اليد الخفيية....GİZLİ EL… YED-ÜL HAFİYYE
- Bağlantıyı al
- X
- E-posta
- Diğer Uygulamalar
يخلط الكثيرون بين الخطاب التحليلي والتفسيري من
جهة، والخطاب العملي الأخلاقى من جهة أخرى. والخطاب العملي خطاب له أهداف عملية
مباشرة مثل تعبئة الجماهير أو الرأي العام، ولا يعنى كثيرا بقضية التفسير. ونحن
نقسم هذا الخطاب إلى قسمين: الخطاب العملي التعبوي. والخطاب العملي القانوني. أما
الخطاب العملي التعبوي فهو الخطاب الدعائي المحض الذي يتوجه على سبيل المثال؛ إلى
الرأي العام العالمي يحرضه ضد إسرائيل، أو يتجه نحو الداخل ليعبى الجماهير ضد
العدو الصهيوني وضد المؤامرة المستمرة (أو العكس الآن، إذ يقوم الخطاب التعبوي
بالتبشير بالسلام) . ويكن للخطاب العملي أن يكون قانونيا وتصبح القضية هي المرافعة
لتوضيح الحق العربي والأساس القانوني له. ومن الأشكال الأخرى للخطاب القانوني ما
ينشر من دراسات تحت شعار «من فمك ندينك يا إسرائيل» . وهذه الدراسات تتكون عادة من
اقتباسات من كتابات بعض المؤلفين الصهاينة الإسرائيليين، ومن أعضاء الجماعات
اليهودية ينتقدون فيها اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وإسرائيل، أو ينادون
بالبطش بالعرب. هذا بخصوص الخطاب العملي، أما الخطاب الأخلاقي فهو خطاب يصدر عن
قيم أخلاقية إنسانية مطلقة، ويحاول أن يحض على وضعها موضع التطبيق.
ويمكن القول بأن ثمة
نقط تشابه أساسية بين الخطابين الدعائي التعبوي والعملي القانوني من جهة والخطاب
الأخلاقي من جهة أخرى، فجميعها ذات توجه عملي غير تفسيري. وقد ظهرت مؤخرا مصطلحات
تعبوية أخلاقية مثل «ثقافة السلام وثقافة الحرب» ليست لها قيمة تحليلية أو تفسيرية
كبيرة، فهي مصطلحات تخلق الوهم بوجود شيء عملي أخلاقي مطلق اسمه «السلام» مقابل
شيء آخر غير عملي لا أخلاقي مطلق
٥
يسمى
«الحرب» ، ولا يوجد أي منهما داخل أي سياق إنساني أو تاريخي أو اجتماعي. وقدتم
تحميل مصطلح «ثقافة السلام» بكل الإيحاءات الإيجابية (الأخلاقية والعملية)
الممكنة، وأصبح الحديث عن «الحرب» مهما كانت أسبابها ومهما كانت الدوافع وراءها
(مثل الحرب من أجل تحرير الأرض والذات على سبيل المثال) أمرا سلبيا وشكلامن أشكال
ألعنف.
وبعد
عملية الاستقطاب والتبسيط هذه تطرح أسئلة بسيطة من نوع : هل أنت مع إسرائيل أم
ضدها ؟ هل أنت من دعاة ثقافة السلام أم من دعاة ثقافة الحرب؟ وا لأسئلة ذاتها تنم
عن عملية اختزالية، فهي تفترض أن العالم مربعات بيضاء وسوداء ، وأن المعرفة يتم
التوصل لها من خلال الاختبارات الموضوعية التي يجيب عنها الإنسان بنعم أم لا.
وهذه الدراسة تحاول
أن تتجاوز هذه الاختزالية، فنحن- والحمد لله-لسنا من دعاة الحرب ولا من دعاة
السلام، وإنما نحن من دعاة إقامة العدل في ا لأرض. ونحن كبشر نفضل-بلا شك-أن يقاوم
العدل بالطرق السلمية ومن خلال قرارات هيئة الأمم المتحدة إن توافرت السبل إلى
ذلك، فإراقة الدماء بدون مبرر مذبحة. ولكن إذا لم تتوافر السبل السلمية، فهناك طرق
مشروعة أخرى، تعترف بها المواثيق الدولية، للدفاع عن الأرض والذات، مثل المقاومة
المسلحة.
وهذه
الدراسة ليست جزءا من ثقافة السلام أو ثقافة الحرب، وإنما جزء من ثقافة العدل، وهي
ثقافة تطالب بضرورة الفهم العميق للواقع المركب، ولا ترفض القيم الأخلاقية ولا
تنكر ضرورتها للإنسان كإنسان ولا تقلل من أهمية الاعتبارات العملية، بل ترى أن التفسير(التفكيك
والتركيب) لابد أن يترجم نفسه في نهاية الأمرإلى فعل إنساني فاضل وإلى شيء يعود
على الإنسان بالنفع، بحيث يقف الإنسان وراء ما يتصور أنه إنساني وأخلاقي ونافع
(المعروف) ، ويقف ضد ما يصور أنه غير إنساني وغير أخلاقي وضار (المنكر). إلا أن
مثل هذا الموقف الأخلاقي العملي الإنساني، هذا ا لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
لا بدأن يسبقه تحليل للواقع المتعين بكل مكوناته وتركيبيته وبنيته حتى يكن فهمه
قبل الحكم عليه.
وفي
محاولتنا تفسير الواقع الصهيوني وجدنا أن من أخطر عيوب الخطاب
التحليلي،
الذي يهدف إلى تفسير الواقع، أن كثيرا من الدراسات العربية تبنت (عن وعي أو عن غير
وعي) معظم أو كل المسلمات أو المقولات التحليلية الغربية التي تتعامل الحضارة
الغربية من خلالها مع العقيدة اليهودية ومع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي مقولات
أو مسلمات في معظمها ذات أصل إنجيلي مثل «التاريخ اليهودي» و «الشعب اليهودي» .
وهذه المقولات الإنجيلية احتفظت ببنيتها الأساسية دون تغيير، حتى بعد أن تم
علمنتها وتفريغها من القداسة والأبعاد الدينية، فاليهود لا يزالون (فى الوجدان
الغربي الحديث) كيانا مستقلا يتحركون داخل تاريخهم المستقل. وبعد أن كانوا يهيمون
في البرية ويصعدون إلى كنعان ويهبطون إلى مصر، أصبحوا الآن يهيمون في أنحاء
العالم، وبخاصة العالم الغربي، متطلعين طيلة الوقت إلي الصعود إلى فلسطين. ومن ثم
يخلع الوجدان الغربي على اليهود التفرد باعتبارهم الشعب المختار، وينزع عنهم
القداسة باعتبارهم قتلة الرب والشعب المنبوذ الذليل، ثم يحيدهم تماما باعتبارهم
مادة استعمالية ليس لها أهمية خاصة. وهذه البنية تشكل نموذجا محددا (صهيونيا
معاديا لليهود في ذات الوقت) ، فهي ترى اليهود باعتبارهم إما ملائكة رحيمة أو
شياطين رجيمة، وإما باعتبارهم مركز الكون، فلايمكن للتاريخ البشري التحرك بدونهم،
أو باعتبارهم مجرد أداة أو شيء هامشي لا أهمية له في ذاته على الإطلاق.
وقد أدى هذا الخضوع
لإمبريالية المقولات الغربية، وغيره من العناصر، أن أصبح العقل العربي يميل هو
الآخر إلى أن ينزع اليهود من سياقهم الحضاري والتاريخي والإنساني المختلف والمتنوع
ويشيئهم ويجردهم تماما من إنسانيتهم المتعينة، ومن هنا تم اختزال واقع الجماعات اليهودية
المتنوع والثري وغير المتجانس إلى بعد واحد أو اثنين أو إلى أطروحة واحدة بسيطة أو
أطروحتين. ولذا، يسقط الخطاب التحليلى العربى أحيانا في النظر إلى الظواهر
اليهودية كمعطى حسي مادي، كشيء لا تاريخ له ولا أبعاد مركبة معروفة أو مجهولة، ومن
ثم يتم إهمال التاريخ كمصدر أساسي للمعرفة الإنسانية وللأنماط المتكررة وللنماذج
التفسيرية التي تزودنا بمتتاليات نماذجية تفسيرية لفوضى الواقع وتفاصيله. وحينما
يستدعى التاريخ، فإنه عادة ما يستدعى بطريقة معلوماتية وثائقية، فيتم قتله أولا
ويتحول من بنى مركبة حية إلى مادة أرشيفية.
ولكن الأهم من ذلك،
حينما يسقط البعد التاريخي وا لإنساني المركب للظواهر
٧
اليهودية،
أن اليهوديتحولون إلى كل متماسك، ويبدأالباحث في التعامل مع اليهود ككل؛ اليهود في
كل زمان ومكان؛ اليهود على وجه العموم. ومثل هذه المقولات غير التاريخية تؤدي إلى
تأرجح شديد بين قطبين متنافرين :
١ -
النظر لليهود في كل زمان ومكان باعتبارهم كيانا فريدا ليس له نظير وله قانونه
الخاص.
٢ -
النظر لهم باعتبارهم شيئا عاما لا يختلف عن الوحدات الأخرى المماثلة يسري عليها ما
يسري على كل الظواهر الأخرى.
وقد
نتج عن هذا التأرجح اختلال في تحديد مستوى التعميم والتخصيص الملائم لدراسة
الظاهرة.
وسنركز في هذه الدراسة
على ما يسمى التفكير التآمرى وا لاتجاه نحو التخصيص الذي عادة ما ينسب لليهود قوى
عجائية، ويزعم أن «يد اليهود الخفية» توجد في كل مكان تقريبا، خاصة في المواقع
الهامة (مثل مراكزصنع القرار)، كماأن هناك تمررا عاما لدى الكثيرين أن اليهود وراء
كثير من الجمعيات السرية والحركات الهدامة. بل يذهب البعض إلى أن ثمة مؤامرة
يهودية كبرى عالمية تهدف إلى الهيمنة على العالم وتحقيق «المخطط الصهيوني
اليهودي»! ومع تصرفات نتانياهو الأخيرة، ورفضه لتنفيذ حتى اتفاقيات أوسلو، وتقبل
الولايات المتحدة لهذا الوضع، وسكوتها عنه، وعجز الكثيرين عن تفسير سلوك نتانياهو
وسكوت الولايات المتحدة، بدأ فكر المؤامرة يستشرى ويزيد.
ونحن نرى أن هيمنة هذا
الفكرعلى العقل العربي هومن أخطر الأمور، فهويزيد من هيبة إسرائيل ويجعلها تكسب
الحروب دون أن تدخل أي معارك. وقد صرح المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في
جريدة هآرتس ( ١ ٣ ديسمبر ١٩٩٣) بأن كثيرا من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب
ودها نظرا لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكلات وثيقة صحيحة، وأن ما جاء
فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود، وأن اليهود
يتحكمون بالفعل في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة. ومن ثم فالطريق
إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية. ويضيف
ماركوس معلقا على هذه المفارقة : «إن
إسرائيل واليهوداتبدو
كأن الذي كتبهالم يكن شخصامعاديالليهود، وإنمايهودي ذكي يتسم ببعد النظر» . والفكر
التآمري قد يعبئ الناس في البداية، ولكنه يبث الهزيمة في قلوبهم، وينتهي بهم الأمر
إلى الهزيمة الداخلية والاستسلام.
وسيتناول هذا الكتاب فكرة المؤامرة من خلال عرض
أهم جوانبه ودراسة أهم ظواهره. فيتناول الفصل الأول فكرة المؤامرة والبروتوكلات
والتلمود وارتباط اليهود بالسحر والتنجيم بل وبالشيطان. ويتناول الفصلان الثاني
والثالث الحركات «اليهودية الهدامة» (الإسرائيليات-ظاهرة اليهود المتخفين-الحركة
الفرانكية-الماسونية-البهائية). ويرى البعض أن اليهود في رغبتهم المتأصلة في هدم
المجتمعات الإسلامية والمسيحية انضموا للحركات الثورية (الشيوعية والاشتراكية) ،
وهذا ما يتعرض له الفصل الرابع. أما الفصلان الخامس والسادس فيتعاملان مع بعض الجرائم
اليهودية المحددة مثل الاشتغال بتجارة الرقيق الأبيض والشذوذ الجنسي والجاسوسية
والجرائم المالية . ويتناول الفصل السابع ما يسمى «العبقرية اليهودية» ، أما الفصل
الثامن فيتناول قضية اللوبي الصهيوني. وغني عن القول أننالم نتناول ماتناولنامن
موضوعات في حد ذاتها وإثما في إطار الموضوع ا لأساسي الذي حددناه لأنفسنا،
وبالتالي أبرزنا بعض الجوانب دون غيرها، وأكدنا رؤيتنا للآخر/ العدو، وهمشنا، بل
وأهملنا تماما، بعض الجوانب ا لأخرى التي قد تهم كاتبا آخر يتناول نفس الموضوعات
ولكن من منظور مغاير. ولكل مقام مقال. وقد يرى البعض أن هذه الدراسة هي مجرد «جهد
نظري» ، وأنها بالتالي لن تؤدي إلى «تحرير فلسطين» . أما أنها جهد نظري تنظيري،
فهذا مما لا شك فيه؛ أما أنها لن تؤدي إلى «تحرير فلسطين» فهذا ما لم نزعمه قط؛
فنحن نعلم أن الجهد النظري (الاجتهاد) يختلف تمام الاختلاف عن القتال ضد العدو
(الجهاد) ، فلكل مجاله وأدواته. ولكننا نعلم أيضا أن الاجتهاد لابد أن يسبق
الجهاد، والكفاح لابد أن يسبقه الفهم العميق. وإن اندفع المرء للجهاد والكفاح، دون
اجتهاد وتعمق، وجد نفسه يحمل السلاح ضد عدو لا يعرفه، ويفاوض أو ينازل خصما لا
يفهمه حق
الفهم. .
ونحن نذهب إلى أن وراء التصورات التآمرية، التي
تهيمن على العقل العربي، ما نسميه «النموذج الاختزالي»، الذي نرى أنه أداة غير
كافية، وأحيانا مضللة، للدراسة
٩
والفهم
والتحليل، وأنها قد تضفى على العدو قوة لا يستحقها، وهالات من المجد هو ليس أهل
لها. وبدلا من ذلك نطرح النموذج التركيبي كطريقة لدراسة الظواهر اليهودية
والصهيونية، وباعتباره نموذجا أكثر تفسيرية. ويجب أن نذكر أنفسنا دائما، أن
اليهودي الذي يفر من البغض العنصري والاختزالي لأعداء اليهود، هو نفسه المستوطن
الصهيوني الذي يحمل السلاح ويغتصب الأرض العربية، ويقتلع أهلها ويطردهم أو يبيدهم.
فالعداء لليهود وا لاستيطان الصهيوني هما وجهان اختزاليان وعنصريان لعملة واحدة.
فكلاهما يؤكد وحدة اليهود وكلاهما يطالب بطرد اليهود من أوطانهم.
وفي
محاولة نحت النموذج التركيبي الذي نطرحه استخدمنا نماذج فرعية (الحلولية-
العلمانية الشاملة- الجماعات الوظيفية) وبعض المصطلحات والمفردات (الجماعات
اليهودية - المشيحانية) . ونقوم في الفصل التاسع (والأخير) بتوضيح هذه النماذج
والمصطلحات.
وقد يرى البعض أنه كان
من الأجدى أن نبدأ بالفصل الأخير باعتبار أننا نوضح فيه المصطلحات المستخدمة في
هذا الكتاب. ولكننا آثرنا أن نترك الأمر للقارئ فيمكنه أن يبدأ بالفصل ا لأخير
(النظري) إن أراد، ويمكنه أن يبدأ بالفصول الأخرى (التطبيقية) إن فضل ذلك. ولكل قارئ
ذوقه، فهناك من يؤثر الانتقال من الخاص إلى العام، وهناك من يفضل الانتقال من
العام إلى الخاص. وأحب أن أتوجه بالشكر للأستاذة نادية رفعت لما بذلته من جهد في
المرحلة البحثية لهذه الدراسة (خاصة في الأجزاء المعنونة : المصالح
اليهودية-الجرائم المالية-الجاسوسية اليهودية) . وللمهندس واثل فكري لقراءة مخطوطة
هذا الكتاب قبل نشرها، وللأستاذ سيد طه والأستاذة رحاب محمد اللذين قاما بكتابة
المخطوطة على الحاسب الآلي وتنسيقها وإعدادها للطباعة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
دمنهور والقاهرة
١٠ شوال ١٤١٨
٥ فبراير ١٩٩٨
الموامرة اليبوييعبرالتارتع
إن لم يجدالعقل
الإنساني نموذجا تفسيرياملائيالواقعة ما ، فإنه يميل إلى اختزالها وردها إلى يد أو
أياد خفية تنسب إليها كافة التغييرات والأحداث . فالأحداث - حسب هذا المنظور-ليست
نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة
من جهة وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع محططا جباراً وصاغ
الواقع حسب هواه، مما يعني أن بقية البشر إن هم إلا أدوات . ومن أهم تجليات هذا
النموذج الاختزللي (انظر الفصل التاسع) اتهام اليهود بأنهم يحيكون مؤامرة تهودية
عالمية وردت وقائعهافي بروتوكولات حكماء صهيون والتلمود. وينسب فكر المؤامرة
لليهود مقدرات عجائبية - فهم سحرة ومنجمون، بل وهم شياطين رجيمة وهم عادة لهم
مصالحهم اليهودية الخاصة ، التى يدافعون عنها ولايكترثون بمصالح الآخرين بل ويضحون
بها من أجل مصالحهم الشخصية . وهذا الفصل سيتناول هذا الجانب في فكر المؤامرة .
المؤامرة اليهودية
الكبرى
من أهم تجليات النموذج
الاختزالي ما يقال له «المؤامرة اليهودية الكبرى» أو «المؤامرة اليهودية العالمية»
والتي تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية يكونون كلا واحداً متكاملا متجانسا، وأن
لهم طبيعة واحدة، وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها،
ولاينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها. وهو يقف دائي في مقابل الأغيار (غير اليهود) ، إذ أن ثمة خاصية ما في اليهود، ثمة
خصوصية كامنة
١١
فيهم ، تجعل من العسير
على كل المجتمعات الإنسانية دمجهم ، أو استيعابهم ، وتجعل
من العسير عليهم
الاندماج فيها .
ويتسم
اليهود (حسب نموذج المؤامرة الكبرى) بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور
فطرت في عقولهم ، فهي مكون أساسي وثابت من طبيعتهم) ، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط
جبار وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ ، والذي وضع تفاصيل
المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفا
ووهنا بينما يزداد اليهود قوة ، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربيا لإنشاء حكومة
عالمية يكون مركزها أورشليم القدس) . والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن
هذا النموذج وعن هذه المؤامرة الأزلية المستمرة ، واليهود من ثم هم المسئولون في
كل زمان ومكان عن كل الشرور والمنكرات . فهم، على سبيل المثال، الذين أراقوا دم
المسيح (حسب الرواية المسيحية) ، وهم الذين وضعوا السم للرسول عليه الصلاة والسلام
، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ (ثم أتباعه من بعده) للقضاء على الإسلام ، وهم
الذين قاموا بدس الإسرائيليات دسا على الدين الحنيف ، بل وينسب إليهم ذبح الأطفال
واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح .
وفي
العصر الحديث يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية
(وغيرالمعروفة
والخفية) في العالم الغري والعربي ، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم وراء المحافل
الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامراتهم ، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد
الإسلام وكل العقائد ، بل وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم .
وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها ، والبلشفية بكل إرهابها ،
والإباحية بكل تدميريتها . وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية(من خلال يهود
الدونمه) . وهم يسيطرون على الرأسمال العالمي والحركة الشيوعية ويتحكمون في
الصحافة ووسائل الإعلام . وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية الإنجليزية وجعلوها
تصدر وعد بلفور . وهم الذين يحركون الآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة
الأمريكية ويوجهون الإعلام الأمريكي ويجندون الصوت اليهودي ، وذلك حتى يسخروا
الولايات المتحدة ويرغموها ، بها لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة ، على تحقيق مآرتهم
وتنفيذ مصالحهم . والصهيونية ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي ،
وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وبهيمنتهاعلى العالم، وإنماهي مجردتعبيرعن
هذا الشر الأزلي الكامن في النفس اليهودية الذي يتبدى في الغزو الصهيوني لفلسطين،
وضرب المفاعل الذري العراقي وغزو لبنان
وقمع الانتفاضة والهجرة
اليهودية السوفيتية إلى فلسطين والسوق الشرق أوسطية. . . إلخ. ومن أهم إفرازات هذا
التصور الاختزالي الوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون .
والباحث المدقق
سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لليهود لا تختلف في أساسياتها مطلقا عن
الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود . فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية
واحدية اختزالية ساذجة ، تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ إذ أنها تسقط
عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم . فدلأ من رؤية أعضاء الجيماعات اليهودية كجزء
من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كيانا واحدا متماسكا
فريدأ يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها.
وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين نجد أن كلا من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن
«الشعب اليهودي عبر التاريخ» وعن «الشخصية اليهودي في كل العصور» وعن «العبقرية أو
الجريمة اليهوديه في كل زمان ومكان» وهكذا .
ويقدم
كلا الفريقين تصورا لليهود باعتبارهم كيانات بسيطة دوافعها بسيطة وغاياتها بسيطة.
فأعضاء الشعب اليهودي هذا، حسب رؤية التآمريين والصهاينة، لا يشعرون بالانتماء
لأوطانهم ، إذ أنهم أينا وجدوا يحنون لصهيون ويدينون لها وحدها أو لحكومتهم
اليهودية بالولاء ، ومن ثم فاليهودي عادة يعاني من ازدواج الولاء ولا يشعر
بالاستقرار في وطنه ، ونتيجة لهذا يصبح شخصية مريضة لا تخضع للقوانين الإنسانية
العامة ، يقاوم الاندماج في الأغيار ويقع ضحية فريدة لعنفهم .
والخلاف بين التآمريين
والصهاينة لا يوجد في التشخيص أو في الوصف أو في المنطلقات أو المسلمات ولا حتى في
الحل وإنا في آليات الحل وحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كليا
وشاملا ، فكلا الفريقين يطرح حلا بسيطاً لمشكلة الكيان اليهودي المتاسك الفريد
الذي يرفض الاندماج ، ألا وهو ضرورة
خروج اليهودمن أوطانهم
. ولكن بينمايرى التآمريون وأعداءاليهودأنه لامناص من استخدام العنف في هذه
العملية (من طرد وإبادة) ، فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف
على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة ، بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف . ومع هذا
، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام
١٩٥١ ، حينا ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمع أعضاء الجاعة اليهودية في
العراق حتى يضطروهم للهجرة منها إلى الدولة
١٣
الصهيونية الناشئة ،
وكما يحدث الآن حينيا تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة
لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة إلى
إسرائيل.
كلمة
«بروتوكول» كلمة إنجليزية تعني «اتفاقية» ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يقال
إنها كتبت عام ٨٩٧ ١ في بازل بسويسرا ، أي في نفس العام الذي عقد فيه المؤتمر
الصهيوني الأول . بل ويزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر، وأمها نوقشت
فيه ، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي
إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه ، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم
حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة (بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين
والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها
حكومة عالمية يكون مقرها القدس.. وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعا وعشرين
بروتوكولا في نحو مائة وعشر صفحات ، ونشرت أول ما نشرت عام ١٩٠٥ ملحقا لكتاب من
تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلم المخطوطة عام ١٩٠١ من صديق له حصل
عليها من امرأة (مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا . لكن
نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري
الروسي في فرنسا ، وأن الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني . وقد كانت
لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة ، كما كان غارقا في الدراسات الخاصة بالدلالات
الصوفية للأشكال الهندسية .
وقد
لاقت البروتوكولات واجا كبيراًبعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك
«الثورة اليهودية» ، إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت كثيراً من
البلدان الأوربية إلى اليهود.
وانتقلت
البروتوكولات إلى غرب أوربا عام ١٩١٩ حيث حملها بعض المهاجرين الروس. وبلغت
البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين ، حينما حاول كثير من
الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في
المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية . وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب
رواجا في العالم الغربي بعد الإنجيل ، وترجمت إلى معظم لغات العالم بما في ذلك
العربية حيث ظهرت عدة
أشاروا إليها باستحسان كبير ، وكأنها وثيقة ذات
شأن كبير . ولحسن الحظ ، لا يوجد مركز دراسات عربي واحد أعارها أي اهتمام ، ولا
يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية.
والرأي السائد الآن في
الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن
البروتوكولات وثيقة مزورة ، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس
جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو ،
أو السياسة في القرن التاسع عشر ، نشر في بروكسل عام ١٨٦٤ ، فتحول الحوار إلى
مؤتمر وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون. وقد اكتشفت أوجه الشبه بين الكتيب
والبروتوكولات حيث تضمنت هذه الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتاب المذكور، وأحيانا
تعبيرات مجازية وصورا منه . والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما
كان يتم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية
ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة بتخويفهم من
المؤامرة اليهودية الخفية العالمية.
وقد قمنا بدراسة سريعة
لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور. . . إلخ) ، فوجدنا أن هناك
من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة أنها وثيقة مزيفة :
١ -
يلاحظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة :
(أ)
فكاتب الوثيقة لايعرف شحاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية
أو يديشية . وهناك إشارتان للإله الهندي فشنو ، وإشارة واحدة لأسرة داود . وبطبيعة
الحال ، يمكن إثارة القضية التالية : إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية ، فلماذا
لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآزامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تسربها؟
ومما يجدر ذكره أن كثيرا من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون
الروسية . وكان حزب البوند ، أكبر الأحزاب العمالية في أوربا، يدافع عن حقوق
العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم
القومية (باعتبارهم أحد «شعوب» الإمبراطورية الروسية) .
١٥
عن
الاستبداد المطلق وعما يسمى «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» ، وهجوم شرس على
الليبرالية والاشتراكية ، وهو ما يبين أن اهتمامات الكاتب روسية تماماً وتعكس رؤية
الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري.
(ج)
هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية ، وهو ما يدل على التربة المسيحية
الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء .
(د)
ثمة هجوم شرس على الماسونية ، التي كانت آنذاك جزءا لا يتجزأ من الحركة الليبرالية
والثورية الروسية .
( ه)
هناك هجوم شديد على دزرائيلي ، الذي كان شخصية مكروهة تماماً ض النخبة الحاكمة في
روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزا متيعاً ضد توسع الإمبراطورية
الروسية.
٢-
كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية ، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها، لا
يجيد التزييف، فقد حاول أن يبين الخطر العالمي لليهود . وحتى يعطي وثيقته درجة من
المصداقية ، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدثون عن الخطر اليهودي ، حتى يبدو
الأمر كله وكأنه « شهد شاهد من أهلها» ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء
في عملية تزييفه هذه :
( أ)
ففي الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية :
« يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عددا من ذوي الطبائع
النبيلة» . وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها . ولكن السؤال البديهي الذي
يطرح نفسه هو : لماذايصركبيرحكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون ؟ أليس
كل الحاضرين من الأشرار الذين لا يوجد شبهة في شرهم ؟ ونفس السذاجة تتبدى في
الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء : « إن الغاية تبرر
الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألانلتفت إلى ما هوخير وأخلاقي بقدرمانلتفت إلى
ما هو ضروري ومفيد! " ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير
الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البديهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان
؟ أم أنه لاحظ بعض علامات الخير بينهم فأراد أن يحذرهم منها ؟
فيجعلهم ينسبون إلى
أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول : «نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه
من قبل » . ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه
الاتهامات لأنفسهم في نفس البروتوكول الثاني: «من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا،
وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدسنا الذهب، ولو أن ذلك سبب أنهارا من
الدم » . وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره
ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقا ؟ ولماذا يصر على أن يخبرهم
في البروتوكول الثالث أن « أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من
صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف
يتبرأون منا». فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من « فشل إلى فشل» ،
ويصرعلى أن هذه الحركة ستودي بهم ؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع : «إن لنا طموحا
لا يحد ، وشرهالا يشبع، ونقمة لاترحم ، وبغضاء لاتحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى
. وإننا نسخر في خدمتنا أناسا من جميع المذاهب والأحزاب، . ثم يتطوع بالتأكيد على
مايلي: » لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميين ، وجعلناه فاسدا متعفناً بما علمناه
من مبادئ» . ومن الواضح أنه لم يبق من التزيف سوى صيغة المتكلم الجمع، أماالباقي
فهي اتهامات موجهة بالتامر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة
.
ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في
البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق ، وأن اليهود سينفذون مخططهم
الإرهابي عن طريق الغش والخداع . فعلى مستوى المجتمع ، سيقومون بتقويض دعائم
الأسرة وصلات القرابة ، وبإشاعة الإباحية ، واستغلال الحريات العامة ، وتخريب
المؤسسات المسيحية ، وإفسادأخلاق العالم المسيحي الأوربي . أما على مستوى الدولة،
فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على
ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس
المال فقط من الخروج بالغنائم . وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى
تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه ،
وتصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء .
وتهتم
البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطط بأن يسيطر اليهود على الصحافة وعلى دور
النشر وعلى سائر وسائل الإعلام ، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما
١٧
يريدونه.
كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب
أهوائهم . كما أنهم سيسيطرون أيضاً ، بطبيعة الحال ، على الدول الاشتراكية
المعادية للاستعار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء؛ عن الخير والشر،
وعن الثورة والثورة المضادة ، وعن الاشتراكية والرأسمالية . فالبروتوكول السادس ،
مثلا ، يقول : « كي نخرب 1أي نحن
اليهودصناعة الأغيار سنزيدمن أجورالعمال اتجاهات اشتراكية ونعرض الصناعة للخراب
والعمال للفوضى 1اتجاهات
فوضوية» .
ومن الواضح أن
البروتوكولات ليست نقدا لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوربي في
أواخر القرن التاسع عشر بأزمته ، و بقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشرلها
بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعدتفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له
قدراكبياً من الطمأنينة ، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي .
فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم ، حسبما جساء في البروتوكولات ، ليس
عالماًشرير بشكل شيطاني ميتافيزيقي ، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي
الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية والداروينية الإجتماعية ، ومن هنا كان الجمع
بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود ، كما كان الجمع
بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما ، فبرغم الاختلافات
العميقة بين النظامين المذكورين ، والاختلاف بين الفيلسوفين ، فإن العامل المشترك
الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة
واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة.
وقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في نختلف
القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أي أقلية أخرى ، فكان يوجد أعداد
كبيرة من كبار الممولين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات
اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة وإلربا ، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين
الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار
الداروينية الاجتماعية تطرفاً . بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب
الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين) ،
أو في شركة الهندالشرقية الهولندية ، أو في شركة قناة بنما . كماتركزأعضاء
الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين
وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وبكل
من «اليمين» و«التحلل الرأسمالي» و«التفكك الليبرالي» من جهة أخرى .
ولكن
، إلى جانب ذلك ، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة
اليسار أيضأ : فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي . وقد
انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية ، حتى أن ٠ ٣/ من أعضاء
الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي . وحينما قامت جمهورية
بلشفية في المجر عام ١٩١٩ ، كان رئيس الدولة يهوديا ، وكان عدد اليهود من الوزراء
كبياً لدرجة مدهشة ، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين
من أصل يهودي . كماكان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي . وفي نهاية الأمر، كان
هناك كل من روتشيلد رمزا للارتباط العضوي بين اليهود والرأسيالية ، وماركس رمزا
للارتباط العضوي أيضابين اليهود والاشتراكية . ولذا ، كان من الممكن تفسير كل شيء
بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية» .
ومما ساعد على إشاعة
هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب
رمزا لكل الشرور . وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى ،
ولذا كان هناك يهود في كل مكان ، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات
المتحدة . وكما هو معروف ، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم .
ولكل هذا ، أصبح اليهودي رمزاً متعينا لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها
جيداًرغم شقائه الناجم عنها ، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها
الاشتراكي والرأسيالي) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كل
ضخم مركب . بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية لهذه الثورة ، وفقدت قطاعات
كبيرة من الجياعات اليهودية هويتها نتيجة لها .
والفكرة الأساسية في
البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية . لكن المعروف تاريخيا أنه لم تكن
هناك سلطة مركزية تجمع سائر ييود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام ٥٨٦
ق . م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات
دينية لا يربطها رباط قومي ، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم
برعاية شئونها . ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أية أقلية دينية أو جماعة
وظيفية أخرى .
وهنا
، يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل : هل تشكل الجماعات اليهودية في العالم
من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم ؟ إن الدارس
لتواريخ الجياعات اليهودية يعرف أنها كانت دائها قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب
٠ف
سطوتها أو سلطانها وإنا بسبب كونها أداة في يد
النخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل .
والإشارة للى البروتوكولات
واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزورة ، ولا
توجد دراسة علمية واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تثبت أنها وثيقة
صحيحة . ولكن ، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة ، فإن من يستخدمها يفقد
مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها . كا أنه لا يمكن
إثبات أن هذه الوثيقة تعبرتعبيراحقيقيا عن دوافع أغلبية أعضاء الجياعات اليهودية
في العالم ، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم . وبسبب السمعة
الشائنة للبرتوكولات ، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجه إليهم بأنه وقوع في أحابيل
البروتوكولات . ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجياعات اليهودية
تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يسمى كتاب التربية الذي يوزع
في إسرائيل في الوقت الحالي . كا يحوي التلمود وتراث القبالا (وهي كتابات يهودية
لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة ، ولكن يبدو أن المروجين للبروتوكولات
لا يعرفون عنها سيئاً ، وهي على كل كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات
اليهودية بدورهم شيئا، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل
المجتمعات وبين أتباع كل العقائد .
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج
لهذه البروتوكولات لأمها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلي ضرب العزلة على
اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة. كما أن
كثيرا من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات، مثل «الشعب اليهودي» و«الشخصية
اليهودية» و«المصالح اليهودية» ، هي كلها افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها
هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها .
وسواء كان هذا الرأي الأخير صحيحا
أم كاذبا، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية .
ويتم الآن ، في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات (مثل أحجار على رقعة
الشطرنج وغيرها) كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبني رؤية بروتوكولية
تنسب إلى اليهود قوى عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه
البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتمخاذل أمام العدو الصهيوني . وقد أثبتت
الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأنه يمكن إلحاق الأذى بهم
وهزيمتهم
، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينها تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما
يدركون مدى قوته وإصراره . والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من
الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني ، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة .
ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه
الاتهام إلى أي إنسان جزافا ودون قرائن ، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على
الفرد باعتباره تجسدا لفكرة ، إذ يظل كل إنسان سئولأ عن أفعاله . وقد عرف الإسلام
حقوق أعضاء الأقليات، خصوصاً أهل الكتاب ، فحدد أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا ،
وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها . وفي الواقع ، فإن استخدام البروتوكولات
لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم
وإنما على أساس مادي لاديني (علمافي) مسبق وحتمي. ولذا، فهي لاتميز بين ماهو خيروبين
ماهوشرير.
تاريخ التلمود والموضوعات الأساسية الكامنة فيه
«التلمود»
كلمة مشتقة من الجذر العبري « لامد» الذي يعني الدراسة والتعلم كما في عبارة
«تلمود تورا» ، أي «دراسة الشريعة» . ويعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة
«تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد . وألتلمود من أهم الكتب الدينية عند اليهود ،
وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية ، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة
(التوراة) . ويخلع التلمود القداسة على نفسه باعتبار أن كلات علاء التلمود كانت
توحي بها الروح القدس ذاتها (رواح هقودش) وباعتبار أن الشريعة الشفوية بذلك مساوية
في المنزلة للشريعة المكتوبة . والتلمود مصنف للأحكام الشرعية أو مجموعة القوانين
الفقهية اليهودية، وسجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية
اليهودية حول المواضيع القانونية (هالاخاه) والوعظية والأسطورية (أجاداه) . وقد
أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية (السماعية) . ومن
هنا ، يطلق المسعودي (المؤرخ العربي الإسلامي) على سعيد بن يوسف اسم «السمعاتي»
(في مقابل «القرائي» أو من يرفض التراث السماعي ويحصر اهتمامه في قراءة التوراة
المكتوبة) .
والواقع أن التلمود ليس
من الكتب الباطنية أو تلك التي تحيط بها هالة من السرية والغرابة والإخفاء (كما
يتوهم البعض) . وهناك نسخ منه في معظم المكتبات الجامعية
٢١
المتخصصة
في الولايات المتحدة وفي بعض مكتبات مراكز البحوث أو الجامعات في الدول العربية .
وهناك تلمودان :
ا - التلمود الفلسطيني
: وينسبه اليهود خطاً إلى أورشليم (القدس) فيقولون «الأورشليمي» ، ذلك مع أن القدس
خلت من المدارس الدينية بعد هدم الهيكل الثاني ، وانتقل الحاخامات إلى إنشاء
مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية . كا أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطيني اسم
«تلمود أرض يسرائيل» ، وأطلقوا عليه أحيانا اسم «تلمود أهل الغرب» نظرا لوقوع
فلسطين في الجهة الغربية من العراق .
٢ -
التلمود البابلي : وهو نتاج الحلقات التلمودية (أكاديمية - يشيفا) في العراق
(بابل) ، وأشهرها سورا ونهاردعه وبومبديثا . ويعرف هذا التلمود في حالات نادرة جدا
باسم «تلمود أهل الشرق» .
وكلا التلمودين مكون من
المشناه والجماراه . والمشناه في كل منهما واحد لا اختلاف بينها ، أما الجماراه
فاثنتان : إحداهما وضعت في فلسطين ، والأخرى في العراق . ولما كانت الجماراه
البابلية أكمل وأشمل من الجماراه الفلسطينية ، فإن التلمود البابلي هو الأكثر
تداولا ، وهو الكتاب القياسي عند اليهود .
وقد ظل التلمود مجهولا
في أوربا المسيحية ، ولم يكتشفه المسيحيون إلا في أواسط القرن الثالث عشر ، وذلك
عن طريق اليهود المتنصرين . ومنذ ذلك التاريخ ، أصبح التلمود هو محط سخط السلطات
الدينية لأنها كانت تراه كتاب خرافات مسئولا عن عدم اعتناق اليهود للمسيحية ، كما
كانت ترى أنه يحتوي على ملاحظات مهينة ضد المسيحية كعقيدة ، وضد شخص المسيح . ومما
يذكره التلمود عن المسيح أنه كان يهوديا مرتدا كافرا ، وأن تعاليمه كفر بين ، وأن
المسيحيين كفرة مثله ، وأن أمه جملت به سفاحا من جندي روماني يدعى بندارا . ويضم
التلمود ، فضلا عن ذلك ، أجزاء عن محاكمة المسيح في السنهدرين ، ويقر بأن اليهود
هم الذين صلبوا المسيح ، وأنهم يتحملون المسئولية كاملة عن ذلك . وقد كانت الكنيسة
تنظم مناظرات (مجادلات خلافية) علنية يشترك فيها عادة يهود متنصرون ملمون بالتلمود
ويعرفون جوانبه السلبية . ومن أهم المناظرات، وربما آخرها، تلك المناظرة التي تمت
في بولندا في يونيه ١٧٥٧ ويوليه ١٧٥٩ بين أتباع يعقوب
فرانك وممثلي المؤسسة
الحاخامية . وقد كانت الكنيسة تحرق نسخ التلمود التي تضبط من آونة إلى أخرى.
ويلاحظ
أن تزايد انتشار التلمود بين اليهود يشكل تزايد هيمنة الحلولية الواحدية على الفكر
الديني اليهودي . ويما ساهم في عملية شيوع التلمود ، تحول الجماعات اليهودية إلى
جماعات وظيفية ، لا ترتبط بالوطن الذي تعيش في كنفه ، وإنما بوطن وهمي . وهذا
الاتباط يحقق لها قدراً من الهوية شبه المستقلة عن مجتمع الأغلبية ، وكان هذا
أمراً ضروريا لها كي تضطلع بوظيفتها التي تتطلب عادة الحياد والانفصال العاطفي
وأحيانا الفعلي . وإذا كانت صهيون هي الوطن الوهمي البعيد، فإن التلمود أصبح هو
الوطن المتنقل . وتنحو الجماعات الوظيفية منحى حلوليا (في إيانها بأنها موضع القداسة
وفي موقفها المنكر للزمان والمكان) . وقد ساهم هذا بكل تأكيد في تزايد شيوع
التلمود بين أعضاء الجماعات اليهودية . ومما ساعد التلمود على اكتساب مركزية في
الفكر الديني اليهودي جهل أوربا المسيحية بوجوده حتى القرن الثالث عشر الميلادي ،
مما يعني أنه أصبح الرقعة اليهودية الخالصة ، بعد أن اعتبرت الكنيسة العهد القديم
(كتاب اليهود المقدس) أحد كتبها المقدسة . ولكل هذا ، حل التلمود محل التوراة في
العصور الوسطى باعتباره كتاب اليهود المقدس الأساسي ، حتى أن كثيرا من الحاخامات
كانوا يعرفون التلمود أساساً ويعرفون العهد القديم بدرجة أقل . وقد تركزت في
التلمود، بعد تدوينه ، كل السلطة الدينية والروحية في اليهودية، حتى أن كل قرار في
الحياة اليهودية، مهما علا شأن هذا القرار أو صغر ، قد جرى اتخاذه وفقا للسلطة
التلمودية .
ومع
هذا ، فقد أخذت قبالاة الزوهار، والكتب القبالية الصوفية الحلولية الأخرى ، تحل
ابتداء من القرن السادس عشر محل التلمود ، إلى أن ا كتسبت الصدارة في القرن السابع
عشر . ويقال أن اليهود المنتشرين في الشتتلات ، بعيداً عن مراكز الدراسات
الحاخامية ، كانوا يعرفون الزوهار، ولا يعرفون إلا أقل القليل عن التلمود. وعلى
كل، كان التلمود دائيا كتاب الأزستقراطية الدينية الحاخامية ، فهو مكتوب بأسلوب
مركب وبلغة لا تعرفها الجماهير التي كانت لا تعرف العبرية ولا الآرامية (بطبيعة
الحال) . ولهذا ، كانت حركات الاحتجاج الشعبي بين اليهود (الصوفية والمشيحانية)
تأخذ شكل معاداة للتلمود ولسلطته وللمؤسسة التي تدرسه وتهيمن باسمه . وأولى هذه
الحركات هي الحركة القرائية التي لم تكن حركة شعبية بقدر ما كانت حركة عقلانية
متأثرة بالفكر الإسلامي . ولكن الحركات الصوفية المشيحانية اليهودية كانت شعبية
إلى حد كبير ، وقد اتخذت موقفاً سلبيا من
التلمود
، فكان المتصوفة ينظرون إليه باعتباره المحارة التى يكمن داخلها المعنى الخفي
للتوراة . كا أن الحركات المشيحانية ، في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، رفضته
تماماً . ومع هذا ، يلاحظ أن التفسيرات السائدة داخل كثير من المدارس التلمودية
العليا ، وداخل الدوائر الحاخامية ، كانت تفسيرات قبالية .
ولكن
الضربة القاضية جاءت مع حركة التنوير ، إذ وجه دعاة هذه الحركة سهام نقدهم إلى
التلمود واعتبروا أنه لا أمل يرجى في تطور اليهود إلا بالإطاحة بسلطته . وقد أنكر
أنصار حركة التنوير قداسة الشريعة الشفوية ككل ، وأصروا على اعتبار التلمود بمثابة
مجموعة من تفسيرات المشرعين والشارحين يرجع عهدها إلى فترة متأخرة ، كما نفوا عنه
كل سلطة إلزامية. ولكن الحاخامات الأرثوذكس، أعضاء المؤسسة الدينية الحاخامية،
دافعوا دفاعا مستميتا عن التراث التلمودي . وحينها حاولت حكومات شرق أوربا ووسطها
تحديث اليهود ، كان الجهد ينصب دائما على التلمود فكان يستبعد تماما من مدارس
اليهود، كما كان يحرم على اليهود أحيانا قراءته قبل بلوغ سن الرشد . وفي الوقت
الحالي، فإن الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعات اليهودية يرفضون التلمود بل
ويجهلون ما جاء فيه ولا يعرفون حتى حجمه .
وأثر
التلمود والشرع التلمودي واضح على قوانين الأحوال الشخصية في إسرائيل، فالتشريعات
التي تضبط قضايا الزواج والطلاق فيها لا تختلف عن الأحكام التلمودية الواردة في
أسفار سدر ناشيم . وفي شئون الطلاق ، لايزال سفر جيطين هو المصدر الرثيسي للأحكام
المتعلقة بوثيقة الطلاق (جيط) التي يكتبها الزوج . وفي مسائل الزواج وتسجيل
المواليد ، لاتزال أحكام الشريعة التي حددها التلمود هي الشريعة السائدة ،
فاليهودي هو المولود لأم يهودية ، أو من اعتنق اليهودية على يد حاخام أرثوذكسي .
وعملية التهود ليست هيئة ، إذ يصر الحاخام على التقيد بالشعائر التلمودية ، ومن
بينها الحمام الطقوسي الذي يجب أن تخضع له الأنثى التي تريد التهود ، فتدخل الحمام
عارية تماماً ، بحضور ثلاثة من الحاخامات وتحت أنظارهم .
وكذلك
تطبق في إسرائيل الشرائع التلمودية الخاصة بقوانين الطعام والقوانين الزراعية التي
وردت في سفر براخوت من سدر زراعيم. ويدرس التلمود في إسرائيل، وتنحصر الدراسة في
المدارس والمعاهد الدينية في دراسته ، كما أن جامعة بار إيلان تشترط على طلابها
تحصيل معرفة تمهيدية بالتلمود .
وقد
ترجم التلمود إلى معظم اللغات الأوربية الأساسية ، وترجمت منختارات قصيرة منه إلى
العربية لا تمثل الطبيعة الجيولوجية المتناقضة للفكر التلمودي . ولكنه ترجم بأكمله
إلى الإنجليزية (في لندن) وإلى كثير من اللغات الأوروبية الأخرى .
ويلاحظ
أن الرقابة الحكومية كانت تفرض على اليهود أحيانا أن يحذفوا بعض الفقرات التي تظهر
عداء متطرفا للأغيار ، أو آن يضيقوا من المجال الدلالي لبعض الكلمات والعبارات
العنصرية المتطرفة . ولذا ، حلت كلمة «عكوم» بمعنى «عابد الكواكب وأبراج النجوم» ،
و«كوتي» بمعنى «سامري» ، و«كوشي» بمعنى «زنجي» ، أو »حبشي» محل «نكري» ، أو «جوي»
بمعنى «أجنبي» أو «غريب» . وأحلوا كلمة «بابليم» ، أي «البابليين» ، وأكتعاسم» ،
أي «الكنعانيين» ، محل «أوموت هاعولام» ، والتي تعني «أمم العالم» . والواقع أن
كافة المحاولات تضيق من المجال الدلالي لكلمة «الأغيار» وتخصصها ، وتجعلها مقصورة
إما على الوثنيين وحسب ، أو على جماعة محددة من الناس - مثل السامريين أو
البابليين . وهذا من قبيل استرداد البعد التاريخي لمصطلح الأغيار (العام) حتى
تتكيف نصوص التلمود مع الواقع الجديد حيث لم يعد الأغيار وثنيين بل أصبحوا من عبدة
الإله . وكان يسجل في مستهل كل صفحة من التلمود إعلان رسمي يقرر أن قوانين التلمود
ضد الوثنية لا تنطبق على الأمم التي يعيش اليهود بين ظهرانيها ، وأنها لا تنطبق
إلا على الوثنيين وحسب (وحينها احتلت إنجلترا الهند، قيل إن المقصود هو الهنود -
كما ضم إلى قائمة المعنيين بالهجوم سكان أستراليا الأصليون) . وبعض الطبعات تقرر
أن المعني بالهجوم هو «اليشماعيلي» وتعني «المسلم العربي» .
وكما
يقول الحاخام آجوس ، فإن هذه الصيغة التي كانت قوانين الرقابة تتطلبها كان يتم
تجاهلها في النصوص المختلفة ، لأن كتاب التلمود وشارحيه لا يعرفون سوى نوعين من
البشر : اليهود، وغير اليهود . وحتى حينا كان بعض الزعماء الدينيين اليهود يعترضون
على النزعة الحلولية العنصرية المتعالية ، كان اعتراضهم ينطلق من أسباب عملية مثل
: خشية أن يعتاد اليهود ممارسة الشر ، والخوف من الإساءة إلى سمعة اليهود ، أو
إثارة حنق الأغيار وكرههم. وكثيرا ما كان يتبادل أعضاء الجماعات اليهودية فيما
بينهم ، دون علم السلطات، مخطوطات خاصة تضم المحذوفات التلمودية، أي تلك النصوص
التي حذفتها الرقابة الحكومية . كما كان يعاد شرح بعض المصطلحات الجديدة ، مثل
«بابلي» ، حتى يعرف معناها الأصلي والحقيقي لتكون بمعنى «مسيحي» . ويعاد في
إسرائيل طبع النسخة الأصلية من التلمود دون تعديل . ولما كانت عملية الطباعة مكلفة
وتستغرق وقتا
طويلا ، فقد نشروا كتاب
المحذوفات التلمودية في طبعة شعبية رخيصة بعنوان
حسرونوت
شاس .
وقد صدرت في إسرائيل موسوعة تلمودية ضخمة تسهل
عملية الوصول إلى الأحكام الفقهية . وفي الوقت الحالي ، يقوم الحاخام آدين ستاينسلاتس
بإعداد طبعة جديدة من التلمود (البابلي والفلسطيني) تكون في متناول القارئ العادي
، وهي مزودة بترجمة عبرية حديثة للنصوص الآرامية فضلا عن شروح الكلمات الصعبة .
وقد طبعت المشناه والجماراه، وكذلك الشروح المتعلقة بهما ، ببنوط طباعية مختلفة .
وقد صدر حتى الآن عشرون جزءاً من التلمود البابلي . ومن المتوقع أن يصدر التلمود
في أربعين جزءاً خلال خمسة عشر عاماً . وقد ظهرت ترجمة إنجليزية للأجزاء الأولى.
ومنذ غهاية القرن
السابع للميلاد ، ومع مطلع القرن الثامن ، صار التلمود هو العامل الجوهري في
التجربة الدينية للجماعات اليهودية، إذأصبح المعيارالسائدالمقبول في كل ما يتعلق
بحياة اليهود وأعمالهم ونشاطهم الفكري . حتى أننا حينها نتحدث عن «اليهودية» بعد
ذلك التاريخ ، فإننا في واقع الأمر نتحدث عن «اليهودية الحاخامية» ، .أي
«التلمودية» . وقد استخدم التلمود حتى نهاية القرن التاسع عشر أساسا للتربية بين
أعضاء الجماعات اليهودية ، فكان الدارسون في كثير من الجماعات اليهودية في الغرب
يستذكرونه سبع ساعات يوميا طوال سبع سنوات .
والتلمود هو سجل
المحاولات التي بذلها حاخامات اليهود لتفسير العهد القديم بما يتناسب مع وضع
اليهود باعتبارهم جماعات منتشرة في العالم وليس باعتبارهم شعباً مستقرا في أرضه له
عاصمته وهيكله وديانته المرتبطة بالأزض والعاصمة والهيكل . وهو أيضاً تعبير عن
محاولة اليهودية الحاخامية (التلمودية) عزل جماهير اليهود عن بقية الشعوب، خصوصاً
بعد ظهور المسيحية التي اتخذت من العهد القديم كتاياًمقدساً ، وأكملته وعدلته
بالعهد الجديد . والآلية الكبرى لتعميق العزلة هو تغليب الطبقة الحلولية داخل
التركيب ألجيولوجى اليهودي على غيرها من الطبقات والنزعات بحيث يحل الإله في الشعب
ويملأه قداسة تعزله عن العالم المدنس العادي حوله ، وهذه الانعزالية مسألة عادية
في معظم المجتمعات الوثنية وفي كثير من المجتمعات التقليدية التي كانت تشجع الفصل
بين الطبقات والجياعات الدينية وتسهل عملية إدارة شئونها . بل وتعد مسألة حيوية
وأساسية بالنسبة للجاعات الوظيفية المالية وهو الدور الذي اضطلعت به معظم الجماعات
اليهودية في العالم حتى بدايات القرن التاسع عشر . فبدون الانعزالية، لم يكن من
الممكن
لأعضاء
الجماعات الوظيفية الاحتفاظ بحيادهم وتعاقديتهم وموضوعيتهم وهي أمور لازمة وأساسية
للقيام بالأعمال المالية في المجتمعات التقليدية . ولكن هذه الانعزالية ، في حالة الجماعات
اليهودية، شأنها في هذا شأن أي جماعة وظيفية أو أقلية توجد في نفس الوضع، كانت
تأخذ في الغالب شكل التعالي على الناس . وقد تعمقت الانعزالية حتى أصبح التعارض
بين اليهود وغير اليهود (الأغيار) من المقولات الأساسية في التلمود وفي غيره من
الكتابات الفقهية اليهودية .
