة فإنه ينال علماً وفقهاً
ومن
رأى قبره عليه الصلاة والسلام فإنه يستغنى وينال مالاً
وإن
كان تاجراً ربح في تجارته وإن كان مسجوناً خلص
ومن
رأى أنه أبو النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يفسد دينه ويضعف يقينه
ومن
رأى أن واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمه زاد إيمانه
فإن
رأى أنه يمشي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه متبع السنة
ومن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم ينظر في أمره فإنه يأمره بأداء حقوق امرأته
ومن
رأى أنه يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يأمره بأداء زكاة ماله
ومن
رآه عليه الصلاة والسلام يأكل وحده فإن صاحب الرؤيا يمنع السائل ولا يتصدق فأمره
بالصدقة
وإن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم بلا نعل فإنه تارك الصلاة مع الجماعة فأمره بالصلاة
مع الجماعة
ومن
رآه لابساً خفيه فإنه يأمره بالجهاد في سبيل الله تعالى
ومن
رآه صلى الله عليه وسلم صافحه فإنه متبع سنته
ومن
رأى دمه مخلوطاً بدم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يصاهر شريفاً أو يناكح العلماء
وإن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم يناوله شيئاً من البقول فإنه ينجو من هم
وإن
ناوله شيئاً مما يستحب نوعه كالرطب والعسل فإنه يحفظ القرآن وينال العلم بقدر ما
ناوله
ومن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فإنه يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر
ومن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه شيئاً فإنه ينال علماً ويتبع الحق
فإن
رده عليه فإنه يدخل بدعة
ومن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة شاب طويل فإنه يكون في الناس فتنة وقتل
وإن
رآه وهو شيخ كبير فإن الناس في عافية
وإن
رآه وهو آدم اللون فإنه يترك الصبا ويحدث نفسه بالتوبة
وإن
رآه أبيض اللون فإنه يتوب إلى الله تعالى ويحسن عمله وتستقيم طريقته
ومن
رآه يعاتبه ويجادله أو يرفع عليه صوته فإن ذلك بدع قد أحدثها في الدين
ومن
رأى أنه صلى الله عليه وسلم يُقبِّلَه فلينظر ماذا يروي عنه فليتثبت في ذلك
ومن
رأى أنه صلى الله عليه وسلم مات في موضع من المواضع فإنه تموت السنة في ذلك الموضع.
انتهى
كلام العارف النابلسي.
ورأيت
في كتاب (العقد النفيس المجموع من كلام سيدي أحمد بن إدريس( ما نصه
وسئل
رضي الله عنه عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم على غير الصورة المنعوت بها رؤياه
أحق أو لا؟
فأجاب
بأنها رؤيا حق فإن من رأى النبي صلى عليه وسلم فقد رآه حقاً وإن كان على غير صورته
بدليل أن جبريل عليه السلام كان يجيء للنبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية
الكلبي وإنما تختلف حالة الرائين له صلى الله عليه وسلم ففي المرآة تنظر صورتك فإن
كنت حسناً رأيت حسناً وإن كنت قبيحاً رأيت قبيحاً كذلك من رأى النبي صلى الله عليه
وسلم يراه على قدر عمله مع الله سبحانه وتعالى والمؤمن مرآة أخية وأما إذا أمره
بأمر أو نهاه عن نهي فإن كان في الصورة المنعوت بها صلى الله عليه وسلم فما أمره
به في النوم كأمره في اليقظة وإنه يتبع وكذلك ما نهى عنه أي إذا كان ذلك موافقاً
لأحكام الشريعة وإلا فلا يعمل به لأن الرائي لا يضبط ما رآه في منامه كما قاله
العلماء
وأما
إذا لم يكن على صورته تلك فلا يتبع
وقال
رضي الله عنه في موضع آخر من الكتاب المذكور
أخبرني
من أثق بخبره ولا أشك في صدقه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له
يا رسول الله التنباك حلال أم حرام فالتفت إلى عائشة وهي بجنبه فقال لو شربته هذه
لما قاربتها ثلاثاً قال الرائي فحدثت نفسي أن أقول له هل قد حرمته في الشريعة ففي
أي موضع من مواضع الحديث فأنسيت في الحال قال رضي الله عنه فانظر إلى هذا الذي لو
شربته عائشة أم المؤمنين لما قاربها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي داهية أعظم
مما يترتب على شربه عدم قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته أم المؤمنين وأي
تعريض بتحريمه أعظم من هذا
ومن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقد رآه حقاً ومن رآه مناماً فكأنما رآه يقظة
والسلام على من اتبع الهدى
قال
رضي الله عنه وكذلك ثمنه ولمثل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [لعن الله اليهود
إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل
شيء حرم عليهم ثمنه] رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن عباس رضي الله عنهما أ. هـ
وقال
شيخ الإسلام زكريا في شرح (الرسالة القشيرية(
علامة
صحة رؤياه صلى الله عليه وسلم أن من رآه لا يسمع منه ما يخالف ما جاءت به الشريعة
بأن يكون له تأويل صحيح عند علماء هذا الفن. أ. هـ
وروى
الإمام أبو سعد الواعظ النيسابوري صاحب كتاب (شرف المصطفى( في كتاب التعبير به
بسنده
إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [من رآني
في المنام فكأنما رآني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي]
قال
أبو سلمة قال أبو قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من رآني فقد رأى الحق]
وبسنده
إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من رآني في المنام
فلن يدخل النار]
وبسنده
إلى سعيد بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لن يدخل النار من
رآني في المنام]
قال
الأستاذ أبو سعد رضي الله عنه: قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة
للعالمين فطوبى لمن رآه في حياته فاتبعه وطوبى لمن يراه في منامه فإنه إن رآه
مديون قضى الله دينه وإن رآه مريضاً شفاه الله وإن رآه محارب نصره الله وإن رآه
صرور حج البيت وإن رُؤي في أرض جدبة أخصبت أو في موضع قد فشا فيه الظلم بدل الظلم
إلى عدلاً أو في موضع مخوف أمن أهله.
وذكر
بعض ما تقدم من التعبير عن العارف النابلسي ثم قال
سمعت
أبا الحسن علي بن محمد البغدادي بمشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول قال ابن
أبي طيب الفقير كان بي طرش عشر سنين فأتيت المدينة وبت بين القبر والمنبر فرأيت
النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله أنت قلت من سأل لي الوسيلة
وجبت له شفاعتي قال عافاك الله هكذا قلت ولكني قلت من سأل لي الوسيلة من عند الله
وجبت له شفاعتي قال فذهب عني الطرش ببركة قوله صلى الله عليه وسلم عافاك الله.
قال
وحكى عبد الله بن الجلاء قال دخلت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي فاقة
فتقدمت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وعلى صاحبيه رضوان الله
عليهما ثم قلت يا رسول الله بي فاقة وأنا ضيفك ثم تنحيت ونمت دون القبر فرأيت
النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليَّ فقمت فدفع إليَّ رغيفاً فأكلت بعضه وانتبهت
وفي يدي بعض الرغيف.
قال
وعن أبي الوفاء القاري الهروي قال رأيت المصطفى صلى الله عليه وسلم في المنام
بفرغانة سنة ستين وثلاثمائة وكنت اقرأ عند السلطان وكانوا لا يسمعون ويتحدثون
فانصرفت إلى المنزل مغتماً فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تغير لونه
فقال لي عليه الصلاة والسلام أتقرأ القرآن كلام الله عز وجل بين يدي قوم يتحدثون
ولا يسمعون قراءتك لا تقرأ بعد هذا إلا ما شاء الله فانتبهت وأنا ممسك اللسان
أربعة أشهر فإذا كانت لي حاجة اكتبها على الرقاع فحضرني أصحاب الحديث وأصحاب الرأي
فأفتوا بأني آخر الأمر اتكلم فإنه قال إلا ما شاء الله وهو استثناء فنمت بعد أربعة
اشهر في الموضع الذي كنت نمت فيه أولاً فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام
يتهلل وجهه فقال لي قد تبت قلت نعم يا رسول الله قال من تاب تاب الله عليه أخرج
لسانك فمسح لساني بسبابته وقال إذا كنت بين يدي قوم وتقرأ كتاب الله فاقطع قراءتك
حتى يسمعوا كلام الله فانتبهت وقد انفتح لساني بحمد الله ومِنه.
قال
وحكى أن رجلاً من المياسير مرض فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كأنه
يقول له إن أردت العافية من مرضك فخذ لا ولا فلما استيقظت بعثت إلى سفيان الثوري
رضي الله عنه بعشرة آلاف درهم وأمرته أن يفرقها على الفقراء وسألته عن تعبير
الرؤيا فقال معنى قوله لا ولا الزيتونة فإن الله تعالى وصفها في كتابه فقال
{زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ} وفائدة مالك ارتفاق الفقراء بك قال
فتداوى بالزيتون فوهب الله له العافية ببركة استعماله أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم وتعظيمه رؤياه.
وقال
وبلغنا أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكا إليه ضيق حاله
فقال له اذهب إلى علي بن عيسى وقل له يدفع إليك ما تصلح به أمرك فقال يا رسول الله
بأي علامة قال قل له بعلامة أنك رأيتني على البطحاء وكنت على نشز من الأرض فنزلت
وجئتني فقلت ارجع إلى مكانك وكان علي بن عيسى قد عزل فردت إليه الوزارة فلما انتبه
ذلك الرجل جاء إلى علي بن عيسى وهو يومئذ وزير فذكر قصته فقال صدقت ودفع إليه
أربعمائة دينار فقال اقض بهذه دينك ودفع إليه أربعمائة دينار أخرى فقال اجعلها رأس
مالك فإذا انفقت ذلك ارجع إليَّ.
قال
وذكر رجل يعرف بمرادك من أهل البصرة وكان يبيع الطيالسة قال بعت ساجا من بعض ولاة
الأهواز وكنت اختلف إليه في ثمنه فسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فمنعتني هيبته
من الرد عليه فانقلبت وأنا مغموم فبت ليلتي كذلك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم
في المنام فقلت له يا رسول الله إن فلاناً سب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قال
ائتني به فجئت به فقال اضجعه فأضجعته فقال إذبحه فتعاظم الذبح في عيني فقلت يا
رسول الله أذبحه قال إذبحه حتى قال ثلاث مرات فأمررت السكين على حلقه فذبحته فلما
أصبحت قلت أذهب إليه أعظه وأخبره بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت
فلما بلغت داره سمعت الولولة فقيل إنه مات.
وأتى
ابن سيرين رجل غير متهم في دينه قلقاً فقال إني رأيت البارحة في النوم كأني قد
وضعت رجلي على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له هل بت البارحة مع خفيك
قال نعم قال فاخلعهما فخلعهما فكان تحت أحد رجليه درهم عليه محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم. انتهى كلام أبي سعد الواعظ رحمه الله تعالى.