والحلولية تيار هام في العهد القديم ، ولكنها
تضخمت واتسعت في التلمود بحيث يمكننا اعتبار أن التصور التلمودي للإله يشكل نكسة
للفكر التوحيدي وللرؤية التي طرحها الأنبياء في العهد القديم . فالتلمود يخلع
العديد من الصفات الإنسانية واليهودية على الإله . والعصمة ليست من صفاته ،
فهويكون مشغولا خلال اثنتى عشرة ساعة يوميا : يقرأ التوراة في الثلاث ساعات الأولى
، ويحكم العالم في الثلاث ساعات التالية ، ويفكر في إفناء العالم ، ثم يترك كرسي
القضاء إلى كرسي الرحمة ، ويجلس في الثلاث ساعات التالية يرزق العالم كله من أكبر
الحيوانات إلى أصغرها . وفي الثلاث ساعات الأخيرة ، يلعب مع التنين أو الحوت.
والإله ، في التلمود ، متعصب بشكل كامل لشعبه المختار ، ولذا فهو يعتر عن ندمه على
تركه اليهود في حالة تعاسة وشقاء حتى أنه يلطم ويبكي . ومنذ أن أمر بهدم الهيكل
وهو في حالة حزن وندم ، توقف عن اللعب مع التنين الذي كان يسليه ، ويمضي وقتا
طويلا من الليل يزأر كالأسد . ولكنه في آخر الأيام ، بعد إقامة المجتمع اليهودي
الأمثل في العصر المشيحاني ، في ظل الدولة المستعادة، يجلس على العرش يقهقه
لانتصار شعبه ، وعبثا يتوافد الوثنيون طالبين قبولهم . ويتبدى التعصب الإلهي في
أنه حينها يأقي الماشيح سيصبح كل الناس عبيدا لجياعة يسرائيل .
وتظهر الحلولية
والانعزالية في تلك القداسة التي تحيط بالتلمود . وهو في الواقع-كما أسلفنا - مجرد
تفسير للعهد القديم وضعه الحاخامات ، إلا أنه ، مثله مثل كل كتب التفسير اليهودية
، يكتسب قداسة خاصة . وقد سيطرت أسطورة الشريعة الشفوية على الوجدان اليهودي سيطرة
تامة بعد ظهور المسيحية ، فكان ينظر إللى التلمود في بداية الأمر على أنه يأقي في
المرتبة الثانية بعد التوراة ، ولكنه أصبح بعد حين يلقب بالتوراة الشفوية ، أي صار
مساويا لتوراة موسى في المرتبة ، ولم يعد في وسع أي يهودي مخالفته . وأخذت درجة
قداسته في الازدياد والاتساع حتى أصبح أكثر قداسة من التوراة ذاتها . وقد قال أحد
الحاخامات : « يابني كن حريصاًعل مراعاة أقوال الكتبة [أي الحاخامات واضعي
التلمود أكثر من حرصك
على أقوال التوراة ، لأن أحكام التوراة تحوي الأوامر والنواهي . أما شرائع الكتبة
، فإن من ينتهك واحدة منها يجلب على نفسه عقوبة الإله» . وقد جاء أيضأ أنه :
«لاخلاص لمن ترك التلمود واشتغل بالتوراة لأن أقوال علاء التلمود أفضل مما جاء في
شريعة موسى ، وهي أفضل من أقوال الأنبياء » .
وفي
معرض التقديس للتلمود والإيمان المطلق بكل ما دونه الحاخامات فيه ، ورد في التلمود
أن خلافاً ما قد وقع بين الإله وعلماء اليهود حول أمر ما . وبعد أن طال الجدل ،
تقررإحالة الأمر موضع الخلاف إلى أحد الحاخامات الذي حكم بخطأ الإله الذي اضطر إلى
الاعتراف بخطئه . وفي هذا المقام أيضا ، ردد بعض الحاخامات أن الإله يستشير
الحاخامات على الأرض إذا صادفته مسألة معضلة يتعذر عليه حلها في السياء . وهكذا
اختل التوازن الحلولي ، كما هو الحال دائها ، لصالح المخلوقات من الحاخامات على
حساب الإله .
ويظهر
ارتباط الانعزالية بالحلولية في فكرة الاختيار، فقد جاء في التلمود أن الإله اختار
اليهود لأنهم اختاروه ، وهي عبارة تفترض المساواة بين الإله والشعب . (كان يرددها
بن جوريون برضا شديد ، وهي تشكل أساس فلسفة بوبر الحوارية ، ونقطة انطلاق لكثير من
النزعات الحلولية المعاصرة في اليهودية ولصهيونية جوش إيمونيم الحلولية ) .
وتساءل كتاب التلمود عن
سبب تشبيه اليهود بشجرة الزيتون ، وترد الإجابات التالية :
١ -
لأن شجرة الزيتون لاتفقدأوراقها ، كما أن كل اليهودلن يضيعوافي هذاالعالم أو
العالم الآتي .
٢ -
وكما أن الزيتون لا ينتج زيتاًالا بعد الكبس والخبط ، فإن أعضاء جماعة يسرائيل لن
يعودوا كذلك إلى جادة الصواب إلا بعد الآلام والعذاب .
٣-
شبه اليهود بحبة الزيتون لأن زيت الزيتون لا يمكن خلطه مع المواد الأخرى . وكذلك
جماعة يسرائيل ، فإنه لايمكن اختلاط أعضائها مع الشعوب الأخرى. ويدعي التلمود أن
روح الإله من روح الشعب كما أن الابن جزء من أمه، ولذا فمن يعتدي على يهودي فهو
كمن يعتدي على العزة الإلهية ، ومن يعادي جماعة يسرائيل أو يكرهها فإنه يعادي
الإله ويكرهه، خصوصاًإذا عرفنا أن الإله كان يقطن بينهم حينما كانوا في أرض
الميعاد ، وأن الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) بقيت معهم حينما نفوا خارجها
إذ أن موسى قد طلب ذلك من الإله .
وكان
الاختيار في بادئ الأمر تلقائيا نابعا من رحمة الإله وإرادته الإلهية ، ولكن
اليهود - حسب الرؤية التلمودية الحلولية- بينوا أنهم جديرون بهذا الاختيار . ولذا،
تحول الاختيار من مجردمنحة من الإله إلى حق من حقوقهم ملزم له وإلى دين عليه أن
يؤديه حتى لوضلوا الطريق . وقد جاء في التلمود على لسان الإله : ا لن أعامل جماعة
يسرائيل كالأمم الأخرى، حتى وإن لم تعمل حسنات إلا قليلا تافها كروث الدجاج
المتناثر في الحظيرة ، فسأجمع هذه الحسنات ليكون لها حسنات كثيرة » . وهكذا اختل
التوازن الحلولي لصالح اليهود مرة أخرى ، وإن كان هناك رأي تلمودي مغاير يرى أن
الاختيار تكليف إلهي وعبء ملقى على كاهل اليهود عليهم أن يضطلعوا به . والتوراة هي
ميراث الشعب المختار وحده، ومن يدرسها من الأغيار يستحق الموت (ولكن ثمة رأيا
تلموديا مغايرا يرى أن الوثني الذي يدرس التوراة هو في منزلة الكاهن الأعظم) .
هذه النزعة الانعزالية
المتعالية توجد في معظم صفحات التلمود الميء بالأحكام الموجهة ضد غير اليهود
(خصوصا سفر عفوده زإره أو عبادة الأوثان) ، فلن يدخل الجنة سوى اليهود . وقد خلق
الإله الأغيار على هيئة الإنسان لكي يكونوا لائقين بخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا
من أجلهم ، إذ ليس من الملائم أن يقوم حيوان على خدمة الأمير ، وهو على صورته
الحيوانية . ولا يعتد بشهادة غير اليهودي أمام المحاكم إلا في حالات قليلة . وإذا
وقع أذى بشخص ، فمن المهم للغاية تحديد هل هذا الشخص يهودي أم لا ، بل إن هذا
التمييز يسري أيضاً في المعاملات التجارية . وفي مسائل الطهارة ، يعتبر
الأغيارأنجاساً في حياتهم . ولكن مقابرهم ، باعتبار أنها غير مقدسة ، لا تنجس
الكهنة . والعكس صحيح بالنسبة إلى اليهود ، فهم طاهرون في حياتهم وقبورهم مصدر
نجاسة أساسي للكهنة اليهود.
ويتناسى التلمود الفرق
بين الأخيار والأشرار من الأغيار، على الرغم من أنه تمييز أساسي في العقيدة
اليهودية ذاتها . بل إن التلمود يطلب أحيانا إلى اليهود أن يستخدموا مقياسين
أخلاقيين : واحد للتعامل مع اليهود ، وآخر للتعامل مع غير اليهود (انظر : بابا
متسيعا ٩٥ أ، وبابا قا١١٣ أ) . وقد جاء في التلمود أنه لا يصح أن يباع لليهودي
الشيء الذي يحتمل فساده إن ترك ، ولكنه من الممكن أن يباع لغير اليهودي ، كما أنه
يحرم على الطبيب اليهودي أن يعالج مريضا غيريهودي (إلالدرءأذى الأغيار) .
بالمتهودين.
وقد ورد فيه " إن المتهودين بمثابة القذى في عين جماعة يسرائيل " - وهو
موقف
لايزال يسيطر على
المؤسسة الأرثوذكسية وريثة التراث التلمودي في إسرائيل . وكان اليهودي يشكرإلهه
على أن مكانه " بين أولئك الذين يجلسون في بيت الدراسة والمعبد 1أي اليهود ولم تجعل مكافي بين أولئك الذين يذهبون إلى المسارح والسيرك 1أي غير اليهود " . وحتى حينها كان بعض المفسرين ينصحون اليهود
بعدم الكذب على الأغيار ، فإنهم يصرون على ضرورة عدم الاحتكاك بهم ، أو الدخول
معهم في علاقة . وقد قال أحد الشارحين في القرن السابع عشرفي بولندا أن من الواضح
أن التوراة تأمر اليهود بأن يحتفظوا بالكراهية بينهم وبين الأغيار حتى يبعدوا خطر
الزواج المختلط . ولذا ، فإنه لا يمكن السماح بتلك الأفعال التي قد تقلل من الكره
بين اليهود والأغيار . وتصل النزعة المتعالية ذروتها في عبارة : « اقتل أفضل
الأغيار ، إسحق رأس أنبل الأفاعي » . وقد اقتبس أحد كتيبات الحاخامية العسكرية
الإسرائيلية هذه العبارة التلمودية التي أثارت ضجة داخل إسرائيل وتصدى لها بعض
القادة الدينيين ووصفوها بأنها تشويه للعقيدة اليهودية .
إذن ، فإن الحلولية هي
الإطار الفلسفي ، والانعزالية والتعالي الإثنيين هما الترجمة العملية لها . ولكن
التلمود كتاب جيولوجي ضخم يضم موضوعات شتى وتراكمت فيه رؤى وآراء مختلفة ، فكل
العقائد اليهودية المعروفة قد دونت وصنفت فيه ، بشكل واضح أحيانا ، وبشكل غامض مشوش
أحيانا أخرى . كما يضم التلمودأيضاًموضوعات وطرائف لا تنضوي بالضرورة داخل إطار
فلسفي واضح، أو رؤية دينية محددة ، فهو يتحول أحيانا إلى مجرد وثيقة اجتماعية لا
توجه الواقع وإنا تعكسه وحسب . فصفحات التلمود تعكس الوضع الاقتصادي لليهود كجاعة
وظيفية تعمل بالتجارة . ولذلك ، كان على اليهودي ، حسب التقاليد التلمودية ، أن
يتلو ثلاث تسبيحات شكر كل يوم لأن الإله خلقه يهوديا، ولأنه لم يخلقه امرأة ولم
يخلقه فلاحاً . وقد جاء أنه « لا يوجد عمل أكثر امتهانا من فلاحة الأض» . ومع هذا
، هناك أقسام طويلة في التلمود عن الزراعة وقوانينها وأفضالها. ومن أهم أنواع
التجارة التي مارسها أعضاء الجماعات اليهودية تجارة الرقيق . ولذا ، فإننا نجدأن
التلمود قدنظم عملية امتلاك عبدمن الأغيار . فهو يمتلك بالشراءأو بالصك أو بالخدمة
الفعلية . ويوجد في التلمود صيغة لاستمارة يتم ملؤها للحصول على عبد تقول : « هذا
العبد تم استعباده بصورة قانونية وليس له أي حق من حقوق الأجراء ، وليست له مطالب
يقدمها للالك أو المالكة . . وليس به أي علامة إنسانية ، وهو خال من
أي عيوب جسدية ومن أي
علامة في الجلد تدل على إصابته بالبرص سواء حديثاً أم في الماضي» . وكانت طبقة
العبيد محتقرة كما كان يسود الاعتقاد بأنهم كسالى : « هناك عشرة مقاييس من النوم
نزلت إلى العالم ، فأخذ العبيد تسعة منها وأخذ بقية الناس الواحد المتبقي» . ولا
يتمتع العبد بثقة كاتبي التلمود ، فهو لا يعد إنساناً ، ولذا لا يمكن لليهودي أن
يصلي معه أو أن يصلي عليه أو يسير في جنازته .
ولا يقتصر التلمود على
الحياة العامة لليهود ، وإنا يمتد ليشمل أخص خصوصياتهم . فهو يتناول ، ضمن ما
يتناول ، كل دقائق إعداد الطعام وتناوله والعلاقات الخاصة بين الرجل وزوجته والطمث
. وينبعث من صفحات التلمود احتقار عميق للمرأة ، وقد كتب أحدهم يقول : « هناك أربع
خصائص للنساء: فهن شرهات ومتصنتات وكسولات وغيورات ، وهن أيضا كثيرإت الشكوى
وثرثارات» . وقد أفاض التلمود بخصوص الصفة الأخيرة : «نزلت إلى العالم عشرة مقاييس
للكلام ، أخذت النساء تسعة منها وأخذ الرجال واحداً » .
والتلمود
كتاب طبي أيضا . ولذا ، فإننا نجد فيه وصفات طبية عديدة ، فهو ينصح بضرورة التعرض
للاء البارد بعد حمام ساخن . كما نجد في التلمود شرحا لأسباب الإمساك وطريقة
معالجته . وينصح التلمود أيضاً بأن من : « يطيل البقاء في المرحاض ، يطيل أيامه
وسنيه » . وهناك صلاة شكر تتلى بعد تلبية نداء الطبيعة.
وعلاوة
على كل هذا ، يمكن اعتبار التلمود كتاب فلكلور يعكس شتى الممارسات والآزاء
الخرافية التي كانت سائدة في مكان نشأته ، سواء في بابل أو في الأماكن الأخرى التى
عاش فيها الشارحون . ولأن كتاب التلمود يدورون في نطاق حلولي ، فإننا نجدهم يؤمنون
بإمكانية التحكم الكامل والتوصل للحل السحري (الغنوصي) وبفعالية العلاجات
العجائبية والعقاقير الشيطانية والسحر والرقى والتعاويذ . والتلمود أيضا كتاب
تنجيم وسحر وتفسير أحلام . ومما يذكر فيه أن قارئه الراغب في رؤية العفاريت رؤية
العين يمكنه ذلك باتباع خطوات تم تحديدها بدقة متناهية ، وإن أراد طرد العفاريت
فصفحاته تضم تعاويذ تفي بذلك الغرض . وتصل الحلولية إلى ذروتها (أو هوتها) حين
يؤكد التلمود أن الحاخامات كانوا قادرين على الخلق ، فقد ذكر أن حاخاماً خلق مرة
إنسانا وأرسله إلى الحاخام زيرا الذي تحادث إليه ، ولكنه لم يستطع أن يجيب ، فتعجب
الحاخام قائلا : «أنت مخلوق بفعل السحر ، ارجع إلى التراب» .
وقدأثر التلمود ، بما
احتوى من نظرة حلولية انعزالية في كثيرمن أجزائه ، في الفكر الصهيوني ، حيث وجد
المفكرون الصهاينة ما يدعم اتجاهاتهم . فقد جاء في سفر «عفوده زاره» على سبيل
المثال لا الحصر : «ينبغي ألا تؤجر البيوت لغير اليهود في أرض يسرائيل ، ناهيك
بالحقول » . وهذه هي إحدى القواعد الأساسية للصندوق القومي اليهودي . كما أن
الصهاينة يقتبسون من التلمود عبارات مثل : «من يقيم خارج أرض يسرائيل هو مثل إنسان
بدون إله» (كتوبوت .١١ب) .
ولكن نظر لخاصية التلمود الجيولوجية ، نجد أنه
يرد فيه عكس هذه الأفكار تماماً ، فقد قال الحاخام يهودا : « من يصعد من بابل إلى
أرض يسرائيل ، فقد انتهك إحدى الوصايا الإلهية » . ويستشهد بسفرإرميا (٢٢/٢٧) ، ثم
يقول : « مثلما أنه بمنوع مغادرة أرض يسرائيل إلى بابل ، فمن الممنوع أيضا مغادرة
بابل إلى غيرها من البلدان »، ثم يستطرد قائلا : « إن من يعيش في بابل كأنه مقيم
في أرض يسرائيل» (كتوبوت ١١١أ) . كما توجد في التلمود أيضا أفكار متناقضة عن العصر
المشيحاني ، بعضها ذو نكهة صهيونية انعزالية والبعض الآخر معاد لها وله نزعة
اندماجية عالمية .
وتجد التوسعية
الصهيونية تبريراً لها في الصورة التي يرسمها التلمود لحدود الأرض في المستقبل ،
فهي سوف تمتد وتصعد في جميع الجهات ، ومن المقدر لأواب القدس أن تصل إلى دمشق ،
وسوف يأتي المنفيون لينصبوا خيامهم في الوسط . وقد جاء أيضا : « إن فلسطين تدعى
أرض الظبي ، فكما أن جلد الظبي يعجز عن استيعاب لحمه وجسمه ، كذلك هي أرض يسرائيل
: عندما تكون مأهولة تجد لنفسها متسعا ، لكنها تتقلص متى كانت غير مأهولة» . فحدود
هذه الأزض متغيرة ، وتزداد بازدياد المستوطنين من اليهود فيها . ولا يختلف هذا
القول كثيرا عن موقف تيودور هرتزل من الحدود حين بين أن ما سيقرر حدود الدولة هو
مدى حاجة الصهاينة : « كلا ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا إلى الأرض» .
وعلى الرغم من أن ثمة
عناصر صهيونية في التلمود ، إلا أنه لايمكن القول أنه «تسبب» في ظهور الصهيونية .
فالصهيونية حركة سياسية تهدف إلى استعمار فلسطين عن طريق توطين عنصر سكاني غريب
فيها ، وتعود جذورها أساسا إلى الفكر الألفي الاسترجاعي البروتستانتي وإلى وضع اليهود
داخل الحضارة الغربية كجاعة وظيفية وإلى الإمبريالية الغربية . كما أن المؤسسة
الحاخامية التلمودية ذات العلاقة الوثيقة بأثرياء اليهود في كل
القائدة
، كانت تقف ضد فكرة العودة المشيحانية لأن مصالح هذه النخبة (ومصالح
الجماعة
الوظيفية ككل) كانت مرتبطة تمام الارتباط بمجتمعاتها المختلفة ومتجذرة فيها- ومن
هنا كان حرصها على تأسيس حلقات ومدارس تلمودية (أكاديميات -يشيفات)
تعمل
على تخريج حاخامات ملمين بالأوضاع المحلية الخاصة ، قادرين على إصدار الفتاوى
الملائمة التي تفسر الأوضاع الجديدة وتتكيف معها . وبعد التهجير البابلي ، استقلت
الحلقات التلمودية في بابل ، وحينما ظهرت حضارة الأندلس حرص أثرياء الجياعة
اليهودية هناك على استقلال الحلقات فيها . وقد استقل يهود الغرب الأشكناز
بحاخاماتهم
ومدارسهم التلمودية . ولم يكن من مصلحة هؤلاء الأثرياء العودة إلى فلسطين، بل كانت
مصلحتهم في البقاء في المنفى . ومن هنا ، يتواتر الحديث في التلمود عن أن « شريعة
الدولة هي شريعتنا » ، وعن ضرورة انتظار الماشيح في صبر وأناة حتى يأذن الإله .
ومن هنا أيضاً ، وقفت المؤسسة الحاخامية التلمودية ضد النزعات المشيحانية
الصهيونية التي كانت أساسا نزعات شعبية تعبر عن بؤس فقراء اليهود ، وعن عدم
إدراكهم للعلاقات الدولية أو لطبيعة البؤس الواقع عليهم . وقد ظلت هذه المؤسسة
واقفة بقوة ضد كل المشحاء الدجالين تستعدي عليهم السلطات وتجند فقهاءها لإثبات
كذيهم كما فعل الحاخام نحميا مع شبتاي تسفي . كما أنها كانت تكفر كل من كان يفكر
في العودة وتوجه إليه تهمة أنه ارتكب جريمة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) .
ويلاحظ أن ظهور الصهيونية الحديثة مرتبط بتآكل المؤسسة الحاخامية التلمودية
وبانهيار نفوذ التلمود تماماً . وحينيما نشر هرتزل كتيب دولة اليهود ، عارضه كبار
الحاخامات جميعا، وبالذات
الأثوذكس
(التلموديون) . ولذا ، فإن التلمود، على مستوى من المستويات ، كان مسئولا إلى حذ
ما عن التخفيف من حدة النزعة المشيحانية في اليهودية ، وبالتالي نجح في
صد الصهيونية .
وقد
تقصى الدكتور أسعد رزوق موقف التلمود من العرب ، فوجد أنه (في بعض نواحيه) تعبير
عن نفس الانعزالية المتعالية . وقد جاء في سفر سوكاه (٥٢ ب) أن الإله قد ندم على
خلقه أربعة أشياء : المنفى ، والكلدانيين ، والإسماعيليين (أي العرب) ، ونزعة الشر
. وينسب التلمود إللى العرب أعمال السحر، فقد جاء في سفر سنهدرين (٦٧ب) أن عربيا
امتشق السيف وقطع به الناقة ، ثم قرع جرسا فنهضت دون وجودآثار
٣٣
عليها
. والعرب ، حسبما جاء في التلمود ، خبراء في الطب ، وخصوصا الطب الشعبي . ويرد في
التلمود العديد من القصص الطريفة والأعاجيب عن العرب . وهناك قصص ليست في صالح
راويها الحاخامي إذ أن بعضها يدل على خبرة العرب وبراعتهم واحترامهم لموتى اليهود
أكثر من احترام الحاخام لهم . وأخيرا ، فقد جاء في سفر السبت (١١ أ) القول التالي
: « لا بأس من الخضوع لحكم واحد من أبناء إسماعيل بدلا من حكم الغريب 1أي الأدومي » . وبحسب ما جاء في حاشية الشارح ، فإن المقصود بذلك هو
تفضيل الحكم العربي على البيزنطي ، وهو ما يشكل أساساً تلموديا للمصالحة مع العرب
بل وقبولهم حكاماً !
هذه
هي بعض الأفكار والموضوعات الأساسية في التلمود . ويجب أن نقرر مع جيمس باركس ،
وهو مؤرخ غير يهودي متعاطف مع اليهودية ، قوله : «إنه لم يكن من الصعب أن يقتبس أي
دارس للتلمود ، وبيسر شديد ، كثيرا من الآزاء والمشاعر التافهة والمضحكة بل
والكريهة ، وبوسعه أن يفعل ذلك دون أن يخطئ في الاستشهاد أو يزيف السياق ، إذ أن
مثل هذه النصوص توجد في الأدب الحاخامي 1الجيولوجي
الضخم وغير المترابط » . ونحن إذا وافقناه على رأيه هذا ، فلن نحيد عن جادة الصواب
، فهذا أيضاً هو رأي الحاخام جيكوب آجوس أحد أهم مؤرخي اليهودية. وهذا أيضا هو رأي
المؤلف اليهودي الصهيوفي برنارد لازار الذى وصف التلمود بإنه « كتاب ضد المجتمع »
. ولكن لازار أضاف قائلا : « إن التلمود هو الذي علم اليهود الاستعلاء والتفوق
المليء بعصبية ضيقة وضارية» ولعب دوراً حاسيا في تحويل اليهود إلى شعب واحد، فهو
الذي صنع النفس اليهودية وصاغ خصائصها، وهو «خالق الجنس أو صانع العنصر اليهودي» .
ولعل مثل هذه الآزاء ، التي تفسر سلوك اليهود في إطار بعض ما جاء في التلمود، هي
المسئولة عن موقف المعادين لليهود الذين يجعلون كل يهودي في كل زمان ومكان مسئولا
عما لديه من آراء متعصبة . ومثل هذا الرأي ينم عن عدم إدراك طبيعة التلمود أو
طبيعة علاقة اليهودية به . فالتلمود ليس كلا متجانسا ، كما أن اليهود ليسوا على
معرفة بما جاء فيه ككل ، وهو لا يحدد سلوك كافة اليهود في كل زمان ومكان . والواقع
أن من يحول التلمود إلى نموذج تفسيري لسلوك اليهود أو أعضاء الجماعات اليهودية
(كما يفعل كثير من الدارسين) ، يكون قد حكم على نفسه بالانفصال عن الواقع والفشل
الذريع في التنبؤ.
حينها يتم تناول أي نص أيا كانت قداسته ، لابد
وأن يؤخذ في الاعتبار سياقه التاريخي، فلا يمكن فهم ما جاء في العهدين القديم
والجديد إلا بفهم الوضع في فلسطين منذ التغلغل العبراني في كنعان حتى ظهور المسيح
، ولا يمكن فهم ما يقوله المسيح (على الرغم من أهميته الدينية والأخلاقية المطلقة)
إلا بإدراك المكونات التاريخية في أقواله. فالمطلق مهما كان إطلاقه ، لابد وأن
يتبدى من خلال النسبي (في لحظات) إذ أن الإنسان الذي يعيش في التاريخ لا يمكنه أن
يدرك المطلق إلا من خلال النسبي . ورؤية المطلق في علاقته بالنسبي، والإلهي في علاقته
بالتاريخي ، لا يعني بالضرورة أن يرد الأول برمته إلى الثاني ، وإنا يعني أن
الثاني هو المجال الذي يتبدى من خلال الأول . وإذا كان هذا ينطبق على الكتب
الدينية (المقدسة) ، فهو لا شك ينطبق بشكل أكبر على كتب الشروح والتفسير ، مهما
خلعت على نفسها من قداسة وإطلاق . والتلمود هو ، في غهاية الأمر ، كتاب تفسير
وضعته القيادة الدينية لأقليات متناثرة كانت تعيش في قلق وخوف وإحساس بالخطر
المحدق بها (الحقيقي والوهمي) في عصور لم يكن يعترف فيها بحقوق أعضاء المجتمع ،
ناهيك عن حقوق أعضاء الأقليات- تلك الأقليات التي كانت تلعب دور الجاعة الوظيفية
المرتبطة بالطبقة الحاكمة ، ولكنها كانت غير محبوبة منها ، كما كانت قريبة من
الطبقات الشعبية ولكنها مكروهة منها . لقد كانت هذه الجياعة تعيش ، إذن ، في عزلة
عن الجميع (وكان التلمود من أهم وسائل هذا العزل) . وقد نتج عن هذا الوضع إحساس زائد
بالذات ، ولذا فقد أعضاء الجماعات اليهودية وقياداتهم قدراً كبيرا من علاقتهم
بالواقع وانفصل فكرهم عنه ، وأصبح التلمود مجالا للتعويض عما يلاقونه من اضطهاد ،
فتحول التلمود إلى صياغات لفظية يمارسون من خلالها الانتقام من أعدائهم ، عن طريق
الحط من شأنهم وإظهار التفوق اليهودي ، خصوصاً في آخر الأيام بعد عودة الماشيح حيث
يبطشون ويبطش ربهم بكل أعدائهم . وقد كان شراح التلمود ينغمسون في هذه التهويمات
اللفظية في الوقت الذي كانوا يعانون فيه صنوف العذاب ويعاملون معاملة الحيوان في
بعض الأحيان. ومما له دلالته العميقة أن التلمود البابلي أكثر تسامحا تجاه الأغيار
من التلمود الفلسطيني ، نظرا لأن وضع أعضاء الجماعة اليهودية في بابل كان أفضل من
وضع أعضاء الجماعة في فلسطين ، الأمر الذي صعد من حدة العملية الانتقامية
التعويضية في فلسطين وخفف من حدتها في بابل . والتلمود كان يكتب بلغة أو لغات ميتة
لا تفهمها الشعوب التي كان اليهود يعيشون بين ظهرانيها ، كما أن عدم وجود الطباعة
ووسائل النشر ذات
الإمكانيات
العالية كان يجعل الحصول على نسخة من التلمود مسألة صعبة ، فتحول
التلمود
إلى جيتو لفظي يعارس فيه اليهودي حريته الوهمية كاملة !
وقد بدأت عملية التفسير
والتعليق على العهد القديم حين كان اليهود يعيشون في وسط حلولي وثني مشرك ، الأمر
الذي جعل من نبرة الفتاوى والشروح الحاخامية الأولى بخصوص الأغيار حادة رافضة ،
وهي حدة تعود إلى العهد القديم ذاته حين وجد اليهود أنفسهم مكروهين يعيشون بين
شعوب وثنية (كنعانيين ثم بابليين وفرس وهيلينيين ورومان) وتحت هيمنتها أحياناً ،
ويشكل التعامل معهم خطرا على الدين التوحيدي الجديد . ومن هنا جاءت النظرة
المتطرفة إلى الأغيار، والتي تسوغ الاستيلاء على أملاك الوثنيين وتستنكر تقديم أي
نوع من المساعدة إلى عبدة الأصنام . وعلى الرغم من أن المجتمعات التي كان يعيش
فيها أعضاء الجماعات قد تغيريت بعد أن تبنت ديانات سماوية توحيدية ، فإننا نجد أن
اليهودية وقد تحولت إلى عقيدة أقلية مهددة تود الحفاظ على هويتها ، وتبنت رؤية
حلولية متعالية للذات في مقابل الآخر . وحدث الخلط بين عبدة الأوثان والمسيحيين ،
كما يظهر في إشكالية العكوم ، فقد وجه إلى التلمود اتهام بأن كلمة «عكوم» الواردة
فيه ليست هي في الواقع اختصار العبارة العبرية «عوفيد كوخانيم أومزالوت» ، أي
«عابد الكواكب وأبراج النجوم» ، وإنا اختصار لعبارة «عبودت كريستوس وميريام» ، أي
«عبدة المسيح ومريم» ، أي «المسيحيين» . والمسألة موضع نقاش ونظر ولكنها تبين
طبيعة الخلط .
ويتكون التلمود من نص، وشرح، وتعليق، وتعليق على
التعليق، وإضافات شتى. وقد استمرت عملية وضعه مئات الأعوام في أزمنة وأمكنة
نختلفة، ربما ابتداءمن التهجير إلى بابل حتى تم الانتهاء من تدوينه وإضافة
التعليقات في القرن الثاني الميلادي . واستمرت التعليقات حتى نهاية القرن التاسع
عشر ، أي أن كتابته استمرت عبر التاريخ واشترك فيها ما يزيد على ألف حاخام. فهو
يتكون، إذن، من تراكم مستويات على مستويات أخرى دون أن تتفاعل معها بالضرورة-مثل
تراكم الطبقات الجيولوجية . ولذا، يمكننا أن نقول إن التلمود ليس الثمرة النهائية
للتفكير بقدر ما هو عملية التفكير ذاتها ، ولكنه على أية حال ليس تفكيرا يتسم بحد
أدنى من الوحدة ، بل ينبع من حركيات اجتماعية وثقافية واقتصادية مختلفة ويتأثر بها
. واستمرت عملية التاكم هذه دون حذف للأفكار الانعزالية الكريهة التي عبر عنها بعض
الحاخامات بلا رقابة ذاتية أو خارجية عليها. وقد عمق من هذا الاتجاه تلك القداسة
التي خلعها التلمود على نفسه. وقد أدى هذا إلى أن عملية
التحرير،
والتغيير والتعديل ، أصبحت أمرا مستحيلا لا يمكن حتى التفكير فيه ، فالنص المقدس
لا يصح تعديله أو الخوض فيه أو تبديله .
ومع هذا ، فقدجرت محاولة لإعادة
صياغة التلمودتهدف إلى تضييق المجال الدلالي لبعض الكلمات ، بحيث تحل الكلمة
المحددة محل الكلمة العامة حتى لاينطبق ما جاء فيه من آراء وأحكام على كل الناس في
كل زمان ومكان ، وبحيث يضيق المجال الدلالي لكلمة مثل «الأغيار» وتحل محلها كلمة
«الكنعانيين» ، أو «البابليين» .
ولكل ما تقدم ، لا يتسم التلمود
بالاتساق الداخلي ، إذ أنه يحوي داخله العديد من الأفكار والأطر الفلسفية
المتناقضة . فثمة تعارض بين العقل والطبقة التوحيدية من جهة والنزعة الحلولية من
جهة أخرى، وهناك الاهتمام المفرط بالطقوس في مقابل الاهتمام بالتجربة الدينية
الداخلية . وهناك من النصوص ما يؤيد هذا الموقف أو ذاك . وقد أشرنا في أثناء عرضنا
لبعض الأفكار الرئيسية للتلمود إلى أفكار مثل الشعب المختار وضرورة العودة إلى أرض
الميعاد ، بل وإلى أفكارأكثر تطرفا وتحمل الضغينة والكراهية نحو الآخرين. وقد
أشرنا إلى أن التلمود يضم أيضاً أفكاراً متناقضة جدا بخصوص هذه الأفكار المحورية
ذاتها . ويقتصر المعادون لليهود عادة على اقتباس الأفكار السلبية الحلولية
الانعزالية والمتعالية وحدها متجاهلين الأفكار الإنسانية . وحتى نبين مدى عمق ذلك
التناقض ، يمكننا أن نقتبس من التلمود بعض النصوص ذات البعد الإنساني العميق التى
تتجاوز الانعزالية والحلولية . وسيلاحظ على سبيل المثال أن الاختيار يكتسب أبعادا
دينية عالمية ، إذ أن الإله سينزل العقاب باليهود :«إن لم يتحدثوا عن قداسته
للعالمين » . فقد نفيت جماعة يسرائيل وشتتت بهدف واحد هو «الدعوة لليهودية وكسب
المتهودين » (بساحيم ٨٧ب) . وهذه النزعة التبشيرية ، التي تحدد اليهودية باعتبارها
عقيدة لا باعتبارها ميراثا عرقيا وإثنيا ، تفترض تساوي البشر وتتجاوز الحلولية
التي ترى أن الإله محصور بين اليهود مقصور عليهم، وقد تبنت اليهودية الإصلاحية هذا
الموقف من عملية التهويد .
وتصل الإنسانية قمتها في ذلك النص
الذي جاء فيه أن الروح القدس تستقر على الجميع ، اليهودي وغير اليهودي ، الرجل أو
المرأة، العبد والجواري ، كل امرئ «حسب أفعاله» . كما جاء في جطين (٦ ١ ٦) أن أحد
الحاخامات قد أوصى بإطعام فقراء الأغيار مع فقراء اليهود ، « وبزيارة مرضاهم مثليا
نزور مرضانا ، وأن يدفن موتاهم مع موتانا حتى ندعم سبل السلام» .
٣٧
ومن الأمور الأخرى التي
تعاب على التلمود ، باعتباره أحد الكتب الدينية لليهود ، أنه يتناول من الموضوعات
ما قد يرى البعض، استنادا إلى تجربتهم الدينية، أنه لا علاقة له بالدين مثل الطب
وطريقة شراء العبيد . ولكن ما هو مقدس لا يوجد بمعزل عما هو دنيوي.كماأن كل نموذج
ديني يعرف ماهوديني ومقدس وماهودنيوي بطريقته الخاصة - وقد اتسع نطاق القداسة في
اليهودية بسبب الطبقة الحلولية داخلها ليضم كثيرا من مناحي ألحياة . فالأوامر
والنواهي (متسفوت) والبالغ عددها ٦١٣ تغطي تقريبا كل كبيرة وصغيرة في حياة اليهودي
. كما أن التلمود ليس كتاباً دينيا وحسب ، وإنا هو أيضاً كتاب فولكلور الجاعات
اليهودية . والواقع أن تناقضاته الداخلية لا تنصرف إلى موضوعاته ومنطلقاته الدينية
والفلسفية وحسب وإنا تنصرف أيضاًإلى نوعه أو جنسه الأدبي ، فهو كتاب فقه وقصص وحكم
وأمثال . وعلى قارئ التلمودودارسه أن يفرق بين ما هوديني وما هو شعبي .
وفي
غهاية الأمر ، لابدوأن نشير إلى أن كثيرا من الأقوال والأحكام التي وردت في
التلمود لا علاقة لها بأي واقع محدد ، وإنما هي أحكام خاصة بالهيكل بعد تشييده ،
أو بدلائل آخر الأيام ، وماذا سيحدث فيها وفيما بعدها ، مما يجعلها على علاقة
واهية بالسلوك السياسي للأفراد والجماعات . كما أن قضية التفسير أساسية حينها
نتناول أي نص ديني . وعلى الرغم من أن التلمود هو ذاته تفسير ، فإنه يخضع
داناًلعمية تفسير من قبل الحاخامات (وتنطوي عملية التفسير على انتقاء واختيار
واستبعاد) . ولما كان التلمود كتاباً ضخا متناقضاً ، فهو بالضرورة «مال أوجه» ،
ويمكن أن يفسر بألف طريقة . وفي كثير من المختارات التي تصدر في العصر الحديث ،
يلاحظ أن محرريها يستبعدون العبارات الجارحة والأفكار الكريهة والمواقف العنصرية
ويفسرون ما قد يرد منها تفسيرا يضفي عليها معافي إنسانية . وقد تهدف عملية
الانتقاء والتفسير هذه إللى إخفاء الجوانب السلبية للتلمود، حتى لاتسبب
حرجالليهود، ولكن الإحساس بالحرج ذاته يدل على الرغبة في الابتعاد عن المضمون
الحلولي العنصري المتعالي .
ويفترض المعادون لليهود
الذين هاجمون أعضاء الجماعات اليهودية بسبب ما جاء في التلمودمن أن كل يهودي قددرس
التلمودبعناية فائقة ، وأنه يخضع كل حركاته وسكناته لماورد فيه من تعاليم سلبية .
لكن هذا تصور ساذج وتبسيط آلي ، فما يحدد سلوك فرد ما ،
يهوديا
أو غير يهودي ، ليس كتبه الدينية ومثله العليا وحسب وإنا مركب هائل من الأسباب
التاريخية (الاقتصادية والاجتماعية) التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. ولا يمكن
فهم سلوك العرب المحدثين في ضوء ما جاء في تراثهم الديني ، أو في ضوء ميثاق جامعة
الدول العربية ، على الرغم من أهمية كل ذلك في تحديد هذا السلوك . والواقع أن
دراسة التلمود مسألة شاقة للغاية تتطلب معرفة بالقراءة والكتابة باللغتين العبرية
والآزامية، وهما لغتان ساميتان يصعب على الإنسان غير المتخصص دراستها في الوقت
الحاضر . ولذا، لم يكن يقرأ التلمود سوى أعضاء النخبة المتعلمة التي كانت في
المراكز الدينية . أما جماهير اليهود ، فكانت لا تعرف ما جاء فيه لأنها لم تكن
تملك المقومات الثقافية لذلك . بل إن صغار الحاخامات أنفسهم الذين وجدوا في القرى
المتناثرة ، أو أولئك البعيدون عن المدارس التلمودية العليا ، لم يكونوا يعرفون ما
جاء فيه .
وقد تكون علاقة أعضاء
أكبر جماعة يهودية في العالم (أي يهود بولندا) في بدايات العصر الحديث بالتلمود
مثلا جيداًعلى طبيعة العلاقة بين اليهود وهذا المجلد الضخم (التلمود) . فقد انتشر
اليهود من القرن السادس عشر في الشتتلات التي شيدها النبلاء البولنديون (شلاختا)
في أوكرانيا وغيرها ، فعاشوا بجوار الفلاحين الأوكرانيين المسيحيين السلاف بعيداً
عن مرا كز الدراسات التلمودية ، وا كتسبوا عبر السنوات سمات الفلاحين الذين كانوا
يعيشون بينهم بما في ذلك فلكلورهم الشعبي وبعض معتقداتهم الدينية (والواقع أن
التمييز بين معتقدات دين ومعتقدات دين آخر مسألة صعبة بعض الشى على المستوى الشعبى
، كما أن الديانات الشعبية تركيبات جيولوجية تتسم في معظمها بالحلولية) . ولقد أدى
هذا الوضع إلى انتشار الحركات المشيحانية والصوفية بين اليهود ابتداء من القرن
السابع عشر، وهي حركات شعبية يهودية كانت موجهة ضد المؤسسة الحاخامية التلمودية
الأرستقراطية، وكانت تجد تربة خصبة في الأطراف (خصوصاً في مقاطعة بودوليا) بعيداً
عن سلطة المؤسسة. وفي نفس التربة ، ظهرت الحركة الفرانكية والحركة الحسيدية،
وكلتاهما حركتان شعبيتان رافضتان لسلطة التلمود . وقد كان الفرانكيون يطلقون على
أنفسهم اسم «الزوهاريين» نسبة إلى كتاب الزوهار القبالي . وقد انضم إلى هذه
الحركات أساساً صغار التجار والحرفيين وصغار الحاخامات الذين لم يكن لهم علاقة
كبيرة بالمؤسسة التلمودية الأرستقراطية.
ومع تحديث أغلبية
اليهود وعلمنتهم التدريجية داخل الحضارة الغربية ، ومع انتقاد اليهودية الإصلاحية
للتلمود ورفضها له، ضعفت العلاقة بين اليهود والتلمود حتى
اختفت
تماماً بالنبة إلى الأغلبية العظمى . فالأمريكيون اليهود (اليهود الجدد)
والإسرائيليون لا يعرفون ما جاء في التلمود ، ويصدم كثير منهم حينها تذكر أمامهم
بعض أقواله . ويبدو أن أهم مفكرين دينيين يهوديين في العصر الحديث ، مارتن بوبر
وفرانز روزنزفايج ، لم يدرسا التلمود ، وربما لم يقرآه كله . وقد حصل بوبر على أول
نسخة له منه في عيد ميلاده الستين !
لكل
ما تقدم ، يجب ألا مجرد النصوص التلمودية من سياقها ، وألا يجرد التلمود ذاته من
سياقه التاريخي، بل يجب أن ينظرإليه في كليته لا ككتاب ديني وحسب وإنا أيضاً ككتاب
أدب شعبي لا يتسم بكثير من التناسق أو التجانس ، كما يجب أن يقرأ باعتباره كتاياً
يحوي الفكرة ونقيضها ، وباعتباره كتاياً لا يحدد وحده سلوك الفرد اليهودي الذي
عادة ما يجهل ما جاء فيه . والواقع أن استخدام التلمود كنموذج تحليلي ينم عن الكسل
الفكري، فهو رفض للتعمق في كلية الظاهرة اليهودية وتركيبيتها وتنوعها بحيث يصبح كل
أعضاء الجماعات اليهودية في كل زمان ومكان مجرد يهود ، ويصبح المحدد الأساسي
لسلوكهم هو التلمود (وهذا هو ضرب من ضروب الحلولية المعرفية إذ يتم اختزال الواقع
بأسره إلى مستوى واحد ويتم تصفية التعددية وكل الثنائيات) . وينجم عن هذا ، بطبيعة
الحال ، فشل كامل في رصد سلوك أعضاء الجماعات اليهودية أو التنبؤ به .
السحر والتنجيم (نوستراداموس)
«السحر»
هو محاولة التحكم في الطبيعة عن طريق صيغ سحرية خفية . وإذا كانت الطبيعة تعبر عن
سنن الإله في الكون ، فإن تحدي قوانينها هو تحد للإرادة الإلهية وتحد لمقدرة الإله
. وثمة تمييز دائم بين السحر الأبيض والسحر الأسود ، فالأول يهدف إلى حماية
الإنسان من الأواح الشريرة ويهدف الثاني إلى إلحاق الأذى بالآخرين . ولكنه ،
مهماكان مضمون السحر ، أبيض كان أم أسود ، فهو يعبر عن رغبة إمبريالية فاوستية
عارمة في التحكم في الإنسان والكون والإله . والمؤمن بالعقائد التوحيدية يؤمن بإله
قادر متجاوز للطبيعة لا يمكن تحدي مقدرته ، ومن ثم فالسلوك الإنساني الأمثل هو
سلوك أخلاقي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . أما العقائد الحلولية ، فترى أن
الإله يحل في الإنسان وتصبح إرادة الإنسان من إرادة الإله ومن ثم تصبح السيطرة على
الإله ممكنة والوصول إلى الغنوص أو الصيغة السحرية أمراًمتاحاً . ولذا ، فإن
العبادات الحلولية دائها مرتبطة بالسحر .
وعلى الرغم من أن الطبقة التوحيدية في التركيب
الجيولوجي اليهودي تتبدى في الحث على السلوك الأخلاقي ، فإننا نجد أن الطبقة
الحلولية أكثر شيوعا وتجذرا. وقد ساعد على شيوع السحر تنقل العبرانيين بين شعوب
وثنية تؤمن بالحل السحري (مثل المصريين القدامى والكنعانيين والبابليين ثم الفرس
والمراحل الأخيرة من العصر الهيليني) . وقد تبلور كل ذلك في الغنوصية التي تدور
حول محاولة الوصول إلى الغنوص والحل السحري ، والتى ضمت في صفوفها كثيرا من أعضاء
الجماعات اليهودية .
ويوجد
في العهد القديم هجوم على السحر والسحرة (لاويين ٦/٢٠ ، ٢٧ ؛ تثنية ١٨/٢٢) حيث
يعتبر السحر رجسا ونجاسة وزنى . ومع هذا ، هناك إشارات في العهد القديم إلى قبول
السحر كوسيلة مشروعة . فهناك حادثة أليشع وهو ينصح الملك يوآش أن يتنبأ بفرص النصر
ضد آرام عن طريق رمي السهام (ملوك ثاني ١٤/١٣-١٩) . وقصة شمشون لا يمكن فهمهاإلا
في إطارأنها قصة ساحريعد شعره مكمن القوة والحياة بالنسبة إليه. ولعل حجري أوريم
وتوميم على رداءالكاهن الأعظم، وعمودي بوعز ويوقين في الهيكل ، كانت لها وظائف
سحرية . كما أن حادثة أصنام الترافيم تدل هي الأخرى على الإيمان بالسحر بشكل أو
بآخر .
ويجب
التمييز بين هذه الحوادث وأحداث أخرى في العهد القديم ، خصوصاً في كتب الأنبياء ،
حيث يتنبأالأنبياء لا كالعرافين والسحرة، وإنا انطلاقا من إيمانهم بالإله الواحد
ومعرفتهم لابإرادته وإنمابنسقه الأخلاقي ، فهو حتم سيعاقب المذنبين ويثيب التائبين
. وبالتالي ، فإن التنبؤات الخاصة بسقوط القدس ليست عمليات تنجيم وإنما هي ما يمكن
تسميته ب «النذير» . ويمكن رؤية معجزات الأنبياء والرسل في نفس الإطار، فهي ليست
تحديا بشريا للإرادة الإلهية بقدر ما هي تدخل إلهي يخرق سنن الطبيعة لتوصيل رسالة
ما للبشر. والشعائر التي يقوم بها المؤمن تختلف تماماًض الشعائر السحرية، فالشعائر
التي يقوم بها المؤمن تهدف إلى إظهار طاعة المخلوق لخالقه ومحاولته التقرب منه ،
وجوهرها هو أن تتنازل الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية . أما الشعائر في الإطار
السحري ، فهي تهدف إلى التقرب من الإله ثم تحويل إرادته . ولعل هذا هو السبب في
تأكيد الصراع بين يوسف وسحرة مصر (تكوين ١ ٤) ودانيال والسحرة في البلاط البابلي
(دانيال ٢) والصراع بين موسى وهارون من ناحية وعرافي مصر وسحرتها من ناحية أخرى
(خروج ٧) ، حيث يستخدم سحرة مصر سحرهم الخفي، أما موسى فيستغيث بالله الذي يغيثه.
ولهذا،
٤١
فإن نبوءات الأنبياء ومعجزاتهم والشعائر التي
يؤديها المؤمنون مختلفة تماماً عن السحر والشعائر التي يقومهاالسحرة، بل وتقف على
النقيض منها .
ومهما يكن الأمر ، أصبح السحر اليهودي انعكاسا
للوثنية السائدة في الشرق الأوسط القديم إذ سقطت في الحلولية والوثنية والسحر
تدريجيا، ثم بشكل سريع ابتداء بالكتب الخفية (أبوكريفا) ، ثم التلمود وأخيرا
القبالاه حيث تدور القبالاه العملية بأسرها حول السحر . ولكن المفارقة أن نصوص
العهد القديم أصبحت هي المادة الخام التي تستخدم للوصول إلى الصيغة السحرية ، ففي
منظومة الحلولية عادة ما يصبح النص المقدس موضع الحلول الإلهي ويصبح النص هو جسد
الإله، ومن يتحكم في النص يتحكم في الخالق. وقد أدى ذلك إلى ظهور مفهوم التوراتين
(التوراة المكتوبة والتوراة الشفوية) الذي تطور ليصبح توارة الخليقة الظاهرة
وتوراة الفيض الباطنية التي لا يصل إليها إلا من يمتلكون مقدرات خاصة على التفسير
، وهي التوراة التي يمكن عن طريقها الوصول إلى الصيغة السحرية . ولذا ، فقد كانت
هناك فقرة (عدد ١٣/١٢) تصف شفاء مريم من البرص كتعويذة ضد الحمى . وكان مزمور ١ ٩
من أهم التعويذات على الإطلاق . وحتى لا تفهم الشياطين مضمون الفقرات التوراتية
كان السحرة يلجأون إلى الاختصارات فكان ينطق بكلمة هي عبارة عن الحروف الأولى في
الكلمات التي تشكل الفقرة التوراتية أو ينطق بحرف واحد يرمز للكلمة كلها (وهو
أسلوب يعرف باسم «النوتاريكون») أو ينطق بالمعادل الرقمي للكلمة (أسلوب الجماتريا)
. وكثيرا ما كانت هذه التحويرات تستقل عن أصلها لتصبح كلمات مستقلة مثل كلمة «أبرا
كادبراه 22020212 1 ٨12»
التي يبدو أنها عبارة آرامية للإشارة إلى أحجار أبراكساس،
وهي أحجار عليها حروف وأرقام كانت تستخدم لأغراض سحرية . وقد أصبحت كلمة «أبرا
كادبراه» هي الصيغة المستخدمة لشفاء الأمراض .
وكان يظن أيضا أن اسم الإله ، شأنه شأن التوراة
، هو ذاته جسد الإله ، ومن يتحكم في اسم الإله الأعظم (يهوه أو التتاجراماتون)
يتحكم في الإرادة الإلية . وقد استخدم اسم «شابريري» (شيطان العمى) فكان اسمه يكتب
على هيئة مخروط مقلوب :
شا بريري
شابرير
شابر
٠٠ ا
وكان هذا المخروط
المقلوب يوضع في حجاب يلف على رقبة المريض .
وإلى جانب السحر
المرتبط بالنصوص والأرقام ، يوجد السحر المرتبط بالحروف، وقد اكتسبت الأبجدية
العبرية أهمية خاصة في السحر . ويتداول حتى الآن في أرجاء العالم عدد كبير من
التعاويذ والأحجبة التي تحتوي على حروف عبرية. كما أن نجمة داود ذاتها كان لها
دلالة بين المشتغلين بالسحر من اليهود وغير اليهود . بل إن الشعائر الدينية ذاتها
بدأت تتحول بالتدريج واكتسبت مضموناً سحريا إذ أصبح الهدف منها السيطرة على الذات
الإلهية أو على الأقل مساعدة الإله في إصلاح الخلل الكوني (تيقون) والتي يستعيد
الإله من خلالها توحده ووجوده . ولذا، كانت الصلاة اليهودية تؤدى باعتبار أمها
تساعد في الزواج المقدس (زواج العنصر الذكوري في الذات الإلهية بالعنصر الأنثوي) .