فصل أذكر فيه رسالة المبشرات للشيخ
الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي رضي الله عنه
فصل
أذكر فيه رسالة المبشرات للشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي رضي الله عنه
وهي
جملة مفيدة من مرائيه للنبي صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه:
بسم
الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيدنا
محمد وآله الطاهرين. أما بعد
فإن
الله تعالى جعل الرؤيا وحيه إلى أوليائه والمسلمين من عباده وجعلها جزءً من أجزاء
النبوة
كما
ذكره الترمذي في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي قال ففزع الناس فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المبشرات قالوا يا رسول الله وما المبشرات قال
رؤيا المسلم يراها الرجل أو ترى له وهي جزء من أجزاء النبوة] وقال عيسى هذا حديث
حسن صحيح
وذكره
مسلم في مسنده الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت [كان أول ما بُدِيَء به
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا خرجت
مثل فلق الصبح]
وقال
تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ
لِي سَاجِدِينَ}
فلما
خرَّ أخوته وأبواه بين يديه سجداً قال عليه السلام {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ
قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}
وقال
تعالى إخباراً عن إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ
السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
فلما
أراد عليه السلام أن يذبح ابنه كما رآه في المنام ناداه الله تعالى
{وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
وقال
تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ
عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} القصة قيل إن هذا الوحي كان رؤيا
رأتها في المنام
قال
رضي الله عنه
وإني
عزمت أن أذكر في هذا الجزء ما رأيته في المنام مما تعود منه منفعة على الغير وتعين
على أسباب الخير وما يختص بذاتي فلا احتاج إلى ذكره.
واعلم
أن الرؤيا على ثلاثة أقسام
رؤيا
من الله وهي المبشرات
ورؤيا
من النفس وهي التي يحدِّث الرجل بها نفسه في اليقظة
ورؤيا
من الشيطان وهي المفزعة ليحزنك بها الشيطان فمن رأى رؤيا تحزنه فليستعذ بالله من
شر ما رأى وليتفل عن يساره ثلاثاً فإنها لا تضره ولا يتحدث بها هكذا رويناه عن
النبي صلى الله عليه وسلم
وروينا
عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في الرؤيا أنه معلقة في رجل طائر فإذا قيلت سقطت
كما قيلت له.
واعلم
أن رؤية الله في النوم ورؤية الملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء على نوعين
يرون
على صورة حسنة كاملة يتفاضل الكمال والحسن في بابه
ويرون
على صورة قبيحة ناقصة على مراتب القبح والنقص
وهذا
الإدراك لهذه الصورة لأمرين
فالحسن
منها لتعظيم الدين والحق وكماله
والقبح
منها لإظهار الباطل والشر وما لا يرضي الله
وذلك
يرجع إلى موطنين
إما
حال الرائي في نفسه
وإما
إلى الموضع الذي رأى فيه ذلك الرسول أو الحق أو الفاضل العالم فإن الدين والحق في
ذلك الموضع على وفق الصورة التي رأيتها في النوم من القبح والحسن.
كما
أخبرني رجل من الصالحين بمجلس الإمام العالم الزاهد أبي عبد الله محمد بن العاص
الباجي قال أن رجلاً من أصحابنا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فلطمه هذا
الرائي في حر وجهه حتى أثَّر كفه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فاستيقظ الرجل
فزعاً فقصها على بعض شيوخنا فقال له إنك مع إمرأتك في حرام فطلب الرجل الرائي في
نفسه فإذا به قد حلف بطلاق إمرأته وحنث ولم يطلق وبقي معها.
ومثل
ذلك ما اتفق لرجل من الصالحين رأى فقهاء البلد الذي كان فيه قد اجتمعوا ودفنوا
النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات بينهم فاستيقظ الرجل فسأل فوجدهم في مسئلة من
الحج قد أُبِينَت لهم الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها فأبُوا قبولها وحكموا في
المسئلة بالرأي وقالوا [مذاهب قد استقرت] يريد هذا المنازع أن يردها بهذه الأحاديث
وتعصبوا عليه فنعوذ بالله من الخذلان.
ولقد
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ميتاً وقد دفن في موضع من المسجد الجامع
بإشبيليه فسألت عن ذلك الموضع فإذا به مغصوب أخذ من صاحبه ولم يعط حقه
فلمثل
هذا ترجع أحوال من ذكرنا في الرؤيا لا في ذواتهم
فأنا
أحب أن لا أذكر مما رأيته في المنام إلا ما يثبت حكماً أو يفيد علماً أو يحرض على
طاعة فمن ذلك
مبشرة
تحرض على التمسك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأنا بمكة وكان إبراهيم بن همام الإشبيلي
قد اعتنى بضبط الحديث والعمل به وعليه قام هؤلاء الفقهاء الذين دفنوا النبي صلى
الله عليه وسلم كما ذكرنا فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبل إبراهيم بن همام
ويضمه إليه ضم مودة ويعرفه بأنه يحبه
مبشرة
أخرى في معناها
رأيت
في النوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعانق الإمام المحدث أبا محمد علي بن أحمد
بن سعيد بن حزم الفارسي صاحب (المجلى( وكان إماماً في الحديث. عالماً به عاملاً
وقد غشى النور ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذات ابن حزم وقد انضما حتى
كأنهما جسد واحد فهذا من بركة الحديث.
مبشرة
أخرى في معناها
كان
جملة من أصحابنا قبل أن أعرف العلم قد رغبوا وقصدوني محرضين على قراءة كتب الرأي
وأنا لا علم لي بذلك ولا بالحديث فرأيت نفسي في المنام وكأني في فضاء واسع وجماعة
بأيديهم السلاح يريدون قتلي ولا ملجأ معي آوى إليه فرأيت أمامي ربوة ورسول الله
صلى الله عليه وسلم عليها واقف فلجأت إليه فألقى ذراعه عليَّ وضمني ضماً عظيماً
وقال [يا حبيبي استمسك بي لتسلم] فنظرت إلى هؤلاء الأعداء فلم أرَ منهم على وجه
الأرض أحداً فمن ذلك الوقت اشتغلت بتقييد الحديث.
مبشرة
أخرى في معناها
رأيت
مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة في المنام وعليه ثوب أبيض يجر منه في الأرض
اثنى عشرة ذراعاً وهو على باب يقال له باب الفتح فقلت له يا مالك ما أقرأ فقال تحب
أن تقرأ كتب الرأي فكنت أرى شخصاً كان يشتغل بكتب الرأي وهو ينظر في مزبلة معرضاً
عن مالك مقبلاً على المزبلة فقلت يا مالك أخاف أن تقودني كتب الرأي إلى ما قادت
هذا الشخص فتبسم مالك رضي الله عنه وقال صدقت عليك يا بني بتقييد الحديث والعمل به.
ومن
شرف علم الحديث ما حدثنا به العالم أبو العباس أحمد بن داود بن علي بن ثابت بن
منصور الحريري الحلفاوي رحمه الله بمدينة تونس بدار الشيخ الصالح العارف عبد
العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي قال أبو العباس كان لي اعتقاد كبير في الإمام
أبي حنيفة لحسن رأيه وجودة ذهنه وكنت أميل إليه من دون الأئمة فرأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم في النوم فلم يكلمني وهِبْتُ أن أسأله وكان أبو بكر خلفه فقلت يا
أبا بكر كيف مراتب الأئمة عندكم فقال [اللاحق بنا أحمد بن حنبل ثم الشافعي ثم مالك
ثم أبو حنيفة] قال أبو العباس فتعجبت وعلمت أن النجاة في متابعة الحديث
ولقد
أخبرت بهذه الحكاية القاضي عبد الوهاب الأزدي الإسكندراني بمكة سنة تسع وتسعين
وخمسمائة فقال هو الصحيح وأنا أخبرك بما يقوي ما رآه أبو العباس فقلت له أخبرني
ونحن تجاه الركن اليماني عند باب الحزورة فقال كان عندنا رجل صالح فيه خير وله سمت
حسن فمات فرآه بعض الصالحين من أصحابنا في المنام فقال له الرائي يا فلان كيف تكون
الأرض إذا جاءك الملكان فقال إنها تصير كالماء كلما اخترقت فيها لم تمتنع عليك كما
تخترق الماء قال الرائي فقلت له ما رأيت قال رأيت كتباً مرفوعة وكتباً في الأرض
موضوعة فسألت عنها فقيل لي أما المرفوعة فكتب الحديث وأما الموضوعة فكتب الرأي حتى
يسأل عنها أصحابها.
مبشرة
في معرفة المسجد الحرام
رأيت
وأنا بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة في النوم أبا بكر الصديق رضي الله عنه فسألته
أين المسجد الحرام الذي تكون الصلاة فيه بمائة ألف هل هو الحرم كله أو هل هو
المسجد المعروف وحده فقال [لا أقول هو الحرم كله ولا أقول هو المسجد وحده ولكني
أقول كل موضع في الحرم توقع الصلاة فيه فهو مسجد وهو في الحرم فهو من المسجد
الحرام والصلاة فيه بمائة ألف هكذا هو عندنا] ثم استيقظت.
مبشرة
تحرض على الأمر بالمعروف
رأيت
وأنا بحرم مكة في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني واقف بين يدي ربي مطرقاً
خائفاً من عتابه إياي من أجل تفريطي فكان يقول لي جل جلاله [يا عبدي لا تخف فإني
لا أطلب منك عملاً إلا أن تنصح عبادي فانصح عبادي] وكنت أرشد الناس إلى الطريق
القويم فلما رأيت الداخل إلى طريق الله عزيزاً تكاسلت وعزمت تلك الليلة أن أشتغل
بنفسي وأترك الخلق وما هم عليه فرأيت هذه الرؤيا فأصبحت وقعدت للناس أبين لهم
الطريق الواضح والآفات القاطعة لكل صنف عنه من الفقهاء والفقراء والصوفية والعوام
فكل قام عليَّ وسعى في هلاكي فنصرني الله عليهم وعصم فضلاً منه ورحمة.
قال
عليه الصلاة والسلام [الدين النصحية لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] ذكره في
صحيح مسلم
مبشرة
تحرض على الإيمان
أخبرني
كمال الدين أبو عمرو عثمان بن أبي عمرو الأبهري الشافعي من أولاد البراء بن عازب
رضي الله عنه بالمسجد الأقصى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو
يقول [لكل نبي آل وعدة وآلي وعدتي المؤمن] فمازال يكررها مراراً.