وبالتدريج، أصبحت صياغة الصلوات وطريقة تلاوتها أكثر أهمية من الرؤية الفلسفية
الكامنة وراءها . وأصبح الإيان بالملائكة ليس إياناًبالغيب وبحدود الذات الإنسانية
وإنا الإيمان بأرواح يمكن رشوتها وتوظيفها، والشياطين هي قوى يمكن خداعها عن طريق
تلاوة الأدعية بالآرامية (مثلا) . بل إن كل الأوامر والنواهي فقدت مضمونها
الأخلاقى الدينى وأصبحت بمثابة الشعائر السحرية . وظهرت شعائر مثل ال «تشليخ» حيث
يقوم اليهود بنفض ذنوبهم في الماء ، وشعيرة «كاباراه» في ليلة يوم الغفران حيث
تذبح فرخة بعدأن تمررعلى رؤوس بعض اليهود لغسل الذنوب أيضاً . وقد وصلت كل هذه
الاتجاهات إلى قمتها فى الحركة الحسيدية حيث أصبح بوسع التساديك أن يغير الإرادة
الإلهية عن طريق أداء بعض الشعائر والحركات ، كما كان يبيع لأتباعه الأحجبة
الكفيلة بتحقيق السعادة لهم فيما يشبه صكوك الغفران. ومع حركات شبتاي تسفي، يحل
السحر تماماًمحل الدين وتصبح الرقية والتعويذة والصيغ السحرية هي مركز العبادة.
وقد وجدت بادات الجادات اليهودية منذ نهاية القرن السابع عشر تجارة رابحة في مثل
هذه الأشياء . ومع حركة الاستنارة ، يبدأ ظهور العلم ويبدأ البحث عن الصيغة
العلمية لحل كل المشاكل ، فتراجعت بالتالى الصيغة السحرية ، إذ أن الصيغة العلمية
حلت محلها .
وقد ارتبط أعضاء
الجياعات اليهودية في الوجدان الغربي بالسحر للأسباب التالية :
ا - لعل أهم الأسباب هو
الرؤية التوراتية لليهود على أنهم شعب مقدس ، فالشعب المقدس عنده مقدرات عجائبية
ولا شك، فهو موضع الحلول الإلي الذي يعيش خارج الزمان . وقد أصبح الشعب المقدس هو
الشعب الشاهد الذي يعيش على هامش المجتمع مع الشخصيات الهامشية مثل العرافين والسحرة.
وفي الرؤية البروتستانتية الألفية، تحول
٤٣
الميعاد وتنصرهم.
٢ -
وقد عمق من هذا كله تحول اليهود إلى جماعة وظيفية تعيش في المجتمع دون أن تكون منه
في وقت كان فيه أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية يعملون بالتجارة وإلربا . وفي
المجتمع الإقطاعي ، كان الفلاح يعمل بالزراعة وكان النبيل يعمل بالحرب وكان القسيس
يعمل في الكنيسة - أي أن الجميع كانوا يعيشون من ثمرة عملهم . أما اليهودي ، فكان
يبدو وكأنه لا يعمل ، فقد كان يحرك رأسياله وحسب أو كان يحرك السلع من مكان لآخر
ليحقق أرباحاً طائلة ، فظهرت العملية كلها وكأنها سحر .
٣ -
ومما رسخ من هذه الرؤية في الوجدان الغربي أن أعدادا كبيرة من أعضاء الجماعات
اليهودية كانوا يعملون فعلا بالسحر . والتلمود ، في كثير من أجزائه، هو كتاب سحر،
كما أن القبالا العملية هي ، أولا وأخيرا ، انشغال بالسحر وبمحاولة الوصول إلى
الصيغة السحرية . وقد كانت الحركات المشيحانية ، التي كانت تكتسح أعضاء الجماعات
اليهودية من آونة لأخرى ، حركات تعبرعن الإيمان بالحل السحري . ولعل ارتباط أعضاء
الجماعات اليهودية بالسحر في الوجدان الغربي ، ومن ثم بالشيطان ، هو أهم أسباب
معاداة اليهود والدافع وراء كثير من الهجمات الشعبية عليهم.
ومن أهم الأسماء
اليهودية التي ارتبطت بالتنجيم : نوستراداموس (ميشيل دي نوستردام) (١٥٠٣-١٥٦٦) وهو
منجم وطبيب فرنسي ، وأحد أكثر شخصيات عصر النهضة في الغرب إثارة وغموضاً ، اكتسب
شهرة واسعة عبر التاريخ بسبب ما يقال عن تحقق نبوءاته. ولد في مقاطعة بروفانس في
فرنسا لعائلة من أصل يهودي حيث قام جداه باعتناق المسيحية بعد أن خضعت مقاطعة
بروفانس للحكم الفرنسي عام ٤٨٢ ١ وخير لويس السابع رعاياه من اليهود بين الطرد أو
التنصر. وقد اتخذ جده أبراهام سولومون دي سانت ماكسيمين ، بعد اعتناقه المسيحية ،
اسم بيير دي نوستردام . وقسد ولد نوستراداموس مسيحيا ونشأ نشأة كاثوليكية وإن تلقى
قسطا من تعليمه على يد جديه (اليهوديين سابغاً) . ودرس الطب في جامعة مونبييه،
وتخرج منهاعام ١٥٢٩ ، واكتسب سمعة طيبة بعد نجاحه في علاج كثير من الأمراض، خصوصاً
الطاعون، باستخدام أساليب متطورة وغير تقليدية. ولكنه فشل في علاج زوجته وأولاده
عندما أصابهم الطاعون وتوفوا عام ٨ ٥٣ ١ .
وقد أمضى نوستراداموس
الفترة ما بين عامي ١٥٣٨ و٧ ١٥٤ متنقلا من مكان إلى آخر، ويقال إنه التقى في
إيطاليا بيهود من القباليين ثم عاد إلى فرنسا حيث اتجه اهتيامه إلى السحر والتنجيم
وعالم القوى الخفية . وأصدر نوستراداموس عددا من الأعمال في التنجيم ، كان من أشهرها
على الإطلاق نبوءاته التي صدرت عام ١٥٥٥ وضمت ٠ ٥ ٣ رباعية كتبت بأسلوب وبلغة
فرنسية مبهمة وغامضة . وقد نظمت الرباعيات في مجموعات ، تضم كل مجموعة مائة رباعية
، ولذلك عرف هذا العمل أيضاً باسم «المئويات» . ولم يلق هذا العمل أي اهتمام إلا
عندما تحققت إحدى نبوءاته وهي مقتل الملك الفرنسي هنري الثاني في حادث عام ٠١٥٥٩
ومنذ ذلك الحين ، بدأ الاهتمام الواسع بفك غموض نبوءات نوستراداموس ومحاولة
تفسيرها . وقد عين نوستراداموس عام ١٥٦٤ طبيباً للملك الفرنسي شارل الرابع
ومستشاراله .
وبرغم أن أغلب رباعيات
نوستراداموس غامضة للغاية ومكتوبة بأسلوب يصعب فهمه، إلاأن بعض نبوءاته قدتحققت
بالفعل؛ مثل أحداث ثورتي إنجلتراوفرنسا ، وصعود وسقوط نابليون، ونجاح الإنسان في
الطيران، وتخلي إدوارد الثامن عن العرش في إنجلترا ، وصعود زعيم ألماني اسمه «هيستر»
الذي سيتسبب في إراقة كثير من الدماء في أوربا قبل هزيمته ، وهوما اعتبر إشارة
للزعيم النازي هتلر(ومع هذا ، لم يقم أحدبدراسة النبوءات التي لم تتحقق وعددها
ونسبتها إلى إجمالي عدد النبوءات) .
اليهود
كشياطين في الأدب الغربي (شكسبير ودوستويفسكى)
١ -
اليهود كشياطين
من الصور الأساسية
المتواترة في أدبيات معاداة اليهود تصويرهم على أنهم شياطين ، فالشر لصيق بطبيعتهم
، فهم يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه ، وهم يحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء
على الجنس البشري (ربما مثل إبليس منذ أن خرج من الجنة) . وهذا هو المفهوم الكامن
وراء بروتوكولات حكماء صهيون ووراء فكرة المؤامرة اليهودية العالمية. وهذه الفكرة
تفترض وحدة اليهود عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية (تماما مثل الشيطان) ،
ولذا فهم لا يقهرون أو لا يمكن قهرهم إلا باللجوء للحلول السحرية ، إذ أنه لايهزم
السحر إلا السحر، كما لايمكن هزيمة الشياطين بالجهدالبشري العادي - جهاداً كان أم
اجتهاداً.
٤٥
والإييان بأن اليهود
وحدة صلبة متماسكة لا تقهر ، أو بأن إلحاق الهزيمة بهم في حكم المستحيل ، هي فكرة
تروج لها الدعاية الصهيونية الواعية (والدعاية المعادية لليهود غير الواعية) .
وتظهر في شعارات مثل «جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يقهر» . وفكرة اليهود كشياطين
هي مقلوب فكرة اليهود ككتلة صلبة لا تكسر ، وكلاهما يدور في إطار الحلولية
الكمونية الواحدية . فكما أن الفكر الحلولي (الصهيوني) يجعل اليهود موضعا للحلول
الإلهي (باعتبارهم الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة) ، فإن مفهوم اليهود كشياطين
يجعلهم موضع الشر الكوني الذي لا يتحول ، فالأول يجعل منهم شعبا مقدسا يتجاوز
الخير والشر، والثاني يجعل منهم شعباً شيطانيا يتجاوز الخير والشر أيضاً . وهذه
الفكرة لها امتدادها في التراث المسيحي الذي يجعل من اليهودي مركزاً للدراما
المسيحية الكونية التي تدور حول صلب المسيح وقيامه والتي يلعب فيها اليهود دور
قاتل الرب الذي يقف بعد ذلك ، في ضعته وتدنيه ، شاهدا على انتصار الكنيسة وعظمتها
. وقد وجدت هذه الفكرة طريقها إلى العالم الإسلامي وحلت محل فكرة الفطرة الخيرة
التي يولد الإنسان بها . ولكنها فكرة متجذرة وأساسية في الفكر الغربي . وقد عبرت
عن نفسها من خلال أعمال شكسبير ودوستويفسكي وغيرهما من المؤلفين.
٢ - شكسبير والأدب ا لإنجليزي
تطل فكرة المؤامرة
اليهودية والطبيعة اليهودية الشيطانية الهدامة برأسها في الأب الإنجليزي والأمريكي
والروسي (فاليهودي جزء لا يتجزأ من الخطاب الغري في مشوار اكتشاف الانسان الغربى
لذاته وتحديدها) . وثمة شخصيات فنية عديدة تتبدى من خلالها هذه الفكرة . فهناك على
سبيل المثال لا الحصر، شخصية باراباس في مسرحية مارلو يهودي مالطة (وهو شيطان صرف
لا يتسم بازدواجية شيلوك) . وهناك شخصية اليهودي في رواية وولتر سكوت إيفانهو ،
شخصية فاجين في قصة ديكنز أوليفرتويست. وعلى العكس من هذا توجد شخصيات تتبدي من
خلالها فكرة اليهود كشعب يتمتع بقدر كبير من القداسه مثل شخصية دانيل ديروندا في
رواية جورج إليوت التي تحمل هذا الاسم ، والشخصيات اليهودية المختلفة في روايات
دزرائيلي. وتوجد إشارات مختلفة في الشعر الإنجليزي، عن اليهود، منذ القرن التاسع
عشر، على وجه الخصوص . ويقال إن الشخصية الأساسية في قصيدة «الملاح القديم»
لكوليردج هي أساساًاليهودي التائه . ويتراوح الموقف من اليهود في الأدب الإنجليزي
(وفي الآداب الغربية عامة) بين الكره الشديد والحب العميق، بين النبذ والتقديس ،
وكلاهما موقف
يستند إلى فكرة الشعب
العضوي المنبوذ حيث تتم رؤية أعضاء الجماعات اليهودية لا باعتبارهم بشرا ، لهم ما
لنا وعليهم ما علينا ، وإنما باعتبارهم كيانا عضويا متماسكا غير منتم للمجتمع ومن
ثم لابد من طرده .
ولكن
تظل أهم الشخصيات اليهودية على الإطلاق شخصية شيلوك وهي شخصية رئيسية في مسرحية
تاجر البندقية لوليم شكسبير ، وهو يهودي يعمل بالربا . وقد أصبحت الكلمة جزءا من
المعجم الإنجليزي وتعني «الرجل الطاع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه»
. ولا يعرف على وجه الدقة أصل هذا الاسم ، فهو ليس اسما يهوديا ، ولذا تضاربت
النظريات بشأنه ، فيقال إنه مأخوذ من كلمة «شيلوه» ، ويقال أيضاً أنه مأخوذ من
كلمة «شالح» وهي شخصية يرد اسمها في سفر التكوين (١٤/١١ - ١٥) .
ويتسم
الفكر العنصري بأنه فكر اختزالي ، أي أنه فكر كسول ، لا يكد ولا يتعب لكي يحيط
بتركيبية الواقع وتعدد مستوياته ، بل يقنع بإدراك هذا الواقع إما على مستوى واحد
أو من خلال صورة إدراكية واحدة بسيطة أو استعارة اختزالية ساذجة . فالعالم كله بعد
واحد، وهو يشبه الساعة أو النبات الذي يتبع دورات طبيعية منتظمة ، وهناك منهج واحد
لإدراك كل الظواهر إنسانية كانت أم مادية ، والبشردوافعهم كلها مفهومة ويمكن
تفسيرها من خلال عامل أو أكثر من العوامل المادية (فالإنسان يمكن رده إلى قوانين
الطبيعة) ، وكأن العالم (الطبيعة والإنسان) كيان أحادي مكون من ذرات وأرقام ، كما
يتصور بعض الماديين السذج والعلماء البسطاء من دعاة الواحدية المادية الكونية .
ويتسم
الأدب العظيم بأنه يرفض هذه الاختزالية والواحدية الكونية ، ويحاول أن يعود
بالإنسان إلى ذاته ليدركها وليقدرها حق قدرها ، ولذا فهو يقدم صورة للنفس البشرية
باعتبارها كياناً مركبا إلى أقصى حد يستعصي على التفسيرات المادية البسيطة ولا
يمكن أن ينضوي تحت القوانين العلمية الرتيبة ، فالعالم بالنسبة للأديب العظيم لا
يمكن أن يختزل في بعد واحد أو أن يرد إلى مستوى مادي واحد أو أن يسقط في استعارة
واحدة ساذجة . واللغة الأدبية المجازية تنفر من لغة الجبر والقوانين الهندسية
لأنها تتعامل مع ظاهرة مركبة . وإذا كانت لغة الجبر لغة بسيطة لا تتحمل الإبهام ،
فلأنها لغة تهدف إلى وصف الأشكال الهندسية وحركة الكواكب وعلاقة الأرقام والذرات
وكل ما هو محسوس ويقاس . أما لغة الأدب ، فتتعامل مع الإنسان في أفراحه وأتراحه ،
ومن ثم فهي لغة مجازية تحاول الإفصاح
عن المفارقات والتعبير
عن الشيء وعكسه في ذات الوقت وتتعامل مع المحدود واللا محدود والمتناهي واللا
متنأهي وما يقاس وما يستعصى على القياس .
والأنماط الإدراكية العنصرية هي أناط اختزالية
تبسيطية تعبرعن كسل من يستخدمها ، فهي تختزل الآخر في كلمة أو كلمتين وفي صورة
بسيطة وفي استعارة أكثر بساطة ، فالأخر «غشاش» ولا يمكن الثقة فيه . والعالم سيصبح
مكاناً جميلا رائعا فردوسيا لو اختفى منه هذا الآخر ، فالاخر هو الجحيم وهو مصدر
كل التعاسة .
ومن أهم الأناط
الإدراكية الاختزالية للآخر، والتي توجد في كل الأدبيات العنصرية في العالم ، صورة
الآخرباعتباره «حريصا على المال» و«شرهابطبعه» ، وهي صورة منتشرة عن الصينيين في
جنوب شرق آسيا ، وعن الباكستانيين في إنجلترا، وعن اليهود في أوربا والعالم العري.
وهذه الصورة الإدراكية الاختزالية كثيرا ما يكون
لها أساس في الواقع ، ولكن ما يفعله العقل العنصري هو أنه يعزل بعض التفاصيل عن
واقعها المركب وعن أسبابها وملابساتها ويحولها إلى بنية مجردة ونموذج إدراكي معرفي
يفسر به كل الأمور. ولنأخذ تهمة الحرص الزائد هذه التي يدعي العنصري أنها صفة
لصيقة بطبيعة الآخر . لو دقق العنصري الاختزالي قليلا لاكتشف أن الصينيين
والباكستانيين أهل كرم في بلادهم ، وأن عقائدهم الدينية تشجع على السخاء وإكرام
الضيف ، ولذا فالحرص المتطرف ليس أمرا كامنا في طبيعة الصينيين أو الباكستانيين أو
في عقائدهم الدينية ، وإن وجد مثل هذا الحرص الشديد فيهم فلابد من البحث عن مصدره
في مكان آخر . ولو دقق صاحبنا العنصري قليلا لاكتشف أن هؤلا الباكستانيين
والصينيين واليهود يعيشون في بلاد غير بلادهم ، وأن إحساسهم بالأمن يكون عادة
ضعيفا بينا يتزايد إحساسهم بالخطر ، وعادة ما يكون هؤلاء الغرباء لا علاقة لهم
بالأض أو بالثوابت في المجتمع إذ أن كيانهم ووجودهم في المجتمع يستند إلى الدور
الذي يلعبونه وإللى الوظيفة التي يضطلعون بها وللى الثروة التي يراكمونها ، ولذا
يصعب عليهم أخذ موقف متسامح من المال.
كما أن هذا الصيني الشره في علاقته مع الأغلبية
، عادة ما يكون سخيا جدا مع أعضاء جماعته ومع وطنه الأصلي إن وجد . فكأن هذا
الصيني الشره، في علاقته مع الأغلبية في المجتمع المضيف ، هو ذاته الصيني السخي في
علاقته مع أعضاء جماعته . ويختزل العنصري كل هذا ويأبى إلا أن يركز على عنصر واحد
منتزع من ملابساته الاجتماعية ولحظته التاريخية ومنفصل عن كل زمان ومكان .
مسرحية
تاجر البندقية . ولكن تناول شكسبير لهذا النمط الإدراكي هو نموذج جيد على الأدب
العظيم الذي يتجاوز كل محاولات الاختزال التي يتسم بها الفكر العنصري ، فهو يقدم
تصويرا مركبا لهذه الشخصية الأمر الذي جعل النقاد يقدمون تفسيرات عديدة لها
أبعادها وأصلها ودلالتها ويركز كل تفسير على بعد واحد أو بعدين ، مع أن كل العناصر
متداخلة . ولكن هذه هي حدود اللغة النقدية : إنها تقوم بتفكيك العمل الأدي ثم
تركيبه ، فتقدم كل عنصر على حدة، وكأنه مستقلا بذاته ، على عكس العمل الأدبي الذي
يقدم كل العناصر في تداخلها وتركيبيتها وتزامنها . ورغم إدراكنا لكل هذه العناصر ،
إلا أننا سنقوم بتقديم هذه التفسيرات المختلفة ، كلا على حدة ، على أن يقوم القارئ
برؤيتها فى تلاحمها وتمازجها . ولن نقدم هنا قراءة أدبية للنص ذاته ، مسرحية تاجر
البندقية ، وإنا سننظر إلى النص باعتباره تعبيرا عن مواقف إنسانية متباينة متنوعة
تعبرعن نفسها خلال مستويات مختلفة (اجتماعية وفلسفية ونفسية وتاريخية وأدبية) أي
أن اهتمامنا ليس أدبيا صرفاً ، إذ أننا سنستخدم النص في دراسة هذه المواقف
الإنسانية . ورغم أن دراستنا ليست أدبية خالصة ، إلا أنها ستنير العمل الأدبي :
أ -
التفسير التاريخي : من المعروف أنه لم يكن يوجد يهود في إنجلترا زمن كتابة
المسرحية (في أواخر القرن السادس عشر الميلادي - حوالي ١٥٩٧) إلا بعض يهود
المارانو الذين كانوا يقيمون هناك . ويقال إن رودريجيز لوبيز ، طبيب الملكة
إليزابيث ، والذي اتهم بالتآمر ضدها ثم أعدم ، هو النموذج الذي استخدمه شكسبير
(وكان عدو رودريجيز لوبيز هو دوم أنطونيو ، ومن هنا نجد أن أنطونيو هو أهم شخصية
في المسرحية وعدو شيلوك اللدود) . ولكن المؤرخ الأمريكي اليهودي سيسل روث يذهب إلى
أن شيلوك هودي إشكنازي من البندقية . وكانت البندقية تضم في ذلك الوقت ثلاثة أنواع
من اليهود كان يشار إليهم باسم «الثلاث أمم» : سفارد الشام والمارانو والإشكناز .
وكان مصرحا للسفارد والمارانو بالعمل في التجارة المحلية والدولية وكانوا يمتلكون
السفن التجارية ويتاجرون مع الشام . أما الإشكناز ، فكان ممتوعاًعليهم الاتجار ،
بل ولم يكن مسموحالهم إلابالعمل بالربا وبيع الملابس القديمة (وهي وظيفة مرتبطة
تماماً بالربا) .
ب -
التفسير الطبقي : يذهب بعض النقادإلى أن أعضاء الأستقراطية الإنجليزية الزراعية
(الإقطاعيين) ، وكثيرون منهم كانوا يرتادون مسرح جلوب الذي كانت تعرض فيه مسرحيات
شكسبير ، بدأوا يشعرون بآثار الثورة التجارية وبنمو اقتصاد المدن والتضخم
٤٩
الذي
صاحب ذلك ، مما زاد من نفقاتهم ، ولكن لم تكن لديهم الكفاءات اللازمة للاستثمار
التجاري باستثناء أقلية صغيرة منهم . ولهذا ، بدأت ديونهم تزداد أكثر فأكثر . وفي
ذات الوقت ، بدأت القيم التجارية التعاقدية تسود في المجتمع وتحل محل قيم الشرف
والكرم والأهة التي كان يؤمن بها هؤلاء الإقطاعيون . ويجسد أنطونيو في المسرحية
المذكورة الأخلاقيات الأرستقراطية ، فهو كريم يقرض أمواله بدون فوائد ، يعيش حياة
مسرفة ولكنه ليس تاجرا بمعنى الكلمة لأنه غير مشغول بتراكم رأس المال . وهكذا ،
فإن أنطونيو يقف على الطرف النقيض من شيلوك عضو الجماعة الوظيفية المالية الذي
لايدين بالوفاء إلا لقيمة التراكم ولا يدين بالولاء إلا للمال. ويعرف شيلوك الخير
تعريفاً نفعيا ماديا حينها يشير إلى أن أنطونيو لديه من الممتلكات ما يسمح له برد
الدين ، فكأن حكمه عليه حكم مالي إجرائي ينزع عنه أي قداسة وينظر إليه بشكل موضوعي
كمي غير تراحمي . وفي مقابل العلاقة الحميمة وكلمة الشرف التي يؤمن بها
الأستقراطيون ، هناك العلاقات الموضوعية التعاقدية التي تؤمن بها الطبقة التجارية
الجديدة والتي يدافع عنها شيلوك في المسرحية .
ج -
التفسير الديني الاقتصادي : وهناك بعد ديني اقتصادي يتمثل في ظهور جماعات
البيوريتان البروتستانت من عناصر البورجوازية الجديدة النشطة المؤمنة بتعاليم
كالفن، والتي حولت الزهد المسيحي في الدنيا من أجل الآخرة إلى زهد داخل الدنيا من
أجل تراكم رأس المال، علامة على الخلاص في الآخرة . ولذلك، كان هؤلاء يكرهون
الملذات والإنفاق وارتياد المسرح والمسرات . وجبى ء شيلوك ، في هذه المسرحية ،
رمزا لهذه القطاعات المتزمتة الملتزمة بالتاكم وحسب والتي تنكرالعلاقات الإنسانية
وخلاص الروح حتى تحقق تزايدالثروة . ولم يكن شكسبيرمخطئا على الإطلاق ، فبعدفترة
وجيزة استولى هؤلا على الحكم في ثورة كرومويل وأغلقوا المسارح كلية. وكان من المألوف
آنذاك أن يتم الربط بين غلاة البروتستانت واليهود .
د -
التفسير اللاهوتي : ولكن هناك بعدا دينيا خالصاً ، فقد أشاع العهد الجديد صورة
سلبية للغاية عن الفريسيين (وهي فرقة دينية تهودية ظهرت أيام المسيح) ، وفي هذه
المسرحية أرتبطت هذه الصورة باليهود بصورة واضحة تماما. ويمثل شيلوك الفريسى
بالدرجة الأولى ، فهو يحترم حرفية القانون لا روحه، وهو بلا عاطفة ، كما أنه يجيد
استخدام الكتاب المقدس لتبرير أفعاله (وهي تهمه وجهها المسيح إلى الفريسيين) .
وآخيرا ، ارتبط الفريسيون في الوجدان المسيحي بأنهم المحرضون الحقيقيون على صلب
المسيح .
ومن هنا ، فإن شيلوك يماثل الفريسيين ، حين
يطالب برطل اللحم ، أما أنطونيو فهو كالمسيح بمثابة حمل الإله الذي سيقدم للذبح .
بل
إن العلاقة بين شيلوك وأنطونيو هي مثل العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد كما
يرى المسيحيون . فاليهودية تمثل لاهوت العدل دون رحمة، ومن ثم أصبح التعاقد
والميثاق مسائل مركزية في العقيدة اليهودية . ولكن العدل بدون رحمة ، حسب رأي
المسيحيين ، لن يؤدي إلى خلاص . ولهذا ، فإن المسيحية هي لاهوت الرحمة التي لا
يمكن للإنسان بدونها أن يصل إلى الخلاص . والمسيحية ترى أن العهد الجديد أكمل
العهد القديم بل وربا حل محله ونسخه ، وأصبحت الرحمة لا العدل هي الهدف . وقد أنكر
اليهود المسيح واستمروا حبيسي العهد القديم ولاهوت العدل والقانون والتعاقد ولكنهم
يذوقون في نهاية الأمر أشد ألوان العذاب ويعانون في الدنيا، وبذلك فإنهم يقفون
شاهدا على عظمة المسيحية والكنيسة . ومن هنا ، فإن شيلوك يجسد العنصر اليهودي كما
يجسد التعاقدية ولاهوت العدل، في حين يقف أنطونيو ممثلا للمسيحية وإلرجمة ولاهوت
المحبة .
ومع
هذا ، يعطي شكسبير الفرصة لشيلوك ليحاكم المسيحيين من منظور لاهوت الرحمة ، هذا
الذي يدعون إيمانهم به ، فيذكرهم بما كانوا يلحقونه به من أذى . كما يعطيه الفرصة
للحديث عن الجوانب الإيجابية في فكرة التعاقد ولاهوت العدالة ، فالإيمان بالتعاقد
وبالعدل هوأيضا إيان بأن النفس البشرية ليست منزهة عن الهوى، وأنه لوتركت المسألة
للمحبة وحسب ، لاختلط الحابل بالنابل ولتحولت القيم الأخلاقية ، ذات البعد
الاجتماعي ، إلى تجارب نفسية شعورية . ويمكن القول أن شكسبير يقترح علينا نموذجاً
يجمع بين القانون والرحمة وبين العدالة والمحبة وبين التعاقد والتراحم وبين الذات
والموضوع وبين الفرد والمجتمع.
ه-
الجماعة الوظيفية : وقد اختلف النقاد في تفسير موقف شكسبير من شخصية شيلوك : هل هو
متعاطف معه جدا أم أنه يرفضه تماماً؟ وهل شيلوك شيطان رجيم يجب أن نفرح لسقوطه ،
أم أنه ضحية المجتمع المسيحي المستغل ؟ وربيا أمكن حسم هذه القضية بالتأكيد على
هوية شيلوك كعضو في جماعة وظيفية أوكل لها المجتمع الاضطلاع بوظيفة الربا الذي
يؤدي إلى دمار أعضاء المجتمع ، أي أنه أداة دمار . ولكن عضو الجماعة الوظيفية لم
يختر وظيفته ، فوظيفته هي قدره ومصيره الذي اختير له . ومن ثم ، فإن ما
٥١
يقوله
شيلوك عن نفسه باعتباره إنساناً أهدرت إنسانيته هو أمر حقيقى ، كما أن ما يقال عنه
من أنه أداة استغلال صماء لا تدخل في علاقة إنسانية مع البشر وتحاول هدمهم هو
أيضاً أمر حقيقي . وهذه الصورة المزدوجة التي يتحدث عنها بعض النقاد هي ، في واقع
الأمر ، ازدواجية تعبر عن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بأنفسهم وبالمجتمع ، فهم
بشر في علاقتهم بأنفسهم وهكذا يرون أنفسهم، وهم أدوات في علاقتهم بالمجتمع وهكذا
يراهم المجتمع . والواقع أن شكسبير ، وكتاب آخرون من بعده ، حاولواأن يتعاملوا مع
هذه العلاقة في تركيبيتها الصلبة وثنائيتها الحادة .
٣-
دوستويفسكي والأدب الروسي
يعد
فيودور دوستوفيسكي (١٨٢١-١ ٨٨ ١) الروائي الرومي ، من أهم الروائيين العالميين على
الإطلاق . كان موقفه من أعضاء الجماعات اليهودية يتسم بالعنصرية الشديدة . وهناك
إشارات عديدة لأعضاء الجماعات اليهودية في كتابات دوستويفسكي غير الروائية ، كما
أن هناك إشارات هنا وهناك في أدبه الروائى ، حيث توجد شخصيات هودية في بعض رواياته
، خصوصا في بيت الموتى (١٨٦١) وهي رواية عن تجربة سجين (غير سياسي) في معتقل في
سيبريا، ورد فيها وصف لسجين يهودي يقيم كل شعائر دينه بحرص شديد . ولكن أهم النصوص
التي عبر فيها دوستويفسكي عن وجهة نظره العنصرية بشكل واضح ومباشرهي يوميات كاتب .
ولايختلف التناول الروائى لدوستويفسكي لليهود عاجاء في يومياته . وهذا يثير
إشكالية كبرى وهى كيف يمكن لأديب ، صاحب رؤية إنسانية في أدبه ، أن يتسم موقفه
المباشر والمعلن من أقلية دينية أو عرقية بهذه العنصرية والاختزالية وضيق الأفق.
وهذا ما سنحاول تفسيره (لا تبريره) .
ولنبدأ
دراستنا بمحاولة استخلاص رؤية دوستويفسكي لليهود كما وردت في يوميات كاتب : كان
دوستويفسكي يشير إلى اليهود بكلمة «جيد 018 2» الروسية
التي تحمل مضموناًتدحيا، ويرفض استخدام كلمة «يفري لاع٣٥٧» أي «عبري» التي تعد
أكثر حيادية . وكان يذهب إلى أن اليهود شعب واحد له تاريخ يمتد على مدار أربعة
قرون ، وهو شعب حيوي طاقته لا تنتهي نجح في الاحتفاظ ببقائه وتماسكه، ولذا كان
يشير إليهم على أنهم «القبيلة اليهودية» التي يعيش أفرادها فيما يسميه «حالة
الجيتو» ، يربطهم «ميثاق الجيتو» ، وهو ميثاق يطالبهم بعدم إظهار الرحمة نحو الغير
وبالتعالي عليهم وبالعيش في عزلة عن كل الشعوب عبرآلاف السنين . ومن أهم عقائد هذا
الشعب - حسب تصور
دوستويفسكي
- عقيدة الماشيح ذات المضمون القومي ، وهي عقيدة تذهب إلى أن المسيح المخلص
اليهودي سيعود وسيقود شعبه إلى القدس مرة أخرى ويمنحهم إياها ويرمي جميع الشعوب
تحت أقدامهم . وهذا الشعب اليهودي تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء ، ولذا فهم
يعملون بالتجارة ، خصوصاً تجارة الذهب ، ويديرون البورصات ويستغلون الطبقات
الفقيرة ، خصوصاً الأقنان . ويجأر اليهود بالشكوى من المعاناة التي يلاقونها في
روسيا ، ويدعون أنهم غيرمتساوين في الحقوق مع الروس ، مع أن معاناة الآقنان الروس
تفوق بمراحل معاناة اليهود .
واليهود
- حسب رأي دوستويفسكي - يوجدون في كل مكان ، فهم يوجدون داخل التشكيل الاستعماري
الغربي ويهيمنون على الرأسمالية الغربية ، وهم بطبيعة الحال موجودون في كل الحركات
الاشتراكية والثورية والفوضوية والعدمية . وقد جعل اليهود همهم إفساد الشعب العضوي
الروسي إذ كانوا يقومون ببيع الكحول لهم وبالشرب من عرقهم ودمهم . وحينيا أعتق
الأقنان ، انقض عليهم اليهود واستغلوهم واستفادوا من هفواتهم الإنسانية . وهم في
استغلالهم للناس لا يتسمون بالرحمة ، فاستغلالهم للأقنان لا يختلف كثيرا عن
استغلالهم للزنوج في الولايات المتحدة بعد إعتاقهم .
ويرى
دوستويفسكي أنه حتى لو أعطيت لليهود حقوقهم كاملة ، فإنهم لن يتنازلوا قط عن أن
يكونوا دولة داخل دولة . وهم يفعلون ذلك لأن مصالحهم مستقلة عن مصالح المجتمعات
التي يعيشون في كنفها . بل إنه يرى أن هناك مؤامرة يهودية عالمية عبر التاريخ
لخدمة المصالح اليهودية المستقلة وللدفاع عنها . فهو يشير إلى دزرائيلي رئيس وزراء
بريطانيا باعتبار أن دفاعه عن الدولة العثمانية ضد روسيا وهو تعبير آخر عن
المؤامرة اليهودية الأزلية ضد روسيا وعن المصالح اليهودية المستقلة (وهذا يختلف
تماماً ض موقف المدافعين عن فكر المؤامرة عندنا إذ يرى هؤلاء أن اليهود هم
المسئولون عن سقوط الدولة العثمانية دفاعا عن المصالح اليهودية) . ويتجاهل
دوستويفسكي حقيقة بسيطة واضحة وهى أن دزرائيلى كان يدافع عن الدولة العثمانية ضد
روسيا لا حبا فيها وإنما نكاية في روسيا وحتى تظل عنصر توازن معها ، وتمنعها من
التوسع ، الأمرالذي قديضر بالمصالح الإمبريالية البريطانية .
وفي الماضي ، كان
استغلال اليهود للآخرين أمرا تدينه العقيدة المسيحية ، ولكن حدث تطور في المجتمعات
الغربية إذ أصبحت هذه المجتمعات تؤمن بمذهب المنفعة المادية . ويميز دوستويفسكي
بين اليهود وروح اليهودية (وهو في هذا لا يختلف عن ماركس وعن
كثير
من المفكرين الغربيين في القرن التاسع عشر) ، فقد يوجد يهود طيبون ومع هذا تظل روح
اليهودية هي المنفعة المادية . وقد انتشرت هذه الروح اليهودية النفعية المادية في
المجتمع المسيحي بحيث أصبح الاستغلال فضيلة (يتحدث ماركس عن «تهويد المجتمع» بهذا
المعنى) .
وإذا
كانت الروح اليهودية هي الروح النفعية المادية ، فإن حلقات المؤامرة اليهودية
أصبحت على وشك الاكتمال ، كما أن حكم اليهود للعالم اقترب وهيمنتهم الكاملة أصبحت
أمرا وشيكا . وقد لخص دوستويفسكي المسألة كلها بقوله إن ثمة تناقضاً أساسيا بين
الفكرة السلافية (الروحية المسيحية) والفكرة اليهودية (المادية العلانية) ، وصعود
الفكرة اليهودية يعني تراجع الفكرة السلافية، أي أن اليهودي هو «الآخر» الذي لإبد
من القضاء عليه !
ويمكننا
الآن أن نطرح السؤال التالي : كيف يمكن لأديب إنسافي مثل دوستويفسكى أن يعتنق مثل
هذه الآراء التي لا تختلف كثياً عما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون وكتاب هتلر
كفاحي؟ لمحاولة تفسير هذه الظاهرة ، يمكننا أن نشير إلى بعض الأسباب ، بعضها خاص
بدوستويفسكي ورؤيته للكون والبعض الآخر خاص بالمجتمع الروسي ككل وبوضع اليهودية
فيه وموقف الروس منهم، ولنبدأبرؤية دوستويفسكي للكون :
أ-
كان دوستويفسكي يرى أن روسيا قد تكون امتداداً لأوربا ولكنها في ذات الوقت نقيضها.
وعلى الرغم من إيانه بأن روسيا مدينة لأوربا إلا أنه يرى أن «المرحلة الأوربية» فى
تاريخ روسيا قد انتهت، وأن أوربا تمثل الماضي، بينما تمثل روسيا المستقبل .
ب-
والغرب، من منظور دوستويفسكي، دمرته المادية والقيم الديموقراطية وضمور الحس
الخلقي وظهور النفعية والتمركز حول الذات.
ج- كان دوستويفسكي يؤمن بالرسالة الأزلية
لروسيا. فكل أمة، حسب وجهة نظره، لإد وأن ترى أن خلاص العالم يكمن في خلاصها هي،
وأن هدفها لابد وأن يكون توحيد كل شعوب العالم تحت قيادتها (أي أنه كان يؤمن
بحتمية المشيحانة السياسية) .
د-
من أهم أفكار دوستويفسكي فكرة الشعب العضوي (بالروسية : نارود) . فالشعب الروسي،
حسب رأيه، شعب مرتبط بأرض روسيا الأم يستمد منها الطهر والأصالة، وهو شعب لم تفسده
الحضارة الغربية بعد ولم يسقط في القيم التي دمرت هذه
الحضارة.
وهذا لا يعني عدم وجود فساد في روسيا وإنا يعني أن الفلاح الروسي حينها يرتكب
الخطيئة يعرف أنها خطيئة ، فهو لم يفقد بعد مقدرته على التمييز بين الخير والشر
(أي لم يتم تحييد حسه الخلقي تماماً) .
ه- وتشكل الكنيسة
الأثوذكسية (أطهر أشكال المسيحية) الإطار الديني لهذه الرؤية الكونية ، كما تشكل
الجامعة السلافية الإطار الحضاري أو العرقي لها . ولذا ، فإن مستقبل العالم منوط
بإرادة النارود الروسي تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسية وبقيادة القيصر .
وفي مقابل هذه المنظومة
الدائرية المتماسكة التي يتداخل فيها الدينى بالقومى ويحل فيها الإله في الأض
الروسية والشعب الروسي ، ينظر دوستويفسكي إلى «الآخر» الذي يقع خارج دائرة القداسة
ويرفضه : وقد عرف الآخر بأنه أوربا الملحدة، والكاثوليك ، والنظام الرأسمالي، والثورات
الاشتراكية ، ولكنه بالدرجة الأولى اليهود . فاليهود هنا ليسوا تبرداً وإنما هم
النظام الجديد في العالم الحديث الذي يستند إلى البيع والشراء والمساومة والقيم
البرجماتية ولا يعرف المثاليات أو المطلقات الأخلاقية . ولعله من المفيد الإشارة
إلى أن علم الاجتماع الألماني يميز بين الجماينشافت (الجياعة المترابطة العضوية)
والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي الحديث) . واليهودي هو رمز هذا المجتمع التعاقدي
بشقيه الرأسمالي والاشتراكي.
ولا يمكن فهم موقف
دوستويفسكي وحدوده إلا بفهم وضع اليهود في روسيا والموقف الروسي منهم والذي يتمثل
فيما يلي :
أ- كره اليهودي أمر
متجذر ومتأصل في الوجدان الروسي (والسلافي على وجه العموم) . فمسرح العرائس الشعبي
كان يحوي شخصية اليهودي الجشع الجبان (على الرغم من عدم وجود عدد يذكر من اليهود
في روسيا) . ولعل هذا الكره لليهود يعود إلى أيام إمبراطورية الخزر اليهودية التركيسة
التي هددت الروس وأخضعتهم لهيمنتها . كما أن العداء التقليدي بين روسيا وتركيا
(نظراً لأن صعود الواحد مرتبط تاريخيا بهبوط الأخر) لعب دوداً في ذلك ، خصوصاً وأن
الوجدان الغربي كثيرا ما كان يربط بين اليهود والمسلمين (ولذا ، ربط دوستويفسكي
بين دزرائيلي اليهودي والعثمانيين) .
ب- ومع ظهور الأدب
الروسي الحديث ، ظل هذا النمط الإدراكي مسيطرا إلى حد بعيد . ومما زاده حدة ، ضم
روسيا لبولندا ولملايين اليهود . والملاحظ أن مطامح الأرستقراطية الروسية في
السيطرة على الريف ، والأحلام الرجعية الروسية بخصوص قضية
٥٥
الشعب
(نارود) كشعب عضوي راض بوضعه، متسم بالهدوء والاتزان، ارتطمت كلها بوجود اليهود
كعنصر تجاري متحرك داخل الريف الروسي. وحيث أن كثياً من الكتاب الروس الأوائل
كانوا من الأرستقراطية، فقد سادت الأنماط المعادية لليهود. ويتضح هذا في موقف
أساطين الأدب الروسي ، مثل : تورجنيف (١٨١٨ - ٨٨٣ ١ ) وجوجول (١٨٥٢,١٨٠٩) بل
وتولستوي الذي كان يهاجم معاداة اليهود باعتبارها تتناقض مع ما ينادي به من ضرورة
حب البشر ، ولكنه كان في أماكن أخرى من كتاباته يظهر موقفه الأرستقراطي الروسي
المعادي لليهود . كما ظهر العداء لليهود في كتابات الأدباء النارودنيك مثل نيقولاي
بيكراسوف (١٨٤١ - ٨٧٨ ١ ) وفيودور ريشتنكوف (١٨٤١ - ١٨٧١) . وقد تم الهجوم على
اليهودي باعتباره مستغلا للجماهير المسحوقة -
ولعل
تشيخوف ( ٠ ٨٦ ١- ١٩٠٤) من الكتاب الروس القلائل الذين تناولوا شخصية اليهودي
تناولا يتسم بشيء من التعاطف . أما في الأدب السوفيتي ، فقد كانت صورة اليهودي
إيجابية على وجه العموم (بما يتفق مع الخط الرسمي للحزب) ، ولا تثير أية مشاكل
خاصة . (ومع هذا ، صدرت كتيبات سوفيتية ذات طابع عرقي واضح هي مجرد استمرار للموقف
الروسي القديم . كما أن تصريحات بعض القادة السوفييت كانت تنحرف أحياناً عن خط
الحزب وتعبر عن الأنماط الإدراكية العرقية القديمة . بل إن بعض سياسات السوفييت لا
يمكن تفسيرها إلا باعتبار أنها سياسة معادية لليهود) .
ج-
كان المستوى المعيشي لأعضاء الجماعات اليهودية أعلى على وجه العموم من مستوى كثير
من الفلاحين الروس ، كما أن مستواهم التعليمي كان أعلى بكثير من مستوى الأغلبية
(الروسية) . كا حقق بعض اليهود (مثل عائلة بولياكوف وجونزبرج) ثراء راضحاً.
د -
كان اليهود في روسيا في النصف الثافي من القرن التاسع عشر جماعة وظيفية فقدت
وظيفتها وأساس بقائها . ومن ثم ، كان أعضاؤها في حالة تراجع أخلاقي وحضاري هائلة .
فتركزوا في مهن وحرف هامشية (عادة مشينة) مثل تقطير الخمور وإدارة الحانات وبيع
الملابس القديمة، كما كان عدد البغايا اليهود مرتفعاً إلى درجة كبيرة . وكان عدم
تحدد ولا، أعضاء الجماعات اليهودية لروسيا أمراً مفهوماً ، حيث كانوا عبر تاريخهم
تابعين لبولندا عدو روسيا الأكبر. كما كانوا يتحدثون اليديشية ، وهي لغة عدوهم
الآخر : ألمانيا . ولذا، نجد أن صورة اليهودي كجاسوس صورة متواترة في الأدب الروسي
. وهي
صورة
لها أساس «مادي صلب» . وما لم يدركه دوستويفسكي وغيره أن هذه الحالة اليهودية لم
تظهر إلى الوجود إلا في منتصف القرن التاسع عشر ، وأنها مرتبطة بعمليات التحديث في
الإمبراطورية القيصرية ، أي أنها مرتبطة بزمان ومكان محددين ، وعلى الرغم من أن
يهود الإمبراطورية الروسية القيصرية كانوايشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم ،
إلا أنه لا يمكن تعميم حالتهم الخاصة .
وقد كتب تورجنيف قصة
قصيرة بعنوان اليهودي (١٨٤٧) تعبر بشكل مباشر عن هذا الاشمئزاز من اليهود ، فبطل
القصة يعدم بعد اتهامه بالجأسوسية . وهذا الموقف لا يختلف كثيرا عن موقف جوجول
(١٨٠٩ - ١٨٥٢) في تاراس بولبا التي تقع أحداثها إبان حرب البولنديين والقوزاق .
وتشتمل الرواية على وصف ليهودي صاحب حانة يتسم سلوكه بأنه مرتزق خائن يشك في أنه
جاسوس للبولنديين (وقد ظهر نفس الموضوع، أي اليهودي كجاسوس ، في إحدى قصص الكاتب
اليهودي الروسي السوفيتي إيزاك بابل بعنوان «بريستشكو» في مجموعة الفرسان الحمر) .
ه- لم تكن عملية
التحديث تتم بسرعة كافية في روسيا ، ولذا ظهرت الأمور وكأن اليهود يبذلون قصارى
جهدهم للحفاظ على هويتهم والانسحاب من المجتمع الروسي .
و- كان اليهود
متواجدين بالفعل في صفوف الثوريين (تروتسكي) والرأسياليين
(جونزبرج)
والرجعيين (ستاهل) والمسيحيين (شستوف) . كما كان لهم وجود ملحوظ في كل قطاعات
المجتمع العلماني الجديد مما يعطي انطباعا للمراقب السطحي بوجود اليهود في كل مكان
وتآمرهم على كل القيم .
ز- كان دوستويفسكي وكل
الإنتلجنسيا (بل والبيروقراطية الروسية) يعانون من جهل شديد بأحوال اليهود . ويعود
هذا إلى أنه كان محرباً على اليهود دخول روسيا حتى نهاية القرن الثامن عشر ، ولذا
لم تكن توجد في روسيا أعداد تذكر من اليهود . ثم ضمت روسيا أوكرانياوبولندافي ذلك
التاريخ وضمت مع الأزاضي أكبر تجمع يهودي على وجه الأض، وهو تجمع كان يتحدث
اليديشية وله وضع اقتصادي وحضاري متميز .
ورغم جهل دوستويفسكي
الشديد بالحقائق التاريخية المتنوعة ، قام بالتعميم استنادا إلى معرفته المقصورة
على زمان ومكان محددين ، فأصبح يبود روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هم
اليهود ككل واليهود في كل زمان ومكان. وهذه هي الطريقة التي تولد بها
٥٧
الأنماط
الإدراكية العنصرية . ودوستويفسكي هو ابن عصره الغري الذي هيمن عليه فكر عنصري
إمبريالي (بالمعنى الحرفي) ، يقسم العالم إلى عنصرين اثنين متصارعين (الأنا
والآخر) ، فيقدس الذات ويهدر حقوق الآخر ، ولا يدخل في علاقة مركبة مع التاريخ
وإنما يجتزى منه ليدعم وجهة نظره العرقية . وهذا ما فعله دوستويفسكي وهتلر، وكل
العنصريين من قبلها ومن بعدهما (وقد لاحظ أحد الدراسين ، بالفعل ، السمات المشتركة
بين هتلر ودوستويفسكي) .
ثم
نأتي أخيراللقضية التي طرحناها في بداية هذا المدخل : التناقض بين رؤية دوستويفسكي
الإنسانية العالمية ، والتي تتبدى أساساً في أعماله الأدبية ، وموقفه العنصري
الضيق تجاه اليهود . ودهشتنا لهذا التناقض مردها وهمان آخران :
أ -
يسيطر علينا تصور أن ثمة اتساقاً عضويا وتكاملا في حياة البشر ، وأن كل إنسان يتبع
منطقا واحدا في حياته . وتبعا لهذا التصور ، لا يمكن لفرد واحد أن يكون إنسانا
عامرا الإنسانية مع بني جلدته وقبيلته ، متوحشا بالغ الوحشية مع مجموعة إنسانية
أخرى ، ورغم أن هذا التصور منطقي ، فإنه أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعينة ،
فالوجود الإنساني يتسم بالتناقض والتركيب ، ويجتمع في داخل نفس الإنسان
الخيروالشروالنبل وإلخسة .
ب-
يسيطر علينا أيضاً تصور أن ثمة ارتباطا (يكاد يكون عضويا أيضاً) بين الحس الخلقى
والحس الجمالي . ومرة أخرى ، فإن هذا التصور المنطقي المجرد أبعد ما يكون عن
الحقيقة المتعينة . انظر مثلآ إلى أعمال الشاعر الأمريكي روبرت فروست ، هنا نجد
قصائد رائعة الجيمال ترتبط فيها فكرة النظام بالمعنى الجمالي بفكرة النظام بالمعنى
الأخلاقي ، ولكن يقال إن حياة هذا الشاعر الشخصية تتسم بكثير من القسوة والوحشية
تجاه أقرب أقاربه . ويمكن أن يكتب أديب عملا فنيا في غاية الرقي الفني ولكنه
يدعوإلى الانحطاط . إن الحق والجمال أمران مختلفان ، وهو أمر لاشك محزن ، ولكن هذه
هي سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . وعلينا أن نتأمل بشيء من التفلسف حينها
نعرف أن ضباط فرق الصاعقة النازية كانوا يستمعون إلى موسيقى فاجنر الراقية
ويناقشون الأعمال المعمارية الضخمة التي يشيدها النظام النازي وهم يشمون رائحة لحم
ضحايا المحرقة النازية التي تشوى ضحاياهم . وانظر إلى القاهرة ذاتها تجد أن بعض
أجمل المباني شيدها الإنجليز ، هؤلاء الذي جيشوا الجيوش وأرسلوا بها إلى بلادنا
لتنهبها ولتحولها إلى مصدر لفائض القيمة الذي يصب في خزائن الإمبراطورية التي لا
تغيب عنها الشمس ولا دماء الضحايا . إن
القيم
الجالية لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية ، ومن الممكن لكاتب عظيم مثل دوستويفسكي أن
يكتب أدباًرائعاًمن الناحية الأسلوبية ولكنه عنصري من الناحية الفكرية والعقائدية
.
المصالح اليهودية (دزرائيلى وكيسنجر وآخرون)
هناك افتراض أساسي وراء فكر المؤامرة وهو أن ثمة
مصالح يهودية محددة متفق عليها بين «اليهود» (أعضاء الجماعات اليهودية) ، وأنهم
يدافعون عنها علنا أو سرا متى وأينما سنحت لهم الفرصة ، وهو افتراض شائع في
الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود . وتذهب الكتابات التي تتبني مثل هذا النموذج
التفسيري إلى أن اليهود لا يدينون بالولاء إلا لما يسمى «المصالح اليهودية» ،
وبالتالي فهم لا يعملون إلا من أجلها .
ولكن من الثابت
تاريخياأنه لم تكن هناك مصالح يهودية واحدة ، بل إن الصراعات بين الجماعات
اليهودية المختلفة حقيقة تاريخية . وكثيرا ماكانت تستعدي جماعة ما السلطات على
جماعة أخرى وتطالب بطردها . ويظهر الصراع في حق حظر الاستيطان (حيريم هايشوف) ، أي
حق أية جماعة يهودية في أن ترفض إيواء أي يهودي من جماعة أخرى، وهو حق كانت تسعى
الجماعات اليهودية في أوربا في العصور الوسطى للحصول عليه . ولعل أهم الصراعات عبر
التاريخ هو الصراع بين الأشكناز والسفارد في العالم الغربي، والذي لا يزال له
أصداؤه في إسرائيل حتى الآن . وكذلك ، فإن مصالح الدولة الصهيونية تتعارض في كثير
من الأحيان مع مصالح الجماعات اليهودية كما اتضح في حادثة بولارد على سبيل المثال
، أو في تورط الإسرائيليين في تجارة المخدرات في كولومبيا . وقدفجرت الانتفاضة هذه
القضية وبحدة ، إذ أن منظر الجنود الإسرائيليين (ممثلي الدولة اليهودية) وهم
يكسرون أذرع الشباب الفلسطيني ، لم يحسن من الصورة الإعلامية ليهود العالم ، ولم
يخدم مصالحهم ، مع أنه يخدم مصلحة الدولة التي يقال لها «يهودية» .
ونحن
نرى أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم مصالح مختلفة باختلاف الزمان والمكان ،
ولتفسير سلوكهم لابد من العودة إلى سياقهم الحضاري والتاريخي والإنساني العريض ،
لأن النموذج التفسيري الذي يركز على المصالح اليهودية والمرجعية اليهودية سيعجز عن
تفسير كثير من جوانب هذا السلوك .
٥٩
وبدلا من التحليق في العموميات فلنأخذ بعض
الشخصيات الأساسية من أعضاء الجماعات اليهودية ونرى مدى ارتباطهم وابتعادهم عن هذه
المصالح اليهودية ولنبدأ ببيرنيكي (٣٣ م -؟) وهو أسم يوناني معناه «حاملة النصر» ،
وتنطق «بيرنيس» في اللغات الأوربية الحديثة . وهي حفيدة أخت هيرود الأعظم (« ملك
اليهود» ) وابنة أجريبا الأول . ولدت في عام ٣٣ ميلادية ، وكانت مشهورة بجمالها
وبتعدد أزواجها وعشاقها . تزوجت وهى بعد في الثالثة عشرة من ماركوس ابن كبير موظفي
الإسكندرية (ألبارخ) ألكسندر ليسيماخوس . وبعد موته ، تزوجت عمها شقيق أبيها هيرود
حاكم كالخيس . وبعد موت هذا الأخير، عاشت مع أخيها أجريبا الثاني . وقد انتشرت
الشائعات بين الرومان أنها كانت على علاقة آثمة بأخيها هذا . ويلاحظ أن الجاع
بالمحارم في فترة انحلال الإمبراطورية الرومانية لم يكن أمرا غريباً بين أعضاء
الأرستقراطية التي كانت تنتمي إليها بيرنيكي وأخيها. وربا لإسكات الشائعات ، ونظرا
لغيرتها من أختها دروسيلا التي تزوجت من ملك ، أقنعت بيرنيكي بوليمون الثاني ملك
كليكيه أن يتهود ويتختن ويتزوجها فتزوجها في عام ٦٩م . ولكن بيرنيكي لم تكن على
مستوى عال من الأخلاق أو الوفاء الزوجي مما أثار اشمئزاز بوليمون منها ومن عقيدتها
فطلقها . وعادت بيرنيكي لتعيش مع أخيها ، ووقفت إلى جواره في محاولته تهدئة
الجماهير اليهودية الحانقة مع بدايات التمرد اليهودي الأول (٦٦ - ٠ ٧م) ، ولكن
الجماهيرأضرمت النار في قصرها .
ومع سقوط القدس في يد
المتمردين ، فرت بيرنيكي إلى الإسكندرية عند أقاربها (تايبريوس يوليوس ألكسندرابن
عم فيلون السكندري ، وغيره) . وهناك ، قابلت الجنرال تيتوس ابن الإمبراطور فسبسيان
الذي كان يعد حملته لقمع التمرد اليهودي الأول وأصبحت عشيقته ، وأعلن هو عن حبه
لها وكان عمرها (حينذاك) تسعة وثلاثون عاماً . وقد صاحبته هي وأخوها أجريبا الثاني
(الذي كان يقود جيشاًيبوديا صغيرا) في أثناء حملته التي انتهت بسقوط القدس وتحطيم
الهيكل . وحين عاد تيتوس إلى روما ، انضمت إليه هناك عام ٧٥م، واستمرا في علاقتها،
بل وكان يشار إليها باعتبارها «زوجة تيتوس» . ويبدو أنه كان على وشك التزوج منها
بالفعل، ولكن الأرستقراطية الرومانية عارضت ذلك . وحينما عادت بيرنيكي إلى روما
مرة أخرى عام ٩ ٧م، بعد أن أصبح تيتوس إمبراطورا، وبعد أن بلغت هي الخمسين ،
تجاهلها عشيقها السابق ، فعادت أدراجها إلى فلسطين حيث لم يسمع عنها شيء بعد ذلك
التاريخ .
ووجود بيرنيكي اليهودية
(وجيش أخيها) إلى جوار تيتوس في أثناء حملته على القدس لهدم الهيكل لم يغير شيئا
في خطته العسكرية التي كانت تمليها الاعتبارات الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية
الرومانية . ولعله لو أن تيتوس عدل عن تحطيم الهيكل في آخر لحظة (لاعتبارات خاصة
بمصالح الإمبراطورية الرومانية) لانقض على هذه الواقعة أصحاب النهاذج الاختزالية
وتحدثوا عن نفوذ المرأة اليهودية ، وكيف أن اليهود يستخدمون الجنس في تنفيذ
مخططاتهم . بل ولأضافوا أن بيرنيكي، صاحبة الاسم اليوناني والسلوك الوثني والرؤية
المنحلة ، ظلت مع هذا يهودية تخدم المصالح اليهودية ، مما يدل (حسب رأيهم) على أن
وظيفة اليهود ثابتة عبر الزمان والمكان . ولا تتحدث المراجع الصهيونية عن عبقرية
بيرنيكي اليهودية في اصطياد الرجال خاصة من فثة الملوك وقواد الجيوش .
ولعل حادثة ديفيد
باسيفيكو (١٧٨٤ - ١٨٥٤) تلقي مزيدا من الضوء على قضية المصالح اليهودية .
وباسيفيكو هذا هو تاجر ودبلوماسي بريطاني يهودي ولد في جبل طارق وأخذته أعماله
التجارية إلى البرتغال حيث استقر عام ١٨١٢ . وبرغم أنه ظل من رعايا بريطانيا ، إلا
أنه نشط في السياسة المحلية البرتغالية وعين قنصلا عاما للبرتغال لدى المغرب في
الفترة بين عامي ٥ ٨٣ ١ و٧ ٨٣ ١ ثم لدى اليونان في الفترة بين عامي ٧ ٨٣ ١ ر٨٤٢ ١
، ولكنه أقيل من منصبه نتيجة خلافات مع الحكومة البرتغالية . كل هذا يدل على أن
المارانو ، حتى منتصف القرن التاسع عشر ، وحتى بعد ذلك التاريخ ، كانوا لايزالون
يضطلعون بدورهم كممثلين للبلد الذي طردهم والذي ينتمون إليه لغويا وحضاريا .
وقد ظل باسيفيكو في
اليونان في أعوام ١٨٤٣ - ١٨٤٧ مشتغلا بالتجارة ، ولكنه دخل عام ١٨٤٧ في مواجهة
خطيرة مع الحكومة اليونانية أسفرت عن مجئ الأسطول البريطاني إلى شواطئ اليونان مما
أثار ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا . ففي هذا العام منعت الحكومة اليونانية
الجماهير المسيحية من إجراء الطقوس التقليدية لعيد الفصح ، وهو إحراق تمثال خشبي
يرمز إلى يهوذا ، وذلك احتراما لوجود أحد أفراد عائلة روتشيلد المالية اليهودية في
أثينا لإجراء مفاوضات مع الحكومة اليونانية بخصوص قرض . وقد استثار ذلك غضب
الجماهير التي تظاهرت وهاجمت منزل باسيفيكو ودمرته وأحرقت أوراقه . وقد طالب
باسيفيكو الحكومة اليونانية بتعويض قدره أكثر من ٨٠٠ ألف دراخمة وأيده في ذلك ممثل
إنجلترا لدى اليونان باعتبار أن باسيفيكو من رعايا بريطانيا . وقد رفضت الحكومة
اليونانية
طلبه
بل قامت بمصادرة أملاكه . وإزاء ذلك ، أمربالمرستون ، وزير الخارجية البريطاني
آنذاك ، الأسطول البريطاني بفرض حصار على ميناء بيريوس اليوناني 21722118
كما استولى البريطانيون على ٠ ٠ ٢ سفينة يونانية . واستمر
هذا الحصار من يناير ١٨٥٠ حتى أبريل من نفس العام عندما رضخت الحكومة اليونانية
ودفعت لباسيفيكو تعويضاً قدره ٠ ٥ ا ألف دراخمة .
وقد
أثارت هذه الحادثة ، التى تضمنت تحريك الأسطول البريطاني لمعاقبة حكومة مسيحية
لصالح يهودي ، ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا ، فأعربت كل من روسيا
وفرنسا وبروسيا عن غضبها البالغ وتشكلت في إنجلترا جبهة معارضة لبالمرستون حاولت
إقصاءه من منصبه . وكان من بين أفراد هذه الجبهة السياسي البريطاني دزرائيلي
(اليهودي الأصل) . وقد دافع بالمرستون عن نفسه قائلا : ، إن أي إنسان من رعايا
بريطانيا يجب أن يتأكد أينا وجد أن ذراع إنجلترا الطويلة ستحميه من أي إساءة أو
ظلم . وهذا الموقف يجب أن يسري على جميع الرعايا با في ذلك من يعتنق اليهودية
منهم» . ورغم حديثه الليبرالي المعسول إلا أن بالمرستون كانت له دوافع أخرى جعلته
يحرك الأسطول البريطاني ضد اليونان، فقد كان يسعى لتأديب وإذلال الأسرة المالكة
البافارية التي كان أفرادها يحكمون اليونان ، على حين مثلت قضية باسيفيكو ذريعة
مواتية لتبرير هذا الإجراء . والواقع أن يهودية باسيفيكو أو عدم يهوديته لم تمثل
أي اعتبار حقيقي في هذه الحادثة التي خضعت أولأ وأخيرا ، سواء بالنسبة إلى الحادثة
نفسها أو بالنسبة إلى الاعتراضات التي أثيرت بشأنها، لاعتبارات سياسية دولية أو
لاعتبارات السياسة الداخلية البريطانية وصراعاتها . وقد تحرك الأسطول البريطاني
دفاعا عن باسيفيكو ، لا بسبب قوة اللوبي اليهودي (فلم يكن هناك مثل هذا اللوي)
وإنا دفاعاً عن المصالح البريطانية .
ويمكننا
الآن أن نتناول بعض الشخصيات من أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا في موضع
اتخاذ القرار وجزءا من النخبة الحاكمة ومن أول الأسماء بنيامين دزرائيلي (١٨٠٤-
١٨٨١) وهو سياسي ورجل دولة بريطاني شهير . لعب، بوصفه رئيسا لوزراء بريطانيا، دورا
هامافي رسم سياستهاالخارجية والاستعبارية وفي ترسيخ مصالحهافي الشرق الأوسط ، مما
تحدد على أساسه فيها بعد مصير مصر وفلسطين ، وقد حظيت مهارته بمكانة بارزة في
تاريخ السياسة البريطانية الاستعمارية . ومما له دلالته أن هذا الإمبريالي القح
الذي وسع
من
نطاق الإمبريالية الإنجليزية في الخارج ، قام في ذات الوقت بتوسيع نطاق
الديموقراطية والعدالة الاجتماعية في الداخل.
ولد دزرائيلي لعائلة
بريطانية يهودية ذات أصول إيطالية سفاردية (مارانية) . وكان اليهود السفارد في
أوربا مختلفين عن الأشكناز ، فعلى الرغم من أن كليها كان جزءاً من جماعة وظيفية ،
إلا أن السفارد كانوا يشكلون جزءاً من أرستقراطية مالية متقدمة مندمجة إلى حد ما
في المجتمع ، على عكس الأشكناز الذين كانوا جماعة وظيفية تضطلع بالوظائف
الاقتصادية الوضيعة (الرباوالتجارة الصغيرة) وتقف على هامش المجتمع. لكن اندماج
السفارد أضعف من هويتهم غاماً. وعلى الرغم من أن اندماجهم في المجتمع لم يكن كاملا
(فالمجتمعات الغربية كانت لاتزال تدور في إطار مسيحي) ، إلا أن عملية الاندماج ،
التي أدت في نهاية الأمر إلى الانصهار في حالة السفارد ، كانت قد قطعت أشواطاً
كبيرة . ويظهر ضعف الهوية في حادثة خروج والد دزرائيلي على اليهودية. فقد اختلف مع
مجلس الماهاماد ، الذي كان يتولى قيادة الجماعة اليهودية السفاردية في لندن ، حول
مقدار الضرائب المقررة عليه ، فاستقال منه واعتنق المسيحية . وكان بنيامين في
الثالثة عشرة من عمره ، فعمد ونشئ تنشئة مسيحية .
وقد دخل دزرائيلي مجال
السياسة وانتخب عضوا في البرلمان عن حزب المحافظين عام ٨٣٧ ١ ، كا تزعم حركة
إنجلترا الشابة ، وهي حركة رومانسية تستند إلى الإيمان بضرورة بناء قاعدة شعبية
لحزب المحافظين الأرستقراطي واستقطاب الطبقات العاملة من خلال الإصلاحات
الاجتماعية والسياسية . ومن الجدير بالذكر أن دزرائيلي كان قد تدعم وضعه الاجتماعي
والاقتصادي بعد زواجه من أرملة مسيحية ثرية تكبره بنحو اثنى عشر عاماً وأصبح من
ملاك الأزاضي الأثرياء .
وفي عام ١٨٥٢ ، أصبح دزرائيلي رئيسا لمجلس
العموم . وفي عام ١٨٦٨ ، أصبح رئيساً للوزراء ، وهو منصب تقلده مرة أخرى في الفترة
ما بين عامي ٤ ٨٧ ١ و٠ ٨٨ ١ . وقد صدرت قرارات تشريعية عديدة في عهده ذات طابع
ليبرلي مثل تنظيف الأحياء الشعبية والاعتناء بمؤسسات الصحة العامة وتحسين أحوال
العمل في المصانع . وقد حقق دزرائيلي أهم إنجازاته في مجال السياسة الخارجية ، فقد
كان وراء الصفقة التى اشترت بريطانيا بمقتضاها نصيب مصر من أسهم قناة السويس في
عام ه ٨٧ ١ ، وذلك بمساعدة مالية من عائلة روتشيلد (اليهودية) . وتعتبر هذه الصفقة
من أهم خدماته للإمبراطورية البريطانية حيث حققت لها السيطرة الإستراتيجية على أهم
الممرات المؤدية إلى الشرق . كما
٦٣
أعطت هذه الصفقة أهمية
خاصة لمصر بالنسبة لبريطانيا والتي احتلتها في آخر الأمر . وقد أعقب كل هذا موافقة
البرلمان الإنجليزي على منح الملكة لقب «إمبراطورة الهند» . كا منح دزرائيلي لقب
«إيرل أوف بيكونزفيلد» تقديرا لخدماته .
وقد تبنى دزرائيلي سياسة تهدف إلى الحفاظ على
الدولة العثمانية وإلى تأييدها في صراعها مع روسيا . وجاءت سياسته هذه في الواقع
تعبيرا عن صراع القوى الأوربية الكبرى في تلك الفترة ، ومن بينها بريطانيا وروسيا
، للحصول على أكبر نصيب ممكن من تركة الإمبراطورية العثمانية . وبالتالي ، جاء دعم
بريطانيا لتركيا بهدف صد التوسع الروسي باتجاه الجنوب والذي كان يشكل تهديدا
للممرات الحيوية المؤدية للى الهند . وقد نجح دزرائيلي في مؤتمر برلين (عام ٨٧٨ ١)
في عدم المساس بوضع الدولة العثمانية ، كما حصل لبريطانيا على قبرص التى كانت تعتبر
البوابة لآسيا الصغرى . كما حصل للجماعات اليهودية في دول البلقان على بعض الحقوق
والامتيازات . وقد اعتبر دزرائيلي هذا المؤتمر تتويجا لحياته السياسية . وقيل أنه
قدم ، في هذا المؤتمر ، مذكرة غير موقعة حول المسألة اليهودية تدعو إلى إقامة دولة
يهودية في فلسطين . وتبين ، فيما بعد ، أن من قدمها شخص آخر .
لم تكن مسألة توطين اليهود في فلسطين غائبة عن
ذهن دزرائيلي كما لم تكن غائبة عن أذهان الساسة البريطانيين المعاصرين له ، وقد
كانت أهمية فلسطين لبريطانيا تزداد مع تزايد مصالحها الإمبريالية وأطياعها في
ثروات الشرق ، ففلسطين كانت تشكل حلقة وصل برية بين الشرق والغرب ، وبين آسيا
وأفريقيا. وقد زاد ذلك من الأطئاع البريطانية فيها ، ومن ثم التوجه الصهيوني
للسياسة البريطانية الخارجية ، حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بين أعضاء الجماعة
اليهودية .
كتب دزرائيلى عدة روايات ومؤلفات ليست لها أهمية
أدبية كبيرة ، ولا تتعرض معظمها للموضوع اليهودي مثل رواية سيبيل أو الأمتان
(١٨٤٥) التي تصف الهوة الساحقة التي تفصل بين الفقراء والأغنياء في عصره ويبين
أوضاع العمل غير الإنسانية في المصانع في ذلك الوقت . ومن بين رواياته التي تتعرض
للموضوع اليهودي قصة داود الرائي المدهشة (٣ ٨٣ ١ ) وهي عن ذلك الماشيح الدجال ،
ورواية كونينجسبي أو الجيل الجديد (١٨٤٤) وهي رواية يشرح فيها دزرائيلي أفكاره
السياسية ويصف وضع اليهود (بشكل هامشي) . أما رواية تانكريد أو الحرب الصليبية الجديدة
(١٨٤٧) فهي تدور حول حياة أرستقراطي بريطاني يسافر إلى القدس ليبحث عن شفاء لروحه
من المادية الغربية . وفي السيرة التي
كتبها
دزرائيلي عن لورد جورج بنتتيك (١٨٥٢) شرح نظريته الخاصة بتفوق العنصر السامي
وروحانية اليهود التي تتبدى كلها في الكنيسة المسيحية ا ولدزرائيلي روايات أخرى
مثل إندميون.
ويمكننا الآن أن نتناول
قضية الهوية اليهودية لدزرائيلي وعلاقته بالمصالح اليهوديه . ومن المعروف أن بعض
معاصريه وجهوا له بعض الانتقادات حول سياسته الخاصة بمصير الدولة العثمانية إذ
اتهموه بأنه يحدد هذه السياسة (وسياسة بريطانيا الخارجية بشكل عام) في ضوء موقفها
من الجماعات اليهودية . وقد ساعد دزرائيلي بنفسه على ترسيخ صورته اليهودية، فقد
كان يتباهى بأصله اليهودي العرقي ، كما أن دفاعه عن قضية إعتاق اليهود أمام
البرلمان البريطاني كان ينبع من اعتقاده بأن اليهود يمثلون جنسا أكثر سموا بين
سائر الأجناس الأخرى في كثير من الصفات . ومن جهة أخرى تتخلل كتابات دزرائيلي فكرة
صهيونية مبهمة تدور حول «الارتباط الأزلي لليهود بأرض فلسطين» . وقد اتهمه الروائى
الروسي دوستويفسكي بأنه يدبر مؤامرة يهودية لهزيمة روسيا ولنصرة الدولة العثمانية
. ومع هذا ، يمكن أن نشير إلى ما يلي :
١ - كان دزرائيلي مبتعداً تماما عن العقيدة
اليهودية وشعائرها ورموزها ، كما هو الحال مع بقية أعضاء الجماعة اليهودية في
إنجلترا، خصوصا السفارد منهم . وقد خرج أبوه على الجاعة لسبب واه - كا تقدم- وعمد
ابنه . ويلاحظ أن دزرائيلي يعرف اليهود تعريفا عرقيا لا دينيا ولا علاقة له بالدين
اليهودي.
٢ -
وكان دزرائيلي يرى اليهودباعتبارهم شعبا عضويامتماسكا، له شخصيته المستقلة وتفوقه
(التجاري في العادة) وارتباطه الأزلي بفلسطين - وهذا الخطاب الصهيوني لم يكن خاصا
بدزرائيلي وإنماكان جزءاًلايتجزأمن الخطاب الغري بخصوص اليهود .
٣-
ولم تكن سياسة دزرائيلي تجاه الدولة العثمانية سوى تعبير عن المصالح الإمبريالية
ودفاع ذكي عنها . وبالتالي، فإن هوية من قام بتنفيذ هذه السياسة ليس أمرا هاما على
الإطلاق.
لكل هذا ، ورغم اتهام
أعدائه له بتحيزه اليهودي (بل واتهامه أنه «يهودي خفي") ورغم إدعاءاته هو عن
نفسه ، إلا أن لا يمكن تفسيرسلوك دزرائيلي على أساس يهوديته وإنا على أساس انتمائه
للتشكيل الاستعماري الغري . ولعل أدق وصف لدزرائيل هو وصفه لنفسه بأنه يشبه الصفحة
البيضاء التي تفصل العهد القديم عن العهد الجديد ، أي
٦٥
كثير
من يهود المارانو (السفارد) الذين فقدوا هويتهم الدينية وتحولوا إلى عنصر أساسي
نافع في التشكيل الرأسمالي الغربي والتشكيل الاستعماري الغربي (بشقيه العسكري
والاستيطافي) .
ومما
له دلالته أن الموسوعة البريطانية (ماكروبيديا) قد أفردت مدخلا كاملا طويلا لتناول
حياة دزرائيلي الخاصة والعامة ، ولم تتم الإشارة إلى أصوله اليهودية إلا بشكل عابر
في بداية المدخل ، وذلك لأنها ليست لها قيمة تفسيرية تذكر .
ويمكن
أن نضرب مثلا آخر بإسحق كرمييه (١٧٩٦-١٨٨٠) وهو رجل دولة فرنسي معاصر لدزرائيلي .
تلقى تعليما فرنسيا علمانيا في مدارس الليسيه الإمبراطورية حيث كان من أوائل
الطلبة اليهود الدارسين بها ، ثم درس القانون بعد ذلك ، وأصبح خلال فترة دراسته من
أشد المعجبين بنابليون . اشتغل عام ١٨١٧ بالمحاماة واكتسب سمعة طيبة في هذا المجال
بفضل مهارته القانونية ، وكان من أشد المؤيدين لقضايا الليبرالية حيث ترافع في
عديد من المحاكمات السياسية في أثناء فترة عودة الملكية . وبعد قيام ثورة عام ٠ ٨٣
١ ، انتقل إلى باريس حيث تعاون مع العناصر الليبرالية في نشاطها المعادي لحكم
الملك لويس فيليب وطالب بحرية الصحافة . وفي الفترة بين عامي ١٨٤٢ ر١٨٤٦ ، انتخب
نائبا في البرلمان الفرنسي حيث كان من قادة المعارضة . واشترك كريمييه في ثورة
١٨٤٨ ، وتولى منصب وزير العدل في الحكومة الجديدة لعدة أشهر حيث عمل على إدخال عدة
إصلاحات من أهمها إلغاء نظام الرق في المستعمرات الفرنسية وإلغاء عقوبة الإعدام في
القضايا السياسية . ودخل البرلمان مرة أخرى خلال الجمهورية الثانية وظل نائبا حتى
عام ١٨٥٢ ، ثم ابتعد عن الحياة السياسية في فرنسا منذ ذلك العام نظراً لخلافه مع
إدارة لويس نابليون ، وبقي كذلك حتى عام ١٨٦٩ حينما دخل البرلمان مرة أخرى . وقد
تولى كريمييه منصب وزير العدل مرة أخرى عام ١٨٧٠ في الحكومة الانتقالية التي حلت
محل حكم لويس نابليون بعد هزيمته العسكرية في نفس العام . كما انتخب كريمييه عام ١
١٨٧ نائبا ممثلا للجزائر ، ثم انتخب عام ٨٧٥ ١ عضوا لمجس الشيوخ مدى الحياة .
وظل
كريمييه مهتما بالقضايا الخاصة بالجيماعات اليهودية سواء في فرنسا أو في خارجها ،
فعمل منذ عام ١٨٢٧ على إلغاء القسم اليهودي في فرنسا (الذي ألغي بالفعل عام ١٨٤٦)،
وتعاون مع موسى مونتيفيوري عام ١٨٤٠ بشأن حادثة دمشق ، واشترك عام
١٨٦٦
في الدفاع عن بعض اليهود المتهمين في قضية قتل في روسيا، كما اهتم بالقضايا الخاصة
بحقوق تهود رومانيا ، وعمل من خلال مؤتمر برلين عام ٨٧٨ ١ على دعم قضية إعتاق يهود
دول البلقان . وقد اختير كريمييه عام ١٨٦٣ رئيسا للأليانس إسرائيليت يونيفرسل،
وعمل بها حتى عام١٨٦٦ ، ثم مرة أخرى من عام ١٨٦٨ وحتى وفاته. كما أصدر كريمييه عام
٠ ٨٧ ١ ، عندما كان وزيرا للعدل ، قانون كريمييه الذي منح الجنسية الفرنسية لأعضاء
الجماعة اليهودية في الجزائر.
وبرغم اهتمام كريمييه
بالقضايا اليهودية ، إلا أن هذا الاهتمام كان مرتبطا في المقام الأول بمصالح
الدولة الفرنسية . والواقع أن منحه الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر ، والذي اعتبر
من نجاحاته الكبرى في مجال القضايا اليهودية ، كان إجراء يهدف إلى تحويل
يهودالجزائر إلى جماعة وظيفية استيطانية تزيد الكثافة السكانية الفرنسية ، ومن ثم
تخدم مصالح الاستعمار الفرنسى في الجزائر . كما أن نشاط الأليانس إسرائيليت ، التى
تولى رئاستها ، كان يهدف أيضا إلى صبغ أعضاء الجياعات اليهودية في العالم الإسلامي
بصفة عامة ودول المغرب العربي بصفة خاصة بالثقافة الفرنسية وتحويلهم إلى جماعات
وظيفية وسيطة تعمل في مؤسسات الاحتلال الفرنسي وتدين له بالولاء وتخدم مصالحه في
المنطقة . ومن الجدير بالذكر أن كريمييه اضطر عام ١٨٤٥ إلى التخلي عن منصبه كرئيس
للمجلس الكنسي المركزي في باريس بعد أن تبين أنه سمح لزوجته بتنصير أبنائهها .
وكان كريمييه نشطا في الحركة الماسونية في فرنسا وكان من أبرز قياداتها .
وقد ارتبط استعمار فلسطين وتسليمها للصهاينة
باسم هربرت صمويل ( ٠ ٨٧ ١ - ٩٦٣ ١ ) وهو رجل سياسة بريطاني يهودي ، وأول مندوب
سام بريطاني في فلسطين . ولد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب وفي الأعمال
المالية (كان أبوه شريكا في شركة صمويل ومونتاجو) . وقد تلقى تعليمه في جامعة
أكسفورد ، وانضم إلى الحزب الليبرالي ورشح نفسه للانتخابات ونجح (عام ١٩٠٢) . وقد
تدرج صمويل في عدد من الوظائف إلى أن أصبح وزيرا في الوزارة البريطانية، وكان بذلك
أول إنجليزي يهودي يشغل مثل هذا المنصب .
بدأ صمويل اهتمامه
بالأمور اليهودية حين عينته الحكومة البريطانية في بعثة خاصة لتقصي أحوال يهود
اليديشية الذين كانوا يتوافدون على إنجلترا بأعداد متزايدة . كما دخل في نقاش على
صفحات الجرائد مع السفير الروسي في إنجلترا بخصوص تهمة الدم التي
٦٧
وجهت
لليهودي الروسي منديل بليس. وقد اهتم صمويل بالشئون الاجتماعية وكان مسئولا عن
إصدار قانون تعويض العمال ، كما كان مسئولا عن إصدار ميثاق للأطفال .
كان صمويل، باعتباره يهوديا مندمجاً ، يرى أن
الحل الصهيوني حل غير عملي وضد مصالح اليهود ، ولذا كان مشهورا بعدائه للصهيونية .
ولكن ، مع ظهور تلك البوادر التي دلت على أن الدولة العثمانية ستهزم ، اكتشف صمويل
، شأنه شأن جميع الصهاينة اليهود غير اليهود ، إمكانية حل المسألة اليهودية عن
طريق توطين اليهود في إطار الدولة الوظيفية التابعة للغرب - وهو تغير في موقف
صمويل لم يتوقعه أو يلحظه وايزمان . ولذا ، حين اقترح لويدجورج على وايزمان (بعد
عودته من سويسرا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى) أن يجتمع بصمويل ، رفض وايزمان ذلك
ظناً منه أن صمويل لا يزال معادياً للصهيونية ، ولكنه اضطر إلى أن يقبل على مضض
ليفاجأ بأن صمويل يؤيد المشروع الصهيوني . بل والأدهى من ذلك أنه حينها تقدم إليه
وايزمان بالمطالب الصهيونية ، أخبره صمويل بأها مطالب متواضعة للغاية وأن عليه أن
يفكر بشكل أكبر ، وذهل الزعيم الصهيوني (من شرق أوربا) وقال إنه لوكان
مؤمنابالعقيدة اليهودية لظن أن تحول صمويل هو إحدى علامات مقدم الماشيح .
وقد كتب صمويل مذكرة
(عام ١٩١٥) مررها على أعضاء الوزارة البريطانية تنطلق من افتاض أن تركيا ستهزم ،
واقترح فيها إنشاء محمية إنجليزية في فلسطين بعد الحرب وتشجيع الاستيطان اليهودي
فيها ، وإعطاء الأولوية للهجرة اليهودية ولبناء مؤسسات استيطانية تساعد في نهاية الأمر
على توطين جماعة يهودية يبلغ عددها ثلاثة ملايين تصبح مكتفية ذاتيا إلى أن تشكل
دولة ذات سيادة تكون مركزا لحضارة جديدة وتنظر في الوقت ذاته بعين الاعتبار
للمصالح البريطانية في المنطقة. وقد جذبت المذكرة اهتمام لويد جورج، لكن رئيس
الوزراءإسكويث لم يكن متحمسا بما فيه الكفاية . وحين تولى لويد جورج رئاسة الوزارة
(التي كانت تضم بلفور) ، قرر تبني هذا المشروع الذي سمي «وعد بلفور» . وبسبب
اهتهاماته الاستعمارية ، عين صمويل كأول مندوب سام بريطاني في فلسطين عام ١٩٢٠ (أي
بعد وضعها تحت الانتداب) . وفي أغسطس من نفس العام ، استصدر قانون الهجرة الذي سمح
ل ١٦,٥٠٠ يهودي بدخول فلسطين . ولكن ، بسبب رد الفعل العربي الرافض ، عدلت
بريطانيا عن سياستها قليلا وبدأت تتحرك في إطار مفهوم القوة الاستيعابية للبلد .
ولكن ، ومع هذا ، زاد عدد السكان اليهود في الفترة ١٩١٨-١٩٢٥
من ١٠٥
آلاف إلى ١١٨ ألفآ. وقد ساعد صمويل النشاط الاستيطاني الصهيوني على مستويات أخرى
عديدة من بينها الاعتراف بالمؤسسات السياسية الصهيونية في فلسطين والاعتراف باللغة
العبرية كإحدى اللغات المحلية في فلسطين. وقد زاد عدد المستوطنات الصهيونية في
عهده من ٤ ٤ إلى ١٠٠ مستوطنة .
وقد استمر اهتمامه بالمستوطن الصهيوني بعد تركه
منصبه، فكان رئيسا لشركة فلسطين للكهرباء ، ورئيسا للجامعة العبرية . وقد هاجم
صمويل الكتاب الأبيض لعام ١٩٣٩ ، كا هاجم سياسة بيفين المعادية للصهيونية .
وقد
كان هربرت صمويل زعيآ للحزب الليبرللي في مجلس اللوردات بين عامي ٤ ٩٢ ١
و١٩٥٥
، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة الليبرالية .
وصمويل نموذج جيد للصهيوني اليهودي غير اليهودي
الذي لا تختلف رؤيته لليهود عن رؤية أي عضو في الحضارة الغربية، فهو لا هتم
بالإثنية اليهودية ولا بالمصالح اليهودية ولا بالتاريخ اليهودي ولا بالعقيدة
اليهودية : إنه هودي مندمج تماماً يود الحفاظ على وضعه. ولكنه، شأنه شأن أي سياسي
غربي، ينظر إلى اليهود من الخارج ويراهم كمادة بشرية نافعة يمكن أن توظف لصالح
الحضارة الغربية .
ويبدو أن قطاعات من أعضاء الجماعات اليهودية في
فلسطين وخارجها صنفت صمويل على أنه أول حاكم يهودي على فلسطين منذ سقوط الهيكل .
وهذا التصنيف لا يأخذ في اعتباره التكوين الثقافي أو السياسي لدى صمويل ولا الإطار
الذي تم فيه تقليده لمهام منصبه . فقد كان صمويل، في واقع الأمر، مندوب الإمبراطورية
البريطانية لدى اليهود ، وليس مندوب اليهود لدى الإمبراطورية البريطانية .
ثم لنضرب مثلا أخير
بأهم شخصية سياسية ييودية في الوقت الحاضر هنري كيسنجر (٩٢٣ ١ - ) وهو أول أمريكي
يهودي يتولى منصب وزير الخارجية الأمريكية ، وكذلك أول أمريكي غير أمريكي المولد
يتولى هذا المنصب . ولد في مقاطعة بافاريا في ألمانيا ، وقضى صباه في ظل الحكم النازي
حيث طرد مع أخيه من المدارس الحكومية، كما طرد والده من وظيفته التعليمية . وفي
عام ٨ ٩٣ ١ ، رحل كيسنجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة حيث استقروا في نيويورك .
وقد جند في الجيش الأمريكي عام ١٩٤٣ ثم عمل في المخابرات حتى عام ١٩٤٦ ، وخدم في
ألمانيا كمترجم وكمدرس في المدرسة الأوربية لقيادة المخابرات .
٦٩
وبعد
الحرب، درس في هارفارد ثم انضم إلى هيئة التدريس وتدرج في السلم الأكاديمي حتى حصل
على درجة الأستاذية عام ١٩٦٢ . وقد اكتسب كيسنجر مكانة هامة كمفكر مختص في شئون
الدفاع والأمن القومي وكتب عدة كتب هامة في هذا المجال ، وعمل مستشارا لعدة رؤساء
أمريكيين (أيزنهاور ، وكنيدي ، وجونسون) . وفي عام ٩٦٨ ١ ، عمل بصفة دائمة في شئون
الرئاسة الأمريكية . وحين عمل كمستشار للرئيس نيكسون للأمن القومي ، اتسمت
علاقتهما بقدر كبير من التفاهم وأتاح نيكسون لكيسنجر مساحة كبيرة من حرية العمل .
وقد اكتسب كيسنجر سمعة عالمية من خلال تمهيده للزيارتين التاريخيتين التي قام بهما
الرئيس ا لأمريكي نيكسون إلى الصين والاتحاد السوفيتي عام ١٩٧٢ ، وتدشينه لسياسة
الوفاق الدولي مع الاتحاد السوفيتي وتوصله لمعاهدة الحد من الأسلحة الإستراتيجية
الأولى (سوكت) عام ١٩٧٢ .
ومع
انتهاء حرب فيتنام ، وجه كيسنجر اهتمامه نحو الشرق الأوسط حيث كانت الإدارة
الأمريكية تسعى إلى الحد من النفوذ السوفيتي في المنطقة وتقليصه في نهاية الأمر من
خلال خلق وجود أمريكي متزايد في العالم العربي وضمان استمرار تدفق النفط العربي
إلى الغرب .
وبالفعل
، لعب كيسنجر دورا بارزا في ترتيب وقف إطلاق النار في أثناء حرب ١٩٧٣ ، ثم في عقد
مفاوضات بين الجانبين العربي والإسرائيلي ، وأخيرا في إعادة العلاقات الدبلوماسية
مع مصر ، الأمر الذي مهد بالفعل لتزايد الوجود الأمريكي بالمنطقة وتزايد دور
أمريكا في قضية الشرق الأوسط وما انتهى إليه من معاهدة صلح بين مصر وإسرائيل .
وقد
منح كيسنجر عام ٩٧٣ ١ جائزة نوبل للسلام ، كما عين في نفس العام وزيرا للخارجية
الأمريكية. ومع مجئ الرئيس كارتر إلى الحكم، انتهى عمله بهذا المنصب. وقد تولى
كيسنجر بعد ذلك ، مواقع مرموقة في المؤسسات الأكاديمية والمالية والتجارية
الأمريكية ، فعمل أستاذا في جامعة جورج تاون ، وعين نائبا لرئيس اللجنة الاستشارية
الدولية لبنك تشيز مانهاتن ، كا عمل كمستشار للشئون العالمية لشركة إن . بي . سي.
ع10 لمؤسسة جولدمان ساخس للال والسمسرة
لتقديم المشورة حول تأثير التطورات السياسية الدولية على الشئون الاقتصادية
والمالية للشركة وعملائها .
وفي عام ٩٨٣ ١ اختاره
الرئيس الأمريكي ريجان لرئاسة اللجنة الخاصة بشئون أمريكا اللاتينية المنوط بها
مهمة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المنطقة.
ويتمحور فكر كيسنجر
الإستراتيجي حول مفهوم النظام الدولي الشرعي والمستقر . فالاستقرار-الذي يصنع
السلام (وليس العكس) - لا يتحقق إلا بوجود شرعية دولية مقبولة لدى الأطراف
الرئيسية في النظام الدولي . والشرعية والاستقرار لا يتحققان إلا من خلال أداتين
لا انفصال بينها هما الدبلوماسية والقوة المسلحة . وهذا النظام لا ينفي الصراع
تماماً بل يخفضه إلى نوع من التنافس والتوتر المحكوم بإطار مقبول من الترتيبات
والقواعد حول السلوك والأهداف والوسائل المسموح بها . والمعضلة الرئيسية بالنسبة
لكيسنجر هي كيفية الحفاظ على النظام الشرعي المستقر في ظل عصر الأسلحة النووية وفي
مواجهة النظم الثورية التي ترفض الإطارالقائم وتشكل مصدرا للصراعات التي تعيق (في
نظره) التطور ، ومن هنا اقتراحه بتبني إستراتيجية تعتمد على التزاوج بين
الدبلوماسية والمفاوضات من جهة والحرب المحدودة من جهة أخرى .
وقد
كانت القضية الأساسية التي شغلت كيسنجر وحددت مواقفه من كافة القضايا الدولية هي
قضية العلاقة بين القوتين الأعظم والتوازن الدقيق بينهما . فأية مشكلة تمس هذا
الميزان ، وتهدد المصالح الأمريكية والغربية كانت تثير اهتمامه وتحركه السريع ،
مثل مشكلة الأمن الأوربي وحرب فيتنام وأزمة الشرق الأوسط خاصة بعد حرب ٩٧٣ ١، في
حين نجد تراجع اهتمامه بمشاكل أخرى لا تمس هذا التوازن مثل غزو تركيا لقبرص عسكريا
عام ١٩٧٤ وتجديها لليونان ، رغم أن كلا الدولتين عضو في حلف ناتو، وكذلك إهماله
التام لأفريقيا وعدم اهتمامه بقضاياها إلا بعد دخول الاتحاد السوفيتي طرفاً في حرب
تحرير أنجولا ، فعندئذ جاء تحركه السريع لغلق الباب الأفريقي أمام السوفييت . وإلى
جانب تحدي الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحادالسوفيتي كان كيسنجر يرى أن حركات
التحرر الوطني والنظم الثورية الوطنية في العالم الثالث تشكل تحديا آخر للولايات
المتحدة والمعسكر الغربي؛ فهي تنزع نحو فرض نظام عالمي جديد يتسم بقدر أكبر من
المساواة، وترى القوة ا لأمريكية المالية باعتبارها نوعاً من الاستعمار الجديد ومن
ثم اقتابها أكثر من الاتحاد السوفيتي وتأثير ذلك على العلاقات والتوازن بين
القوتين الأعظم . وهو يرى إمكانية احتواء هذه النظم الثورية « بالغواية والتخويف
وكذلك ضربها بالحروب المحدودة حتى بغيراشتراك الولايات المتحدة، وعلى الولايات
المتحدة أن تتأكدأنه يوجدلها في كل منطقة من العالم الثالث سوط مستعد في كل لحظة
أن يهوي على أي ظهر يحاول أن يرفع رأسه بعد حد معين » .
٧١
ومحاولة
اكتشاف المكون اليهودي في تفكير كيسنجر أمر لا طائل من ورائه ، فطريقة تفكيره
وأولوياته وإدراكه لمصالح العالم الغربي وإدارته للأزمات الدولية (سواء في الشرق
الأوسط أو غيرها من المناطق) هي جزء لا يتجزأ من التفكير الإستراتيجي العام في
الغرب بمنطلقاته الصراعية الداروينية والتي تعود إلى عصر النهضة ، وفلسفة الدولة .
وهو تفكير يسعى إلى حماية أمن الغرب والدفاع عن مصالحه من خلال استخدام كل أشكال
القوة (من ضغط سياسي إلى نشاط استخباري إلى انقلابات عسكرية مدبرة إلى استخدام
القوة العسكرية بشكل مباشر) . وفي داخل هذا الإطار يرى كيسنجر أن الولايات المتحدة
هي زعيمة العالم الغربي ويرى أن لمصالحها أسبقية على مصالح الدول الأخرى بما في
ذلك الدول الغربية واليابان . ومن هنا اهتمامه بالبترول العري فهو أداة ضغط أساسية
على الدول «الحليفة » التي تعتمد على البترول المستورد . وما يحدد موقف كيسنجر من
إسرائيل ليس هوديته أو رغبته في الدفاع عن المصالح اليهودية أو زيادة النفوذ
اليهودي أو جماية الدولة اليهودية ، وإنا حرصه على أن تكون إسرائيل حليفا
إستراتيجيا للولايات المتحدة وسوطاً رادعا في يدها . ومن ثم لا يمكن تفسير مواقف
كيسنجر الساسية على أساس يهوديته ، كما يفعل بعض المحللين العرب.
ويرتبط بمفهوم «المصالح
اليهودية» مفهوم «المال اليهودي» وهي عبارة تفترض وجود ثروة (ضخمة) يمتلكها اليهود
ويوظفوغها بالطريقة التي تروق لهم في خدمة مصالحهم . ولعل أساس العبارة هو دور
اليهود كجيماعة وظيفية تجارية تمتلك رأسمالا توظفه في التجارة البدائية والربا
وتدر عليها ربحا (كان النبيل الإقطاعي يستولي على معظمه) . ونظراً لوجود هذا
الرأسال خارج العملية الإنتاجية الزراعية، فقد بدا كما لو كان مستقلا . أما في
المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ، فقد تركز أعضاء الجماعات اليهودية في قطاعات
اقتصادية بعينها ، فكان يبدو كما لو كان اليهود عنصرا مستقلا .
ويذهب
البعض إلى أن هذا المال اليهودي هو سر قوة اليهود ، فهم يوظفونه في شراء النفوذ
وفي ممارسة السلطة وفي تخريب الضمائر وإفساد العباد . وهذه أيضاً تهمة لها جذورها،
فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشترون المواثيق والحماية والمزايا من الملك أو
الأمير، كماأنهم تركزوافي كثير من القطاعات المشينة في المجتمعات الحديثة (البغاء-
المجلات الإباحية).
وكما هو واضح ، فإن ثمة أساساً موضوعيا أو ماديا
لكل التهم ، مع ذلك يظل الواقع أكثر تركيبا من التهم الاختزالية البسيطة ومن
الواقع المادي المباشر . فالمال اليهودي في المجتمع الإقطاعي كان بالفعل في قبضة
أعضاء الجماعات اليهودية ، ولكنهم هم أنفسهم كانوا في قبضة الأمير الإقطاعي ،
وكانت المواثيق الممنوحة لهم تتحدث عن تبعيتهم للأمير تبعية المملوك للمالك .
وكانت بعض المواثيق تشير إلى هذا بشكل مجازي ، بينماكان البعض الآخر يشير إليه
بشكل حرفي .
والمال اليهودي في
العصر الحديث لا يختلف كثيرا عن المال اليهودي في العصور الوسطى في الغرب .
فالرأسال اليهودي يتحرك حسب حركة الرأسمال المحلي الذي يتحرك بدوره حسب حركة
الرأسمال العالمي . ولعله بعد عمليات التدويل المختلفة التي خاضها العالم ، وظهور
النظام العالمي الجديد والشركات متعددة الجنسيات ، زادت تبعية المال اليهودي
وتناقصت مقدرة الرأسمالي من أعضاء الجماعات اليهودية على التحكم في رأساله .
وكل هذا لا ينفي
مايلي:
١-
أن هناك رقعة من الحرية للرأسال اليهودي يتحرك فيها ، خصوصاًإذا تساوت
الظروف
.
٢-
أن كثيرا من القرارات السياسية التي اتخذها غير اليهود كأنت تصدر عن الإيمان بوجود
هذا المال اليهودي ، ومن ثم أخذه صانع القرار في الحسبان وهو يتخذ قراره ، أي أن
المال اليهودي (في هذه الحالة) عنصر مؤثر تأثيرا لا يتناسب بتاتاً مع قوته الفعلية
.
٧٣
الفصل الثالن
الحيات اليبورية الهرامة
حقنهاية القرن الثامنثر
يميل
العقل الأختزلي الذي ينسب لليهود كل الشرور أن يجعلهم مسئولين عن كل الحركات
الهدامة ويراهم مسئولين عن هدم المسيحية ثم الإسلام . كما يذهب هذا العقل إلى أن
اليهود يوجدون في كل مكان وزمان أحيانا بشكل واضح وأحيانا أخرى بشكل متخفي ، وأن
الهدف من التخفى هو زيادة كفاءتهم فى عملية الهدم ونشر الفساد . وظاهرة اليهود
المتخفين هي ظاهرة حقيقية (يهود المارانو- يهود الدونمه ) وكان بعضهم يحمل بالفعل
فكرا هداما يدعو للإنحلال. وسيتناول هذا الفصل بعض جوانب الفكر الهدام الذى نادى
به بعض أعضاء الجماعات اليهودية ، خاصة من اليهودالمتخفين ، حتى نهاية القرن
الثامن عشر.
عبد الله بن سبأ
والإسرائيليات
١ - عبد الله بن سبأ (القرن السابع الميلادي)
ويسمى أيضاًابن السوداء
. وهو عربي يهودي من أهل صنعاء في اليمن . وقد ادعى ابن سبأ بعد موت الرسول (صلى
الله عليه وسلم) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو الماشيح الذي سيرجع مرة أخرى،
فكان يقول : « العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب برجوع محمد » . وقد أيد رأيه
بآية من القرآن :إن الذي فرض عليك القرآن
لرادك إلى معاد ( القصص ، ٨٥)، ومن ثم فإن محمدا أحق بالرجوع من عيسى . وقال أيضا
إن في التوراة أن « لكل نبي وصي ، وإن عليا(زوج ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم)
هو وصيه ، ولذا فعلي هو خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين » . بل ويقال إنه لما
بويع علي قام إليه ابن سبأ فقال له : « أنت خلقت الأرض وبسطت الرزق» .
٧٥
٠ف
وقد ذهب عبد الله بن
سبأ إلى القول بالتناسخ . وبحسب قوله ، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يمت مع
محمد بل استمر حيا يتعاقب في ذريته ، فروح الله التي تبعث الحياة في الرسل تنتقل
بعد وفاة أحدهم إلى أخر، وأن روح النبوة بصفة خاصة انتقلت إلى علي واستمرت في عائلته،
ومن ثم فعلي ليس مجرد خلف شرعي للخلفاء الذين سبقوه ، وهو ليس في مستوى واحد مع
أبي بكر وعمر اللذين اندسا مغتصبين بينه وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأخذا
الخلافة بغير وجه حق ، إنا هي الروح القدسية تجسدت فيه وهو وريث الرسالة ، ومن ثم
فهو بعد وفاة محمد الحاكم الوحيد الممكن للأمة، تلك الأمة التي يجب أن يكون على
إمامتها مثل حي لله . وقد استطاع ابن سبأ تكوين خلايا سرية في عديد من الأمصار
الإسلامية التي مر بها (الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر) ، وجرى بينه وبين
أعضاء هذه الخلايا مكاتبات ، وحاك ابن سبأ المؤامرات ووضع مخططات للثورة . وبعد
مقتل علي رضي الله عنه عام ٦٦١ ، أنكر ابن سبأ أن عليا قد قتل ، زاعيا أن من قتل
هو في واقع الأمر شيطان يشبه عليا وأن عليا نفسه فيه الجزء الإلهي وأنه هو الذي
يجي في السحاب ، وأن الرعد صوته والبرق سوطه ، ولذا كان يقول أتباعه عند ساع الرعد
: « السلام عليك يا أمير المؤمنين» ، وأنه لابد أن ينزل إلى الأض فيملأها عدلا كما
ملئت جورا.
وقد أسس ابن سبأ الطائفة السبئية التي تقول
بألوهية علي . ويقال للسبئية «الطيارة» لزعمهم أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران
نفوسهم في الغلس (قبيل انبلاج النهار) . ويقال إن عبد الله بن سبأ جاء إلى الإمام
علي (رضي الله عنه) مع جماعته وقالوا له « أنت الله» فأحرقهم بالنار ، فجعلوا
يقولون : « الآن صح عندناأنه الله لأنه لايعذب بالنارإلارب النار ".
وقد انشغل المؤرخون
المسلمون (في الماضي والحاضر) بقضية هل كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية وجدت
فعلا أم هو شخصية مختلقة ، وهي في الواقع قضية قد تكون على قدر من الأهمية ولكنها
تترك المسألة الأساسية ، أي بنية أفكار ابن سبأ (وهي أفكار كان هناك من يحملها
ويروج لها بغض النظر عن وجود ابن سبأ نفسه) . ولنضرب مثلا لنوضح ما نرمي إليه :
تنتشر كثير من الأفكار الرومانتيكية ويتبناها جماعات من الناس في أنحاء العالم دون
أن يطلعوا بالضرورة على كتابات الشعراء أو الفلاسفة الرومانتيكيين في الغرب ، وحتى
دون أن يعرفوا بوجود شيء يسمى «الحركة الرومانتيكية» . والواقع أن القضية هي بنية
هذه
الأفكار ومدى تأثيرها في سلوكهم ومدى تأثيرهم فيمن حولهم بعد حملهم لهذه الأفكار،
وهكذا . أما قضية الأصول والتأثير والتأثر ، وهل اطلع هؤلاءبالفعل على النصوص
الأساسية للحركة الرومانتيكية الغربية أم لا ، فهي قضية ثانوية رغم أهميتها ، خاصة
وأن كثياً من الأفكار الإنسانية تتوالد من داخل العقل الإنساني ، دون حاجة لتأثير
خارجي . والأفكار الحلولية (التي تشكل الإطار الذي تتحرك داخله المنظومة السبئية)
هى أمر كامن في تجارب الإنسان الأولى . ٠٠
ويمكن القول إن النسق
الفكري الذي ينسب إلى اسم بن سبأ نسق حلولي كمونى
غنوصي كامل يستحق
الدراسة من هذا المنظور :
أ-
فهو نسق يفترض الحلول الدائم للإله في الطبيعة والتاريخ ، ولذا فالرعد هو صوت علي
والبرق سوطه ، فالإله يتجسد في الطبيعة . كما أنه ثمة إيان بأن روح الإله تنتقل من
رسول إلى آخر ولابد أن يكون هناك إمام هو مثل حي (تجسد - حلول) للإله في التاريخ .
ويلاحظ أنه في الأنساق الحلولية ، لأبدوأن يكون هناك تجسددائم ومستمرللإله في
الطبيعة وتناسخ دائم عبر التاريخ، حتى يظل الإله دائا متجسداً في الزمان والمكان
كامنا فيهما لا متجاوزا أو مفارقا لهما . والإله ، في هذه المنظومة ، هو جزء
لايتجزأ من الطبيعة والتاريخ ويرد إليها لملء كل الفراغات والمجالات والثغرات بحيث
يتصل الزمان بالمكان فهي وحدة وجود روحية لا تبق للإله من الألوهية سوى الاسم.
ب -
ويتضمن النق الديني الحلولي إلغاء فكرة محمد خاتم المرسلين ، وهي الفكرة التي
تتضمن أن التاريخ أصبح المجال الذي يتفاعل فيه الإنسان مع الإله وأن التاريخ هو
الرقعة التي يختبر الإله فيها الإنسان ، ويمكن للإنسان أن يخطى ويصيب فيها (فهو حر
الإرادة) . بدلا من ذلك يطرح النسق السبئي الحلولي فكرة غهاية التاريخ . كما يتضمن
النسق الحلولي إلغاء فكرة الضميرالشخصي ووجود الإنسان الفرد .