وأخبرني
أيضاً قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول [الأنبياء يأمرون أمتهم بأن لا
يعبدوا الأصنام وأنا أمرت أمتي بأن لا يعبدوا الأوثان]
___________
تعليق
ناقل الكتاب
الفرق
بين الصنم والوثن
الوَثَنَ
أعمُّ من الصَّنَمِ؛ لأن الصَّنَمَ لا يُطلَق إلاَّ على التِّمثال. وأما الوَثَنُ
فيُطلَق على التِّمثال وغيره، مما عُبِد من دون الله تعالى، على أي شكل كان حيًّا،
أو ميتًا. فيكون كل صَنَمٍ وَثَنًا، وليس كل وَثَنٍ بصَنَمٍ، بدليل قوله تعالى
فيما حكاه عن إبراهيم عليه السلام:?إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
أَوْثَانًا ? (العنكبوت:١٧(، فصار الوَثَنُ يشمل الصَّنَمَ، وغيرَ الصَّنَمِ، مما
عُبِد من دون الله عز وجل؛ فالقبر وَثَنٌ إذا عُبد .. وكذلك الإنسان والحيوان.
ويدل على ذلك قول الله تعالى:?فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ? (الحج:
٣٠(، فأمر سبحانه باجتناب الرجس من الأوثان، وهو عبادتها، ولم يأمر باجتنابها
كأوثان؛ لأن المحرم من الأوثان إنما هو العبادة؛ ألا ترى أنه قد يستعمل الوثن في
بناء وغيره، مما لم يحرم الشرع استعماله؟ فللوثن جهات؛ منها: عبادتها، وهي بعض
جهاتها. قال ابن جريج، وابن عباس- رضي الله عنهما- في تفسير الآية السابقة:
«اجتنبوا منها العبادة»؛ فـ «مِنَ» على هذا التفسير تبعيضية، وهو أحسن من قول من
جعلها لبيان الجنس، وفسر الآية على أن المعنى: «فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس» ..
والله تعالى أعلم. انتهى التعليق
مبشرة
تحرض على حفظ القرآن
رأيت
في المنام كأن القيامة قد قامت وقد ماج الناس فسمعت قراءة القرآن في عليين فقلت من
هؤلاء الذين يقرؤن القرآن في مثل هذا الوقت ولا خوف عليهم فقيل لي هم حملة القرآن
فقلت وأنا منهم فأدلى لي سلم فرقيت فيه إلى غرفة في عليين فيها كبار وصغار يقرؤن
على رسول الله إبراهيم الخليل عليه السلام فقعدت بين يديه وافتتحت اقرأ القرآن
آمناً لا أعرف خوفاً ولا هولاً ولا حساباً ولا أدري ما هم الناس فيه من الكرب في
الحشر.
قال
النبي صلى الله عليه وسلم [أهل القرآن هم أهل الله وخاصته] وقال تعالى {وَهُمْ فِي
الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}
مبشرة
ترغب في قيام الليل
رأيت
كأني بمكة وكأني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار واحدة وبيني وبينه وصلة
عظيمة حتى كأني هو وكأنه أنا وكنت أرى له ابناً صغيراً وكان عليه الصلاة والسلام
إذا جاء أحد ليراه أخرج معه ذلك الصغير ليتبرك به الناس ويعرفوه وكأن لذلك الصغير
عند الله قدراً عظيماً فبينا نحن قعود وإذا بقارع يقرع الباب فخرج إليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم والصغير معه ثم رجع إليَّ وقال لي [إن الله أمرني أن أمشي إلى
المدينة وأصلي المغرب بشرقيها] وأنا لا أفقده وعيني لا تزال عليه وكأني ذاته فلا
أنا هو ولا أنا غيره فبينا هو بين مكة والمدينة إذ رأى خيراً عظيماً ينزل من
السماء فقال [يا جبريل ما هذا الخير العظيم الذي لم أر مثله فقال نزل من الفردوس
الأعلى على المجتهدين وأنَّى يكون لك أن تكون منهم] خطاب يرجع إليَّ واستيقظت.
مبشرة
تحرض على الرغبة في دعاء الصالحين رضي الله عنهم
دخلت
بإشبيلية على الشيخ الورع الصالح أبي عمران موسى بن عمران المارتلي فأخبرته بأمر
سُرَّ به واستبشر فقال لي بشرك الله بالجنة كما بشرتني فلم تمض أيام حتى رأيت بعض
أصحابنا في المنام ممن كان قد مات فقلت له كيف حالك فذكر خيراً في كلام طويل وقصة
طويلة ثم قال لي وقد بشرني الله بأنك صاحبي في الجنة فقلت له هذا في المنام فهات
الدليل على قولك فقال نعم إذا كان في غدٍ عند صلاة الظهر يطلبك السلطان ليحبسك
فانظر لنفسك فأصبحت وما ثمَّ أمر يوجب عندي شيئاً من ذلك فلما صليت الظهر إذا
بالطلب من السلطان فقلت صدقت الرؤيا فاختفيت خمسة عشر يوماً حتى ارتفع ذلك الطلب
وهذا من بركة دعاء الصالحين.
مبشرة
رأيت
في النوم كأن الله يناديني ويقول لي [يا عبدي إن أردت أن تكون عندي مقرباً مكرماً
منعماً فأكثر من قول {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} كرر ذلك علىَّ مرات]
مبشرة
تفيد علماً في القُرءْ
رأيت
في المنام النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قوله تعالى
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ما أراد الله
بالقرء هنا الحيض أم الطهر فإنه من الأضداد وقد اختلف العلماء فيه وأنت أعرف بما
أنزل الله إليك فقال عليه الصلاة والسلام [إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء
وكلوا مما رزقكم الله] فوقع في نفسي أنه يريد الحيض فقلت له فإذن هو الحيض فأعاد
عليَّ إذا فرغ قرؤها مثل الأول فأعيد عليه فيعيد عليَّ ثلاث مرات وتبسم وكنت أتحقق
أنه يريد الحيض.