ج
يمكن أن يتحقق الحلول الإلهي في شخص بدرجة مركزة بحيث يصبح هذا الشخص إلها لا يموت ، وهذه هي صفات علي (رضى الله عنه) في النسق السبئى
أو صفات محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي لإبد وأن يعود أو صفات من يتحقق فيه
الحلول الإلهي عبر التاريخ .
د -
يلاحظ أن الحلول الإلهي مسألة متوارثة في مجموعة من الناس، فكأن الإله بحلوله في
عائلة ما يصبح جزءا عضويا يجري في عروقها ، وكأن الربانية أصبحت صفة بيولوجية
وليست صفة تعتر عن نفسها في أعمال أخلاقية تتبدى من خلالها التقوى . والنظم
الحلولية
٧٧
نظم
عضوية ، والإنسان الذي يتمتع بالحلول يتجاوز الخير والشر . وهذه صفات موجودة في
النسق السبئي. ولم تذكر المصادر التي تدانت لنا شيئا عن سلوك السبئيين أو أنهم
انغمسوا في ممارسات جنسية داعرة تعبر عن الحلول الإلهي العضوي في أجسادهم أو تعتر
عن سقوط القيم الأخلاقية .
ه-
المنظومة الحلولية تتسم بعدم النضج المعرفي ، فهي تنحو نحو اختزال الكون في عناصر
سببية بسيطة ، فالإمام سيملأ الدنيا عدلا بعد أن امتلأت جورا . أي أن كل الثغرات
ستسد ويظهر عالم واضح عضوي مصمت ، لا ثغرات فيه ، عالم متأيقن تمامآ، السبب مرتبط
تماماً فيه بالنتيجة . أما من الناحية النفسية فالإنسان الحلولي يرفض الحدود ويفضل
البقاء في حالة سيولة كونية رحمية (نسبة إلى الرجم) ، ومن ثم يرفض أن يكبح جماح
غرائزه بل ويرفض الموت، الحد الأكبر المفروض على الإنسان والنتيجة الطبيعية لإيان
الإنسان بالإله الواحد. ويتبدى هذا أيضاً في المنظومة السبئية حيث ترفض فكرة الموت
بالنسبة لعلي (رضي الله عنه) ولمن يرث الروح الإلهية . فكأن النسق الحلولي يعد
أتباعه بأنهم سيصيبون الأزلية في الدنيا ، أي سيصبحون آلهة . بل ويمكن القول أن
تحديد المنظومة السبثية لعلى (رضى الله عنه) ، كنقطة للحلول الإلهى، هو بحث عن
نقطة فردوسية (غنوصية) طاهرة تماما لا يوجد فيها أي تركيب أو تناقض - نقطة الوحدة
الحقة للوجود .
و-
تفترض المنظومة الحلولية تداخل كل الأشياء وترابطها من خلال الحلول الإلهي
المستمر. وهذه الرؤية هي التي أدت إلى ظهور الإسرائيليات في الإسلام حيث افترض بعض
المفسرين وجود استمرارية بين التوراة التي بين أيدينا وبين القرآن. وكما أشرنا من
قبل ، تستند المنظومة السبئية للى مقدمات وردت في التوراة يستخلص منها نتائج
إسلامية ، فكأن ثمة استمرارا بين التوراة والقرآن وبين الإسلام واليهودية .
هذه
هي بعض ملامح المنظومة السبثية الحلولية المتطرفة ، وهي منظومة كان لها تابعوها
وتأثر بها العديدون . وقد ظهرت هذه المنظومة بأشكال أخرى بين جماعات أخرى لها أساء
أخرى ، ومن ثم يكون هذا الانشغال المتطرف بشخصية ابن سبأ انشغالا شاذا إلى حد ما .
ويمكننا
الآن أن نسأل : ما مصدر هذه الحلولية ؟ وما هي جذورها التاريخية وربما البيئية ؟
وللإجابة على هذا السؤال ، قد نحتاج إلى بحث مكثف . ويمكن أن نذهب هنا إلى أن
المنظومة ذات أصول يمنية ، ولعل المؤرخين الذين جعلوا من عبد الله بن سبأ يمنيا
كانوا يشيرون إلى هذا . وفي هذه الحالة ، لابد وأن ندرس بتعمق أنماط اليهودية التي
كانت
منتشرة
آنذاك في جنوب الجزيرة العربية ، ومدى اختلاطها بعناصر وثنية من العبادات العربية
المجاورة ، وهو أمر متوقع تماما لسببين : أولها أن يهودية الجزيرة العربية كانت
منعزلة إلى حد كبير عن المراكز والحلقات التلمودية سواء في فلسطين أو في بابل .
كما أن الطبيعة الجبلية لليمن تضمن استمرار كثير من العبادات والعادات ذات الطابع
البدائي الجيولوجي المتحجر (وهذه طبيعة المناطق الجبلية كما هو الحال في الشام
وبلاد شبه جزيرة القوقاز) . ويلاحظ أن الفرس قد احتلوا اليمن لبعض الوقت ، والفكر
الحلولي هو سمة أساسية في العبادات الفارسية . ولعلنا لو اكتشفنا قوة الطبقة
الحلولية داخل اليهودية الموجودة في اليمن لأمكننا إلقاء مزيد من الضوء على
الإسرائيليات وعلى تطور اليهودية ذاتها.
والواقع
أن التشابه بين المنظومة السبثية والمنظومة الغنوصية تشابه يثير التساؤل ويدعم
نظريتنا الخاصة بأن الغنوصية ليست مجرد حركة ظهرت في زمان ومكان معينين (الشرق
الأوسط في القرن الأول الميلادي) وإنا هي رؤية كامنة في نفس الإنسان وتظهر في كثير
من الحضارات وتعبر عن فشل الإنسان في تجاوز الوثنية والحواس ، كما تعبر عن الرغبة
في الذوبان في السيولة الكونية الأولية للوصول إلى عالم الواحدية الكونية ، حيث لا
حدود ولا هوية ، ولا أعباء أخلاقية أو نفسية ، ولا مسئولية من أي نوع . ولعل هذا
الخطاب الغنوصي الكامن هو الذي يفسر التشابه بين حركة مثل السبئية نشأت في القرن
السادس الميلادي في الجزيرة العربية وانتشرت في ربوع العالم الإسلامي وبين حركة
مثل البهائية نشأت في إيران في القرن الثامن عشر وانتشرت منها في أنحاء العالم
المختلفة .
٢ -
الإسرائيليات
«الإسرائيليات»
هي مجموعة من القصص والتفسيرات لقصص وأحكام القرآن. وتتناول كثير من هذه
الإسرائيليات قصصا وأساطير أبطالها شخصيات من العهد القديم ورد ذكرهم في القرآن .
وتفترض الإسرائيليات أن ثمة استمرارية بين قصص العهد القديم وقصص القرآن ، وأن
إبراهيم، الذي ذكر في التوراة هو نفسه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي ذكر في
القرآن . ولما كان القرآن لم يذكر قصص الأنبياء كاملة فإن كتاب الإسرائيليات
يلجأون، في تفاسيرهم، إلى ملء الثغرات بالعودة إلى كتب اليهود الدينية. وتتناول
الإسرائيليات كذلك عقائد ، مثل : المسيح المخلص (المهدي المنتظر) ، وأخر الأيام ،
٧٩
(الذي
يتناقض وبشكل حاد مع الفكر التوحيدي) ومن المعروف أن افتراض الاستمرارية الكاملة ،
ومحاولتها ملء كل الفراغات، هي من سهات الأنساق الحلولية التي لا تقبل بوجود أي
مساحات داخل نسق فضفاض .
ويروي
ابن خلدون في مقدمته أسباب تسري الإسرائيليات إلى المسلمين وأسباب استكثارهم من
روايتهاأن العرب لم يكونواأهل كتاب أو علم، وإناغلبت عليهم البداوة والأمية وإذا
تشوقوا إلى معرفة شى ، مما تتشوق إليه النفوس البشرية وأسباب المكونات ويدين
الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدون منهم، وهم
أهل التوراة من اليهود، وهم أنفسهم كانوا أهل بادية منهم، ولا يعرفون من ذلك إلا
ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية ،
فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم .
وتساهل
المفسرون وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، وأصلها عن أهل التوراة الذين يسكنون
البادية ولاتحقيق عندهم( الدكتورعبدالمنعم الحفني) . ومعنى كل هذا أن ثمة رغبة
شعبوية بدائية نحو معرفة أصل الأشياء ، ملأها المفسرون من خلال احتكاكهم بيهود
الجزيرة العربية الذين كانوا يؤمنون هم أنفسهم بيهودية شعبوية بعيدة عن التوحيد أو
تميل إلى الحلولية ولذا تود ملأ كل الثغرات.
ويضرب
الحفني مثلا على ذلك : أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعددهم ، وعصا موسى من أي
الشجركانت ، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ، ونوع الشجرة التي كلم الله
منها موسى ، وهي كلها تفاصيل روائية ، لا فائدة من معرفتها ، ولكن العقل الشعبى
يود دائا الإحاطة بالتفاصيل المادية إذ يجد صعوبة غير عادية في التجريد وتجاوز
المادة . والموقف الإسلامي من هذا واضح فقد ورد في القرآن (كما يبين الحفني) أن
ثمة أمورا أبهمها الله ، ولا فائدة من تعيينها تعود على المكلفين في دينهم ولا
دنياهم ، وبقي الاختلاف عنهم في ذلك جائز < سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ،
ويقولون خسة سادسهم كلبهم ، رجمابالغيب ، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، قل ربي
أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل، فلا تمار فيهم إلا مراء ظهراً ، ولا تستفت فيهم
منهم أحداله الكهف، ٢ ٢٢ .
وقد
دخلت كثير من الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية عن طريق اليهود الذين
اعتنقوا الإسلام في مرحلة مبكرة مثل كعب الأحبار . ولكن ، بعد فترة ، لم يعد
اليهود الذين أسلموا هم وحدهم مصدر الإسرائيليات ، فكثير من المفسرين المسلمين
كانوا
يعودون
بأنفسهم إلى الكتب الدينية اليهودية ، أو الفلكلور اليهودي، لتفسير القصص القرآني
. كما أن الوجدان الشعبي نسج وولد قصصا وتفسيرات على منوال الإسرائيليات .
ونحن
نذهب إلى أن الخطاب الغنوصى ظل سائدا بين عامة الشعب ووجد طريقه إلى عمليات
التفسير في كل الديانات التوحيدية . ويجب أن نتذكر أن كثيرا من الإسرائيليات هي ،
في جوهرها ، فولكلور يهودي نجح في أن يصبح جزءا من العقائد الدينية اليهودية
الرسمية ، والتلمود هو كتاب فولكلور بقدر ما هو كتاب تفسير .
يهود المارانو المتخفون : تاريخ وعقيدة
كلمة «مارانو» أطلقت
على أولئك اليهود المتخفين ، في إسبانيا والبرتغال ، الذين تراجعوا ظاهريا عن
اليهودية وادعوا اعتناق الكاثوليكية حتى يتمكنوا من البقاء في شبه جزيرة أيبريا مع
تراجع الجكم الإسلامي وبعد طرد يهود البرتغال عام ٠ ٤٨ ١ وطرد ييود إسبانيا عام ٤٩٢
١ . وقد أطلق عليهم أيضاتعبير «كونفرسوس»، أي «الذين اهتدوا إلى دين جديد» ،
و«كريستاوس نوفوس» ، أو »المسيحيون الجدد» . وكلمة «مارانو» التى أحرزت شيوعا في
القرن السادس عشر ليست معروفة الأصل على وجه التحديد . وفييا يلى بعض الكلمات
والعبارات التي قد تكون أصلا للكلمة :
١ - «مارانو» كلمة باللهجة العامة الإسبانية
القديمة معناها «خنزير» .
٢ - «ماترانثا» كلمة إسبانية معناها
«الملعون» .
٣-
«المرائي» كلمة عربية معناها «منافق» .
٤ -
«ماريت عيين» عبارة عبرية معناها «ظاهر للعين» ، فهو يظهر المسيحية ويبطن
اليهودية.
٥ -
«محورام أتاه» كلمة عبرية معناها «أنت مطرود من حظيرة الدين» .
٦ -
«مارن أث» عبارة آرامية معناها «أنت مولانا» ، والخطاب فيها موجه إلى المسيح .
وكان محتوما على اليهودي أن ينطق بها كثيرا لإبعاد الشبهة عن نفسه. .
والأصل الإسباني للكلمة
هو الأكثر رجوحا.
ولم يكن المصطلح
ذائعافي الأوساط الرسمية، ولم يردفي أي من الوثائق الرسمية
الخاصة بمحاكم التفتيش . والمقابل العبري هو
«أنوسيم» ، أي «المكروهون» أو الذين «قسروا» على التنصر. ويشار أحيانا إلى
المارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا واستيطانهم في مختلف دول أوربا ، خصوصا
هولندا، باسم «البرتغاليون» ، باعتبارأن أغلبيتهم جاءت من هناك ، كما يشار إليهم
كذلك بكلمة «السفارد» باعتبار أنهم كلهم من
٨١
السفارد ، أي من شبه
جزيرة أيبريا . وبرغم أن الدراسات توحد بين المسيحيين الجدد ويهود المارانو وتقرن
بينهما، فإنضا ، كما سنبين فيما بعد ، نرى أن هذا الترادف خاطئ . ولكنتتا ، مع هذا
، نضطرللى استخدامه بسبب شيوعه وبسبب إبهام هوية المارانو كما سنبين لاحقا.
وقدكانت
هناك حالات متفرقة من التنصر القسري في العالمين الإسلامي والمسيحي . وقد وقعت مثل
هذه الحالات في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي ، وفي أوربا المسيحية مع حروب الفرنجة
وغيرها . لكن مثل هذا التنصر ظل الاستثناء لا القاعدة لأن الكنيسة كانت تقف ضده ،
نظرا لأن مثل هذه العملية تفقد فكرة الشعب الشاهد مضمونها . فهذه الفكرة ، التي
كانت تحكم علاقة الكنيسة بأعضاء الجماعات اليهودية ، تذهب إلى أن اليهود في ذلهم
وضعفهم يقفون شاهداً عل عظمة الكنيسة وانتصارها ، وسيكون تنصرهم في هاية الأمر
أكبر قرينة على هذه العظمة . ومن ثم ، يكون التنصر الطوعي لليهودي علامة على هذه
العظمة. أما التنصر القسري فلا يضيف إلى أمجاد الكنيسة ، ولذلك كانت الكنيسة تسمح
لليهود الذين نصروا عنوة بالعودة إلى دينهم الأصلي .
ولكن الأمر يختلف
بالنسبة للمارانو الذين يبدأ تاريخهم عام ١٣٩١ حين نشبت اضطرابات ضد يهود إسبانيا
وقامت مظاهرات عرضت عليهم إما « الموت أو الصلب» . وقد أدت هذه الاضطرابات إلى
تنصر أعداد كبيرة من اليهود بشكل قسري. ولكن تبع هذا موجة تنصر طوعي ، بسبب انكسار
أعضاء الجماعات اليهودية وهبوط الروح المعنوية . فضلا عن أن يهود إسبانيا كانوا
مستوعبين في الثقافة العقلانية الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) التي قوضت إيمانمهم
الديني . كما أن كثياًمن أعضاء النخب الثقافية والمالية اليهودية كانت لهم مصالح
مالية متشابكة مع مجتمع الأغلبية (المسيحي) . ثم قامت حركة تنصير أخرى عام ١٤١١ -
١٤١٢ . ويمكن القول إن تنصر الغالبية العظمى كان حقيقيا، ولكن ظلت هناك أعداد ممن
مارسوا الطقوس اليهودية بشكل خفى . وقد عاش اليهود المتنصرون ومدعو التنصر جنبا
إلى جنب مع أعضاء الجماعة اليهودية . بينما حاولت الدولة الإسبانية قدر استطاعتها
أن تفصل بين الفريقين . وقد احتفظ كثير من المتنصرين بمهاراتهم الحرفية والإدارية
واتصالاتهم التجارية كأعضاء في الجماعة الوظيفية اليهودية ، وقد حققوا بسبب ذلك
حراكا اجتماعياغيرعادي، ولد الأحقاد ضدهم من قبل بعض عناصر الأستقراطية القديمة .
وبعد
سقوط غرناطة (واستعادة كل شبه جزيرة أيبريا) واجهت الدولة الجديدة مشكلة سكانية ،
وهي أن معظم سكان شبه الجزيرة كانوا إما مسلمين أو يهودا أو من أصول مسلمة أو
يهودية ، ولم تكن توجد سوى أقلية مسيحية ، ومن هنا كان لابد من طرد العناصر غير
المسيحية ، لخلق التوازن السكاني لصالح المسيحيين ، الأمر الذي يتطلبه أمن الدولة.
لهذا
كان لابد من طرد المسلمين واليهود ، فعرض عليهم إما التنصر أو مغادرة البلاد . وقد
تنصرت أعداد كبيرة من اليهود انضمت إلى الأعداد التي تنصرت قبل ذلك . لكن العناصر
الدينية الصلبة قررت اللجوء إلى البرتغال التي قدمت لهم حق اللجوء المؤقت ، نظير
ضريبة يدفعونها . ولكن حينا اعتلى مانويل الأول العرش عام ١٤٩٥ تغيرت السياسة تجاه
اليهود . فانويل كان يطمح إلى تحويل البرتغال إلى قوة تجارية عالمية ، ووجد أن
السبيل إلى ذلك هو أن يحكم ابنه مملكة موحدة في كل شبه جزيرة أيبريا ، ولذا حاول
أن يزوج ابنه من إبنة فرديناند وإيزابيلا فوافق الملكان شريطة أن يقوم بطرد اليهود
من البرتغال. وقد سبب هذا حيرة حقيقية لمانويل ، فهومن ناحية كان حريصا على إتمام
هذا الزواج ، ولكنه في ذات الوقت كان يهمه الحفاظ على أعضاء الجماعة الوظيفية
اليهودية ليستفيد من خبراتهم التجارية في بناء إمبراطوريته التجارية . وقد حل
مانويل هذه المشكلة بأن احتفظ باليهود وفرض عليهم التنصر القسري ، ولكنه منحهم في
الوقت ذاته حريتهم الدينية والحصانة ضد محاكم التفتيش لمدة عشرة أعوام . وقد اندمج
المتنصرون في مجتمع الأغلبية ، ولكن ، كما هو الحال في إسبانيا من قبل ، ظلت هناك
عناصر تمارس الطقوس اليهودية سرا.
ويلاحظ أن اليهود
المتنصرين في البرتغال كانوا يشكلون كتلة بشرية كبيرة (كانت تصل، حسب بعض
التقديرات ، إلى ٠ ١ ٠/٠ من إجمالي عدد السكان) . وكان اليهود الذين فرضت عليهم
اليهودية في البرتغال من العناصر الصلبة ، كما أسلفنا ، ولذا احتفظوا بتماسكهم حتى
أنهم كانوا يسمون أحيانا «اليهود» بشكل علني «الأمة» أو «رجال الأعمال»
(بالبرتغالية: أومينزدي نيجوسيوس 105م80ع11 ع0 1101118115) ،
كماكانت لهم اتصالاتهم التجارية والمالية الهامة . وقد أدى هذا إلى بروزهم في
التجارة الدولية حتى أصبحت كلمة «برتغالي» مرادفة لكلمة «يهودي» في أنحاء أوربا .
وقد كونوا جماعة ضغط قوية داخل البرتغال نفسها وكان لهم سفير خاص في روما ، نجح في
تقديم الرشاوى التي أخرت إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال.
وتشكل كل هذه العناصر
مكونات مشكلة المارانو : عناصر يهودية تنصرت قسرا وادعت المسيحية ، وعناصر أخرى
تنصرت طوعا وآمنت بالمسيحية فعلا ، وهي كلها عناصر ذات خطاب حضاري واحد (أيبيري
كاثوليكي) ، يوحد بينها، رغم اختلاف العقائد أو الادعاءات الدينية .
وقد تأخر إنشاء محاكم
التفتيش في البرتغال بعض الوقت ولكنها بدأت نشاطها بشكل رسمي عام ٥٣٦ ١ ، ثم مارست
نشاطها بشكل فعال في منتصف القرن السادس عشر، وبدأت فى تعقب اليهود المتخفين الذي
تخفوا ما يزيد عن قرن ونصف القرن (١٣٩١ - ١٥٥٠) أي الذين كانوا قد دمجوا حضاريا
تماماًإن لم يكن دينيا أيضاً . ومما زاد الأمور تعقيداً صدور القرار الخاص بنقاء
الدم (بالإسبانية : لمبيثا دي سانجري عل 121122124 ء8211٤٣) عام١٥٦٦ الذي جعل من الأصول العرقية (لا الإيان الديني) معيارا
للتمييز. وبعد أن كان التنقيب يتم عمن يارسون الطقوس اليهودية خفية ، أصبح التنقيب
عن ذوي الأصول غير النقية، ومن ثم أصبح مصطلح «المارانو» لا يشير إلى اليهود
المتخفين وحسب وإنا إلى ذوي الأصول اليهودية حتى ولو كانوا من المسيحيين الأتقياء
(ولذا يميز البعض بين «المارانو المسيحيين» و«المارانو اليهود") .
وقد مارس المارانو
(اليهود) جميع الشعائر التي تقتضيها الديانة المسيحية في العلن . ولكن ظل بعضهم ،
في الوقت ذاته ، يمارسون شعائر الديانة اليهودية سرا. فكان اليهودي المارانو يعمد
أطفاله ويذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ويذهب للاعتراف دون أن يدلي بأية اعترافات حقيقية
، ويتناول القربان في الكنيسة ثم يبصقه خارجها . وقد تأثرت عقيدتهم اليهودية بطول
التخفي ، فاختفت شعائر يهودية ، مثل : الختان ، والذبح الشرعي ، واستخدام شال
الصلاة ، وكثير من الأعياد . واكتسبت الشعائر ملامح جديدة ابتعدت بهم تماماً عن
دينهم الأصلي . وكان أساس عقيدة المارانو هو الإيمان بأن الخلاص يتم من خلال شريعة
موسى لا من خلال الكنيسة أو المسيح، وكان المارانو يؤمنون بأن تنصيرهم القسري هو
جزء من العقاب الإلي الذي حاق باليهود - تماماً مثل المنفى (في حالة اليهودية
الحاخامية) . وقد تبوأت إستير مكانة خاصة في فكرهم الديني ، فكان ينظر إليها على
أنها صورة مسبقة لما يحدث لهم . فإستير ، هي الأخرى ، اضطرت إلى إخفاء هويتها
الدينية مدة من الزمن حتى تحرز مكانة متميزة داخل البلاط الفارسي . وقد تمكنت خلال
ذلك من إنقاذ شعبها من المذبحة التي كان يدبرها هامان لهم . وقد أنكر المارانو أن
المسيح عيسى بن مريم هو الماشيح ، وأصبح هذا الإنكار ركنا أساسيا في عقيدتهم ، مما
زاد من أهمية العقيدة المشيحانية وانتظار مجى الماشيح ، ولعلها أصبحت المبدأ
الوحيد . وكان المارانو يحتفلون بشعائر السبت يوم الأحد وإن كان الاحتفال يأخذ
شكلا يسمح بالتخفي مثل :
تنظيف
المنزل ، وتغيير الملاءات والملابس ، والاستحمام ، وإعداد وجبة تسمى «أدافينا»
(وكانت تعد قبل يوم السبت) . كما كانوا يحتفلون بأعياد اليهود المهمة الأخرى (مثل
عيد الفصح وعيد الغفران) بعد العيد بعدة أيام حتى لا تتعقبهم محاكم التفتيش . وكان
الصوم من أهم الشعائر التي يعارسونها لسهولة إخفائه ، كما أن صوم إستير كان أهم
أعيادهم ، حيث كانوا يتلون مزامير داود أو قصائد من نظمهم باللغة الشائعة بينهم .
وكانت هذه الصلوات تؤكد وحدانية الخالق (في مقابل التثليث المسيحي) ، بل وكان
لديهم طقس يهدف إلى محو أثر التعميد المسيحي .
وقد
بهت انتماء يهود المارانو بالتدريج بعد أن ترك التخفي لمدة طويلة أثره العميق .
فعلى سبيل المثال ، أصبحت عبادة الخالق في الخفاء جزءا عضويا من عقيدتهم ، وأصبح
الإعلان عن عقيدة الإنسان أمرا لا يليق (ومن هنا ، استمر عدد كبير من يهود
المارانو في التخفي حتى بعد أن أصبح من حق اليهود ممارسة شعائر دينهم علنا في
إسبانيا والبرتغال). وقد تأثر المارانو بالطقوس الكاثوليكية ، فهم يشيرون إلى
«سانت إستير» ، كما تأثروا بتقاليد التصوف الكاثوليكية فكانوا يصومون من أجل
الأحياء والموتى (وهو تقليد كاثوليكي) . وأصبحت لهم عبادات وأدعية خاصة بهم تختلط
فيها الطقوس والعبادات الكاثوليكية بالطقوس والعبادات اليهودية . وكان المارانو لا
يتزوجون إلا فيها بينهم ولا يتزاوجون مع غيرهم من اليهود . وكانت القيادة الروحية
للجاعة في يد النساء العجائز، وكان الأطفال لا يعرفون الهوية الدينية الحقيقية إلا
بعد سن الخامسة عشرة . كما أن يهود المارانو كانوا يشكلون شبكة متماسكة ، فكان
التاجر المارانو يرفض أن يشارك تاجرا آخر إلى أن يتأكد من هويته . وقد أدى ذلك إلى
تسهيل عملية التجارة وإلائتمان ، وساعد هذا التماسك على تسهيل الحراك الاجتماعي
للمارانو.
ثم
بدأت محاكم التفتيش نشاطها في كل شبه جزيرة أيبريا . ومما يجدر ذكره أن محاكم
التفتيش لم تتعقب اليهود الذين أعلنوا عن هويتهم الدينية ، فهؤلا لم يكن يسمح لهم
بالبقاء أساساً ، وإنا تعقبت المسيحيين المشكوك في أمرهم والذين كان يظن أنهم
مارانو ، أي «مواطنون يظهرون المسيحية ويبطنون اليهودية» ، فهؤلاء كانوا في رأي
محاكم التفتيش يشكلون خطرا على العقيدة المسيحية وعلى أمن الدولة. ولكن هناك بعداً
آخر بدأت الدراسات الحديثة تؤكده ، وهو أن محاكم التفتيش في إسبانيا لم تكن تابعة
للبابا . بل إن روما كانت تعترض في كثير من الأحيان على تطرف قضاة هذه المحاكم ،
وعلى أن هذه
المحاكم كانت تستخدم
ديباجات دينية تستغل الشرعية الدينية لتعقب من كانت تظنهم أعداء الدولة . وتبين
هذه الدراسات أن رجال الدين الذين عينوا قضاة في هذه المحاكم نصبوا من قبل الدولة
الإسبانية لا من قبل روما . وتذهب هذه الدراسات إلى أن الدولة الإسبانية كانت في الواقع
أول دولة مطلقة تضع مصلحتها الدنيوية فوق أية مصلحة أخرى، وهي ظاهرة بدأت تتضح في
بقية أوربا في تاريخ لاحق ، وتذهب أيضاً الى أن هذه الدولة طالبت رعاياها لهذا
السبب بولاء مطلق . وتحل الدولة العلانية الحديثة مشكلة الولاء عن طريق جعل الدين
أمراخاصا ، على أن يتم التضامن داخل المجتمع على أساس مصلحة الدولة . ولكن في حالة
الدولة الإسبانية ، لم يكن هذا ممكنا برغم توجهها الدنيوي لأن التحالفات في أوربا
كانت تتم في إطار ديني ، ولم تكن العقيدة العلانية قد تطورت أو أحرزت شيوعا بعد .
ومن هنا كان تمسك الدولة الإسبانية بالديباجات الدينية برغم توجهها الدنيوي.
ويذهب أصحاب هذه
النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة
لمن يسمون " أعداء الدولة ا . وهذه الأجهزة كثيرا ما تختلق الاتهامات ضدهم
وتخترعها اختراعا إن لم تجدها ، حتى يكتب لوظيفتها الاستمرار وحتى تحكم قبضتها على
الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها . ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الذين تنصروا عن
صدق ، حتى يكتب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة!
ويضيف
أصحاب هذه النظريات بعداً اجتماعيا أخيرا، وهو أن محاكم التفتيش لم تكن تهدف في
واقع الأمر إلى القضاء على الهرطقة اليهودية بين المارانوكما كانت تدعي ، وإنا
كانت تهدف إلى وقف الحراك الاجتماعي لكل المسيحيين الجدد . ولم تميز بين من اعتنق
المسيحية عن صدق وبإرادته من جهة وبين من ادعى الإيمان بها من جهة أخرى .
فالمسيحيون الجدد كانوا يشكلون طبقة وسطى جديدة لها إمكانيات غير متوفرة لكثير من
قطاعات النخبة الحاكمة . ومن المعروف أنه ، مع نهاية القرن السابع عشر ، لم يكن
هناك فرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى . ولكن ، مع هذا ، تم تأكيد
الفروق لتكون مسوغاً لمطاردة أعضاء الطبقة الجديدة . وقد استخدمت محاكم التفتيش
معياراً دنيويا غير ديني («درجة نقاء الدم«) وبالتالي تكون محاكم التفتيش هي أولى
علامات العنصرية العلمانية (في مقابل التعصب الديني) والتي تعتمد العرق (لا الدين)
معيارا للتفريق بين البشر . ولم تتوقف المطاردة إلا عام ١٧٧٣ حين تقرر إحراق
الوثائق التي تفرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى .
ومن القرائن التي تذكر
للتدليل على أن هؤلاء المسيحيين الجدد قد تنصروا فعلا بإرادتهم وأنهم كانوا
مسيحيين عن صدق، موقف الشرع اليهودي منهم، فكثير من الحاخامات كانوا لا يعتبرونهم
يهودا . بل ورفضت المؤسسة اليهودية البعض ممن تهودوا وعاملت من قبلتهم على أنهم
متهودون أو غرباء (بالعبرية : جير) اعتنقوا اليهودية ، أي أنها كانت تراهم على
أنهم مسيحيون تهودوا . ويقال إن المؤسسة الحاخامية كانت سعيدة بملاحقة محاكم
التفتيش للمسيحيين الجدد واضطهادها لهم ، على أساس أنهم تركوا دينهم عن قصد . وعلى
وجه العموم ، كان اليهود يحتقرون المسيحيين الجدد (المارانو) الذين كانوا بدورهم
لا يكنون أي احترام لليهود .
ومن
القرائن الأخرى التي يجب ذكرها أن كثيرا من المسيحيين الجدد لم يعتنقوا اليهودية
حتى بعد طردهم من شبه جزيرة أيبريا ، لأنهم كانوا مسيحيين بالفعل . كا يفير هذا
اتجاه أغلبيتهم إلى العالم المسيحي وعدم توجههم إلى الدولة العثمانية الإسلامية .
وقد جاء في إحدى الدراسات قصة تبين غباء البشر في بعض الأحيان وعمق تعصبهم فقد
قامت محاكم التفتيش بطرد فتاة بتهمة أها مارانو تدعي المسيحية وتبطن الإسلام .
وعند وصولها إلى المغرب أكدت للناس هناك أنها مسيحية مؤمنة ، فقاموا بتعذيبها
باعتبارها مرتدة فأصرت على موقفها وقتلت ، فاحتفل بها في شبه جزيرة أيبريا
باعتبارها شهيدة مسيحية !
وقد
لاحظ بعض الدارسين أن كثيرا من المارانو كانوا في واقع الأمر ملحدين بلا هوية
دينية على الإطلاق . ولهذا طالب المفكر الهولندي الشهير جروتيوس بأن يؤكد كل يهودي
(فوق سن الرابعة عشرة) إيمانه بالإله والأنبياء واليوم الآخر للتأكد من يهوديته .
تبقى بعد ذلك قضية المارانو أو «المسيحيون الجدد» الذين تهودوا عند خروجهم.
ولتفسير حالة هؤلاء ، نورد الأسباب التالية :
١ -
لم يكن كل المسيحيين الجدد ، كما أسلفنا ، مؤمنين بالعقيدة المسيحية ، بل كان منهم
بالفعل مارانو يتحينون الفرصة لإظهار ما يبطنون .
٢ -
يعتقد أن بعض المسيحيين الجدد ، الذين كانوا يؤمنون بالمسيحية عن حق ، اعتنقوا
اليهودية نتيجة لمطاردة محاكم التفتيش وملاحقتها لهم ، وهم في هذا يشبهون المتهم
الذي يعترف بجريمة لم يرتكبها، تحت وطأة التعذيب ، حتى يريح نفسه . كا أن هناك
أيضاًعنصر الانتقام من مؤسسة عنصرية غبية .
٨٧
٣-
يعتقد أن كثيرا من المسيحيين الجدد تهودوا بعد أن وصلوا إلى أمستردام وغيرها من
البلاد، حتى يحصلوا على عمل أو يمكنهم الالتحاق بإحدى النقابات الحرفية ، أو
المهنية. إذ أن المارانو كانوا قد وصلوا إلى بلد غريبة ذات تنظيم ينتمي إلى العصر
الوسيط ولا يسمح باستيعاب الغريب . وإذاماأرادالمرء أن يكتب له البقاء ، خصوصا
إذاكان وافداً جديدا ، كان عليه أن ينتمي إلى إحدى النقابات أو المؤسسات . ولكن لم
يكن من المتوقع أن تقبله نقابات المهنيين أو أحد التنظيمات الوسيطة الأخرى
باعتباره مسيحيا .
وهناك
حالات رفض فيها الساح لبعض المسيحيين الجدد بالتنصر الفعلي حتى لا يحصلوا على حقوق
المسيحيين . وقد كان أمام هؤلاء فرصة الانضمام إلى إحدى النقابات اليهودية عن طريق
التهود.
٤ -
ولقد أتى هؤلا المسيحيون الجدد من شبه جزيرة أيبريا ، ومن ثم فإن من كان منهم مسيحيا
حقا كان يؤمن بالكاثوليكية ، ثم استقروا في هولندا ، وكانت حينذاك يلداً
بروتستانتيا معادياً لإسبانيا ، يتسامح مع اليهودية ويقبلها ولا يتسامح من
الكاثوليكية. فالدول البروتستانتية الجديدة في أوربا كانت تنظر إلى الكاثوليكية
والكاثوليك (لا اليهودي واليهود) باعتبارهم الخطر الأعظم. ومن ثم كان من المنطقي
لهؤلا المطرودين من بلادهم أن يتبنوا البديل الوحيد المقبول وهو اليهودية .
وقد
ظهرت نظرية مؤخرا تذهب إلى أن المارانية هي نتاج شكل من أشكال العبادة الشعبية
التي كانت موجودة في شبه جزيرة أيبريا ، وهي عبادة اختلطت فيها العناصر اليهودية
بالمسيحية بالإسلامية (كما هو الحال مع العقائد الشعبية) . وقد شاعت هذه العبادة
بين الجماهير اليهودية التي كانت تشعر بالاغتراب عن اليهودية الحاخامية الرسمية
بتزعتها العقلية والعقلانية ، خصوصاً بعد تأثرها بالفلسفة العقلانية الرشدية .
والديانات الشعبية عادة ما يتم توارثها من خلال الأسرة ، ولذا كان اليهودي المتنصر
عن صدق يصبح من المارانو إن كان من ممارسي هذه الديانة الشعبية . ومهما كانت
الأسباب والدوافع لتعقب محاكم التفتيش لليمارانو وتهودهم بعد خروجهم من شبه جزيرة
أيبريا، وبغض النظر عبا إذا كانوا مسيحيين عن صدق أم يهودا ، فما يهمنا هنا هو
التأكيد على أن المضمون اليهودي لهوية المسيحيين الجدد، والمارانوبعدخروجهم من شبه
جزيرة أيبريا ، إما أنه لم يكن موجوداً أساساً أو أنه قد ضعف ثماماً أو اختفى كلية
. وقد انضمت أعداد كبيرة منهم إلى الجماعات اليهودية في أوربا ، الأمرالذي ترك
أعمق الأثر على هذه الجماعات . فهوية المارانو كانت هوية هامشية بالنسبة إلى
المجتمعات كافة . ذلك أنهم بعد انضمامهم إلى
الجماعات اليهودية ، لا
يكونون مسيحيين في المجتمع المسيحي ، ولا يهودا من منظور اليهودية الحاخامية .
ولذا ، قدر لهم أن يلعبوادورا تحديثيا ضخا بوصفهم «غرباء
هامشيين» وكجماعات
وظيفية داخل المجتمعات العربية وبين الجماعات اليهودية .
وقد انتشر يهود
المارانو في كل أنحاء العالم بعد طردهم، فذهبت أعداد كبيرة منهم إلى الدولة
العثمانية واستوطنوا في سالونيكا ، فكان عدد يهود المارانو في هذه المدينة يفوق
عدد اليهود بل وعدد غير اليهود فيها . ولذا ، كانت هذه المدينة تعد عاصمة المارانو
في العالم . كما اتجهوا إلى الأستانة والقاهرة . وكونوا نخبة متفوقة ، مما أدى للى
اندماج مختلف الجماعات اليهودية الأخرى فيهم، وأصبحت اللادينرلغة عود الدولة
العثمانية .
وقد اتجه المارانو إلى
الدول الغربية ، خصوصا البروتستانتية، حيث كانت محاكم التفتيش محط كراهية عميقة ،
وكان كثير من البروتستانت من ضحاياها . فاستوطن المارانو في إنجلترا وأمستردام
وهامبورج، بل واتجه بعضهم إلى الدول الكاثوليكية فاستقروا في بايون وبوردو وليون
في فرنسا، وفي بعض المستعمرات الاستيطانية التابعة لإسبانيا أو البرتغال في العالم
الجديد . وكانت بعض الدول مثل هولندا تعترف بالمارانو كيهود عند وصولهم . أما بعض
الدول الأخرى ، فكانت تتسامح في وجودهم وحسب ، وتلجأ في ذلك إلى حيل قانونية أوغير
قانونية . فكانت بعض الدول ، مثل إنجلترا ، تغض النظر عن هويتهم الحقيقية، فيظلون
مسيحيين اسما ويمارسون عقيدتهم اليهودية سرا أو علنا، ولكن دون اعتراف رسمي ، لأن
الاعتراف الرسمي كان ينجم عنه بكل تأكيد تعقيدات إدارية بالغة في مجتمع تستند كل
مؤسساته إلى العقيدة المسيحية وإلى الإيمان بها . وكما أشرنا سالفا ، فإن كلمة
«برتغالي» كانت في كثير من الدول تعني «مارانو» أو «ييودي» .
وعادة ما كان يهود
المارانو يستوطنون في بلد ما ليشكلوا نواة سفاردية متقدمة تلحق بها عناصر إشكنازية
تزيد من عددها . وقد ظل السفارد النخبة التي كانت تلعب دورا قياديا. أما الإشكناز
فكانوا هم الجماهير، أو الفائض غير المرغوب فيه. وقد زادت الهجرة الإشكنازية من شرق
أوربا بعد هجيات شميلنكي في القرن السابع عشر ، ومع تفاقم المسألة اليهودية في
القرن التاسع عشر، حتى زاد عدد اليهود الإشكناز على عدد يهود السفارد من المارانو
السابقين وأصبحوا هم الأغلبية العظمى .
وقد اختفى أثر المارانو في إسبانيا . أما في
البرتغال ، حيث كانت توجد أعداد كبيرة منهم ، فقد استمر وجودهم حتى القرن العشرين
على هيئة جماعات متفرقة يبلغ عدد
٨٩
الصلة
تماما بالجماعات اليهودية في العالم وإن كانوا يحتفظون بالصلة فيما بينهم . وقد
أصبحت ممارستهم الخفية جزءا أساسيا من عقيدتهم ، كما أصبحت طقوسهم الباهتة التي
توارثوها عبر الأجيال هي ممارستهم الدينية اليهودية الوحيدة . وعلى الرغم من أن
البرتغال أعلنت حرية العبادة عام ١٩١٠، فإن المارانولم يغتنموا الفرصة وظلوا على
ممارستهم .
ومن
أهم جماعات المارانو جماعة مدينة بلمونت ، فهم يتصورون أنهم من نسل اليهود
البرتغاليين مباشرة ، وأنهم غير محلطين . كما أنهم لا يزالون يمارسون بعض الشعائر
الدينية اليهودية ، فهم يوقدون الشموع يوم السبت ، ويصومون يوم الغفران ، ويقيمون
بعض شعائر عيد الفصح ، فلا يأكلون لحم الخنزير في يوم السبت أو في الأعياد ولكنهم
يأكلونه في الأيام الأخرى ، وهم يحتفلون بهذه الأعياد في أيام غيرتلك التي حددها
التقويم اليهودي حتى يحولوا الأنظار عنهم . ويتم عقد الزيجات باسم إله إبراهيم
وإسحق ويعقوب . كما احتفظوا ببعض شعائر الدفن مثل الطهارة ، أي تغسيل الميت . وقد
اختفت اللغة العبرية في صلواتهم ، فلم يبق سوى عبارات محرفة تكاد تكون غير مفهومة
. وقد أصبحت عقيدتهم بعيدة عن اليهودية وتتضمن خرافات كثيرة . ويبدو أن المارسات
الدينية مقصورة على النساء ، ربما لصرف الأنظار .
وتحاول
بعض الجماعات اليهودية ، خصوصا في إنجلترا حيث يوجد يهود كثيرون من أصل برتغالي ،
أن يهودوا المارانو ويدخلوهم إلى حظيرة اليهودية العلنية. وقد بذلت الأليانس جهودا
كبيرة في هذا المضمار ، واتصلت بهم الوكالة اليهودية مؤخرا ، ويبدو أنها أقنعتهم
بالتهود والهجرة إلى إسرائيل . وهذا يعني بالنسبة إليهم حراكا اجتماعيا لأن معظمهم
فقراء يعملون بائعين متجولين .
والمارانو
يشبهون من بعض الوجوه ظاهرة الموريسكيين ، وهم العرب المسلمون الذين اضطروا إلى
التنصر بعد استرداد المسيحيين لإسبانيا . وقد نسي الموريسكيون اللغة العربية وإن
كانوا يتحدثون بلهجة يقال لها «الألخميادو» (تحريف لكلمة أعجمية) ، وهي اللغة
القشطالية بعد أن دخلت عليها كلمات عربية ولاتينية ، وكانت تكتب بحروف عربية .
وكان الموريسكيون صناعاً مهرة وفنيين في العديد من المهن ، مثل : صناعة الحرير ،
والذهب والفضة ، والنقش والبناء ، والفلاحة وأساليب الري الفنية . كما كانوا وراء
تعميم
زراعة
البرتقال والموالح وقصب السكر ونختلف الأشجار المثمرة كالتوت ، ومن الواضح أنهم
كانوا مركزين في القطاعات الإنتاجية للاقتصاد ، ( على خلاف يهود إسبانيا الذين
كانوا مركزين في التجارة والمال والأعمال الوسيطة) . وقد حاولت الدولة الإسبانية
صبغهم بالصبغة الإسبانية بعد تنصرهم ، فكان يحرم عليهم لبس الرداء العربي أو
التحدث بالعربية أو اقتناء كتب عربية أو طبخ الكسكس (الطعام المغرب الشهير) . وقد
اندلعت الثورات بينهم من أهمها ثورة الموريسكيين الكبرى في البشرات (قرب غرناطة)
سنة ١٥٦٩ (وتسمى ثورة البشرات الثانية) . وحينيا فشل النظام الإسباني في إسقاط
هويتهم العربية ، قام بطردهم سنة ١٦٠٩ (كان مجموع المسلمين الذين طردوا يتراوح ما
بين ٩٠٠ ألف و ٣٠٠ ألف ، وفي بعض التقديرات يقال إن مجموع من طرد من المسلمين يصل
إلى ثلاثة ملايين) .
ومع
هذا ، بقي كثير من المسلمين يمارسون شعائر دينهم في الخفاء ، ويتداولون الكتب
الدينية المكتوبة بالألخميادو . وقد تعقبتهم محاكم التفتيش ، وبالفعل وجد في
غرناطة (عام ١٧٢٧) قساوسة من أصل موريسكي يمارسون شعائر الدين الإسلامي سرا .
وكانت بعض الأسرالموريسكية تشهر إسلامها بعد مغادرتها إسبانيا . وفي سنة ١٧٥٧ ،
حوكم موريسكي بتهمة اتباع شعائر الدين الإسلامي سرا . وقد لاحظ بعض الرحالة
الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر أن بعض الأسبان مازالوا يمارسون شعائر الدين
الإسلامي سرا . ويقول بعض الأساتذة الأسبان إنه لاتزال توجد في إسبانيا قرى بأسرها
موريسكية . وقد بدأ بعض دعاة القومية الأندلسية في إسبانيا الحديثة يصر على أن
تراث أهل الأندلس هو التراث الإسلامي، بل إن بلاسي إنفانتي بيريز (١٨٨٥ - ١٩٣٦)
أبا حركة البعث الأندلسي ، وهو من سلالة الموريسكيين القدامى ، اعتنق الإسلام ، وقد
أعدمته قوات فرانكو رميا بالرصاص في ٠ ١ سبتمبر ١٩٣٦ .
يهود
المارانو كعنصر تحديث وعلمنة في المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية
كانت
بعض الدول الغربية تشجع يهود المارانو على الاستيطان فيها إذ كان كثير من الدول
الغربية ، خصوصا البروتستانتية ، ترى أن اليهود بوسعهم أن يضطلعوا بدور الجماعة
الوظيفية التجارية النافعة . وقد كانت هذه الرؤية هي ، إلى حد ما ، رؤية المارانو
لأنفسهم . فكثير منهم، ممن كانوا يبطنون اليهودية، كان يستمر في التخفي حتى يستفيد
من
٩١
الفرص الاقتصادية
المتاحة أمامه ، إذ أن تهوده كان يعني فقدانه إياها . ولذا ، نجد أن كثيرا من
المارانو بقوا في شبه جزيرة أيبريا بحثاً عن الفرصة الاقتصادية وحفاظاً على
أملاكهم من المصادرة ، مؤثرين ذلك على الهجرة إلى بلد بروتستانتي أو إسلامي يمنحهم
حرية العبادة ولا يمنحهم نفس الفرصة الاقتصادية . كما أن كثيرا من يهود المارانو
الذين هاجروا إلى دول جديدة ، بقوا على علاقاتهم مع المؤسسات التجارية في إسبانيا
والبرتغال ومع أعضاء أسرهم الذين تنصروا بالفعل . وكان الحكم الإسباني أو
البرتغالي يستفيد من خبراتهم واتصالاتهم الدولية ، وبنفوذهم ورأسمالهم ، برغم
اضطهاد محاكم التفتيش . وثمة حالات عديدة قام فيها يهود المارانو بالتجسس لصالح
الدولتين الإسبانية والبرتغالية . وثمة حالات كان يهود المارانو يهاجرون فيها من
إسبانيا أو البرتغال ثم يعودون إليها للقيام بالأعال التجارية ، مما يعني أنهم
كانوا يضطرون إلى اعتناق المسيحية مرة أخرى ، لفترة وجيزة ، أو على الأقل التظاهر
بذلك .
وقد لعب المارانو دوراً
مها وفعالا في تأسيس الشركات التجارية والاستيطانية الكبرى ، مثل شركة الهند
الشرقية وشركة الهند الغربية (الهولنديتان) ، وساهموا أيضاًني شركات منافسة أسسها
البرتغاليون ليخرجوا الهولنديين من البرازيل .
وقد أسس المارانو ، بما
كان لهم من خبرة مالية ، شركات تأمين وعديداً من المصارف ، فقد كانوا ذوي شهرة في
التعامل في بورصات الأوراق المالية . وقد أسسوا مصانع للصابون والأدوية ، وساهموا
في صك المعادن وصناعة السلاح وبناء السفن . واحتكر المارانو تقريباً التجارة
الدولية في سلع مثل : المرجان والسكر والطباق والأحجار النفيسة ، كما اشتغلوا
بتجارة الرقيق بسبب وجود أعداد منهم في أوربا ، وفي العالم الجديد ، وفي مستعمرات
البرتغال في أفريقيا ، والتي كانت تعد مصدرا أساسيا للعبيد . وكان عدد من يمود
البلاط من أصل ماراني . وقد ساعدهم على تبوء مكانتهم المالية واضطلاعهم بهذه
الوظيفة عاملان أساسيان : أولها أن المارانو ، بانتشارهم وبهامشيتهم وباحتفاظهم
بالروابط بينهم وباللادينو كلغة مشتركة للتجارة الدولية ، كونوا أول شبكة تجارية
عالمية وأول نظام اثتماني في العصر الحديث كان يربط بين معظم أطراف العالمين
الإسلامي والمسيحي بشقيه الكاثوليكي والبروتستانتي . وامتد نشاطهم إلى العالم
الجديد ، حيث ارتبطوا بكثير من المشروعات التجارية للاستعمار الغربي . وقد تم كل
ذلك في غيبة نظام ائتماني عالمي ، أو نظام ثابت لعلاقات دولية . وقد تزامن انتشارهم
في العالم مع بداية علمنة المجتمع الغربي
وظهور
الحكومات المطلقة التي كانت تأخذ بالمنفعة والولاء لها (وليس الانتماء الديني
أوغيره من الانتماءات) معيار للحكم على الأفراد .
ويجب
ملاحظة أن التجارة التي اشتغل بها المارانو كانت التجارة الدولية ، وأن الأعمال
المصرفية التي اضطلعوا بها كانت أعمالا مصرفية متقدمة فكانت كلتاهما (التجارة
والأعمال المصرفية) لا تشبه من قريب أوبعيد التجارة البدائية التي كان يعمل بها
يهود الأشكناز أو الربا الذي كانوا يشتغلون به .
والواقع
أن الصناعات التي طوروها واستثمروا فيها أموالهم كانت ، إلى حد كبير ، صناعات
رأسمالية بالمعنى الحديث للكلمة . كما أن ثقافتهم العالية ، وأعدادهم الصغيرة،
وعدم انغلاقهم ، سهلت عملية اندماجهم في المجتمعات الغربية . ومن هنا ، فإن
المارانو كانوا يعيشون في صلب المجتمع الغربي ، أوفي جسده ، وليس في مسامه على
طريقة ا لإشكناز . ومن هنا أيضا ، لم تظهر بينهم أي مسألة يهودية ، إذ كانت
المسألة اليهودية مسألة إشكنازية أساسا . ويتجلى هذا في فرنسا حين طبق نابليون
قوانينه بشأن إصلاح اليهود ، على الإشكناز وحدهم دون السفارد . وينطبق نفس الشيء
على إنجلترا إذ أن يهود إنجلترا السفارد من عائلات مونتيفيوري ومونتاجو ودزرائيلى
، وغيرها ، اندمجوا تماماً في المجتمع وأعطوا كافة حقوقهم . وبدأت الهجرة
الإشكنازية من شرق أوربا ، فظهرت مسألة يهودية أدت إلى صدور قانون الغرباء ، ثم
مشروع شرق أفريقيا ، ثم وعد بلفور ، وذلك لإبعاد الهجرة الإشكنازية عن إنجلترا .
لكل
هذا، قال عالم الاجتماعي الألماني سومبارت: " إن يهود المارانو كانوا عنصرا
أساسيا في تشكيل الاقتصاد التجاري الصناعي الجديد في أوربا . ورفض سومبارت أطروحة
فيبر الخاصة بعلاقة الرأسمالية والبروتستانتية ، والذي يرى أن دور اليهود كان
ثانويا بسبب ارتباطهم بالحكومات والنخبة الحاكمة . ويطرح سومبارت بدلا من ذلك
نظريته الخاصة بعلاقة اليهود ، خصوصا المارانو ، بقيام النظام الرأسمالي الحديث ،
فيرى أن اليهود لعبوا دورا أساسيا وحاسماً ني تحديث وعلمنة أوربا بإدخالهم أشكالا
جديدة من الاقتصاد المجرد الذي هدم العلاقات الإقطاعية المتعينة .
هذا
هو دور المارانو التحديثي في العالم الغربي ككل، وهو أمر معروف وربها متفق عليه .
أما دورهم في تحديث الجماعات اليهودية فهو أ كثر غموضاً ويحتاج إلى إيضاح
وتفسير
. وقد أشرنا من قبل إلى أن هوية يهود المارانو كانت هامشية ، فقد كانوا يقفون بين
المجتمع المسيحي والجياعات اليهودية ولا ينتمون إلى أي منهما . وكانوا يعرفون
التقاليد الحضارية لكلا المجتمعين ، كما كانوا على مستوى ثقافي رفيع على عكس يهود
اليديشية. ولذا، أمكنهم أن يكونوا قناة توصيل بين المجتمعين . لكن أكبر إسهام
ليهود المارانو في عملية تحديث اليهود واليهودية هو هجومهم على اليهودية الحاخامية
وعلى كافة مؤسساقها .
وقد
كان كثير من يهود المارانو يضفون غلالة من المثالية على اليهودية في أثناء تخفيهم
لأنهم كانوا يرفضون السلطة الكنسية والكهنوتية ، كما كانوا يتصورون أن اليهودية
دين تسامح وحرية وعقلانية تتقبل النقد بساحة . وقد اعتادوا ، في أثناء فترة تخفيهم
، انتقاد الكنيسة وممارساتها بينهم ، الأمر الذي طور من عقليتهم النقدية بعيداً عن
أي شكل من أشكال الحوار . ولكنهم حينما ذهبوا إلى أمستردام، وجدوا صورة مغايرة
تماماً لأحلامهم . فالجماعة اليهودية في الوسط البروتستانتي كانت تحاول الابتعاد
بقدر الإمكان عن عالم الأغيار الذي كان يتهددها بالاندماج، ولذا كانت تبذل قصارى
جهدها في السيطرة على كل أعضاء الجماعة اليهودية ، وفي المحافظة على التفرقة بين
السفارد والأشكناز . ويرى بعض المؤرخين أن قيادات المارانو (السفارد) ومؤسساتهم
(الماهاماد) كانت متأثرة وبعمق بأساليب محاكم التفتيش والدولة الإسبانية، وطبقتها
على أعضاء الجماعة . لكل هذا، كان من العسير على المارانو ، برؤيتهم النقدية ،
تقبل المؤسسة الحاخامية بكل انعزاليتها وتعصبها، فهي من وجهة نظرهم لا تختلف كثياً
عن محاكم التفتيش. ولذا، فقد استمروا في توجيه سهام نقدهم نحوالمؤسسة الحاخامية وضدكثيرمن
جوانب الترإث اليهودي ، الأمر الذي خلخل قبضة القيادة الدينية وهز من شرعيتها .
ولكن ثمة جانبحر في
تجربة المارانو هو الذي أدى إلى هز اليهودية الحاخامية من جذورها ، وقسم يهود
أوربا إلى طوائف وفرق. ذلك هو الدور الذي لعبوه في الحركات المشيحانية . وكما
بينا، كان المارانو ينكرون أن المسيح هو الماشيح ولكن وجودهم في كنف حضارة مسيحية،
عمق من إحساسهم بأهمية شخصية المسيح ومركزيتها . ولذا ، ظلت العقيدة المشيحانية
حية قوية بينهم، وقد أدى وضعهم وخوفهم الشديد من محاكم التفتيش لخ تعميق النزعة
المشيحانية بينهم وزاد من حرارتها . وكان المارانو بسبب كوغهم تلوداً متخفين، غير
قادرين على تنفيذ كافة الأوامر والنواهي ، ولذا فقد أخذوا في تأكيد
أهمية
الإيمان المجرد وعدم أهمية الالتزام بالعبادات والشعائر . بل إن بعضهم جعل من خرق
الشريعة فضيلة . وثمة بعد اجتماعي سياسي لتعاظم النزعة المشيحانية بينهم ، فقد كان
للارانو وضع متميز في شبه جزيرة أيبريا قبل طردهم حيث كان منهم الوزراء والملتزمون
وكبار التجار . وقد تدنى وضعهم في البلدان الأوربية الجديدة التي استوطنوا فيها .
كما أنهم ، حتى بعد أن أحرزوا فيها مكانة عالية ، ظلوا بعيدين عن المشاركة في
السلطة السياسية .
وقد
ساهم المارانو في نشر القبالا اللوريانية التي تجعل من اليهود عماد الخلاص في
العالم، والتي ربطت بين التصوف والنزعة المشيحانية ، والتي تعوض اليهودي عن عدم
مشاركته في السلطة السياسية بجعله شريكا مع الخالق في خلق العالم ، بل وفي تحقيق
الرب لذاته ولوجوده . ولذا يمكن القول إن المارانية كانت شكلا من أشكال العلمنة لا
تختلف كثيرا عن الربوبية التي تؤمن بالإله الخالق الذي يمكن للعقل التوصل إليه دون
حاجة إلى وحي أو رسل (وهذا هو أيضاً جوهر الماسونية الربوبية) .
وإذا
أضفنا إلى كل هذا ما ذكرناه من قبل عن ضعف الهوية ، فإنه يمكننا أن نرى لماذا
أصبحوا تربة خصبة للنزعة المشيحانية . وقد كان شبتاي تسفي ، الذي أظهر غير ما
أبطن، يتبع نمط المارانو في هذا . وقد تأثر به يعقوب فرانك («فرانك» تعني «سفاردي»
باليديشية) صاحب الحركة الفرانكية المشيحانية .
ويرى
البعض أن الصهيونية هي شكل من أشكال المارانية أيضاً ، فهي عملية تحديث لليهودية
تسقط الشريعة وتحل إشكالية عدم المشاركة في السلطة . كما يرون أن حركة التنوير
اليهودية ، وفكر مندلسون ، كلاهما فكر ماراني يحتفظ بالجوهر الموسوي لليهودية
ويسقط كافة الشعائر . ومن المعروف أن بعض قيادات يهود السفارد كانوا من أكثر
المتحمسين لحركة الاستنارة ، وأن إسبينوزا من أصل ماراني . بل ويمكن أن نرى التراث
الماراني مستمراً في شخصيات مثل دزرائيلي ودريدا (فيلسوف التفكيكية) .
الماشيح الدجال شبتاي تسفي
ولد
شبتاي تسفي (٦٢٦ ١-٦٧٦ ١) في أزمير لأب أشكنازي يشتغل بالتجارة، وكان إخوته
أيضاًمن التجار الناجحين . وقد تلقى تسفي تعليما دينيا تقليديا ، فدرس التوراة
والتلمود ، ولكنه استغرق في دراسة القبالاه - خصوصا القبالاه اللوريانية بنزوعها
الغنوصي.
٩٥
وتتزامن
الفترة التي ولد ونشأ فيها تسفي مع بداية تعاظم نفوذ الرأسمالية البريطانية
والهولندية (البروتستانتية) ، وبدايات مشروعهما الاستعاري العالمي ، وبداية حلولها
محل المشروع الاستعماري الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . وكان أبوه مندوباً
لشركتين تجاريتين : إحداهما بريطانية والأخرى هولندية . وقد شهد عام ١٦٤٨ حدثين من
أخطر الأحداث في تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب : أولهما انتهاء حرب الثلاثين
عاماً (٨ ١٦١ - ١٦٤٨) ، وهي حرب استفاد منها أعضاء النخبة من يهود البلاط ، وعانت
منها الجماهير اليهودية أيما معاناة . وبرغم استفادة أثرياء اليهود ، فإن غهاية
الحرب ذاتها كانت بداية تدهور الشبكة التجارية اليهودية العالمية ، وتدني وضع
النخبة اليهودية بسبب تصاعد عملية تركز السلطة في يد الدولة القومية المركزية الذي
أدى إلى الاستغناء عن اليهود كجاعة وظيفية . أما الحدث الثاني ، فهو انتفاضة سكان
أوكراينا والقوزاق تحت قيادة شميلنكي (١٦٤٨) التي هزت قواعد التجمع اليهودي في
أوكرانيا وبولندا - أكبر تجمع في العالم آنذاك . وكان مجلس البلاد الأربعة هو أهم
مؤسسة يهودية تتمتع بشرعية لم تحققها مؤسسة يهودية أخرى منذ زمن بعيد . وقد كان
لهذه الانتفاضة أعمق الأثر على كافة يهود العالم . ومن الطريف أن كتاب الزوهار ،
حسب بعض التفسيرات ، كان قد تنبأ بوصول الماشيح عام ١٦٤٨ ، وقد أعقب ذلك كله حروب
عام ١٦٥٥ (بين روسيا والسويد) في مناطق تركيز اليهود في بولندا ، ثم هجيات القوزاق
الهايدماك . وتعرف هذه الفترة من تاريخ بولندا باسم «الطوفان» .
وقد شهدت هذه الفترة
إرهاصات الفكر الصهيوني بين المسيحيين في إنجلترا ، وبداية الاهتمام باليهود ،
واسترجاعهم كشرط أساسي للخلاص . وكانت هناك نبوءة تسري في الأوساط المسيحية
(البروتستانتية الصهيونية في إنجلترا وبعض فرق المنشقين المسيحيين في روسيا) بأن
عام ١٦٦٦ هو بداية العصر الألفى الذي سيتحقق فيه استرجاع اليهود لفلسطين . ولا شك
أن مثل هذه النبوءات الاسترجاعية على علاقة قوية بالجو الاستعماري والاستيطاني
النشط في تلك المرحلة. وقدتزايدفي تلك الفترة أيضا نشاط محاكم التفتيش في إسبانيا
والبرتغال ، وظهر الإصلاح المضاد في إيطاليا بنزعته المعادية لليهود .
وفي هذا الجو من
الإحباط والئورات والتردي الحضاري والاقتصادي ، حققت القبالاه اللوريانية انتشارا
غير عادي (يرى جرشوم شوليم أن الفترة بين عامي ٠ ٦٣ ١ و٠ ٤ ٦ ١ هي التي حققت فيها
القبالا اللوريانية الهيمنة الكاملة التي جعلت اليهود مركزا لعملية
الخلاص
الكونية ، وإن كان شبتاي عدل من هذه الصياغة بحيث يتم الخلاص من خلال شخصية
الماشيح ، أي أنه جعل شخص الماشيح مركز الحلول الإلهي بدلأ من الجماعة اليهودية) .
ومن العوامل الأخرى الأساسية التي هيأت الجو للانفجار المشيحاني انتشار يهود
المارانو في كثير من موانئ البحر الأبيض المتوسط والمدن التجارية ، فقد كانوا
يحملون فكرا قباليا، كما أنهم كانوا يعانون من الضيق بعد أن شهدوا أيامهم الذهبية
في الأندلس وإسبانيا المسيحية ، وكانوا يعيشون أيضاً خارج نطاق السلطة وبعيداً عن
مراكز صنع القرار ، مما جعل من العسير عليهم تقبل الوضع القائم . وفي الواقع ، فإن
كل هذا قد هيأ الجو لتصاعد الحمى المشيحانية ، وقامت أعداد كبيرة من اليهود
بالإعداد لوصول الماشيح ، وبدأت الإشاعات تدور عن جيش يهودي جرار يجرى إعداده في
الجزيرة العربية ليخرج منها ويفتح فلسطين .
في هذا المناخ ، ظهر
شبتاي تسفي . ويبدو أن حياته النفسية لم تكن سوية ، مثله مثل حياة يعقوب فرانك
الماشيح الدجال الذي جاء بعده ، فقد كان محباً للعزلة ، كثير الاغتسال وإلتعطر ،
حتى أن أصدقاءه الشبان كانوا يعرفونه برائحته الزكية . وكان يظهر عليه ما يسمى في
علم النفس بالسيكلوثاميا ، وهي حالة نشاط وهيجان بالغين يعقبها انقباض وقنوط ، وقد
صاحبته هذه الحالة حتى الليام الأخيرة من حياته . وكثيرا ما كان شبتاي يتغنى
بالأشعار وينشد المزامير في حالة نشاطه . وحيث أنه تلقى تعليما دينيا تلموديا
كاملا ، فإنه لم يتهمه أحد قط بالجهل . وتزوج شبتاي من فتاة بولندية يهودية حسناء
تدعى سارة تربت في منزل أحد النبلاء البولنديين إذ يبدو أن أباها كان من يهود
الأرندا ، أي وكيلا ماليا للنبيل في منطقة أوكرانيا ، ويبدو أنها كانت سيئة السمعة
من الناحية الأخلاقية ، (وهناك من يرى أنها كانت عاهرة) . وحينما نشبت انتفاضة
شميلنكي التي اكتسحت الإقطاع البولندي في أوكرانيا، كما اكتسحت وكلاء النبلاء
الإقطاعيين، كان أبواها من ضحاياها . وقد قابلهاتسفي في القاهرة ، أوربا سمع عنها
، فأرسل إليها وتزوجها . وقد أعلنت سارة أنها عروس الماشيح . وكانت الشائعات عنها
تسري في أوساط أتباع شبتاي تسفي . وقام تسفي بخرق الشريعة عامدا عام ١٦٤٨ ، فأعلن
أنه الماشيح ، ونطق باسم يهوه (الأمر الذي تحرمه الشريعة اليهودية) ، وأعلن بطلان
كافة النواميس والشريعة المكتوبة والشفوية . ولتأكيد مشيحانيته ، طلب أن تزف
التوراة إليه ، فهي عروس الإله . وقد رفض الحاخامات الاعتراف به ، فطرد من أزمير .
وقد تنقل تسفي في
الأعوام
العشرة التالية في مدن اليونان ، فذهب إلى سالونيكا وغيرها ، وقضى بضعة أشهر في
إستنبول . وقام بخرق الشريعة مرة أخرى في هاتين المدينتين، إذ نظم أدعية أو
ابتهالات تتلى في الصلوات للإله ليحلل ما حرم . وحينيا زار القاهرة ، انضم إلى
حلقة من دارسي القبالا كان من أعضائها رئيس الجماعة اليهودية ، روفائيل يوسف جلبي
، مدير خزانة الدولة. ثم رحل إلى فلسطين عام ١٦٦٢ . وقد بشر به اليهودي الإشكنازي
نيثان الغزاوي عام ١٦٦٤ ، على أنه الماشيح الصادق الموعود، وأنه ليس مجرد المسيح
بن يوسف ، وإنما هو المسيح بن داود ذاته. وأعلن نيثان أنه هو نفسه النبي المرسل من
هذا الماشيح، وكتب عدة رسائل لأعضاء الجماعات اليهودية يخبرهم فيها بمقدم الماشيح
الذي سيجمع الشرارات الإلهية التي تبعثرت في أثناء عملية الخلق ، والذي سيستولى
على العرش العثماني ويخلع السلطان (وهذه من الأفكار الأساسية للقبالاه اللوريانية)
.
وقد
دخل شبتاي القدس في مايو عام ١٦٦٥ ، وأعلن أنه المتصرف الوحيد في مصير العالم كله
، وركب فرسا (كما هو متوقع من الماشيح) وطاف مدينة القدس سبع مرات هو وأتباعه، وقد
عارضه الحاخامات وأخرجوه من المدينة. ولكن تسفي أعلن عام ١٦٦٦ أنه سيذهب لى تركيا
ويخلع السلطان . وقد زاد ذلك من حدة التوقعات المشيحانية بين يهود أوربا وزاد من
حماسهم. وقد وصلت الأنباءإلى لندن وأمستردام وهامبورج. وصارت الجماهير اليهودية
تحمل بيارق الماشيح في بولندا وروسيا . ومما يجدر ذكره أن أهم مؤسسة تهودية في
العالم آنذاك ، وهي مجلس البلاد الأربعة، اكتسحتها الحمى المشيحانية فأرسلت
مندوبين عنها للحديث معه وللاعتراف به (ولم تصدر هذه المؤسسة قراراً بطرده إلا عام
١٦٧٠ بعد تردد طويل) . بل إن بعض الأوساط المسيحية بدأت تؤمن بأن تسفي سيتوج ملكا
على فلسطين. وحينا حاول حاخامات أمستردام الاعتراض على رسائل تسفى وما جاءفيها،
كادت الجياهير أن تفتك بهم. ولقد باع بعض الأثرياء كل ما يملكونه استعدادا للعودة،
واستأجروا سفناً لتنقل الفقراء إلى فلسطين ، واعتقد البعض الآحر أنهم سيحملون إلى
القدس على السحاب. وسيطرت الهستريا على الجماهير، فكان أتباعه يغشى عليهم ويرونه في
رؤاهم ملكاًمتوجاً . وانقسمت كثير من الجماعات اليهودية بصورة حادة. وقد سمي
الحاخامات أتباع تسفي بأنهم الكفار (بالعبرية : كوفريم) . ولكن تسفي تمادى في
دوره، وبدأ في توزيع المالك على أتباعه، وألغى الدعاء للخليفة العثيان الذي كان
يتلى في المعبد اليهودي، ووضع بدلا من ذلك الدعاء له هو نفسه كملك على
اليهود
وكمخلص لهم . وأخذ تسفي يضفي على نفسه ألقاباًيوقع بها رسائله . ومن هذه الألقاب :
« ابن الإله البكر» و« أبوكم يسرائيل» و« أنا الرب إلهكم شبتاي تسفي» . وتوجه تسفي
إلى إستنبول في فبراير عام ١٦٦٦ حيث ألقي القبض عليه .
ويبدو أن السلطات
العثمانية التي اعتادت عدم التجانس الديني في الإمبراطورية الشاسعة ، لم تكن تريد
أية مواجهات مع أتباعه ، ولذلك تم سجنه في قلعة جاليبولي المخصصة للشخصيات المهمة
. وقد تحول السجن بالتدريج إلى بلاط ملكي لشبتاي تسفي (فكان يحتفظ بعدد كبير من الحريم
، وقد كانت له تصرفات تنم عن ميول جنسمثلية ، أي أنه كان خنشيا) . وكان يأتيه
الحجاج من كل بقاع الأزض ، وكتبت الأناشيد الدينية تسبيحابحمده ، وأعلنت أعياد
جديدة وطقوس جديدة . فألغى صيام اليوم السابع عشر من تموز من التقويم اليهودي ،
كما ألغى صيام التاسع من آب وجعله عيداً لميلاده . وقد أعلن نيثان أن التغييرات
الحادة التي تطرأ على مزاج الماشيح هي تعبير عن الصراع الدائر داخل نفسه بين قوى
الخير والشر .
وفي سبتمبر من ذلك
العام ، جاء الحاخام القبالي نحميا (من بولندا) لزيارة شبتاي ، وقضى ثلاثة أيام في
الحديث معه رفض بعدها دعواه بأنه الماشيح ، بل وأخبر السلطات التركية بأنه يحرض
على الفتنة ، فقدم للمحاكمة وخير بين الموت أو أن يعتنق الإسلام ، فأشهر إسلامه وتعلم
اللغة العربية والتركية ودرس القرآن . وأسلمت زوجته من بعده ، ثم حذا حذوه كثير من
أتباعه الذين أصبح يطلق عليهم اسم «دونمه» . ولكنه ، مع هذا ، لم يقطع الأمل في أن
يستمر في قيادة حركته، وظل كثير من أتباعه على إيانهم به ، لأن الماشيح في التصور
القبالي «سيكون خيرا من داخله ، شريرامن خارجه» ، وهذه مواصفات تنطبق على تسفي
تمام الانطباق . ويتضح هنا تأثر تسفي بتفكير يهود المارانو بشأن ضرورة أن يظهر
المرء غير ما يبطن . وقد نقل العثمانيون تسفي في نهاية الأمرإلى ألبانيا حيث مات
بوباء الكوليرا عام١٦٧٦ .
وظهور شبتاي تسفي هو
تعبير عن الأزمة العميقة التي كانت تخوضها اليهودية الحاخامية بسبب تأكل العالم
الوسيط في الغرب بل ونهايته ، وهو العالم الذي نشأت فيه اليهودية الحاخامية التي
فشلت في التعامل مع العالم الجديد . ويشبه شبتاي تسفي في هذا معاصره إسبينوزا ، فكلاهما
تعبير عن نفس الأزمة ، وكلاهما تحدى الشريعة (هالاخاه) وطرح رؤية في جوهرها علانية
تركز على هذا العالم المادي . وبينها تحداها تسفي من
الداخل،
تحداها إسبينوزا من الخارج . وكلاهما كان يؤمن بنسق حلولي يصدر عن رؤية حلولية
كونية واحدية (أخذ طايعاً دينيا عند تسفي وطابعا فلسفيا لا دينيا عند إسبينوزا) .
وتعتبر
حركة شبتاي تسفي أهم الحركات المشيحانية على الإطلاق ، فقد هزت اليهودية الحاخامية
من جذورها ، حتى لم تقم لها قائمة بعد ذلك . وانتشر أتباع تسفي في كل مكان، وانتشر
معهم الفكر الشبتأفني حتى بين بعض القيادات الحاخامية ، وذلك يتضح في المناظرة
الشبتانية الكبرى التي ظهر خلالها أن الحاخام جونيثان إيبيشويتس ، وهو من أهم
العلماء التلموديين في عصره ، كان شبتانيا . وبعد ذلك ، ظهرت الحركتان الحسيدية
والفرانكية اللتان رفضتا القيادة التقليدية التلمودية ، وأخيرا ظهرت الصهيونية
التى ورثت كثيراً من النزعات المشيحانية . وثمة رأي يذهب إلى أن تسفي بهجومه على
اليهودية الحاخامية التقليدية قد مهد الطريق للصهيونية التي ترفض القيود الدينية ،
كما ترفض الأوامر والنواهي وتعلي الذات القومية على كل شيء . كم أن توجه تسفي
للعمل على العودة الفورية إلى فلسطين يشبه ، في كثير من النواحي ، المشيحانية
الصهيونية العلانية التي ترفض الموقف الديني التقليدي الذي ينصح اليهودبالانتظار،
بل وتبادر إلى الإسراع بالنهاية ليبدأ العصر المشيحاني دون انتظار مشيئة الإله .
وقد كان تيودور هرتزل معجبا للغاية بتسفي وكان يفكر في كتابة أوبرا عنه لتمثيلها
في الدولة الصهيونية بعد إنشائها .
ويمكن
القول أن تسفي يمثل وحدة الوجود الروحية، أي أن يحل الإله في الطبيعة والتاريخ
ويظل محتفظاً باسم الألوهية ، أما إسبينوزا فهو يمثل مرحلة وحدة الوجود المادية،
حيث يصبح الإله هو قوانين الحركة ، ولكنه مع هذا كان من الدهاء بحيث أبقى اسم
الإله ولكنه قال إن الإله هو الطبيعة . ولذايشار إلى إله إسبينوزا بأنه الإله/
الطبيعة .
يهود الدونمه
«الدونمه»
كلمة تركية بمعنى «المرتدين» ، وقد أطلق هذا الاسم على جماعة يهودية تركية شبتانية
من اليهود المتخفين استقرت في سالونيكا وأشهرت إسلامها تشبها بشبتاي تسفي (الماشيح
الدجال) . فقد اعتقد كثيرون من أتباعه المؤمنين به أن ارتداده عن دينه واعتناقه
الإسلام هو تلبية لأمر خفي من الرب وتنفيذ للإرادة الإلهية ، فحذوا حذوه ، ولكنهم
ظلوا متمسكين سرا بتقاليد اليهودية. وهم يختلفون عن يهود المارانو في أنهم اعتنقوا
الإسلام طواعية دون قسر، فلم تكن الدولة العثمانية تكره أحدا على اعتناق الإسلام .
وعقيدة
الدونمه
عقيدة حلولية غنوصية متطرفة فهم يؤمنون بألوهية شبتاي تسفي ، وأنه الماشيح المنتظر
الذي أبطل الوصايا العشر وغيرها من الأوامر والنواهي . وهم يرون أن التوراة
المتداولة (توراة الخلق) فارغة من المعنى وأنه أحل محلها توراة التجليات- وهي
التوراة بعد أن أعاد تسفي تفسيرها .
وكان
مركز الجماعة في بادئ الأمر في أدرنة ثم انتقل إلى سالونيكا . ويحمل كل عضو من
أعضاء الدونمه اسمين : اسم تركي مسلم وآخر عبري يعرف به بين أعضاء مجتمعه السري .
وكانوا يعتبرون أنفسهم يهودا ، فكانوا يتدارسون التلمود مع بقية اليهود ويستفتون
الحاخامات فيما يقابلهم من مشاكل ، كما كانوا يحتفلون بجميع الأعياد اليهودية
ويقيمون شعائرهم فيها عدا شعيرة الكف عن العمل يوم السبت حتى لا يلفتوا النظر إلى
حقيقتهم . وقد أضافوا إلى الأعياد عيدا آخر اعتبروه أقدس الأعياد على الإطلاق وهو
عيد ميلاد شبتاي تسفي . ويدفن الدونمه موتاهم في مدافن خاصة بهم، ولكن كل فريق
منهم يتعبد في معبده ألخاص الذي يسمى «القهال» (الجماعة أو جماعة المصلين) ، والذي
يوجد عادة في مركز الحي الحاص بهم مخبأ عن عيون الغرباء . وكانت صلواتهم وشعائرهم
تكتب في كتب صغيرة الحجم حتى يسهل عليهم إخفاؤها ، ولهذا لم يطلع عليها أحد حتى
عام ٥ ٩٣ ١ . وكانت كتب الصلوات بالعبرية أصلا ، لكن اللادينو حلت محل العبرية
سواء في الأدب الديني أم الدنيوي ، ثم حلت التركية محل اللادينو في منتصف القرن
التاسع عشر . وقد اتهمت هذه الجماعة ، أو على الأقل إحدى فرقها ، بالاتجاهات
الإباحية وبالانحلال الخلقي والانغماس في الجنس ، وذلك بسبب تحليل الزيجات التي
حرمتها الشريعة اليهودية وبسبب الحفلات التي كانوا يقيمونها ويتبادلون في خلالها
الزوجات (وهذا أمر شائع في أوساط الجماعات الحلولية التي تسقط كل الحدود ، بمعنى
حدود الأشياء والعقاب) . وللدونمه صيغة خاصة من الوصايا العشر لا تحرم الزنى ، بل
إنها تجعل من عبارة «لا تزن» ما يشبه التوصية بأن يتحفظ الإنسان فقط في ارتكاب
الزنى وليس أن يمتنع عنه تماماً . والموعظة الطويلة التي تركها أحد زعمائهم تحتوي
على دفاع قوي عن إسقاط التحريمات الخاصة بالجنس في «توراة الخلق» . وتؤكد الموسوعة
اليهودية أنهم يعقدون احتفالات ذات طابع عربيدي داعر في عيد من أعيادهم الذي يسمى
«عيد الحمل» (٢٢ مارس/ آذار) وهو عيد بداية الربيع . وإن كان يبدو أن مثل هذه
الاحتفالات مقصورة أساساً على فرقة القنهيليه، وهي على كل حال أكبر فرق الدونمه عدداً
.
١٠١
وتنقسم
الدونمه إلى عدة فرق :
. ١
- اليعقوبلية: بعد موت تسفي، أعلنت آخر زوجاته أن روح زوجها قد حلت في أخيهايعقوب
فيلسوف (أويعقوب قويريدو، أي المحبوب) ، وأن تسفي تجسد مرة أخرى من خلاله. وقد
اعتنق أتباع يعقوب الإسلام بل وأدى هو فريضة الحج عام ١٦٩٠ ومات في أثناء عودته.
وقد تبعه ما يقرب من ثلاثياثة أسرة انقسمت عن جماعة الدونمه ككل. وقدسمي أتبع
يعفوب «اليعقوبلية» أي «اليعقوبيون» ، وهم يسمون باللادينو «أرابادوس»، أي
«الحليقون النظفاء» لأمهم يحلقون شعور رفوسهم تماما، وإن كانوا يرسلون لحاهم. وكان
الأتراك يسمونهم «الطريوشلوه» أي «لابسو الطرابيش» لأنهم كانوا يرتدون الطبرابيش.
ويضم هذا الفريق أساساأفراد من الطبقات الوسطى أو الدنيا من المتقيخ الاتراك. ومم
مندمجوذ في المجمع التكي مامأ، عل الأفل من الناحية
٢ -
الأزميرليه : وقد أطلق على بقية الدونمه اسم «الأزميرليه» ، ولكنهم ما لبثوا أن
انقسموا إلى قسمين :
(أ)
القنهيليه («قونيوسوس» باللادينو ، و«كاركاشلر» بالتركية) . وقد حدث انقسام آخر في
صفوف هؤلاء عام ١٧٠٠ حين ظهر قائد جديد هو باروخيا روسو الذي أعلن أنه تجسد جديد
لشبتاي تسفي وأعلن أتباعه أنه التجسد أو التجلي المقدس وأنه ربهم . وكان باروخيا
روسو (وكان اسمه التركي مصطفى شلبي ، كما كان يعرف باسم الحاخام باروخ فونيو) هو
أكثر الدونمه راديكالية . فقد قام بتعليم التوراة المشيحانية الخفية ، أو توراة
التجليات التي تطالب بقلب القيم ، فطالب على سبيل المثال بإيقاف العمل بالستة
وثلاثين حظرا التي وردت في التوراة والتي تعرف باسم «القاطعة» (بالعبرية :
كيريتوت) ، وقد كانت عقوبة من يخالفها هو اجتثاث الروح من جذورها وإبادتها تماماً
، بل وحولها إلى أوامروإجبة الطاعة . وقدكان ذلك يتضمن العلاقات الجنسية ، بما في
ذلك العلاقات بين المحارم . وأعضاء هذه الفرقة من الدونمه هم أساسا من الحرفيين ،
مثل الحمالين والإسكافيين والجزارين ، ويقال إن كافة الحلاقين في سالونيكا كانوا
من أتباع هذه الفرقة . وكانوا يرسلون لحاهم. ولا يحلقون شعر رأسهم (وهلا مثل جيد
على تبني جماعة وظيفية للرؤية الحلولية) . وتعد فرقتهم أكثر الفرق تطرفا نظرا
لعدميتهم الدينية. وقد قام هذا الفريق من الدونمه بنشاط تبشيري كثيف بين أعضاء
الجماعات اليهودية، وأسست جماعات تابعة له في أماكن عدة . وقد ظهرت الحركة
الفرانكية من أحد هذه الأماكن .
(ب)
قبانجي : بعد موت باروخيا ، انفصلت مجموعة أخرى سميت «قبانجي» ، وهي كلمة تركية
تعني «القدماء» أو «القائمون على حراسة الأواب» (باللادينو: «كافاليروس») ،
رفضواالاعتراف بقويريدو، كمارفضوا الطبيعة المشيحانية لباروخيا ، ولم يعترفوا إلا
بشبتاي تسفي ، وأصبح اسم «الأزميرلية» يطلق عليهم وحدهم ، وأصبحوا هم أرستقراطية
الحركة الشبتانية . وتضم هذه الفرقة المهنيين (من أطباء ومهندسين) وأصحاب المهن
الحرة وأثرياء اليهود . وهؤلاء كانوا يحلقون رؤوسهم ولا يطلقون لحاهم.
وكان
كل فريق من الدونمه يعيش بمعزل عن الآخر . وقد لعب الكثير من أعضاء الدونمه دوراً
قياديا في الثورة التركية سنة ١٩٠٩ ، خصوصاً داود بك الذي أصبح فيما بعد وزيرا
للمالية، وكان من نسل باروخيا رئيس الجياعة القنهيلية المتطرفة. ويشاع بين يهود
سالونيكا أن كمال أتاتورك نفسه كان من الدونمه .
ولا
يعرف أعداد الدونمه إلا على وجه التقريب . ويقال أن عددهم وصل إلى ما بين عشرة
آلاف وخمسة عشر ألفاً قبل الحرب العالمية الأولى . وقد تفرق شملهم على أثر اتفاقية
تبادل السكان التي وقعتها تركيا واليونان بعد الحرب عام ١٩٢٤ بسبب اضطرار أعضائها
، باعتبارهم مسلمين اسما ، إلى ترك مقرهم في سالونيكا والاستقرار في جهات متفرقة
في تركيا، خصوصا إستنبول . وقد حاولوا أن ينضموا مرة أخري إلى الجماعة اليهودية ،
ولكن طلبهم رفض لأن أولادهم يعتبرون غير شرعيين (مامزير) . وتم أخيرا إزاحة النقاب
عن سر هذه الجماعة بعد أن نجحت طويلا في إخفاء حقيقة أمرها عن المسلمين واليهود
على السواء ، فقد ظهرت وثائق ونخطوطات كشفت عن عدميتهم المتأصلة وبعدهم التام عن
الإسلام وعن اليهودية . وقد فشلت جميع المحاولات التي بذلت لإقناعهم بالهجرة إلى
إسرائيل، ولم يكن بين المهاجرين الأتراك غير أفراد قلائل من الدونمه . وثمة دلائل
تشير إلى أن القنهيليه استمرت موجودة حتى الستينيات ، وأنها لاتزال تبقي على
إطارها التنظيمى، وأن رئيس الجماعة أستاذ في جامعة إستنبول . ويبدو أن أعضاءها على
علاقة وثيقة بالحركات الماسونية في تركيا ويلعبون دوداًنشطاً في عملية علمنة تركيا،
مما يعطي الحركة الماسونية طابعاً خاصا في تركيا .
الحركة الفرانكية
تنسب
الحركة الفرانكية إلى جيكوب فرانك الذي ولد في بودوليا باسم جيكوب يهودا ليب لأسرة
متواضعة ، وكان أبوه يعمل تاجرا ومقاولا صغيرا . وقد درس فرانك في مدرسة
١٠٣
دينية
أولية خاصة (حيدر) ، ولكن يبدو أنه لم يكن على معرفة كبيرة بالتلمود، وكان يتباهى
بجهله، وبأنه رجل بسيط جاهل (بالبولندية : بروستاك) . ولبعض الوقت، عمل جيكوب
فرانك في بوخارست ، كتاجر ملابس وأحجار نفيسة ، كما عمل في وظائف أخرى عديدة أتاحت
له أن يتنقل بين مدن البلقان التابعة للدولة العثمانية في الفترة من ١٧٤٥ إلى ١٧٥٥
.
اتصل
بأتباع الحركة الشبتانية في مرحلة مبكرة من حياته ، ودرس الزوهار ، واتبع مذهب
الدونمه (طائفة الباروخيا أو اليعقوبية المتطرفة) . وقد قضى فرانك مدة طويلة من
حياته في الدولة العثمانية ، يتصرف كيهود السفارد ويتحدث اللادينو . وكان الإشكناز
يشيرون إليه باسم «فرانك» (وهي الكلمة اليديشية التي تطلق على السفارد) بما كانت
تحمله من إيحاءات تربط بينه وبين الشبتانية - ولعل هذا يعود إلى أثر القبالاه
اللوريانية ذات الأصول الإسبانية السفاردية . وقد قبل هو هذا التعريف لهويته ،
وعدل اسمه إلى جيكوب فرانك . وفي عام ١٧٥٣ ، سافر فرانك إلى سالونيكا لأول مرة ،
وتعرف على أتباع باروخيا. وسافر إلى بعض المدن العثمانية الأخرى، ثم عاد إلى
سالونيكا عام ١٧٥٥ وبدأ يتلبس دور الماشيح . وكانت حلقته تطلق عليه اسم «الحاخام
جيكوب» . وأعلن فرانك أن الروح التي كانت تسكن في شبتاي تسفي وباروخيا (اللذين كان
يشير إليهما فرانك بكلمتي «الأول» والغاني») قد تقمصته ، وأنه تجسيد جديد لها .
ضبط فرانك عام ١٧٥٦
وهو يقود إحدى الجماعات الشبتانية في طقوس ذات طابع جنسي تشبه طقوس جماعة
«اليعقوبية» ، وقبض على أتباعه ، وأطلقت السلطات سراحه ظنا منها أنه مواطن تركي.
فسافرللى تركيا ومكث فيها بعض الوقت، واعتنق الإسلام عام ١٧٥٧ ، ولكنه كان يزور
أتباعه في بودوليا سرا .
وحينيا
عاد فرانك علناً إلى بولندا، اعترف به الشبتانيون (في جاليشيا وأوكرانيا والمجر)
زعيما لهم، لكن المحكمة الدينية اليهودية (بيت دين) قررت أن ممارساته الجنسية
تتعارض مع اليهودية وكل الأديان ، وطالبت الكنيسة الكاثوليكية بالحرب ضد
الفرانكيين . لكن هذا أتى بنتيجة عكسية ، إذ أن الفرانكيين أسقطوا الواجهة
اليهودية تماماً ، وأكدوا على المعتقدات الدينية المشتركة بينهم وبين الكنيسة،
وأعلنوا أنهم معادون للتلمود، وطلبوا حماية الكنيسة التي وافقت على ذلك على أمل أن
يتنصروا بشكل جماعي. ومن خلال عدة مناظرات علنية (١٧٥٩) بين الفرانكيين
والحاخامات، حول موضوعات مثل تهمة الدم،
وعقيدة
الماشيح ، وهل المسيح عيسى بن مريم هو الماشيح الذي يرد ذكره في الكتابات الدينية
اليهودية ، وقد انتهت المناظرة بتقبل فرانك التعميد وإلتنصر حسب الطريقة المارانية
التي اقترحها فرانك ذاته ، اتضحت معالم العقيدة الفرانكية وتأثرها بالقبالاه
اللوريانية في تصور الإله وقصة الخلق ، وفي نزعتها الحلولية المتطرفة التي تصل إلى
حد الفوضوية الكاملة والعدمية التامة، وفي الدور الذي يلعبه اليهود في عملية
الخلاص.
وقد
اكتشف أمر فرانك وجماعته ، فقبض عليه وأودع السجن . وقد استمر أتباعه في تقديسه
واعتبروه الماشيح المعذب . ثم أفرجت عنه السلطات الروسية بعد التقسيم الأول
لبولندا (عام ١٧٧٢) ، ولكنها عادت وألقت القبض عليه فيما بعد . ومات فرانك عام
١٧٩٩ (ودفن في مقابر المسيحيين) دون أن يترك وراءه أعمالا مكتوبة ، ولكنه مع هذا
ترك كتابا بعنوان أقوال السيد يعد أهم مصدر لمعرفة أفكاره . وعلى أية حال ، فإن
هناك نقصا شديداً في المادة والوثائق الخاصة بالفرانكية .
ويمكن القول أن منظومة
فرانك الحلولية هي منظومة يصل الحلول فيها إلى منتهاه إذ يحل الإله في المادة
ويموت وتصبح وحدة وجود مادية كاملة ، المادة فيها مقدسة تماماً ، والإنسان فيها
إله ، ومن ثم فهي أيضاً النقطة التي تسقط فيها كل الحدود ويتساوى فيها المطلق
بالنسبي والمقدس بالمدنس والمحرم بالمباح وتنقلب القيم رأساً على عقب ويتساوي
الخير والشر والوجود والعدم ، ولذا فإن منظومة فرانك أكثر حداثة وجذرية من منظومة
نيتشه على سبيل المثال .
ويتحدد إسهام فرانك
في أنه خلص القبالا من رموزها الكونية المترابطة المركبة،
ووضعها في مصطلح شعبي مزخرف، وفي إطار أسطوري،
بل وطعمها بصور مسيحية مألوفة لدى يهود شرق أوربا الذين اختلطوا بالفلاحين السلاف
في الريف، وابتعدوا عن مراكز الدراسة التلمودية في المدن . وقد تأثر الفرانكيون
بالفرق الأرثوذكسية الروسية المنشقة- خصوصا الدوخوبور والخليستي .
وتدور العقيدة
الفرانكية حول ثالوث جديد يتكون مما يلي :
١ - الإله الخير أو الأب الطيب . وهو إله خفي يختبئ وراء ثاني
أعضاء الثالوث، ولا علاقة له بعملية الخلق أو المخلوقات ، فهو لم يخلق الكون (فلو
أنه خلق الكون لأصبح هذا الكون خالدا وخياً ، ولكانت حياة الإنسان أبدية) . وهو
مقابل الإين سوف في العقيدة القبالية. -
١٠٥
٢ - الأخ الأعظم أو الأكبر، ويسمى أيضاً «هذا
الذي يقف أمام الإله» . وهو الإله الحقيقي للعقيدة الذي يحاول العبد التقرب منه ،
ومن خلال الاقتراب منه يمكن للعابد أن يحطم هيمنة حكام العالم الثلاثة (قيصر روسيا
، والسلطان العثماني ، وحاكم إحدى القوى العظمى الأخرى ولعلها النمسا أو ألمانيا)
الذين يهيمنون على العالم ويفرضون عليه شريعة غير ملائمة .
٣-
الأم «علم اه» ، أو العذراء «بتولاه» ، أو »هي» . وهي خليط من الشخيناه (التعبير
الأنثوى عن الاله ) والعذراء مريم . والواقع أن صورة الأنثى في الثالوث الفرانكي
جعلت من العنصر الجنسي الكامن في القبالاه اللوريانية أو في الحركة الشبتانية عنصرا أكثر وضوحا . وقد استخلص الفرانكيون أن التجربة
الدينية الحقة لابد وأن تأخذ شكل ممارسة جنسية .
ولن يصل العالم إلى الخلاص إلاباكتال
الثالوث الجديد السابق.
وهذا الثالوث أقرب إلى
شخصيات المنظومة الغنوصية (الإله الخفي أو الديوس أبيسكونديتوس ، والمخلص أو
الكريستوس ، وصوفيا أو الحكمة) . وشبتاي تسفي نفسه ، حسب التصور الفرانكي ، ليس
إلا أحد تجليات الإله ، فهو تجسيد جديد للأخ الأعظم ، ولكنه تملكه الضعف وهو بعد
في منتصف الطريق ، فلم يستطع تحقيق أي شيء. ووصولاإلى الخلاص، لابدأن يظهر ماشيح
جديد يكمل الطريق ، ولابد أيضاً أن تظهر العذراء (تجسيد العنصر الأنثوي) . وحتى
يتحقق الخلاص ، ينبغي أن يسير المؤمن بالعقيدة الفرانكية في طريق جديد ثماماً ، لم
يطرقه أحد من قبل ، وهو طريق عيسو (أدوم) الذي يشار إليه في الأجاداه بلفظ «أدوم»
ويستخدم نفس اللفظ للإشارة إلى «روما» ، أي القوى الكاثوليكية . فعيسو هو رمز تدفق
الحياة الذي سيحرر الإنسان ، والحياة قوة لا تخضع لأي قانون فهي حالة سيولة كونية
ورحمية .
وقد جاء في التوراة أن يعقوب قال إنه سيزور أخاه
(تكوين ١٤/٣٣) ولكنه لم يفعل لأن الطريق كان صعباً عليه . وقد حان الوقت لأن يسير
الماشيح في ذلك الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الحقة التي تحمل كل معاني الحرية
والإباحية (ولنلاحظ هذاالارتباط بين حالة السيولة الرحمية والإباحية الجنسية وهو
أمر متكرر في الأنماط الحلولية) . فالطريق الجديد يؤدي إلى عالم لايوجدفيه قوانين
ولاحدود، عالم تم فيه التجردمن كل الشرائع والقوانين والأديان ، لكنه عالم ليس فيه
حدود (الحد بمعنى «الحاجز الذي يفصل بين شيئين»
وبمعنى
«عقوبة مقدرة وجبت على الجاني» وبمعنى «حدود الشخصية» أي هويتها) ، وتصبح العدمية
والتخريب هما طريق الخلاص . إن هذا العالم الشرير لم يخلقه الإله الخفي، وهو مادة
دنيئة يقف في وجه وصول الإنسان إلى الأخ الأعظم (ويلاحظ هنا الأثر العميق
للغنوصية) . وحتى يتم إنجاز هذا الهدف ، لابد وأن تحطم كل القوانين والتعاليم
والمارسات التي تعوق تدفق الحياة : « لقدأتيت لأحررالعالم من كل الشرائع والعادأت
الموجودة فيه . إن مهمتي هي إزالة كل شيء حتى يستطيع الإله أن يكشف عن نفسه » . ثم
تظهر العدمية الدينية بشكل أوضح في الحديث عن الطريق إلى الحياة الجديدة ، فهو
طريق جديد تماما ، وكما يقول فرانك : « أينما كان يخطوآدم ، كانت تنشأ مدينة . لكن
أينما أضع أنا قدمي ، يجب أن يدمر كل شيء ، لأني أتيت إلى هذا العالم لأدير وأبيد
» .
والطريق الجديد طريق غير مرئي، لا يكون إلا في
الخفاء . ولذا، فإنه يتعين على المؤمنين أن يرتدوا رداء عيسو (أي المسيحية) ،
فعليهم أن يتظاهروا بالتنصر . وقد عبر المؤمنون إلى الأمة اليهودية والإسلام
(الإشارة إلى شبتاي تسفي) ولم يبق سوى المسيحية . والمؤمن الحق يختبئ تحت « عبء
الصمت » يحمل الإله في قلبه الصامت فيعتنق الديانات الواحدة تلو الأخرى ويارس
شعائرها . لكن التغلب على الأديان الأخرى وتدميرها يتطلب من الفرد أن يكون صامتاً
تماماً رفادعا : «فالإنسان الذي يرغب في غزو حصن لايفعل ذلك بالكلام والإعلان ، بل
يتسلل إليه في صمت وسكون . لقد تحدث الأجداد كثيرا، لكنهم لم يفعلوا شيئا، لذلك
يجب الآن تحمل الصمت . وحينئذ ، لن يكون الفرد في حاجة إلى الدين » (ويتضح هنا أثر
يهود المارانو المتخفين) . وحينما يمارس المؤمن طقوس الديانات الأخرى دون أن يتقبل
أيا منها ، بل ويحاول أن يحطمها من الداخل ، فهو يؤسس الحرية الحقة . فالواقع أن
الديانة المنظمة على أساس مؤسسي والتي يعتنقها اليهودي المتخفي ليست سوى عباءة
يرتديها المرء كرداء يلقي به (فيما بعد) في طريقه إلى المعرفة المقدسة ، وهي
المعرفة الغنوصية بالمكان الذي تحطم فيه كل القيم التقليدية في تيار الحياة- طريق
غير مرتبط بأي قانون وإنما مرتبط بإرادة فرانك وحده . وإذا كان من الضروري الإفصاح
عن الإيمان بالمسيحية ، فإن من المحظور أن يتم الاختلاط بالمسيحيين أو يتم الزواج
منهم .
وفرانك نفسه هو تجسيد آخر للأخ الأعظم تقمصته
الروح القدس . سمى نفسه «سانتو سنيورا» ، أي «السيد المقدس» ، وروج للمفهوم
القبالي اللورياني للشر ، وهو مفهوم يرى
١٠٧
أن
الشرليس حقيقيا ، وكل شيء ، بما في ذلك الشرذاته، هوخيرأو علقت به شرارات إلهية
على الأقل . ومن هنا ، فقد أعلن فرانك أن ظهور الماشيح أضفى القداسة على كل شيء في
الحياة حتى الشر . وبهذا ، برزت فكرة « الخطيئة المقدسة» التي ترى أنه ينبغي
الوقوع في الخطيئة الكبرى حتى ينبثق عالم لا مكان فيه للخطيئة ، عالم هو الخير كله
. ولكي يصعد الإنسان، يجب عليه أن يهبط أولا : « إنني لم آت إلى هذا العالم لكي
أصعد بكم ، بل لأهبط بكم إلى قاع الهوة ، حيث لا يستطيع الإنسان أن يصعد بقوته
الذاتية » . أما النزول إلى تلك الهوة ، فهو لا يقتفي فقط ترك كل الأديان
والمعتقدات ، بل يجب أيضا اقتراف أعمال آثمة غريبة . وهذا يتطلب أن يتخلى الإنسان
عن الإحساس بذاته إلى درجة أن يصبح الوقاحة والفجور هما ما يقود إلى إصلاح الأرواح
. وقد عين فرانك اثني عشر من الإخوة أو الحواريين أو الرسل ، هم تلاميذه الأساسيون
(مثل حواريي المسيح) ، ولكنه عين أيضا اثنتي عشرة أختا كن في واقع الأمر خليلاته
(فمن الواضح أن فرانك استمر في المارسات الجنسية التي كان يارسها باروخيا) . وأعلن
أنه سيخلص العالم من كل النواميس الموجودة وسيتجاوز كل الحدود ، فقضى ببطلان
الشريعة اليهودية . وعلى الرغم من أن الإله أرسل رسلا إلى جماعة يسرائيل ، فإن
التوراة تتضمن شرائع يصعب مراعاتها وأثبتت عدم جدواها . والشريعة الحقة هي إذن
التوراة الروحية أو توراة الفيض التي أتى بها شبتاي تسفي. وشن فرانك حربا شعواء
على التلمود ، وأعلن أن الزوهار هووحده الكتاب المقدس . وكان الفرانكيون يدعون
باسم «الزوهاريين» لهذا السبب . ومع هذا ، وصلت العدمية بفرانك إلى منتهاها إذ طلب
من أتباعه التخلي عن الزوهار ذاته ، وعن كل تراث قبالى .
كانت
كل هذه الأفكار تعمل على إعداد أتباعه للتنصر الماراني الظاهري ، حيث كان لهم شرط
أساسي هو الاحتفاظ بشيء من هويتهم اليهودية العلنية كأن لا يحلقوا سوالفهم ، وأن
يرتدوا الثياب الخاصة بهم ، ويبقوا أساءهم اليهودية إلى جانب أسمائهم المسيحية
الجديدة ، وألا يأكلوا لحم الخنزير، وأن يستريحوا يوم السبت (ولعله من المفارقات
أن مثل هذه الشعائر السطحية كانت هي كل ما تبقى من اليهودية بالنسبة للبعض) . كما
طالبوا بإعطائهم رقعة أرض في شرق جاليشيا يمكن لجماعتهم أن تؤسس فيها حياتها
الجديدة ، خصوصاً وأن مسرح الخلاص في الرؤية الفرانكية هو بولندا وليس صهيون . هذا
مع وضع برنامج لتحويل اليهود إلى قطاع منتج ، كأن يعملوا بالزراعة مثلا . وقد أكد
فرانك
أهمية الجوانب العسكرية
في تنظيمه . وكان ينادي بأن يترك اليهود الكتب والدراسات
الدينية ، وأن يتحولوا
إلى شعب محارب .
وكان معظم أتباع فرانك
من الفقراء أو من اليهود الذين يشغلون وظائف هامشية أو وظائف لم يعد لها نفع .
فكان منهم الذين يعملون في تقطير الكحول ، وكان منهم أصحاب حانات وأعضاء في
الطبقات من بقايا يهود الأرندا ، وكان هؤلاء قد فقدوا علاقتهم بالمؤسسة الحاخامية
وزادت علاقتهم بالفلاحين السلاف، حتى أنهم تأثروا بفكرهم ومعتقداتهم . كما انضم
إليه عدد كبير من صغار الحاخامات الذين لم يحققوا ما كانوا يطمحون إليه من نجاح .
ومع هذا ، فقد كانت الحركة تضم غير قليل من كبار التجار الأثرياء.
وقد ظهرت الفرانكية في
الواقع تعبياًعن أزمة كان يجتازها كل من اليهود واليهودية :
١ -
أما اليهودية ، فمن المعروف أنها كانت قد وصلت ، مع انتصاف القرن الثامن عشر، إلى
طريق مسدود . فقد تحولت إلى عبادة عقلية جافة ، سيطر عليها الحاخامات بدراساتهم
التلمودية المنفصلة عن أي واقع وتمثلت فيما يشبه التمارين المنطقية . وربما كانت
العدمية الواضحة في فكر فرانك تعبياً عن الملل والسأم من هوية يهودية دينية قد
تآكلت .
٢ - وقد بدأت الدراسات القبالية تحل محل
الدراسات التلمودية، ولكن القبالاه التي سادت كانت هي القبالاه اللوريانية بنزعتها
المشيحانية المتفجرة واتجاهها الحلولي المتطرف . ولهذا ، فإنها لم تصلح كإطار
لحركة تجديد وإصلاح اجتماعية .
٣-
تعرض اليهود لهجمات شميلنكي ، ثم الهايدماك والفلاحين القوزاق ، ولهجات سكان المدن
البولندية وإلكنيسة الكاثوليكية . ولهذا ، فقد لاذوا بمنطقة كانت تتنازعها الدول
المجاورة؛ فهي تارة تابعة إلى بولندا وتارة تابعة إلى روسيا ، أو النمسا (أوكرانيا
وجاليشيا) . وكانت مقاطعة بودوليا (التي نشأت فيها الفرانكية وغيرها من الحركات)
تابعة للدولة العثمانية بعض الوقت. ولا شك في أن هذا الوضع السياسي القلق سبب
للجاهير اليهودية كثياً من الخوف وعدم الاطمئنان جعلها تبحث عن نخرج .
٤ -
بدأت الجماعات اليهودية تفقد دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والوظائف
الأخرى ، وذلك بظهور عناصر بولندية محلية أخذت تحل محلها وتضطلع بها كان اليهود
يؤدونه من وظائف ويقومون به من أدوار ، وبدأ الوضع الاقتصادي لليهود يسوء تبعا
١٠٩
لذلك .