مبشرة
رأيت
النبي صلى الله عليه وسلم بين اليقظة والنوم وبيده ميزان الشمس فرمى به وقال [بدعة
ملعونة صلُّوا كما شرع لكم]
مبشرة
تفيد علماً فيمن لفظ بالطلاق ثلاثاً هل ترجع إلى واحدة أم لا؟
رأيت
وأنا بمكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين باب أجياد وباب حزورة ومحمد بن مالك
الصدفي التلمساني يقرأ عليه كتاب البخاري فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الرجل يقول لإمرأته أنت طالق ثلاثاً ولم يكن طلقها هل هي ثلاث كما قال أو ترجع إلى
واحدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام [هي ثلاث كما قال] قلت فقد حكم بعض العلماء بأنها
ترجع إلى واحدة فقال [هؤلاء حكموا بما وصل إليهم وأصابوا] فقلت له يا رسول الله ما
أريد في هذه المسئلة إلا ما تدين الله تعالى أنت به فقال عليه الصلاة والسلام [هي
ثلاث كما قال لا تحل له إلا أن تنكح زوجاً غيره] وكأن قائلاً في المجلس يرد عليه
قوله وكأنه إبليس فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن حب الرمان قد
فقيء في وجنتيه وقد غضب وصاح صياحاً عظيماً على الراد عليه يقول له عليه الصلاة
والسلام في صياحه [تستحلون الفروج] يكرر ذلك مراراً [هي ثلاث كما قال هي ثلاث كما
قال] ثم قرأ القاريء كتاب صحيح البخاري فلما أكمل المجلس أخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم يديه واستقبل الركن اليماني وقال [اللهم أسمعنا خيراً وأطلعنا خيراً
ورزقنا الله العافية وأدامها لنا وجمع الله قلوبنا على التقوى ووفقنا لما يحبه ويرضاه]
أظن وخواتم سورة البقرة.
مبشرة
رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول [إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو
قريباً من فتنة الدجال] ثم استقبل القبلة وحسر كميه عن ذراعيه وفرش سجادة وصلى
عليها ركعتين وقمت عن يمينه وأدركت الركعة الثانية.
مبشرة
في الركعتين عقيب الطواف
رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وأنا بمكة سنة أربع وستمائة وهو يقول [يا
مالكي هذا] أو [يا ساكني هذا البيت مُرُوا من يطوف به أن يصلي عقيب طوافه ركعتين
في أي وقت كان فإن الله يخلق من صلاته ملكاً يعظم الله أو يسبحه- الشك مني - إلي
يوم القيامة]
مبشرة
تفيد علماً بالشجرة التي هي لا شرقية ولا غربية المذكورة في النور
رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت قوله تعالى {اللَّهُ نُورُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ
مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ
زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي
اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ما هذه الشجرة فقال [كنى عن نفسه سبحانه ولذلك
نفى عنها الجهات فإنه لا يتقيد بالجهات والغرب والشرق كناية عن الفرع والأصل فهو
الله خالق المواد وأصلها ولولا هو ما كانت مادة] في كلام طويل وتفصيل واضح وكان
قبل أن يقول لي هذا الكلام يقول لي [أنت تعرف ما هي الشجرة] وما كان لي علم بها
فلما قال [أنت تعرفها] فكنت أقول له نعم أعرفها وأحب أن أسمعها من فيك صلى الله
عليك وكان يقول ما ذكرته واستيقظت.
فهذا
بعض ما رأيته مما جرى على ذكري في هذه الساعة قد ذكرته لسائل الوقت والحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على خيرته من خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً
إلى يوم الدين. انتهت رسالة الشيخ الأكبر.
ورأيت
كتاباً كبيراً لسيدي أبي المواهب الشاذلي كله في مرائيه للنبي صلى الله عليه وسلم.
ورأيت
رسالة فيها خمسون رؤيا نبوية للسيد محمد المحفوظ المغربي ابن باباس رضي الله عنهما
وعن سيدي محيي الدين وسائر الأولياء العارفين.
فصل في عدة مراءِ نبوية ومبشرات
منامية رآها مؤلف هذا الكتاب
فصل
في عدة مراءِ نبوية ومبشرات منامية رآها مؤلف هذا الكتاب
الفقير
الحقير يوسف النبهاني
أو
رؤيت له
وذلك
ببركة خدمتي لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم
وأسأل
الله الزيادة من فضله وإحسانه
الرؤيا
الأولى:
لما
كنت في اللاذقية رئيس المحكمة الجزئية سنة ١٣٠٣ قرأت في بعض الليالي صيغة الصلاة
عليه صلى الله عليه وسلم [اللهم صل على روح سيدنا محمد في الأرواح وعلى جسده في
الأجساد وعلى قبره في القبور وعلى آله وصحبه وسلم] وأنا مضطجع في الفراش حتى نمت
على ذلك فرأيت القمر بدراً كاملاً قريباً من الأرض بيني وبينه نحو عشرين ذراعاً
وفيه صورة وجه في غاية الحسن والجمال وجميع أعضاء ذلك الوجه ظاهرة ظهوراً بيِّنا
وهو ناظر إليَّ نظر بشاشة وأنا ناظر إليه وقد حصل لي علم ضروري أن هذا هو رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعلمت أن وقت هذا الإجتماع وقت قصير فتذكرت أعز شيء أسأله
إياه فخطر في بالي أن حسن الخاتمة هو أعز الأشياء فصرت أخاطبه وأقول أسألك الوفاة
على الإيمان يا رسول الله وكررت ذلك مراراً وهو لا يجيبني سوى أن نظره إليَّ نظر
رضا ثم إن ضوء القمر صار يغلب شيئا فشيئاً على أعضاء الوجه الشريف حتى خفيت
بالكلية وبقى قمراً خالصاً كالعادة ثم انتبهت والحمد لله رب العالمين.
الرؤيا
الثانية:
أني
رأيت في المنام في شهر جمادي الأولى من سنة ١٣١٦ كأني زرت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو حي فدخلت المكان الذي هو فيه وهو مكان لا أعرفه ولعله المدينة المنورة
فوجدته صلى الله عليه وسلم نائماً ووجهه الشريف مكشوف فجلست قريباً منه أنظر إليه
وانتظر انتباهه من النوم وخلفي اثنان أو ثلاثة من الناس قصدهم مثلي وبعد قليل قام
صلى الله عليه وسلم فجلس على مكان مرتفع كالكرسي في وسط ذلك البيت فأقبلت إليه قبل
الجماعة الآخرين وأخذت يده الشريفة اليمنى وقبلتها مراراً ظاهرها وباطنها ثم
انتحيت إلى رجله الشريفة فقبلتها مراراً أيضاً فقال لي تدخل الجنة وعلق ذلك على
شيء فأسأل الله العفو والعافية لي ولكل من دعا لي بهما ثم عاتبني صلى الله عليه
وسلم على عدم إعطائي دراهم لرجل كان طلبها مني فاعتذرت له صلى الله عليه وسلم بأنه
لم يكن معي وقتئذ ما أعطيه فقال لي إن أولياء الله لم يرضوا بذلك أي بعدم إعطاء
الرجل فقلت له أنت سيد الأنبياء والأولياء وسيد الخلق أجمعين وقصدت أنهم يرضون عني
لأجلك فقال صلى الله عليه وسلم نعم يجوز أن لا يكون الإنسان راضياً ثم يرضى
وانتبهت من النوم وأنا في حالة من السرور والفرح لا أكيفها وكان ذلك المنام قريباً
من اليقظة قبيل الفجر وقد رأيته صلى الله عليه وسلم أبيض أزهر أي صافي البياض لا
مشرباً بحمرة وهو كذلك في بعض الروايات فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان لرقة
بشرته تارة يظهر بياضه أزهر أي صافياً وتارة يكون مشرباً بحمرة كما صح بحسب ما
يطرأ عليه من الأحوال من نحو الراحة والتعب والبرد والحر كما هو مشاهد في كثير من
الناس وباقي أوصافه التي رأيتها هي أوصافه في الشمائل المروية عن أصحابه صلى الله
عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.
الرؤيا
الثالثة:
رأيته
صلى الله عليه وسلم بعد الرؤية الثانية بنحو خمسة أشهر قبيل الفجر أيضاً أبيض أزهر
كالرؤيا السابقة ورأيت أمامه صلى الله عليه وسلم في هذه الرؤيا قلمين أحدهما
أنبوبة كاملة غير مبرية والثاني عقب قلم قد ذهب أكثره وبقي منه نحو خمس قراريط وهو
مبري برياً غير مستقيم فخطر في بالي أن أطلبه منه لإستغنائه عنه لأوصي بوضعه معي
في قبري عند وفاتي للإحتماء به واستحييت أن أطلبه منه صلى الله تعالى عليه وسلم
صراحة فأخذت أمهد الكلام لأصل إلى طلبه فقلت له صلى الله عليه وسلم هل هذا القلم
هو قلمك وقد بقى من تلك الأيام أي أيام حياته الظاهرة صلى الله عليه وسلم وقد خطر
لي أن هذا الزمان هو غير ذلك الزمان وإن كان هو الآن أيضاً حياً لا ميتاً فقال صلى
الله عليه وسلم نعم ما تريد منه فقلت أريد أن تعطيني إياه لأجل أن يدفن معي في
قبري فقال صلى الله عليه وسلم وقد ظهر أنه سمح به أنت تدفن في الشيخ سعيد ثم
انتبهت من منامي والحمد لله رب العالمين
وكان
خطر لي في الرؤيا أنه يوجد مقبرة تسمى الشيخ سعيد فحكيت هذه الرؤيا لأحد أصدقائي
الصالحين فقال لي الشيخ سعيد هو أنت وهذا منه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى قولك
في آخر مثال النعل الشريف
سعد
ابن مسعود بخدمة نعله ****** وأنا السعيد بخدمتي لمثالها
فسررت
بهذا التأويل جداً جعله الله تعالى حقاً.