وتنعكس الأزمة الاقتصادية للجماعة اليهودية في أزمة القهال الذي تحول للى مؤسسة
مدنية تثقلها الأعباء المالية ، كما أصبحت مسرحا للتوترات الاجتماعية بين أعضاء
الجماعة اليهودية بدلا من أن تكون مؤسسة لحلها .
٥ -
وبرغم تفاقم الأزمة ، فإنه لم تظهر فرص اقتصادية بديلة ، كما لم تظهر أشكال
اجتماعية ، داخل الجماعة اليهودية أو خارجها ، تحل لها أزمتها وتساعد أعضاءها على
الاندماج في المجتمع مرة أخرى من خلال الاضطلاع بوظيفة إنتاجية محددة توجد داخل
المجتمع ذاته لا في مسامه . ولذا ، كانت الصيغة الشبتانية المارانية صيغة ملائمة
للاندماج ولحل الأزمة . فما كان يقترحه فرانك هو تكوين جماعات يهودية مسيحية ،
تتساوى في الحقوق مع كافة المواطنين ، ويمكنها أن تذوب فيهم . وكان الهدف من هذه
الصيغة هو التقليل من آلام الانتقال ، فجماعة يهودية مسيحية تعيش داخل منطقة
زراعية مقصورة عليها يمكنها التكيف والاندماج ، وفي نهاية الأمر الانصهارفي
المجتمع الأكبر ، دون أن تضطر إلى تبني الأشكال المسيحية البولندية دفعة واحدة .
والفرانكية تشبه ، في هذا ، الربوبية والماسونية - وهما حركتان تستخدمان خطابا دينيا
يخبئ مضموناً علمانيا لتخفيف آلام الانتقال من عقيدة إلى أخرى.
٦ -
ومن أهم القضايا التي كانت تواجهها الجماعة اليهودية في أوربا ، وبولندا بالذات،
بعدها عن القرار السياسي ومناطق النفوذ ، أو ما كان يسمى بمشكلة العجز (أي انعدام
السيادة وعدم المشاركة في السلطة) . وقد حلت هذه المشكلة بالتدريج في أوربا
الغربية باندماج اليهود في المجتمع وتحولهم من عنصر تجاري نافع غريب إلى عنصر قد
يكون متميزا دينيا أوإثنيا ولكنه بدون وظيفة محددة . وبالتالي ، فقد أصبح اليهود
مواطنين أعضاء في مؤسسات صنع القرار . أما في شرق أوربا ، فقد ازدادت المشكلة
تفاقما وازداد يهود اليديشية عزلة ، خصوصاً وأن أعدادهم كانت كبيرة ، وكان يكفيهم
مجرد الانكفاء على الذات لتزداد مشكلتهم حدة . وفي الواقع ، فإن الحركات الشبتانية
المشيحانية كانت ، في أحد جوانبها، تعبيرا عن رغبة عارمة في السلطة وفي الهيمنة
عليها ، وفي حل هذه الإشكالية . ويتجلى ذلك وبشكل حاد في مطالب فرانك وفي سلوكه
حيث حاول أن يشبع هذه الرغبة (على نحو ما فعل تسفي من قبل) ، فقد طالب فرانك
بمنطقة شبه مستقلة يارس من خلالها اليهود شيئا من السلطة، كما أنه كان هو نفسه
خليطاً من الباشا التركي والنبيل البولندي ، فكان يرتدي غطاء رأس تركيا ، ويركب
مركبة يسير حولها مجموعة من
الخدم
المترجلين والراكبين تشبها بالنبلاء البولنديين . وكان التشبه بالنبلاء البولنديين
أمرا شائعا بين يهود بولندا ، بعد أن قرنوا أنفسهم بهم عشرات السنين من خلال
مؤسسات الإقطاع الاستيطاني البولندي (خصوصاً نظام الأندا) . وربما كان النظام
العسكري الذي فرضه فرانك على أتباعه تعبيرا آخر عن الرغبة في التشبه بالنبلاء
البولنديين . وظهر حب السلطة في شخصية فرانك في سلوكه الدكتاتوري الكامل مع أتباعه
، ورغبته في السيطرة عليهم تماماحتى عن طريق الجنس وغيره من الطرق، كما أنه كان
يعدأتباعه بطريقة الملوك. وحينما راقته امرأة ذات مرة ، أخبرها بأن فيها شرارة
ملكية . بل ويقال إن ما كان فرانك يرمي إليه من وراء حركته هو خلق قاعدة جماهيرية
تشكل أساساًللقوة ، وأن عملية التنصر لم تكن إلا محاولة لخلق هوية مستقلة لهذه
الجاهير عن كل من اليهود والمسيحيين حتى يمثلوا قاعدة جماهيرية له .
ومع الفرانكية ، ظهرت
الحسيدية في نفس المرحلة الزمنية وفي نفس المكان (بودوليا) جنبا إلى جنب ،
وانتشرتا بين نفس الجماهير (الفلاحون اليهود ، وأصاحب الحانات ، ومستأجرو
الامتيازات من يهود الأندا ، والوعاظ المتجولون الذين لم يكونوا أعضاء في النخبة
الدينية) . والواقع أن نقاط التشابه بينها كثيرة وعميقة . فكلتاهما تنطلقان من
القبالاه (خصوصاً اللوريانية) كإطار فكري ، وتؤكدان على أهمية التلقائية والحرية ،
وتهملان دراسة التوراة وإلتلمود (والفرانكية تعادي التلمود) ، كما أن كلتيها
تأثرتا بالنزعة الشبتانية وبكثير من أفكارها ، واتخذتا موقفا متحررا جدليا من
مشكلة الخطيئة والذنب ، كما أن كلتيهما جعلت من المنفى حالة شبه نهائية على اليهود
تقبلها . وعلى الرغم من أن الحسيدية تعبر عن حب عارم لفلسطين ، فإن الحسيديين لم
يشجعوا الهجرة إليها قط ، بل ووقفوا ضدها . أما فرانك ، فلم يكترث كثيرا بفلسطين ،
وقد تضمن برنامجه الإصلاحي (المشيحاني) تأسيس جماعة زراعية في إحدى مناطق بولندا .
وقد وقفت كل من الحركتين موقفامعاديامن المؤسسة الحاخامية .
والواقع أن كلا من الفرانكية والحسيدية تشبه
الصهيونية من بعض الوجوه ، لكن الأولى أكثر قربا إلى الصهيونية من الثانية.
فالفرانكية والصهيونية، كلتاهما، ترفضان التراث الديني اليهودي بشكل راديكالي،
وكلتاهما تحرقان الشريعة ولا تلتزمان بها، كما أن قضية السلطة أساسية بالنسبة إلى
الفريقين . وقد انتقد فرانك فكرة أن ينتظر اليهود عودتهم إلى صهيون في أخر الأيام،
ورأى فيها فكرة سلبية تماماً—وهو يتفق في ذلك مع الصهاينة.
١١١
وكذلك
، فإن الصياغة الفرانكية لدمج اليهود كجاعة تم تطبيعها (أي تنصيرها جزئيا وتحويلها
إلى شعب منتج) لا تختلف كثياً عن التصور الصهيوني الخاص بإخلاء أوربا من يهودها ،
وتجميع هؤلاء اليهود في فلسطين ، وتطبيعهم داخل إطار الدولة اليهودية التي ستندمج
في المجتمع الدولي . كما أن اهتمام فرانك بالزراعة والتنظيم العسكري له ما يناظره
في النظرية والممارسة الصهيونيتين .
ومن المعروف أنه ، بعد
وفاة فرانك ، خلفته ابنته الحسناء إيف في قيادة الجماعة، واستمرت هي الأخرى ،
مثلها مثل أبيها ، في المارسات الجنسية الشاذة (ويبدو أنها كانت على علاقة جنسية
به ، فالجياع بالمحارم هو قمة العدمية الفلسفية والرفض الكامل لأي حدود أو مطلقات)
. أما أتباعه المتنصرون ، فقد استمروا في التزاوج فيما بينهم بعض الوقت ، وأصبح
بعضهم من كبار النبلاء البولنديين ، كما انخرط كثير من أبنائهم في سلك حركة
التنوير اليهودية وفي الحركات الليبرالية والماسونية ، وكان من بينهم بعض رجالات
الثورة الفرنسية (خصوصا اليعاقبة منهم) . وهذا ولا شك ترجمة لمفهوم عبء الصمت حيث
ينخرط الفرانكي في عدة ديانات ومؤسسات بهدف تقويضها من الداخل ثم نبذها بعد ذلك .
والعدمية الفرانكية
تشبه في كثير من النواحي العدمية المتغلغلة في الفكر الغري الحديث، ولا ندري إن
كان هذا أثراً من آثار الفرانكية أم هو مجرد تماثل بنيوي . ونحن لا نستبعد أن يكون
سيجموند فرويد قد تأثر بنمط تفكير فرانك . وفي الواقع ، فإن النمط الفكري لجيكوب فرانك
يشبه إلى حد ما الفلسفة الأدبية السائدة الآن في الغرب باسم «التفكيكية» التي ترمي
إلى هدم فكرة المعنى أساسا وترى أن مهمة الناقد ليست تفسير العمل الأدبي وإنما
تفكيكه وإظهار افتقاره إلى المعنى . ويجب أن نشير إلى أن التقاليد السفاردية
العدمية بدأت بإسبينوزا وشبتاي تسفي ، ثم تبعهها في ذلك الدونمه والحركة الشبتانية
، ثم انتقلت هذه التقاليد إلى جيكوب فرانك (السفاردي) ، وأخيرا انتقلت إلى كل من
جاك دريدا وإدموند جابيس.
الفصل الثالث
فى العصراىريث
لم
يتوقف اليهود - حسب الرؤية التآمرية- عن الانضمام للحركات الهدامة في العصر الحديث
. وأهم هذه الحركات هي الماسونية، ويضيف البعض البهائية وكل العبادات الجديدة.
وسيتناول هذا الفصل هذه الحركات الهدامة!
العبادات الجديدة
«العبادات الجديدة» حركات
شبه دينية، لها شعائر مركبة وتنظيم مغلق، يرتدي أعضاؤها أحيانا أزياء خاصة مقصورة
عليهم. وتزود هذه الحركة أعضاءها بالأمن من خلال عقيدة ثابتة بسيطة تفسر الكون
وكافة الظواهر، حيث يتطلب الانتماء إلى هذه العقيدة الولاءالكامل. ومن أكثرالظواهر
التي تتهدداليهودية المعاصرة، إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على هذه العبادات
الجديدة، خصوصاًبعد أن تخلى أتباع هذه العبادات عن شعائرها الغريبة الشاذة وأصبح
أسلوب حياتهم لا يختلف عن أسلوب حياة الإنسان العادي في المجتمعات التي يعيشون في
كنفها. ومع أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية لا يزيد بأية حال على ٧٣ من سكان
الولايات المتحدة، فإن من الملاحظ أن حوللى ٢٠-٧٥٠ من أعضاء مثل هذه الحركات من
اليهود، كما أن كثيرا من قياداتها منهم. ولا يختلف الوضع في أوربا الغربية عنه في
الولايات المتحدة. ومن أهم هذه الجماعات في الولايات المتحدة الجماعة البوذية من
طراز الزن (٧٥٠ من مجموع أتباعها في سان فرانسيسكو من اليهود) وجماعة هاري كريشنا
الهندوكية (٧.١٥ من جملة أتباع الجماعة في الولايات المتحدة من اليهود) ، وهناك
أيضاًكتيسة التوحيد (يونيفيكشان تشيرش 1ع٣لا1ر0ه 21:0ع01مف2و 1) وجماعات
الإمكانية الإنسانية مثل إست 151 وينبوع
الحياة. ويمكن أن نعتبر الماسونية والبهائية من هذه العبادات الجديدة. وقد عادت
جماعات عبادة الشيطان للظهور مرة أخرى وانتظم في صفوفها كثير من أعضاء الجياعة
اليهودية. كما نشطت جماعات تبشيرية
١١٣
مسيحية
ذات ديباجات يهودية (جماعات «المسيحيون العبرانيون») تمارس نشاطها بين أعضاء
الجماعة . ومن أهم هذه الجماعات ، جماعة «يهود من أجل المسيح» التي ترى أن بوسع
اليهود أن يصبحوا مسيحيين ويهودا في ذات الوقت ، بل إن مسيحيتهم إن هي إلا مسوغ
ليهوديتهم . وهؤلاء المبشرون يجيدون استخدام الرموز اليهودية ، مثل : الخبز غير
المخمر ، واللغة العبرية ، ونجمة داود ، وشمعدان المينوراه . وهم يشيرون إلى
المسيح ومريم بأسمائها العبرية («يهوشاو» ، وامريام») ، ويسمون المسيح «الماشيح» .
كما يحاولون أن يضعوا مضمونا مسيحيا للرموز اليهودية ، ففي عيد الفصح ، على سبيل
المثال، نجد أرغفة خبز الفطير الثلاثة (متسوت) هي الثالوث المسيحي، أما نصف الرغيف
(أفيكومان) وعظمة الحمل فيرمزان للمسيح المصلوب ، والنبيذ هودمه . وقد أضافوا إلى
كل ذلك تأييد دولة إسرائيل تأييداً أعمى ، ولكنهم يضعون هذا التأييد في سياق مسيحي
. ويبدو أن ثمة إقبالا شديداً من جانب الشباب اليهودي على هذه الجماعات ، بل ويقال
أن عدد الذين تنصروا من خلال هذه الجمعية يصل إلى ثلاثين ألف يهودي .
وقد وصل نشاط هذه
العبادات إلى إسرائيل ذاتها ، فعبادة «تفي إم ٦١٧ » (اختصار لعبارة «ترانسندنتال
مديتيشان 0120101
1008 10812021 ا0 م 2112 1 1 » أي التأمل المتسامي) قد جذبت آلاف الإسرائيليين ، ولها مستوطنة تسمى
«ميجداليم» . كما أن جماعة هاري كرشنا تنوي تشييد كيبوتس .
ويبدو أن إقبال اليهود
والإسرائيليين على العبادات الجديدة هو تعبير عن ضعف العقيدة اليهودية وعن تزايد
الإحساس بالاغتراب نتيجة لتزايد معدلات الترشيد والعلمنة وتآكل الأسرة كمؤسسة
وسيطة . والعبادات الجديدة تحل محل العقيدة والأسرة في ذات الوقت ، وتقوم بعملية الوساطة
العقائدية والفعلية بين الفرد والمجتمع . كما يقبل كثير من الشباب اليهودي على
العبادات الجديدة ، لتأكيدها على الزهد ، تعبيرا عن احتجاجهم على النجاح المادي
الذي حققه أهاليهم باندماجهم في الحضارة البورجوازية الغربية ، فهو في تصورهم نجاح
خال من المعنى والمضمون الخلقي ، ويؤدي إلى الاستغراق في الحياة الحسية والاستهلاك
اللامتناهي .
ولعل التركيب الجيولوجي
التراكمي لليهودية من أهم الأسباب لإقبال الشباب اليهودي على العبادات الجديدة ،
فاليهودية تحوي طبقات مختلفة متناقضة متجاورة متعايشة لا تفاعل بينها في حين تتسم
العبادات الجديدة بأنها قاطعة محددة والانتماء إليها
يعني اكتساب هوية واضحة
. كما أن اليهودي الذي ينضم إلى عبادة جديدة يمكنه أن يجد سوابق لها في تراثه
اليهودي (فعبادة الشيطان ليست أمرا بعيدا عن التضحية لعزازيل) . ومعظم هذه
العبادات تعبر عن الحلولية إما من خلال وحدة الوجود الروحية أو من خلال أو
الحلولية بدون إله ، أي وحدة الوجود المادية وهى الحلولية التى يتوحد فيها الخالق
تماماً بالوجود المادي، فيصبح كامناً في المادة أو في ذات الإنسان . واليهودية
باعتبارها تركيباً جيولوجيا تحوي طبقة حلولية قوية تولد لدى أعضاء الجماعات
اليهودية قابلية للانخراط في صفوف هذه العبادات الجديدة . ومن أهم الأمور الأخرى
التي ساعدت على انضمام اليهود إلى هذه الجماعات ، خاصة جماعات المسيحيين
العبرانيين ، أنها لا تطلب إلى اليهودي أن يتخلى عن انتمائه أو هويته الدينية
الإثنية، الأمر الذي يجعل الأمر سهلا على الكثير من اليهود . ومن الحقائق الإحصائية
التي قد تكون لها علاقة بموضوع العبادات الجديدة أن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية
في الجمعيات السرية في العالم هو ٠ ٧٣ .
ونحن نضع الماسونية
والبهائية والموحدانية واليهودية المتمركزة حول الأنثى (بل واليهودية التجديدية
وحركة الحضارة الأخلاقية) ضمن هذه العبادات الجديدة (على الرغم من أن المراجع التي
اطلعنا عليها لا تصنفها مثل هذا التصنيف) .
الماسونية : تاريخ وعقائد
كلمة
«ماسونية» من الكلمة الإنجليزية «ميسون 002309» التي
تكتب في العربية خطاً «ماسون» . لكن الخطأ شاع ، ولاحيلة لنا من اعتماده ومسايرته
. وهي تعني «البناء» ، ثم تضاف كلمة «فري ع8٤ » بمعنى «حر»
وتعني «البناء الحر» . وقد اختلف المفسرون في تعريف أصل كلمة «حر» ، فيقال أنها
نسبة إلى «فري ستون ع20001 ع0» ، أي «الحجر السلس» . وقد ورد في نخطوطات العصور الوسطى اللاتينية
عبارة «إسكالبتور لابيدوم ليبيروروم 110610111 1111ما40 1 0 120 ا0ام0الاع5 » ، أي «ناحت الأحجار الحرة» ، ولكن بعض التفسيرات تذهب إلى أن كلمة «حر»
تجيء لتمييز ال «فري ميسون» ، أي « البناء الماهر» ، في مقابل ال «راف أور رو
ميسون 1218502
ا٢1 »٥ 11813 10» ، أي « البناء الخام غير المدرب» وثمة رأي ثالث يذهب إلى أن ال » فري
ميسون» ، هو عضو في نقابة البنائين، ولذا فهو «حر» أي أن من حقه ممارسة مهنته في
البلدية التي يتبعها بعد أن يكون قد تلقى التدريب اللازم . ويذهب رأي رابع إلى أن
كلمة «فري» إنا تشير إلى أن
١١٥
البنائين لم يكونوا
ملزمين بالاستقرار في إقطاعية أو بلدية بعينها والارتباط بها ، وإنا كانوا أحرارا
في الانتقال من مكان إلى آخر داخل المجتمع الإقطاعي . وإن صدق هذا التفسير ، فهذا
يعنى أن البنائين كانوا مثل أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب والذين كانوا يعدون
عتعماً حرا يمكنه الانتقال من بلد إلى آخر . وقد كان هذا حقا مقصورا على الفرسان
ورجال الدين.
وتعرف الماسونية بأنها مجموعة من التعاليم الأخلاقية والمنظمات الأخوية
السرية التي تمارس هذه التعاليم ، والتي تضم البنائين الأحرار والبنائين المقبولين
أو المنتسبين ، أي الأعضاء الذين لا يمارسون حرفة البناء .
وبعد أن أوردنا هذا التعريف الشائع ، فإننا
سنكتشف في التو أنه تعريف غير كاف البتة ، إذأن الماسونية ، مثل اليهودية ، تركيب
تراكمي جيولوجي مر بمراحل عدة فأصبحت عناصره تشبه الطبقات الجيولوجية التي تتراكم
الواحدة فوق الأخرى دون أي تفاعل أو تمازج . وبرغم اختلاف الطبقات ، فإنها تظل
متعايشة ومتجاورة ومتزامنة داخل نفس الإطار . ومن ثم ، فبرغم أنه توجد كلمة واحدة
أو دال واحد هو «الماسونية» يفترض فيه أنه يشير إلى ظاهرة واحدة ، فإن الماسونية
في واقع الأمر هي عدة أنساق فكرية وتنظيمية مختلفة تماما لا تنتظمها وحدة . ومشكلة
التعريف ، أي تعريف ، أنه يستخدم صيغة المفرد ، ومن ثم يفترض وحدة وتجانساً حيث لا
وحدة ولا تجانس ، ويفترض وجود مدلول وإحد للدال .
وقد قيل في محاولة التوصل إلى حد أدنى مشترك بين
كل الماسونيات أنه توجد ثلاثة عناصر تميزها . أول هذه العناصر هو وجود مراتب ثلاث
أساسية يقال لها درجات ،
وهي:
(أ) التلميذ أو الصبي (الملتحق أو المتدرب) .
(ب) زميل المهنة أو الصنعة (الرفيق) .
( ج ) البناء الأعظم أو الأستاذ (بمعنى أستاذ
في الصنعة) .
ولكن أضيف إلى هذه الدرجات الثلاث الأساسية درجة رابعة أخرى أساسية هي
«القوس المقدس الأعظم» ، ثم هناك ما يقرب من ثلاث وثلاثين درجة أخرى في بعض
المحافل (كما هو الحال في الطقس الإسكتلندي القديم) ، ويصل أحياناً عدد الدرجات
إلى بضعة آلاف .
ومادمنا نتحدث عن أشكال
التنظيم يمكن أن نضيف هنا أن من رموز الماسونية :
المثلث
، والفرجار ، والمسطرة ، والمقص ، والرافعة ، والنجمة الخماسية ، والأرقام ٣ وه و٧
(وهي رموز وطقوس تساعد على اكتشاف النور) . والوحدة الأساسية في التنظيمات
الماسونية هى المحفل أو الورشة . ويحق لكل سبعة ماسونيين أن يشكلوا محفلا ،
والمحفل يمكن أن يضم خسين عضوا . وتعقد المحافل اجتماعا دوريا كل خسة عشر يوما،
يحضره المتدربون والعرفاء والمعلمون . أما ذوو الرتب الأعلى فيجتمعون على حدة ، في
ورشات «التجويد» . ويفترض في المشاركين في الاجتماع أن يقبلوا بلباس معين : فهم
يضعون في أيديهم قفازات بيضاء ، ويزينون صدورهم بشريط عريض، ويربطون على خصورهم
مآزر صغيرة ، وقد يرتدون ثوبا أسود طويلا ، أو بزة قاتمة اللون ، أو «سموكينج» ،
بحسب تقاليد محفلهم ، وهي تقاليد غاية التعقيد والتنوع .
وتشكل
المحافل اتحادات تدين بالولا والطاعة لأحد المحافل الكبرى . ففي فرنسا ،
على
سبيل المثال، خسة محافل رئيسية كبرى، وهي : محفل الشرق الكبير، ومحفل فرنسا الكبير
، والمحفل الوطني الفرنسي الكبير ، والاتحاد الفرنسي للحقوق الإنسانية ، ومحفل
فرنسا الكبير للنساء . وتعقد المحافل الكبرى جمعيات عمومية يتخللها تقييم العمل
الذي تم إنجازه ورسم خطط العمل للمستقبل . وبعد عرض هذه الأشكال التنظيمية والطقوس
والرموز ، يمكننا القول أن تنوعها يجعلها غير صالحة كأساس تصنيفي للاسونية .
أما
العنصر الثاني الذي يقال أنه يميز الماسونية عن غيرها من الحركات ، فهو الإيان
بالحرية والمساواة والإنسانية . ولكن كثيرا من المحافل اتخذت مواقف عنصرية ،
فالمحافل الألمانية والإسكندنافية رفضت السماح لأعضاء الجماعات اليهودية بالانضمام
إليها ، والمحافل الأمريكية رفضت انضمام الزنوج . كم لم تنجح المحافل الماسونية في
تجاوز الحدود القومية الضيقة . ففي أثناء الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال ،
استبعدت المحافل البريطانية الأعضاء من أصل ألماني أو نمساوي أو مجري أو تركي .
أما
العنصر الثالث، وهوالعنصرالربوبي، أي الإيمان بالخالق بدون حاجة إلى وحي، فإن محفل
الشرق الأعظم في فرنسا رفض هذا الحد الأدنى تماماً عام ٨٧٧ ا ، وترك لكل عضوأن
يحدد بنفسه موقفه من هذه القضية ، وتم التأكيد على « التقوى الطبيعية» بدلا من «
الإيمان الحق» ، أي أن الماسونية الفرنسية تبنت صيغة علانية كاملة مؤسسة على الفكر
الهيوماني أو الإنساني العلماني .
وحتى
نصل إلى تعريف دقيق مركب ، فإننا لابد وأن نأخذ في الاعتبار هذه الخاصية التراكمية
الجيولوجية ، فندرس الطبقات الجيولوجية في تراكمها الواحدة فوق الأخرى ، والتي أدت
في نهاية الأمرإلى ظهور الماسونيات المختلفة وصفاتها المتنوعة . ويجب أن نؤكد
ابتداء أننا يجب أن نلزم الحذر في تحديد المستوى التعميمي والتخصيصي . فعلى الرغم
من أن الماسونية حركة بدأت في أوربا (في العالم الغربي) إلا أنها انتشرت في العالم
بأسره . ورغم انتشارها هذا إلا أنها لم تصبح حركة عالمية ، إذ لا يوجد نمط واحد
للتطور ، فالماسونية في الغرب مختلفة عنها في العالم الثالث . وهي في إيطاليا
مختلفة عنها في أمريكا اللاتينية . وكما سنبين أن الحركات الماسونية المختلفة خدمت
دولها ولذا قامت الحركات الماسونية البريطانية بخدمة الاستعمار البريطاني وقامت
الحركة الماسونية الفرنسية بخدمة الاستعمار الفرنسي (ولذا نشب صراع بين الحركتين)
.
تعود
جذور الماسونية إلى جماعات أو نقابات الحرفيين في العصور الوسطى الإقطاعية في
الغرب ، وهي جماعات كانت منظمة تنظيما صارماً شبه ديني ، فكان لكل نقابة طقوسها
الخاصة ورموزها الخفية وقسمها السري وأسرار المهنة التي تحاول كل جماعة الحفاظ
عليها . وهذه كلها أدوات لها وظيفة اجتماعية في غاية الأهمية إذأنه ، مع غياب
المؤسسات التعليمية ، كان يتم توريث المعلومات ، والخبرات المختلفة الحيوية
اللازمة لاستمرار المجتمع ، من خلال نقابات الحرفيين . وبدون هذه العملية ، لم يكن
ممكنا للمجتمع أن يحقق أي استمرار . وكانت جماعات البنائين من أقوى الجماعات
الحرفية ، ذلك أن العصور الوسطى كانت هي العصر الذهبي لبناء الكاتدرائيات والأديرة
وإلمقابر . وكان البناءون يعيشون على أجرهم وحده ، على عكس الحرفيين الآخرين، مثل
النساجين والحدادين الذين كانوا يتقاضون من زبائنهم مقابلا عينيا من خلال نظام
المقايضة ، أي أن البنائين (مثل أعضاء الجياعات اليهودية) كانوا جزءا من اقتصاد
نقدي في مجتمع زراعي . كما أن البنائين كانوا أحرارا تماما في حركتهم . فقد كان
الحداد ، مثلا ، يقوم بعمله في مكان ثابت ويقوم على خدمة جماعة بعينها ، أما
البناء فكان عليه الانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن عمل . ولذا، يمكن القول إن
البنائين كانوا من أكثر القطاعات حركية في المجتمع الوسيط في الغرب . وكان على
البنائين أن يجدوا إطاراً تنظيميا يتلاءم مع حركيتهم ، فالنقابات الحرفية بتنظيمها
المألوف كانت ملائمة للحرفيين الثابتين . أما بالنسبة للبنائين ، فكان لإبد من
ابتداع إطار حركي خاص بهم . ومن هنا كانت فكرة البناء الذي يقال له بالإنجليزية :
«لودج ع41005 أي «المحفل» . والمحفل هو عبارة
عن كوخ يبنى من الطين
أو
مادة بناء أخرى يسهل إزالتها بعد الانتهاء من عملية البناء . وكان المحفل هو
المكان الذي يلتقي فيه البناءون حيث يتبادلون المعلومات ، ويعتبرون عن شكواهم
وضيقهم من أحوال العمل، ويتبادلون الأخباربل والمشروبات . كماكان بوسعهم النوم في
المحفل وقت الظهيرة . وكان العضو الجديد من جماعة البنائين يذهب إلى المحفل
لمقابلة أبناء حرفته ، ومن هنا ظهرت فكرة السرية والرمزية ، إذ كان لإبد وأن يتوصل
هؤلاء البناءون إلى لغة أو شفرة خاصة بهم لايفهمها سواهم ولا يمكن لصاحب العمل أو
غير المشتغلين بحرفة البناء فهمها . وقد أخذت الشفرة شكل عبارات خاصة وطرق معينة
في المصافحة وإشارات بالأيدي الهدف منها أن يتمكن البناء من التفريق بين أبناء
حرفته الحقيقيين الذين تلقوا التدريب اللازم وينتمون إلى نقابة الحرفيين وبين
الدخلاء على الحرفة . وقد التزم البناءون بمجموعة من الواجبات ضمها ما يسمى «كتب
الواجبات» أو كتب التعليمات أو الدساتير، ومن أهمها مخطوط ريجيوس الذي يعود إلى
عام ١٣٩٠ . وتذكر كتب الواجبات أنه يتعين على البناء مساعدة زملائه وعدم ذمهم ،
وعليه تعليم المبتدئين منهم ، كما أن عليه عدم إيواء الدخلاء . وتتحدث كتب
الواجبات كذلك عن الأصول التاريخية أو الأسطورية لحرفة البناء التى يرجعون بها إلى
مصر وإلى بناء هيكل سليمان . وثمة قصص أخرى وردت في هذه الكتب عن «الأربعة
المتوجين» ، وهم أربعة بنأئين مسيحيين قتلهم الرومان وأصبحوا شهداء ، ومن ثم فقد
كان هؤلاء هم قديسو البنائين .
وقد
ظلت نقابات البنائين مزدهرة حتى عصر النهضة في الغرب في القرن السادس عشر، وهو
أيضاًعصر الإصلاح الديني ، حين توقفت حركة بناء الكاتدرائيات وغيرها من المبافي
الدينية الكاثوليكية . ولكن ذلك تزامن مع ظهور الدولة القومية المطلقة التي قامت
بتأسيس مشاريع عمرانية ضخمة تحت إشرافها كسلطة مركزية ، ومن ثم بدأت الدعائم التي
تستند إليها نقابات البنائين في الاهتزاز ، شأنها في هذا شأن كثير من الجماعات
الحرفية والمؤسسات الإقطاعية الأخرى وبدأت في التحول إلى جماعات خيرية أو جماعات
تضامن تحاول أن توفر لأعضائها بعض الطمأنينة النفسية وشيئاً من الأمن الاقتصادي .
ومع تناقص العضوية ، بدأت النقابات تقبل في صفوفها أعضاء شرفيين ليحافظوا على
الأعداد اللازمة ، ومن هنا بدأ التمييز بين البنائين العاملين أو الأحرار ، أي
الذين يعملون بالحرفة فعلا ، والبنائين المقبولين أو الرمزيين . وظهرت الماسونية
الرمزية أو التأملية أو النظرية أو الفلسفية التي حلت محل الماسونية الفعلية ،
بحيث تحول البناء وأدواته من وظيفة إلى رمز . ولكن ، لم يكن البناء وأدواته المصدر
الوحيد للرموز الماسونية ، فكما أسلفنا كان هناك
١١٩
سليمان وهيكله ، وهو
يعتبر البناء الأول ، وهيكله هو رمز الكمال الذي يطمح أن يصل إليه كل البنائين أو
الماسون . ويبدو أن بعض رموز الملكية المقدسة في الدولة العبرانية وجدت طريقها إلى
الشعائر وإلرموز الماسونية . وكان هناك رموز مسيحية كثيرة مأخوذة من تقاليد جماعات
الفرسان التي انتشرت في أوربا في العصور الوسطى ، والتي يعود أصل معظمها إلى حروب
الفرنجة والاستعمار الاستيطاني للفرنجة في فلسطين ، مثل جماعة فرسان الهيكل
(الداوية) وجماعة فرسان الإسعاف (الإسبتارية) وغيرهما . كما يحتل يوحنا المعمدان
ويوحنا الرسول مكانا خاصا ، وقد أسلفنا الإشارة إلى الأربعة المتوجين .
وقد
يكون من المفيد (أو لعله من الطريف) أن نتوقف قليلا عند أحد الأصول المفترضة
للحركة الماسونية وفكرها حسب بعض مؤرخيها ، وهي بعض الجماعات الإسلامية (أو شبه
الإسلامية) ، مثل : الدروز ، والطائفة الإسماعيلية ، وجماعة الحشاشين . ويرى هؤلاء
المؤرخون أن الحركة الماسونية استمدت بعض أفكارها ورموزها وطريقة تنظيمها من هذه
الجماعات . فشيخ الجبل ، رتيس جماعة الحشاشين ، الذي يمسك كل الخيوط بيديه لا
يختلف كثيرا عن رئيس المحفل ، وطريقة العمل السرية وتجنيد الأعضاء الجدد وفكرة
الدرجات التي تتبعها الحركة الماسونية لا تختلف كثياً عن طريقة العمل والتجنيد في
هذه الجماعات . بل وتذهب بعض المراجع إلى أن جماعة فرسان الهيكل التي اتخذت الحركة
الماسونية كثيرامن رموزهارموزاًلهاهي في الواقع الأصلي الحقيقي للحركة الماسونية،
وأن فرسان الهيكل هؤلا الذين بدأوا نشاطهم في فلسطين إبان حروب الفرنجة ، ثم انتقل
نشاطهم إلى أوربا واستمر بعد سقوط كل جيوب الفرنجة في فلسطين ، وهؤلاء الفرسان هم
في واقع الأمر مسلمون أو متأثرون بالفكر الديني الإسلامي، وأنهم كانوا يحاولون من
خلال تنظيمهم السري / العلني أن يسيطروا على العالم المسيحي . ومن المعروف أن
جماعة فرسان الهيكل كانت تكون شبكة ضخمة في معظم أرجاء أوربا وأنه كان يتبعها
مجموعة من المحاربين / الرهبان (الذين تأثروا بفكرة الجهاد الإسلامية) ومجموعة من
المؤسسات المالية الضخمة ذات نفوذ قوي. وقد تم ضرب فرسان الهيكل في فرنسا وفي كافة
أنحاء أوربا وقيموا لمحاكم التفتيش. وكانت إحدى التهم الموجهة إليهم هو رففهم
لألوهية المسيح وتأثرهم العميق بالفكر الديني الإسلامي وتبشيرهم به، وقد اعترف بعض
الفرسان بالتهم الموجهة إليهم. ويبدو أن فرسان الهيكل قد تأثروا بالفكر الإسلامي
أو المثل الإسلامية إبان وجودهم في الشرق الأوسط الإسلامي، كما أنهم تعاونوا
بالفعل مع جماعة الحشاشين ودبروا معهم بعض المؤامرات. مهاكان الأمر فإن بعض
المؤرخين يذهبون إلى أن بعض فرسان
الهيكل قدموا إلى
إسكتلندا حيث أسسوا الحركة الماسونية للسيطرة على أوربا بعد أن تم ضريهم . وقد
استطردنا في الحديث عن فرسان الهيكل والإسلام لنبين مدى تشابك أصول الماسونية
وتركيبيتها .
وقد اختلطت فلسفة
البنائين بالفلسفة الهرمسية السائدة في عصر النهضة في إنجلترا ، وهي فلسفة غنوصية
ذات طابع أفلاطوفي حديث ارتبطت بهرميس تريسميجيستوس ، وهو شخصية رمزية أساسية في
الفكر الغنوصى حيث كان يعد نبيا قبل المسيحية ، وكان يعد رسول الآلهة للبشر ويحمل
المعرفة الخفية الباطنية (الغنوص) . كما اختلطت فلسفة البنائين بالحركة
الروزيكروشيانية (بالإنجليزية : روزيكروشيان ل5:8ل11مف102 نسبة إلى روز
ع705
بمعنى وردة وكروس 088 ء أي صليب)
التي ورد أول ذكر لها في القرن السابع عشر ، وهي جماعة غنوصية تدعي أنها تمتلك
الحكمة الخفية عند القدماء . وقد أدى تداخل رموز البنائين وأسرارهم مع الفلسفة
الهرمسية والروزيكروشيانية ، إلى أن سقطت تماماًالقيمة الوظيفية لحرفة البناء ،
وأدواتها (الفرجار والذراع والبوصلة والمثلث والمثزر والمزولة) واكتسبت قيمة رمزية
، فتحول ميزان البنائين (على سبيل المثال) إلى رمز العدالة ، وتحول الفادن (وهو
خيط رفيع في طرفه قطعة من الرصاص تمتحن به استقامة ألجدار) للى رمز استقامة الحياة
وأفعال الإنسان .
وهكذا تشكلت الطبيعة
الجيولوجية المركبة لرموز الماسونية التي ضمت رموزا من الديانات المصرية القديمة ،
كما ضمت كلمات عبرية بتأثير من القبالا التى دخل كثير من أفكارها على الماسونية .
والواقع أن اختلاط فكر البنائين بالفلسفة الهرمسية والروزيكروشيانية يصلح مؤشرا
على اتجاه الماسونية . فهذه الفلسفات ، برغم شكلها الصوفي ، كانت جزءاً من الثورة
العلمانية( الشاملة ) الكبرى التي تفجرت في الغرب في القرن السادس عشر ، والتي
كانت تهدف إلى إزاحة الخالق من الكون أو وضعه في مكان هامشي ووضع الإنسان في
المركز بدلا منه ، على أن يقوم الإنسان بالتحكم الكامل في الكون عن طريق اكتشاف
قوانين الطبيعة الهندسية والآلية . وهي ، بهذا ، غنوصية جديدة تهدف إلى التحكم في
الكون ، لا من خلال المعرفة الخفية وإنامن خلال الصيغ العلمية . وعلى كل ، كانت
المعرفة الخفية تأخذ ، في كثير من الأحيان ، شكل صيغ رقمية أقرب إلى المعادلات
الجبرية.
وفي
العصور الوسطى ، كان الوجدان الشعبي يرى أن مثال الغنوصية هو الدكتور فاوستوس الذي
باع روحه للشيطان في سبيل المعرفة الكاملة . وفاوستوس هو بطل التفكير
١٢١
العلمي
، تنسب إليه النزعة الفاوستية التي تسم الفكر العلمي والثوري . وربا تكون مركزية
رموز آلات البناء تعبي عن النسق الهندسي والآلي الكامن في الماسونية ، وعن رغبة
التحكم في كل من الذات الإنسانية والكون من خلال صيغ رياضية (ولعل المقارنة هنا مع
فلسفة إسبينوزا وطموحه نحو لغة رياضية هندسية دقيقة مقارنة لها دلالة عميقة) .
لا
يمكن ، إذن، فهم الماسونية إلا بوضعها في هذا السياق الفكري . وكما يعرف دارسو
تاريخ أوربا ، فإنه بعد ظهور فكر عصر النهضة ولد فكر عصر العقل والاستنارة
والإيمان بالقانون الطبيعي . والعلمانية (الشاملة) هي نزع القداسة عن العالم
(الإنسان والطبيعة) والإيان بفعالية القانون الطبيعي في كافة مجالات الحياة
الطبيعية والإنسانية وإنكار أي غيب ، وإلا لما أمكن التحكم في الكون (الإنسان
والطبيعة) وتوظيفه واستخدامه وتحويله إلى مادة استعمالية . وقد انعكس هذا في فكرة
الإنسان الطبيعي (العقلاني) أو الأمي ، وهو إنسان عام لا يتميز عن أي إنسان آخر ،
صفاته الأساسية عامة أما صفاته الخاصة فلا أهمية لها ، وهو إنسان عقلاني إن أعمل
عقله بما فيه الكفاية لتوصل إلى نفس الحقائق التي يتوصل إليها الآخرون - بغض النظر
عن الزمان والمكان . ومن ثم ، يمكن لهذا الإنسان أن يصل إلى فكرة الخالق بعقله بدون
حاجة إلى وحي إلهي أو معجزات ، أي دون الحاجة إلى دين مرسل ، أي أن الإنسان
الطبيعى العقلاني العالمى (الأمي) يمكنه أن يتوصل بعقله إلى الإيان بدين طبيعي
عقلاني عالمي.
ويمكن
القول إن الدين الطبيعي، أو «الربوبية» كما كانت تدعى، هو تعبير عن معدل منخفض من
العلمنة أو تعبير عن علمانية جنينية، فهي تستجيب لحاجة أولئك الذين فقدوا إييانهم
التقليدى بالدين ولكنهم لايزالون غير قادرين على تقبل عالم اختفى منه الخالق
تماماً ، أي أنهم بشر جردوا العالم من الدين والقداسة واليقين المعرفي والأخلاقى
ولكنهم احتفظوا بفكرة الخالق في صيغة باهتة لا شخصية ، حتي لا يصبح العالم فراغاً
كاملا.
والفكر
الربوبي لا يطالب من يؤمن به أن يتنكر لدينه، إذ أن المطلوب هو أن يعيد المؤمن
تأسيس عقيدته، لاعلى الوحي وإنماعلى قيم عقلية مجردة منفصلة تماما عن أي غيب ، أي
منفصلة عن الأنساق الدينية المألوفة للتفكير . فالربوبية، في واقع الأمر ، هي
فلسفة علمانية تستخدم خطابا دينيا، أوديباجات دينية، للدفاع عن العقل المادي
المحض، وعن الرؤية التجريبية المادية . ومن ثم، فهي وسيلة من وسائل علمنة العقل
الإنساني.
في هذا الإطار الفكري
والفلسفي والديني ، ولدت الماسونية . وقد تم تأسيس أربعة محافل متفرقة في إنجلترا
في القرن السابع عشر ، جمعها كلها محفل واحد مركزي تأسس عام ١٧١٧ مع بدايات عصر
العقل وحركة الاستنارة . ويعد هذا التاريخ هو تاريخ بدء الحركة الماسونية ، وقد سمح
لليهود الالتحاق بها عام ٢ ٧٣ ١ . ودخلت الحركة الماسونية فرنسا عام ١٧٢٥ ،
وإيطاليا عام ١٧٣٣ ، وألمانيا عام ١٧٣٣ .
وإن أردنا تلخيص فكر أولى
الماسونيات التي نقابلها ، ولنسمها «الماسونية العقلانية» أو «الماسونية الربوبية»
، لقلنا إنها تنادي بتوحيد كل البشر من خلال العقل ، كما تنادي بإسقاط الدين مع
الاحتفاظ بالخالق خشية الفوضى الفلسفية الشاملة . ولذا ، فقد جاء في تعريف
الماسوني أنه « ذكر بالغ يلتزم بالنسق الديني الذي يوافق عليه جميع البشر » . وهذا
هو الإيمان بالخالق أو الكائن الأسمى (مهندس الكون الأعظم) ، أو الإيان بالجوهر
العقلي للدين والذي يمكن للعقل أن يصل إليه . وبوسع العضو أن يحتفظ لنفسه بأي آراء
دينية خاصة أخرى ، على أن يعلن عن تسامحه لكل الأديان وعن إييأنه بأبوة الرب وأخوة
البشر وخلود الروح. وقد جاء في الدستور الماسوني لعام ٣ ٧٣ ١ الصادر في إنجلترا أن
الماسوني « لا يمكن أن يكون كافراً غبيا أو يكون فاسقا غير متدين » وعليه أن يحترم
السلطات المدنية ولا يشترك في الحركات السياسية . ومن أهداف الماسونية الأساسية هو
ما يسمى «اليقظة الأخلاقية عن طريق العلم» وهي عبارة قد تبدو بريئة ولكنها تعبير
عن منظومة عقلانية مادية لاتزال متلبسة ديباجات أخلاقية وروحية . وتدعو الماسونية
إلى مجموعة من الصفات العامة التي لا تغير كثباً من هذه البنية الفكرية التحتية ،
فهي تدعو إلى وحدة البشرعلى أساس الإخاء والمحبة والمساواة ، والعون المشترك وخدمة
الغير وحسن معاملتهم ، وحب الجماعة وتبادل المصالح والتحلي بالفضائل المدنية ، أى
الفضائل التي يتسم بها المواطن الذي ينتمي إلى الدولة القومية (في مقابل الفضائل
الدينية لدى الإنسان المتدين الذي ينتمي إلى الكنيسة ويؤمن بعقيدة منزلة) . كما
تقدس الماسونية الملكية الخاصة . وليس للاسونية هدف غهائي محدد ، وإن كان ثمة هدف
فهو عام غير محدد ، وهو أن يكون العالم في النهاية في اتحاد أخوي وإلهي (ولعلنا
نلاحظ هنا النموذج الحلولي الواحدي الكامن) .
ويمكننا أن نقول إن
الماسونية الربوبية هي ماسونية الفكر المركنتالي والدولة المطلقة ، وماسونية
الطبقات الأرستقراطية التي احتضنت الطبقات الوسطى الصاعدة باعتبارها قوة
تستخدمها وتوظفها لصالح
الدولة القومية المطلقة دون أن تسلمها صولجان الحكم والقيادة. وقد اكتشف الإنسان
الغربي ، منذ عصر نهضته ، بعد ظهور ماكيافيللي وهوبز وفكرة القانون الطبيعي وضعف
الإطار المسيحي التقليدي وانكماش سلطة الكنيسة الدنيوية، أن المطلق الوحيد هو الدولة
وأن مصلحتها العليا هى المطلق الأخلاقى الأسمى. ومثل هذه الفلسفة تضع الخالق
والغيب في موضع هامثي ، بل والأهم من هذا أها تعلمن الإنسان وتجعله يستبطن هذه
القيمة المطلقة حتى يخضع لإرادة الدولة بدلا من إرادة الخالق ٠لكن كل هذايتم داخل
إطارعقلانى هادئ يشجع على تطويع الإنسان وتطبيعه. والدولة المطلقة هي إطار يضم
كافة الطبقات تحت قيادة هذه أو تلك الملكية المطلقة، أو أي ملكية أخرى في مواجهة
الكنيسة التي كانت لا تزال تحاول الحفاظ على سلطاغها الدنيوي. ومن ثم، نجدأن أعضاء
الأستقراطية انضموا إلى الحركات الماسونية، فقد انضم إليها ملكا بروسيا فريدريك
الثاني وفريدريك الثالث، وملوك شبه جزيرة إسكندنافيا، وملك النمسا جوزيف الثاني،
ونابليون وأفراد عائلته، وأعضاء الطبقة الوسطى الذين يطمحون إلى شيء من الحراك
الاجتماعي. ويمكن تفسير انضمام أعضاء الأسرة المالكة الإنجليزية وأعضاء الأرستقراطية
إلى الجماعات الماسونية من نفس المنظور. وكان كثير ممن يطلق عليهم «مثقفو الطبقة
الوسطى الصاعدة» من الماسونيين. كما يمكن أن نذكر من أعضائها فولتير ومونتسكيو
والأنسيكلوبيديين (الموسوعيين) ، وفخته وجوته وهردر ولسنج وموتسارت، وأعضاء
الجمعية الملكية في إنجلتا، وجورج وإشنطن، وماتزيني وغاريبالدي.
وفي
عشية الثورة الفرنسية، كان يوجد في فرنسا نحو خهسمائة محفل ماسوني. كايقال إن أكثر
من نصف أعضاء الجمعية العمومية في فرنسا، عشية الشورة، كانوا من الماسونيين. ولكن
يجب ملاحظة أن معظم الماسونيين في فرنسا في تلك المرحلة لم يكونوا من غلاة
الثوريين (الجمهوريين) بل كانوا من دعاة الإصلاح بلا ثورة. ولذلك، فقد هاجر كثير
منهم من فرنسا بعد تصاعد حمى الثورة، أو سقطت رؤوس بعضهم ضحايا المد الشوري (ويمكن
أن نخص بالذكر مارا ودانتون ميرابو ولافاييت باعنبارهم من قادة الثورة الفرنسية من
الماسونيين) .
ويمكن
القول إن الماسونيين كانوا من أعضاء طبقات أو فئات هامشية تود أن تحقق شيئا من
الحراك والمركزية، أوكانوا أعضاء هامشين أو فئات هامشية في طبقات مركزية
ويودون
أن يحققوا قدداً من الحراك من خلال الانضمام إلى تجمع أكبر ، أو كانوا من أعضاء
الأرستقراطية الذين أرادوا أن يستخدموا القوة الماسونية وأن يوظفوها لصالحهم
الشخصي أو لصالح الدولة المطلقة . وربا يعود شيوع الماسونية في القرن الثامن
عشرإلى سببين أساسيين : أولها ، شيوع الفلسفات العقلانية المعادية للكنيسة
والطبقات الإقطاعية . ولكن هذه الفلسفات لم تكن بعدثورية أو إلحادية ، فقدكانت
تعبر عن مصالح الطبقة الوسطى الصاعدة وعن رؤيتها التجارية المادية العلانية
الشاملة للكون ، بدون أن تعلن صراحة عن ماديتها أو علمانيتها إذ أنها كانت أضعف من
أن تفعل ذلك . أما السبب الثاني، فهو عدم تجانس رموز الحركة الماسونية ، الأمر
الذي لعب دورا حيويا في زيادة مقدرتها التعبوية على مستوى كل الطبقات . وقد كانت
الماسونية ديموقراطية تقوم بتجنيد أعضائها من كافة الطبقات ، ولكنها كانت في ذات الوقت
أرستقراطية يترأسها الملك وأعضاء النخبة ، وتأخذ شكلا هرميا جامداً . وكانت
ليبرالية تدعو إلى الأخوة والمساواة ، ولكنها كانت في ذات الوقت محافظة تدعوإلى
عدم التعرض للسلطات الحكومية أو الخوض في الأمور السياسية . وكانت الماسونية في
تلك المرحلة حركة إيمانية ربوبية ، ولكنها كانت تحوي داخلها كل معالم التفكير
الإلحادي الذي يسقط الإله تماماً . وكانت عقلانية ذات رموز صوفية ، وتضم
أفكاراًعالمية ومحلية . وربما جعلتها هذه الصيغة الإسفنجية تحقق هذا النجاح الباهر
وتجعلها واحدة من أهم مؤسسات العلمنة في العالم ، فهي تستخدم ديباجات دينية ضبابية
لتحقيق أهداف علانية .
ولكن
الماسونية هي بنت محيطها الحضاري التاريخي والجغرافي (فلا يوجد كما أسلفنا نسق
عالمي واحد ينطبق على الماسونيين في كل زمان ومكان) ، فقد كانت ألمانية في ألمانيا
وإنجليزية في إنجلترا وفرنسية في فرنسا . ولذا ، فقد تغيرت هي ذاتها مع تغير أوربا
. كما نجد أن تصاعد قوى الطبقة الوسطى ومعدلات العلمانية والإلحاد قد انعكس على
الفكر الماسوني وتنظيماته ، فاكتسب كثير من المحافل الماسونية مضموناًثوريا،
خصوصاًني البلاد الكاثوليكية والأثوذكسية ، وأصبحت هي الأداة الكبرى في الحرب ضد
الكنيسة ، وفي المطالبة بفصل الدين عن الدولة . هذا على عكس المحافل الماسونية في
البلاد البروتستانتية حيث ظلت معتدلة تدور داخل إطار ربوبي .
وفي
هذا الإطار الجديد ، ظهرت الماسونية الثانية التي تتخذ موقفا إلحاديا أكثر صراحة،
وبدلا من العقلانية الربوبية شبه المادية التي تستخدم ديباجات أخلاقية وروحية تسقط
١٢٥
الماسونية
تدريييا كل هذه الديباجات وتدور تماماً في إطار العقلانية المادية الكاملة ، فقرر محفل
الشرق الأعظم في فرنسا عام ٨٧٧ ١ استبعاد أي بقايا إيانية من الفكر الماسوني .
وظهرت محافل ذات طابع ثوري مثل النورانيين (إليوميناتي) في بافاريا ، وقبلها
المارتينيست في فرنسا ، وكانت المحافل الماسونية في روسيا القيصرية (الأرثوذكسية)
خلايا ثورية ، وكان معظم أعضاء ثورة الديسمبريين من الماسونيين .