الرؤيا
الرابعة
كنت
ألتجيء في بعض الأحيان لتمشية أموري الدنيوية إلى بعض أكابر الذين ليسوا على قدم
التقوى والصلاح وكان يحصل لي من ذلك بعض تشويش خوفاً من أن يكون غير مرضٍ لله
تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكنت أستدل لنفسي على جوازه بدخول النبي صلى الله
عليه وسلم إلى مكة في جوار المطعم بن عدي عند عودته من الطائف لمَّا توجه إليه بعد
وفاة أم المؤمنين سيدتنا خديجة رضي الله عنها ووفاة عمه أبي طالب فقابله أهله بما
يكره فعاد وهو مكروب فلم يمكنه الدخول إلى مكة إلا بجوار كبير منهم فأرسل إلى
المطعم بن عدي فقبل ذلك ودخل صلى الله عليه وسلم في جواره وبعد أن طاف بالبيت توجه
إلى منزله وكان معه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه فكنت إذا تخطرت ذلك يسهل
عليَّ الأمر ففي سنة ١٣١٧ حصل لي شيء من ذلك فاغتممت له ونمت فرأيت كأني في محل
مرتفع في جهة مكة والنبي صلى الله عليه وسلم داخل إليها من جهة المعلاة ماشياً وقد
صار في أوائل العمران وخلفه شخص آخر تابع له وبيني وبينه نحو مائتي خطوة وأنا من
خلفه أنظر إليه وإلى الشخص الذي معه وهو يريد الذهاب إلى المسجد الحرام ليطوف
بالبيت وأنا أتعجب من جسارته صلى الله عليه وسلم بدخوله إليها على هذه الحالة
وأهلها على ما هم عليه من مخالفته صلى الله عليه وسلم ثم انتبهت وتذكرت أن هذه
حالة دخوله إلى مكة ومعه زيد حين رجوعه إلى مكة من الطائف على الوجه المذكور فكان
لي بذلك أعظم اعتبار والحمد لله رب العالمين
الرؤيا
الخامسة
أن
زوجتي صفية بنت محمد بك السجعان البيروتية وهي من الصادقات لم أعهد عليها كذباً قط
قد أخبرتني في شهر رمضان من العام الماضي سنة ١٣١٧ بأنها نامت ليلة الأربعاء
الثالث والعشرين منه على طهارة كاملة فرأتني قبيل السحور في حجرة من حجر الدار
التي نسكنها في مجلس من عادتي أن أجلس فيه وكان عندنا مصباحان جديدان جيدان من
مصابيح زيت الكاز أحدهما موضوع في حجرتي التي أنام فيها والآخر في تلك الحجرة التي
رأتني جالساً فيها فتناولتٌ هذا المصباح الذي في الحجرة ولا ضوء فيه وناولتها إياه
وقلت لها خذي فتناولته وقالت لي أأضويه إن الذي في حجرتك مضوي أي لا يلزم إضاءة
هذا أيضاً فلم أجبها ثم سمعتْ الجواب إِي آي نعم بصوت حسن غير صوتي فلذلك دققت
النظر فيَّ فإذا أنا لستٌ أنا ورأت في موضعي إنساناً آخر على رأسه قلنسوة مضرَّبة
كالتي يلبسها الصوفية عفراء مطرزة بحرير أحمر وفوقها طيلسان وقد سترت القلنسوة
جبينه وعينيه فرأت ما بقي من وجهه أحمر اللون ولحيته سوداء فيها شعرات قليلة بيضاء
وإذا قائل يقول هذا النبي صلى الله عليه وسلم ورأت الحجرة مشرقة وقد ملأها النور
إلى سقفها فأرادت أن تعرف هل هذا النور منه صلى الله عليه وسلم أو من مصباح في
الحجرة غير الذي أعطيتها إياه فنظرت إلى ذلك المصباح فوجدته غير مضوي فتيقنت أنه
نور النبي صلى الله عليه وسلم فأدركها من هيبته عليه الصلاة والسلام خشوع عظيم
وانتبهت من نومها بهذه الحالة والحمد لله رب العالمين
الرؤيا
السادسة
رؤيا
أديب أفندي ابن محمد الحفار الشامي المقيم في بيروت
أخبر
هذا الرجل جماعة منذ نحو ثلاث سنوات بأنه رأى في تلك المدة النبي صلى الله عليه
وسلم في المنام وحوله ناس وهو يقول الشيخ يوسف النبهاني من رفقاء موسى بن عمران في
الجنة واستيقظ فبلغني ذلك من غيره ثم رآني وأخبرني به مشافهة حتى إني راجعته في
لفظ الشيخ فأكد لي أنه هكذا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في المنام والحمد
لله رب العالمين.
الرؤيا
السابعة
رؤيا
داود أفندي أبي غزالة النابلسي
وهو
رجل صالح معروف بكثرة الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني من نحو سنة أنه رأى
في تلك المدة النبي صلى الله عليه وسلم في الجامع الأموي في دمشق الشام وحوله كثير
من الناس ورآني من أقرب الناس إليه صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين
الرؤيا
الثامنة
رأيت
من نحو سبع سنوات في المنام أني جالس وحولي أناس أقول لهم (إن جميع الذين يؤلفون
في شئونه الشريفة صلى الله عليه وسلم ويمدحونه إنما يستمدون ذلك منه عليه الصلاة
والسلام فهو صلى الله عليه وسلم في الحقيقة الذي يمدح نفسه وهو الذي يؤلف في شئون
نفسه( فكأن بعضهم تعجب من ذلك فصرت أكرر هذا المعنى بحدة حتى انتبهت من النوم
والحمد لله رب العالمين
الرؤيا
التاسعة
Not: Bazen Büyük Dosyaları tarayıcı açmayabilir...İndirerek okumaya Çalışınız.

Yorumlar
Yorum Gönder