ويلاحظ
أن الماسونية الثانية ، وهي ثورية إلحادية ، تنتشر في البلاد الكاثوليكية
والأرثوذكسية ، أي البلاد التي توجد فيها كنيسة قوية تقف ضد الفلسفات العقلانية
البورجوازية والثورية العمالية . كما يلاحظ أن المحافل الماسونية في هذه البلاد ،
كما هو الحال في أمريكا اللاتينية ، تتسم بثوريتها وعدائها للكنيسة والكهنوت ، كما
تتسم بارتباطها الواضح بالفلسفة الوضعية التي تجعل العلم هو الأساس الوحيد للقيمة
والأخلاق، فالتقدم الأخلاقي يتم تحقيقه من خلال التقدم العلمي ، والمنفعة
الإنسانية ككل هي غهضة علمية (ولهذا لوحظ أن عددا كبيرا من دعاة الفكر الوضعي في
فرنسا وروسيا والعالم الثالث أعضاء في المحافل الماسونية) . كما أن الكنيسة ،
بدورها ، تناصب الحركة الماسونية العداء . وبمرور الزمن ، أصبحت المحافل الماسونية
تضم ، من ناحية الأساس ، عناصر البورجوازية والطبقة الوسطى ، ولم يعد ينضم إليها
أي مفكرين ، كما اختفى منها كذلك أعضاء الأستقراطية . وبرغم كل هذا ، فإن عضوية
المحافل الماسونية ظلت ، من ناحية الأساس ، مقصورة على العناصر البورجوازية
المعتدلة التي ترفض الدخول في أي مغامرات سياسية ، والتي تود أن تعيش في عالم
علاني عقلاني ولكنها لا تريد مواجهة النتائج الفلسفية الناجمة عن ذلك ، وربما يفسر
هذا سر تصدي البلاشفة للجاعات الماسونية وحظرهم إياها ، وتصدي هتلر وموسوليني
أيضاً لهم وتجريم الجمعيات الماسونية . فالبلاشفة والفاشيون والنازيون هم راديكاليون
، وإذا كان البلاشفة راديكاليون عقلانيون ماديون فالفاشيون والنازيون راديكاليين
لا عقلانيين ماديين ، ويطمحون إلى التحكم الكامل في الدولة وجماهيرها ، ولذا
فالاعتدال أو التراخي الماسوني يشكل تحدياً لسلطتهم . كما أن الجيب الماسوني يتمتع
بقدر من الاستقلال بل والسرية ، فهو يمثل جماعة مصالح لها شعائرها وطقوسها ،
والدول العلمانية الشمولية المطلقة لا تتحمل وجود مثل هذه الجيوب داخلها .
وقد انتشرت الماسونية
في البلاد البروتستانتية لأن البروتستانتية هي شكل من أشكال علمنة المسيحية
الكاثوليكية ، كما أن معدلات العلمانية مرتفعة فيها . فقد انتشرت بسرعة
في
الجزر البريطانية بسبب عدم وجود كنيسة مسيطرة على جوانب الحياة ، وبسبب انخراط
الطبقة الحاكمة في صفوف الماسونية . وقد انتشرت الماسونية مع اتساع الإمبراطورية
الإنجليزية ، فانتقلت إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ومصر وفلسطين والهند
وغيرها من المستعمرات أو المحميات . وقد احتفظت الحركة الماسونية بطابع هادئ مهادن
داخل التشكيل البروتستانتي .
ولكن الماسونية البريطانية لم تكن هي الماسونية
الوحيدة التي انتشرت في المستعمرات ، إذ أن الصراع الإمبريالي على العالم انعكس من
خلال صراع بين الحركات والمحافل الماسونية، فكان كل محفل ماسوني يخدم مصلحة بلد
ويمثله - تماما كما حدث صراع بين المبشرين البروتستانت والمبشرين الكاثوليك الذين
كانوا يمثلون مصالح بلادهم . ويبدو أن بعض الشخصيات المهمة في العالم العربي أرادت
أن تستفيدمن هذا الصراع ، خصوصا وأن أعضاء هذه المحافل كانوا من الأجانب ذوي
الحقوق والامتيازات الخاصة المقصورة عليهم . فكان الدعاة المحليون ينخرطون في هذه
المحافل بغية توظيفها في خدمة أهدافهم، وحتى يتمتعوا بالمزايا الممنوحة لهم . وكان
من بين هؤلاء الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والأمير عبد القادر
الجزائري . ولعل هذه الشخصيات الدينية والوطنية حذت حذو ماتزيني وغاريبالدي
وغيرهما ممن حاولوا الاستفادة من أي أطر تنظيمية قائمة . ولنا أن نلاحظ أن
الأفغاني قد ا كتشف حقيقة الماسونية في وقت مبكر ، وتوصل إلى الأسس العلانية التي
يقوم عليها خطابها الديني، ومن ثم ناهض هذه الأفكار في كتابه الرد على الدهريين .
أما عبد القادر الجزائري فلا توجد تفاصيل حول علاقته بالماسونية ، وإن كان قد حاول
إيجاد أطر تنظيمية وتأسيسية لحركته مع الاستفادة من أسلوب التنظيمات الماسونية .
وقد انضم إلى الحركة الماسونية أحد أبناء محمد علي باشا وكانت له مطالب في عرش
مصر، وقد كان أستاذاً أعظم لمحفل الشرق الأعظم المصري ، وتبعه في ذلك عدد من أعضاء
الأسرة المالكة . كما انضم إلى الحركة الماسونية شخصيات أخرى ، مثل سعد زغلول
ويوسف وهبي . ولكن ارتباط أمثالها بالحركة الماسونية كان واهيا للغاية ولا يعدو
قبولهم ذكر أسمائهم ضمن قائمة الأعضاء أو حضور اجتاع يعقد على شرفهم دون أي إدراك
من جانبهم للتضمينات الفلسفية وراء الفكر الماسوني . كما أن الحركة الماسونية ظلت
في مصر وغيرها ضعيفة تضم في صفوفها الأجانب أساسا .
ويمكننا الآن طرح
قضيتين هامتين هما : النفوذ السياسي والاقتصادي للاسونية ، وسرية تنظيماتها ، وهما
عنصران مترابطان تمام الترابط . فالحركات الماسونية تتركز في بلاد
١٢٧
غربية
متقدمة تحكمها حكومات مركزية قوية ، وتخضع فيها كافة الحركات السياسية والاجتماعية
للمراقبة، وإلا لما أمكنها تسيير دفة الحكم. ولا يمكن في الحقيقة تصور وجود حركات
ضخمة لها قوة فعالة لا تخضع للإطار العام الذي تفرضه مثل هذه الدول المركزية
الرشيدة، فعملية التنبؤ والتخطيط تتطلب مثل هذا التحكم ومثل هذه المعرفة .
والمحافل الماسونية تخضع لهذا القانون العام ، ولم يكن من الممكن أن تشكل استثناء
له . لكن هذا لا يمنع ، بطبيعة الحال ، من تسلل بعض العناصر المغامرة إلى بعض
المحافل لتوظيفها بشكل أو بآخر، من خلال شبكة اتصالاتها ، في الاحتيال أو الأعمال
الإجرامية . وهذا هو بالضبط ما تفعله ، على سبيل المثال ، عصابات المافيا (الجريمة
المنظمة) مع الجهاز التنفيذي في الولايات المتحدة ، إذ تستأجر كبار المحامين
وتشتري القضاة وتجند ضباط الشرطة ، أي تقوم بتوظيف الجهاز الذي أسس لمكافحتها
والقضاء عليها لتنفيذ أهدافها الإجرامية ، وكل هذا لا يعني وجود مؤامرة مافياوية
للاستيلاء على العالم . وكذلك الجياعات الماسونية ، فهى إذا ما تحولت إلى قوة ضغط
(لوي) ، فإنها لا تختلف كثير عن مراكز الضغط الأخرى داخل النظام السياسي
والاقتصادي . وإن أخذ نشاطها شكلا تآمريا أو إجراميافي بلد ما ، فلايصح تعميم مثل
هذه الوقائع وافتراض وجود مثل هذا النشاط على مستوى العالم بأسره .
وقد
وصفت الولايات المتحدة بأنها ديموقراطية جماعات الضغط . ولابد وأن المحافل
الماسونية تشكل إحدى هذه الجماعات التي تعمل داخل النظام ، فهذا هو المتوقع منها ،
وهذا هو « قانون اللعبة» . ولا يمكن في هذا السياق أن نتحدث عن مؤامرة خفية أو
علنية . ومن الناحية النظرية ، يمكن أن نقول أن المحافل الماسونية بوسعها أن تمارس
ضغوطا ضخمة في العالم الثالث نظرا لضعف جهاز الدولة المركزي . ولكن ، بحسب ما هو
متوفر لدينا من معلومات ، لاتوجد حكومة في العالم الثالث سقطت في يد اللوبي
الماسوني . ولكن لوحظ إنه قد بدأ يظهر تحالف بين بعض المحافل الماسونية وعصابات
المافيا في إيطاليا في العالم الأول، وقد بدأوا في السيطرة على بعض المؤسسات
المالية الشرعية لييارسوا نشاطهم غير الشرعي وراء ستار . كما أن الماسونية تلعب
دورا تآمريا ملحوظا في بلد مثل تركيا حيث يمارس يهود الدونمه نشاطهم من خلال المحافل
الماسونية . ويقال إن الماسونية لها أيضأ دور متميز في بلد مثل المملكة الأردنية
الهامشية . ولا توجد سلطة ماسونية مركزية على مستوى العالم ، بل ويختلف تركيب
الحركة من بلد إلى آخر ، فلا توجد على سبيل المثال سلطة ماسونية مركزية في أمريكا
أو كندا إذ أن التنظيم الفيدرالي في هاتين الدولتين انعكس
على
شكل تركيب الحركة الماسونية ، على عكس الوضع في إنجلترا وفرنسا ، حيث يوجد حكومة
مركزية قوية ومن ثم محفل مركزي قوي.
أما
بالنسبة إلى سرية المحافل ، فهذا أمر مركب أيضاً ، فالجمعيات الماسونية سرية بمعنى
أن طقوسها وبعض الإشارات الأخرى فيها سرية، ومن ينضم إلى الحركة يقسم على ألا
يكشفها (وهذا ميراث العصور الوسطى) . ولا تسمح الحركة الماسونية لأي شخص بالانضمام
إليها ، وإنا يتم تجنيد الأعضاء عن طريق توصية أحد الأعضاء العاملين . والحركة الماسونية
لا تختلف في هذا عن كثير من النوادي الخاصة وغيرها من المؤسسات . كما أن المحافل
تخفي بعض الطقوس عن الأعضاء الجدد إلى حين التأكد من ولائهم . وما عدا ذلك ، فلا
يوجد أي شيء سري ، إذ يتم تأسيس المحافل الماسونية بموافقة السلطات ، وكل
اجتماعاتها معروفة سلفا لدى هذه السلطات ، كما أن أعضاء المحافل معروفون في أغلب
الأحيان لدى الحكومة . والمحافل الماسونية لا تخفي وجودها أو أهدافها أو عملها .
وحينما صدر قانون حظر منع الجمعيات السرية في إنجلترا عام ١٧٩٨ ، استثنيت المحافل
الماسونية من ذلك . ويمكن لأي باحث أن يطالع أرشيف محفل الشرق الأعظم في فرنسا .
كما أن كثيرا من المحافل الماسونية تقدم مضابط اجتماعاتها إلى السلطات الحكومية .
ولكن ، مع هذا ، تضطربعض المحافل الماسونية إلى
إخفاءأساء أعضائهاخوفا من السلطات الحكومية في البلاد التي تلعب فيها هذه المحافل
دورا انقلابيا . ولابد أن نضيف هنا أن المحافل الماسونية تم إغلاقها في مصر لأنها
رفضت أن تخضع لتفتيش وزارة الشئون الاجتماعية نظرا لأن هذا يتعارض مع ما تتطلبه
الحركة من سرية وكتان بخصوص الطقوس. ورغم أن هذا هو رأينا ، إلا أننا نود أن ننبه
إلى أن نموذجنا التفسيري يترك قدرا لا يستهان به من الحوادث والوقائع دون تفسيره .
فعلى سبيل المثال ، من المعروف أن عدداً كبيرا من رؤساء الجمهورية في الولايات
المتحدة (بما في ذلك جورج واشنطن) كانوا من الماسونيين . كما لوحظ أن عددا كبيرا
من قادة الثورة الفرنسية- كما أسلفنا-كانوا أيضا من الماسونيين . والواقع أن هناك
شخصيات هامة في كثير من الحكومات الغربية (في المعسكر الرأسمالي) أو الحكومات
الشرقية (في المعسكر الاشتراكي) كانوا أعضاء في المحافل الماسونية، ولكن عضويتها
تظل طي الكتمان . كما أن بعض الجرائم تشير إلى وجود شبكة مأسونية ، ولكن الوصول
إلى الحقائق مازال في حاجة إلى مزيد من البحث الذكي
١٢٩
والموضوعى
(ويمكن أن نقول نفس الشى عن نوادي الروتاري والليونز، التي يثار حولها لغط شديد في
مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي ، دون أن يكون هناك شواهد متعينة ، تشكل أساسا
لمثل هذا اللغط) .
والآن يبلغ عدد الماسونيين في العالم نحو ٩ ه
مليوناً ، منهم أربعة ملايين في الولايات المتحدة ومليون في إنجلترا . فإن أضفنا
عدد الماسونيين في كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا ، فإننا نجد أن
الماسونية منتشرة أساساً في البلاد البروتستانتية ، خصوصا الاستيطانية ، وهذا أمر
متوقع إذ أنها نشأت أساساًني المحيط البروتستانتي ، شأنها شأن كثير من الحركات
السياسية والفكرية المعاصرة- كالصهيونية والعلمانية والنازية . وقد لوحظ مؤخرا
تناقص عدد الماسونيين في العالم بشكل ملحوظ (ولذا ، فقد تكون الأقام التي أتينا
بها غير دقيقة . وقد ورد في أحد المصادر أن العدد الآن لا يتجاوز الثلاثة ملايين).
والماسونية هي جزء من التشكيل الحضاري الغربي
بعد الثورة العلانية (الشاملة) الكبرى وتعبير عن تلك الثورة . و«الماسونية الأولى»
(ماسونية عصر الملكيات المطلقة) هى تعبير عن المراحل الأولى للعلمانية ، تماماًكعا
أن الماسونية الثانية تعبير عن تصاعد معدلات العلمنة . ويمكننا أن نقول كذلك إنه ،
مع تحقيق أهداف الثورة العلمانية في معظم بلاد العالم الغربي ، فقدت الماسونية
دورها الثوري بوصفها إحدى مؤسسات العلمنة واكتسبت مضمونا آخر . وبالفعل ، بدأت
المحافل الماسونية تتحول إلى ما يشبه النوادي التي تضم أعضاء لهم مصلحة مشتركة وتشكل
إطاراً يتبادل داخله الأعضاء الخدمات - شأنها في هذا شأن كثير من مؤسسات المجتمعات
الغربية التي يقال لها متقدمة . ويمكن أن نطلق على هذا الضري من الماسونية اسم
«الماسونية الثالثة» .
أما في الولايات المتحدة ، فقد بدأت تظهر محافل
ذات طابع اجتماعي ترفيهي، وهي محافل ليس لها وضع مقنن داخل التنظيمات الماسونية،
وإن كان كثير من أعضائها من الماسونيين . ومن هذه المحافل «الطريقة العربية
القديمة لنبلاء الحرم الصوفي» ، ويقال لهم «الحرميون» ، و«الطريقة الصوفية لأنبياء
المملكة المسحورة الملثمين» . وبدأت بعض هذه المحافل تسمح للنساء بالانضمام إليها
، كما أسست محافل للفتيان والفتيات . وتمنع المحافل الماسونية البريطانية أعضاءها
من الالتحاق بأي من محافل الترفيه هذه ، إذ أنها تعد نوعا من الابتذال . وهذا النوع
من الماسونية السوقية أو الماسونية المتأمركة أو ماسونية عصر الاستهلاك وما بعد
الحداثة هو «الماسونية الرابعة» .
قد
يكون من الهام جداً ، حين نحاول تحديد علاقة الماسونية باليهود واليهودية، أن نؤكد
مرة أخرى الفرق بين أعضاء الجماعات اليهودية الخاضعين لحركيات الحضارات المختلفة
التي ينتمون إليها واليهودية كنسق ديني أو حتى كتشكيل جيولوجي . وقد يقول قائل إن
الماسونية حركة لا علاقة لها بالدين بالمعنى الدقيق للكلمة باعتبارها حركة أخلاقية
أخوية وحسب . فالدين هو علاقة بالخالق تأخذ شكل الإيمان به وعبادته ، أما الأخلاق
فهي نسق من الأفكار ينظم علاقة الإنسان بالإنسان لا بالخالق ، ومن ثم فالماسونية
تتعامل مع رقعة من الوجود الإنساني تختلف عن تلك التي يتعامل معها الدين . ولكن
كلا من التعريفين السابقين للأخلاق والدين قاصر ، فالدين هو إيان الإنسان بالإله ،
(المطلق - الغيب) كعقيدة تترجم نفسها إلى سلوك وإلى علاقة بين الإنسان والإنسان.
ولكن الدين ليس فقط عبادات وإنما معاملات أيضاً . وإلأخلاق بدورها ليست مجرد
مجموعة من القواعد الخارجية التي تحدد سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان ، وإنا هي
مجموعة من القواعد تستند إلى معنى داخلي يعتمد على رؤية للكون - ومن هنا التداخل
بين الدين والأخلاق ، وكذلك التداخل بين الماسونية والدين .
وقد
بينا أن الماسونية بدأت كدعوة ربوبية ، فهي نسق فكري ديني متكامل يستند إلى العقل
( المادى ) وحسب لاإلى العقل والغيب معا ، يحددعلاقة الإنسان بالخالق وبالطبيعة
وبطرق المعرفة. وتطرح الماسونية أمام تابعيها طرق الخلاص وتتكفل بتعليم مريديها
السلوك الأسمى ، وتزودهم بأساس فلسفي للأخلاق التي يؤمنون بها ، فضلا عن أن
اجتماعاتها تبدأ وتنتهي بصلاة . ولذا ، كان لابد وأن تصطدم الماسونية بالأديان
كلها : المسيحية الكاثوليكية ، والبروتستانتية ، وإليهودية الأرثوذكسية وريثة
اليهودية ألحاخامية . وكانت المسيحية الكاثوليكية هي أكثر الديانات في عدائها
للمأسونية ، فقد أعلن البابا كلمنت الثاني عشر عام ٨ ٧٣ ١ أن الماسونية كنيسة (أي
ديانة) وثنية غير مقدسة (وهو في تصورنا وصف دقيق لها) ، ولم يسمح للكاثوليك
بالانضمام إليها . أما الكنائس البروتستانتية ، فبعضها فقط ناصبتها العداء . وأما
اليهودية الأثوذكسية، فهي تحرم على اليهود الانضمام إلى المحافل الماسونية، وتعتبر
من ينضم إليها خارجاًعلى الدين، هذا على خلاف الصيغ اليهودية المخففة مثل اليهودية
الإصلاحية كما سنبين فيها بعد .
ويمكننا الآن أن نتناول
علاقة الماسونية بأعضاء الجماعات اليهودية . وسوف تكون الصورة هنا أكثر تركيبا
وتنوعا واختلاطا . وكما أشرنا ، تشكل الماسونية دعوة ربوبية رخوة تعددية تستند إلى
العقل ، وهي تطرح على المؤمن بها عقيدة متكاملة، ولكنها لا تطلب إليه أن يتخلى عن
عقيدته الأصلية ، ولذا كان من الممكن لكافة أعضاء الديانات الانضمام إليها دون أن
يضطروا إلى نبذ دينهم (وقد كان هناك محفل ديني في الصين يستخدم الإنجيل والقرآن
وكتابات كونفوشيوس ككتب مقدسة) .
وقد ظهرت الماسونية في
وقت كانت فيه اليهودية الحاخامية قد بدأت تدخل مرحلة أزمتها التي أودت بها في
غهاية الأمر. فالفكر القبالي كان قد حل محل التلمود وقوض اليهودية من الداخل . كما
أن شبتاي تسفي من جهة، وإسبينوزا من جهة أخرى، كانا قد شنا هجومهما الشرس في منتصف
القرن السابع عشرعلى اليهودية من ناحيتي اليمين واليسار. وكان يهود البلاط والعنصر
السفاردي قد حلا محل القيادة الحاخامية التقليدية . كل هذا ، جعل الثورة العلمانية
الشاملة تترك أعمق الأثر على بعض أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا قد بدأوا
يضيقون ذرعاً باليهودية وأخذوا يبحثون عن مخرج لهم منها، فظهرت بينهم حركة التنوير
واليهودية الإصلاحية . وقد حل بعضهم أزمته بأن تنصر . ولكن الانتقال إلى المعسكر
المسيحي أمر صعب من الناحية المضمونية والتعبيرية ، فعقيدة مثل التثليث ، أو رمز
مثل الصليب ، أمور من الصعب على كثير من اليهود تقبلها .
وقد حلت الماسونية
مشكلة هؤلاء اليهود الذين اغتربوا عن يهوديتهم، والذين ازدادت معدلات العلمنة
بينهم ، والذين كانوا يريدون الاندماج في مجتمع الأغيار ولكنهم لا يريدون التنصر.
وكان ظهور الحركة الماسونية علامة على أن مجتمع الأغيار قد بدأ يفتح ذراعيه لهم ،
وأصبحت المحافل الماسونية هي الأرضية الروحية والفعلية التي يمكن لأعضاء الجياعات
اليهودية اللقاء فيها مع قطاعات مجتمع الأغلبية . وقد كانت هذه الأزضية تتسم بقسط
معقول من الحيادية ، فمع أنه كان هناك رموز ذات أصل مسيحي ، ومع أن الفكر الماسوني
احتفظ ببعض الأفكار المسيحية ، فقد كان هناك رموز ذات مضمون عقلاني عام
(رموزالبناء) وهي رموزعامة ومحايدة . وماذايمكن أن يكون أكثر حياداًمن أدوات
الهندسة التي يستخدمها البناء ؟ بل كان هناك رموز يهودية أيضاً : سليمان والهيكل
وكلات عبرية . كما كان هناك رموز كونية عامة يمكن أن يشارك أعضاء الجماعات
اليهودية فيها. ولكن الأهم من كل هذا أنه لم يكن مطلوبا منهم اعتناق دين جديد أو
رفض دينهم القديم، فكل ما كان مطلوبا منهم هو إزاحته جانباً أو تهميشه وإعادة
تأسيس عقيدتهم
على
العقل لا الغيب . ولذا ، انخرط اليهود بأعداد متزايدة في صفوف الماسونية . ويلاحظ
أن أول الماسونيين بين اليهود كانوا من السفارد ، إذ أن معدلات العلمنة كانت
مرتفعة بين العنصر السفاردي . ثم بدأت تنخرط في سلك المحافل الماسونية عناصر
يهودية أخرى تزايدت بينها معدلات العلمنة ، مثل : أتباع اليهودية الإصلاحية ،
وبقايا العناصر الشبتانية ، واليهود الذي تأثروا بالقبالاه . ولذا ، يجب أن نؤكد
أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين انضموا إلى المحافل بأعداد متزايدة فعلوا ذلك لا
بسبب يهوديتهم أو عقيدتهم ، وإنما بالرغم منها . بل إن انخراطهم في المحافل
الماسونية تمثل بالنسبة لبعض اليهود صياغة دينية مخففة تساعدهم على التخلص من
هويتهم الدينية بدون إحساس بالحرج من عدم وجود إيان ديني على الإطلاق.
وقد برز اليهود في
الحركة الماسونية ، خصوصاً ني إنجلترا حيث التحقوا بالحركة في عام ١٧٣٢ ، وأسس أول
محفل ماسوني ييودي عام ٩٣ ١٧ . أما في فرنسا ، فقد أصبح السياسي الفرنسي اليهودي
أدولف كريمييه (١٨٦٩) البناء الأعظم للمحفل الأكبر على الطريقة الإسكتلندية . وكان
هناك كثير من مؤسسي المحافل الماسونية التي كان ينضم إليها أعضاء الطبقة الوسطى
المعادون للكنيسة الكاثوليكية . ولكن لم تكن الصورة واحدة في كل البلاد ، ففي شبه
جزيرة إسكندنافيا ، وكذلك في ألمانيا ، ظلت مشاركة اليهود في الحركة الماسونية
مسألة خلافية ، وقد سمح (حتى عام ٠ ٨٧ ١ ) لعدد صغير جدا من اليهود بالانخراط في
سلك الحركة . وكانت بعض المحافل تقبل اليهود ولكن داخل إطار ألماني مسيحي. فمحفل
الإخوة الآسيويين ، الذي أسس في فيينا خلال عامي ١٧٨٠ و١٧٨١^ كان ضمن طقوسه أكل
لحم الخنزير باللبن . وكما هو معروف ، فإن لحم الخنزير محرم على اليهود ، وكذلك
فإن خلط اللحم باللبن محرم عليهم أيضاً .
وقد تزايد طلب اليهود
على الانخراط في المحافل الماسونية في ألمانيا ، وقامت دعوة بين الماسونيين
الألمان تطالب بقبول اليهود كأعضاء في الحركة . لكن هذه الدعوة لم تنل تأييد زعامة
الحركة ، وقد تحول بعض يهود ألمانيا إلى الماسونية في أثناء رحلاتهم في إنجلترا
وهولندا ، وخصوصا في فرنسا ما بعد الثورة . وقد تأسست في ألمانيا نفسها محافل
فرنسية ومحافل بمبادرة فرنسية ، وأسس يهود فرانكفورت عام ١٨٠٨ محفل «الفجر الوليد»
بتصريح من منظمة الشرق الأعظم . ولا شك في أن مثل هذه المحافل الفرنسية اليهودية
زادت من عداء الماسونيين الألمان لليهود . ومن ثم ، ظهرت دساتير ماسونية تستبعد
اليهود بشكل خاص . ولكن بعض المثقفين الماسونيين الألمان قاموا في ثلاثينيات القرن
بالاحتجاج
١٣٣
على
استبعاد اليهود، وانضم إليهم في احتجاجهم هذا ماسونيو إنجلترا وهولندا والولايات
المتحدة . وقد اكتسحت ثورة ١٨٤٨ بعض الفقرات التي تستبعد اليهود ، واعترفت المحافل
المسيحية في فرانكفورت بالمحافل اليهودية . وقد كانت محافل بروسيا هي الاستثناء
الوحيد حيث استمرت في استبعاد اليهود ، ولكنها بدأت مع السبعينيات تسمح بدخول
اليهود زواراً ثم أعضاء .
ولكن الموجة العنصرية
التي صاحبت الهجمة الإمبريالية على الشرق ، اكتسحت أوربا بأسرها وأخذت أشكالأ
عديدة من بينها معاداة اليهود . وتقوم بعض أدبيات معاداة اليهود بالربط بين اليهود
والماسونيين وتذهب إلى أن ثمة تعاونا سريا بين الفريقين للسيطرة على العالم ، ولتخريب
المجتمعات- وقد ترددت هذه الفكرة إبان محاكمة دريفوس . كما أن نفس هذا الموضوع
يتردد أيضآ في البروتوكولات . وقد كان الربط بين اليهود والماسونيين هو أحد أحجار
الزاوية في الدعاية النازية المضادة لليهود ، حيث كان النازيون يشيرون دائصا إلى
كريمييه باعتباره البناء الأعظم ومؤسس جمعية الأليانس اليهودية .
وغني عن القول أن مثل
هذه العلاقة التآمرية المباشرة لا وجود لها . وبحسب ما توفر لدينا من وثائق ، ليست
هناك هيئة مركزية عالمية تضم كل المحافل الماسونية . كما أن هناك يهودا معادين
للمأسونية وماسونيين معادين لليهود واليهودية . ولكن ثمة علاقة بنيوية وفعلية بين
الماسونيين وأعضاء الجماعات اليهودية تفسر انخراط اليهود بأعداد كبيرة في المحافل
الماسونية يمكن إيجازها في النقاط الثلاث التالية :
١ -
من المعروف أن الماسونيين معادون للكنيسة والكهنوت . وهذه نقطة لقاء بينهم وبين
أعضاء الجماعات اليهودية الذين فقدوا إيانهم الديني - وهم الآن أغلبية يهود العالم
. ويتصور هؤلا أن المجتمعات العلمانية تضمن لهم أمنهم وحقوقهم ، ومن ثم ينخرطون
بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية . وهذه الظاهرة يمكن رصدها في أمريكا اللاتينية
بينما يصعب رصدها في فرنسا وإنجلترا ، على سبيل المثال ، لأن الكاثوليكية في
أمريكا اللاتينية لاتزال هي الإطار المرجعي للمجتمع ، ومن ثم تأخذ محاولات العلمنة
شكلا تنظيميا محدداً مثل المحافل الماسونية . أما في إنجلتا وفرنسا ، فإن
العلمانية أصبحت الدين الرسمي للدولة ، ومن ثم تفقد المحافل الماسونية قيمتها
الوظيفية والرمزية .
٢ -
تضم المحافل الماسونية أعدادا كبيرة من العناصر المالية والتجارية والمهنية . كما
أن التركيب الوظيفي والمهني ليهود العالم يجعل أغلبيتهم الساحقة من هذه القطاعات ،
إذ لا يوجد بينهم عمال أو فلاحون، ومن ثم تزداد نسبتهم في المحافل الماسونية .
٣ -
الحركة الماسونية حركة أممية تتجاوز الولاءات القومية (كما أن إنسان عصر الاستنارة
هو إنسان أيمي) . وقدكان أعضاء الجماعات اليهودية أعضاء في جماعات وظيفية وسيطة
تقلل من الولاء للوطن وتجعل الولاء للجاعة الوظيفية أو المصالح المالية . كما أن
فترة ظهور الماسونية هي أيضأ الفترة التي بدأ فيها يهود اليديشية في الهجرة بأعداد
هائلة إلى كل أطراف العالم . والعناصر المهاجرة ليس لها ولاء قومي قوي . لكل هذا ،
نجحت المحافل الماسونية في اجتذاب أعضاء الجماعات اليهودية فتزايدت معدلات العلمنة
وضعف الانتماء القومي . ولعل في تركز اليهود في القطاعات المالية والتجارية ما
يفسر وجودهم بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية . وحينها يربط المعادون لليهود
بينهم وبين الحركة الماسونية، فإنهم محقون في ذلك ثماماً اذ أن نسبة أعضاء
الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية عادة ما يكون أعلى بمراحل من نسبتهم إلى
عدد السكان . ولكن يبدأ الخلل حينما يطرحون تصور وجود مؤامرة خفية ، والأمر كله
لايعدو أن يكون ظاهرة اجتماعية . فالخلل ليس في الوصف وإنا في التفسير .
وقد
اشترك بعض أعضاء الجماعات اليهودية في تأسيس الحركة الماسونية في الولايات المتحدة
، وثمة دلائل تشير إلى أنه كان يوجدأربعة يهود بين مؤسسي أول محفل ماسوني عام ٤ ٧٣
١ في الولايات المتحدة (مدينة سافانا في ولاية جورجيا) . ولقد اتبعت الطقوس
الماسونية في وضع حجر الأساس للمعبد اليهودي في تشارلستون (ساوث كارولينا) عام ٩٣
٧ ١ . واستمر الوجود البارز لليهود في المحافل الماسونية في القرن التاسع عشر .
وقد كتب محفل نيويورك إلى محفل برلين الأساسي يشكو من رفض المحافل الألمانية أن
تقبل أعضاء المحافل الأمريكية في صفوفها لأنهم يهود . والماسونية الأمريكية ، مثل
معظم المؤسسات الأمريكية ، تتسم بأنها لم تعرف التمييز ضد اليهود أو غيرهم من
الأقليات والطوائف البيضاء ، وقد تبنت جماعة البناي بريت اليهودية عند تأسيسها بعض
الطقوس الماسونية السرية ، ولكنها أسقطتها بعد فترة .
أما في فلسطين ، فقد تأسست محافل ماسونية بين العرب
المسلمين والمسيحيين والأجانب (المسيحيين واليهود) . وبعد إنشاء الدولة الصهيونية
، بلغ عدد المحافل الماسونية أربعة وستين محفلا سنة ٠ ٩٧ ١ ، تضم ثلاثة آلاف
وخهسيمائة عضو من اليهود وإلمسيحيين والمسلمين .
١٣٥
وقد
قامت بعض المحافل الماسونية العربية بنقد الصهيونية واشتركت بعض القيادات
الماسونية في المقاومة ضد الاستيطان الصهيوني . وعكس ذلك صحيح أيضا ، إذ رفضت بعض
المحافل الماسونية التصدي للصهيونية باعتبار أن هذا ئوعآ من العمل السياسي .
البهائية
والجاعات اليهودية
«البهائية»
عقيدة جديدة دعا إليها ميرزا حسين علي نوري (١٨١٧ - ١٨٩٢) الذي كان يلقب « بهاء
الله» . وتعود جذور هذه العقيدة إلى البابية التي أسست عام ١٨٤٤ على يد ميرزا على
محمد الشيرازي الذي نشأ في وسط باطني متصوف ، والذي أعلن أنه الباب (الطريق إلى
الله) . وذهبت البابية إلى أن ثمة نبيا أو رسولا جديدا سيرسله الله . وكانت
البهائية في بداية أمرها شكلا متطرفاً من أشكال العقيدة في الفرقة الإسماعيلية ،
ومن عقيدة الإمام الخفي الذي سيظهر ليجدد العقيدة ويقود المؤمنين .
وقد
انتشرت البابية على الرغم من تنفيذ حكم الإعدام في الباب عام ١٨٥٠ وقتل ما يزيد
على عشرين ألفا من أتباعه . وقد قام البابيون بمحاولة اغتيال الشاه، فنفى قائدهم
آنذاك ميرزا حسين علي إلى بغداد عام ١٨٥٣ . وفي عام ١٨٦٣ ، أعلن ميرزا أنه رسول
الله الذي تنبأ به الباب ، وقد أعلن عن رسالته بخطابات أرسلها إلى حكام كل من :
إيران وتركيا وروسيا وبروسيا والنمسا وإنجلترا . واعترف به أغلبية البابيين الذي
أصبحوا يسمون «البهائيين» . ونفي ميرزا حسين إلى عكا في فلسطين ، وتوفي عام ١٨٩٢
حيث تحول قبره في بهجي (أي الحديقة بالفارسية) إلى أقدس مزارات البهائيين . وقد
خلفه في قيادة الجماعة البهائية أكبر أبنائه عباس أفندي الذي سمي عبد البهاء (١٨٤٤
- ١٩٢١) والذي أصبح كذلك المفسر المعتمد لتعاليمه . وقد سافر عبد البهاء إلى عدة
بلاد لينشر تعاليم الدين الجديد من عام ١٩١٠ إلى عام ١٩١٣ . وعين أكبر أحفاده شوجي
أفندي رباني (١٨٩٦ - ١٩٥٧) خليفة له ومفسرا لتعاليمه . وقد انتشرت تعاليم البهائية
في أنحاء العالم .
وكتب
البهائية المقدسة هي كتابات بهاء الله التي كتبت بالعربية والفارسية ، مضافاً
إليها التفسيرات التي وضعها عبد البهاء وشوجي أفندي . وتتضمن هذه الكتابات التي
تزيد على المائة منها الكتاب الأقدس الذي يحوي كل مفاهيم مذهبه وكل تشريعاته ،
وكتاب الإيقان ، وهو دراسة عن طبيعة الخالق والدين ومجموعة الألواح المباركة ، و
كتاب الإشراقات والبشارات ، وكتاب الأساس الأعظم ، وله قصيدة أساهاورقائية .
وجوهر البهائية هو
الإيمان بالحلول الكامل أو بوحدة الوجود، أي توحد الخالق بمخلوقاته . فالخالق هو
جوهر واحد ليس له أسماء ولا صفات يمكن أن تصفه ولا أفعال، ولا يمكن الوصول إليه
(ولا توجد أدلة على وجوده أو غيابه مثل الإله الخفي في الفكر القبالي أو الباطني
الغنوصي) ، وهو للى حد ما يشبه القوانين الطبيعية غير الشخصية التي لا علاقة لها
بالأنساق الأخلاقية (كماهو الحال مع مفهوم الإله عند إسبينوزا) .
والخالق
واحد ليس له شريك في القوة والقدرة وهو الذي خلق الكون . ولكن هذا الكون ليس شيئا
آخر سوى تجل للخالق ، بل إنه هو ذاته الخالق (أي أن الخالق ومخلوقاته مادة واحدة
لا تنفصل ولا تتجزأ) . وقد لخصت هذه الحلولية في القول البهائي الذي ينسب إلى
الخالق : " الحق يامخلوقاتي أنكم أنا " . والبهائية، في هذا، لامختلف
كباًعن غلاة المتصوفة والباطنية ، ولا عن الفكر القبالي أو الغنوصي ، حيث لا توجد
أي مسافة أو ثغرة بين الخالق والمخلوق ، بل ثمة اتحاد وحلول وواحدية (على خلاف
التصور الإسلامي للخالق الذي يرى أن الله قريب من عباده ولكنه ليس كمثله شيء ، وهو
أقرب إلينا من حبل الوريد ولكنه لا يجري في عروقنا ولا تدركه الأصار) .
ولكن ، إذا كان الخالق هو مخلوقاته ، فالحقيقة
الدينية تصبح حقيقة نسبية وليست مطلقة لأن كل الأشياء يحل فيها الخالق وتلفحها
لفحة من القدأسة . والحقيقة تعبر عن نفسها من خلال الزمان وداخله ، ولا يختلف تجلي
الرب في أي شيء عن تجليه في أي شيء آخر . فتصبح كل الأمور مقدسة ، ومن ثم تصبح كل
الأمور متساوية . وفي نهاية الأمر ، تصبح كل الأمور نسبية ، أي أن المطلق المتجاوز
يختفي في لحظة التحام الخالق بالمخلوق . وقد شاء الخالق (وإن كان يصعب في هذا
السياق أن نتحدث عن «مشيئة الخالق» فهو لا يتجاوز مخلوقاته) أن يتجلى من خلال رسله
، مثل : براهما ، وبوذا ، وزرادشت ، وكونفوشيوس ، وإبراهيم ، وموسى وعيسى ، ومحمد
(عليه الصلاة والسلام) . وتضم القائمة الباب ثم بهاء الله الذي تظهر من خلاله صفات
الخالق بشكل أوضح وأجلى مما كانت عليه . بل إنه داخل الإطار الحلولي يكون بهاء
الله هو ذاته الخالق ، ومن ثم وجه البهائيون سهام نقدهم إلى الفكرة الإسلامية
الخاصة بأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم المرسلين ، ففي رأيهم أن كل عصر
يحتاج إلى تجل إلهي . وثمة تشابه عميق هنا بين بنية البهائية وبنية اليهودية
الحاخامية ، فكلتاهما تؤكد استمرارية الوحي الإلهي في التاريخ الإنساني أو
استمرارية الحلول الإلهي (في الحاخامات حسب النسق اليهودي ، وفي بهاء الله
حسب النسق البهائي) .
وهو تشابه سنلاحظه في جوانب أخرى من النسقين الدينيين . كما يلاحظ أن هذا التشابه
يزداد عمقا بين البهائية والقبالاه . ومن المنظور البهائي ، فإن جوهر كافة الايان
واحد . ومع هذا ، فإن كل دين له ساته الخاصة التي تجيب حاجة كل زمان ومكان وتتفق
مع المستوى الحضاري السائد . وحيث أن الخالق يكشف عن نفسه بشكل تدريبي ، فإن كل
دين سيحل محله دين آخر ، بب)ا في ذلك العقيدة البهائية ذاتها - ولكن ذلك لن يتم
قبل ألف عام.
ولكن مهمة الأديان في
هذا السياق هي خلق وحدة شاملة بين البشر تزداد اتساعا مع مرور الزمن . فإبراهيم
قام بتوحيد قبيلة ، وموسى قام بتوحيد شعب ، ومحمد (عليه الصلاة والسلام) قام
بتوحيد أمة ، أما المسيح فكان هدفه تطهير الأرواح وتحقيق قداسة الفرد ، وقد تحققت
بالفعل مهمة كل تجل إلهي . ولكن هذا لا يكفي إذ أن الحضارة - في هذا التصور- وصلت
إلى مرحلة أصبحت معها وحدة الإنسان (وبالتالي وحدة الأديان) مسألة ضرورية . وهذه
هي مهمة بهاء الله الذي ستتحقق على يديه وحدة الأديان وقداسة البشرية بأجمعها .
وخالق العالم قد خلق الإنسان من خلال حبه له ، والإنسان هو أنبل المخلوقات جميعا
خلقه الإله ليعرفه ويعبده . وهذا أمر يصعب فهمه في إطار حلولي ، فالخالق هو
المخلوق . ومن ثم، إذا عبد المخلوق الخالق فإنه يعبد نفسه أو يعبد قوة خفية لا
يمكن الوصول إليها تشبه قوانين الطبيعة , وثمة تذبذب حاد ومتطرف هنا ، بين الذاتية
المتطرفة والموضوعية المتطرفة ، يسم كافة الأنساق الحلولية . ففي اليهودية نجد أن
الشعب يتوحد تماما بالخالق ، ومن ثم تصبح إرادة الشعب من إرادة الخالق . بل إن
الخالق يحتاج إللى الشعب لتكامله . ولكن هذا الشعب لا إرادة له لأنه أداة في يد الخالق
.
ويميز البهائيون بين
خمسة أنوإع من الأواح : الحيوانية، والنباتية، والبشري، وهذه كلها أرواح زأئلة
فانية (ولذا يذهب بعض دارسي البهائية إلى القول بأنها لا تؤمن بخلود الروح) ، وروح
الإيمان (وهي وحدها التي تمنح الروح البشرية الخلود) ، ثم أخيرا الروح القدس (وهي
منطقة الحلول الكامل ووحدة الوجود حيث يصبح الخالق مخلوقا والمخلوق خالقاً) .
والواقع أن هذه الهرمية لا تختلف كثيرا عن هرمية المنظومة الغنوصية والقبالية .
ويبدو أن الروح البشرية ، كالخالق ، ليس لها حدود واضحة ، إذ أن هذه الروح بعد أن
تنفصل عن الجسد قد تحل في شخص آخر وتأخذ شكلا آخر من الوجود . وفكرة تناسخ
الأرواح
سمة أساسية في نختلف الأنساق الحلولية التي تنكر حدود الفرد وتنكر المسئولية
الخلقية، تماما كما هو الحال في القبالا.
ولا يؤمن البهائيون
بالجنة والنار، فهما مجرد رموز لعلاقة الروح بالخالق ليس إلا، فالقرب من الخالق هو
الجنة والبعد عنه هو النار التي تؤدي إلى الفناء الكامل للروح . لكن الإيمان
وتصورهم هو الذي يضمن (كما أسلفنا) الخلود ، والخلود عبارة عن استمرار الرحلة نحو
جوهر الخالق الخفي للاتحاد به . وفي داخل هذا النسق الحلولي ، لا يمكن أن يكون
هناك مجال للثواب أو العقاب أو البعث . ولا يوجد في البهائية كهنة أو قرابين ، فهم
يشكلون ما يمكن تسميته بالثيوقراطية الديموقراطية والتي تتمئل في هيئتين حاكمتين :
إحداهما إدارية والأخرى تعليمية. أما الهيئة الإدارية ، فهي تتكون من المجالس
الروحية القومية ، وأما المجالس المحلية فهي تتكون من تسعة أشخاص (والتي يمكن
تأسيسها أينما وجد تسعة بهائيين) ، وبيت العدل العمومي (وهو الهيئة العليا ولها
سلطة تغيير كافة القوانين حينيا تدعو إلى ذلك التغيرات الدنيوية ، فيمكنها أن تلغي
القوانين التي وردت في الكتاب الأقدس وأن تصوغ قوانين جديدة لم ترد فيه) ، ثم هناك
الهيئة التعليمية (وهي الأخرى مكونة من بناء هرمي من المجالس والقادة) . ويتم
انتخاب أعضاء المجالس الإدارية عن طريق الأعضاء . ويعتبر الانتخاب شكلا من أشكال
العبادة - وما الناخب سوى أداة الخالق ، ومن ثم لا يكون العضو المنتخب مسئولا أمام
ناخبيه .
ويصلي البهائيون يوميا
(قبلتهم القدس) . وبرغم أنه يفترض عدم وجود أماكن عامة للعبادة ، فإن الكتاب
الأقدس قد أوصى بتشييد معابد تسمى «مشرق الأذكار» ، وهو بناء من تسعة جوانب عليه
قبة مكونة من تسعة أقسام وهي مفتوحة لكل أعضاء الديانات الأخرى . ويصوم البهائيون
شهرا بهائيا (٩ ١ يوما) كصيام المسلمين (ينتهي بعيد النيروز) ولا يشربون المشروبات
الروحية ويجتمعون في بداية كل شهر بهائي. ولهم قوانين خاصة بالميراث، فالمعلم يرث
جزءاً من ثروة البهائي ويتساوى الرجل بالمرأة في كل شيء . وقد جعلوا الحج إلى مقام
بهاء الله في عكا . والتقويم البهائي يتكون من تسعة عشر شهرا ، والشهر يتكون من
تسعة عشر يوماً ، ويبدأ العام البهائي في ١ ٢ مارس أول أيام الربيع . ومن ناحية
أخرى، فإن التقويم البهائي يشبه التقويم الفارسي .
ويحتل
الرقم ٩ ١ مكانة خاصة في الفكر البهائي . والبهائية ، في هذا ، تشبه تراث القبالاه
والجماترياالذي ركز على القيمة العددية للحروف ، فتحسب القيمة الرقمية للكلمات
وتستخلص منها النتائج التي يريد أن يصل إليها المفسر (وهذه سمة متكررة أيضاً
١٣٩
في الأنساق الحلولية
التي تدرك الكون من خلال نسق هندسي حتمي) . فيقول البهائيون أن عدد حروف البسملة
(بسم الله الرحمن الرحيم) ١٩، وأن كلمة (واحد) قيمتها العددية ١٩(و - ٦ - الألف -
١ -ح = ٨-د=٤)٠ ويستخرج البهائيون من الرقم ٩ ١ براهين ودلائل على أشياء عديدة .
ويصعب
حساب عدد البهائيين في العالم، ويقال إنه يتراوح بين مليون ونصف ومليونين ، وكان
يوجد عام ١٩٨٥ نحو٤٣ ١ مجلسا روحيا قوميا يتبعها ٨٨٦ ، ٢٧ مجلساً محليا في ٣٤٠
بلدة مختلفة . وترجمت تعاليم البهائية إلى أكثر من ٧٠٠ لغة . وفي هذه الأيام، تحقق
العقيدة البهائية انتشارا سريعا في أفريقيا والهند وفيتنام حيث يصل عدد البهائيين
إلى مئات الألوف . ويتحول عدد كبير من الهند وسكان أمريكا اللاتينية الأصليين إلى
البهائية. ففي بيرو وبوليفيا، على سبيل المثال ، يوجد قرى بأكملها بهائية، وقد
اعتنق ملك سموا 521108 العقيدة البهائية . ويمكن تفسير
انتشار البهائية باعتباره تعبيرا عن ضعف كثير من الأطر الدينية التقليدية ،
وتعبيرا عن تزايد معدلات العلانية ، إذ تؤدي هذه العملية إلى أن قطاعات كبيرة من
المجتمع تفقد الإيمان بعقيدتها التقليدية ، ولكنها لا يمكنها التخلي عن الدين
تماما أو عن فكرة الخالق . والواقع أن رغبتهم العامة للإيمان تشبعها هذه العقيدة
التي تستخدم الخطاب الديني دون إشارة إلى عقيدة محددة أو طقوس محددة ، وهو عادة
خطاب حلولي واحدي يصفي كل الثنائيات وأشكال التنوع إذ يتم اختزال الواقع إلى مستوى
واحد ويتم رده إلى مبدأ واحد ، وهو الإله الحال الذي لا يختلف عن قوانين المادة
الكامنة فيها ، ومن ثم فهوخطاب ديني اسماولكنه مادي فعلا إذأن الخالق يصبح
مخلوقاته أو يصبح قوة عامة مجردة غير شخصية مثل قوانين الطبيعة وفكرة التقدم .
والبهائية ، في هذا ، تشبه الربوبية والماسونية واليهودية التجديدية . وعند نشوب
الثورة الإسلامية في إيران ، كان يوجد ٣٠٠ ألف بهائي في إيران يشكلون جماعة وظيفية
وسيطة تشتغل بالتجارة والمال والأمن ، واستفاد نظام الشاه من وجودهم . وقد تعاون
البهائيون مع الإسرائيليين ، وكانوا يديرون مؤسسة الأمن في إيران ، كما كانت لهم
نشاطات أخرى . وقد حرم نشاطهم بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران .
أما
بخصوص علاقة البهائية بالعقيدة والجماعات اليهودية ، فقد بينا أن ثمة تماثلا
بنيويا بين البهائية واليهودية في جانبها الحلولي . ولعل هذا هو السر في أن
البهائية تجتذب كثيرا من اليهود . ففي إيران ، مهد العقيدة ، تبنى كثير من أعضاء
الجماعة اليهودية البهائية ، وهو ما جعل الحاخامات يحاربون ضدها بشراسة . ولا يزال
هذا هو موقف
اليهودية
الأرثوذكسية منها . ويلاحظ أن يهود الولايات المتحدة في الوقت الحالى يتجهون أيضا
إلى الماسونية والعبادات الجديدة والعقائد الغنوصية بأعداد كبيرة ، وإن كانت
الإحصائيات الدقيقة غير متوفرة . ومع هذا ، فإن من المعروف أن البهائية أصبح لها
أتباع كثيرون في منطقة مثل كاليفورنيا المعروفة بوجود كثافة يهودية عالية فيها .
والأمر
ليس مؤامرة بهائية ضد اليهودية ، وإنما هو تشابك بين نسقين عقيديين يستجيبان لنفس
الاحتياجات ويجيبان على نفس الأسئلة بنفس الطريقة السهلة . ومما يسهل عملية اعتناق
اليهود للبهائية أن ثمة تعاطفاً يسري في العقيدة البهائية نحو اليهودية والدولة
الصهيونية . فقد كان عباس أفندي يرى أن الخلاص مرتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد
، ولكنه كان يرى أيضاً أن النجاح الذي بدأ اليهود في فلسطين يحققونه في عهده دليل
على عظمة بهاء الله وعلى عظمة دورته الإلهية ، وفي كتاب المفاوضات ورد ما يلى:
«أنت تلاحظ وترى أن طوائف اليهود يأتون إلى الأض المقدسة من أطراف العالم ،
ويمتلكون القرى والأزاضي ويسكنون ويزدادون يوما بعد يوم حتى تصبح جميع أراضي
فلسطين سكنا لهؤلاء » . وهو بذلك قد أخذ العقيدة الألفية البروتستانتية وأعطاها
بعداً بهائيا.
وفي
٠ ٣ يونيه ١٩٤٨ ، كتب أشوجي أفندي رباني، زعيم الحركة البهائية آنئذ، إلى بن
جوريون يعتر له عن أطيب تمنياته من أجل رفاهية الدولة الجديدة مشيرا إلى أهمية
تجمع اليهود في « مهد عقيدتهم » . ومن المعروف أن مركز البهائية هو «بيت العدل»
الذي أعد له بناية ضخمة في حيفا على جبل الكرمل في أبريل ٩٨٣ ١ ، والذي يديره تسعة
بهائيين يتم انتخابهم . وقامت الجماعة البهائية بإعداد قصر ضخم في حيفا حتى يكون
مزارا لكل بهائيي العالم .
ولكن
هذا لا يعني بتاتاً أن كل البهائيين يؤيدون الصهيونية وإسرائيل . فالجياعات
البهائية تدين بنفس العقيدة ، ولكن اتجاهاتها السياسية تختلف باختلاف الظروف
الاجتماعية والتاريخية . وما ينطبق على البهائية ينطبق على كافة الأديان ، فيوجد
مثلا مسيحيون صهيونيون في أوربا يؤيدون إسرائيل، وترى بعض الفرق المسيحية
الصهيونية في أمريكا أن الخلاص مرتبط بعودة اليهود إلى صهيون . ويجدر بنا أن نذكر
هنا أن البهائيين العرب يؤكدون أنهم يدينون بالولا إلى وطنهم العربي وحسب ، وقد
يكون في هذا بعض الصدق ، أو لعله من باب التقية (أي الإيمان بشيء وإظهار شيء آخر)
. والأمر مازال مفتوحاً لاجتهاد المجتهدين .
من
أهم الحركات الهدامة التي اشترك فيها اليهود (من منظور الفكر التآمري) الحركات
الشيوعية والاشتراكية ، والثورية على وجه العموم . وهم يفعلون ذلك بهدف هز قواعد
المجتمع وفك أواصره . وسنحاول فى هذا الفصل تكشف الجوانب المركبه لعلاقة القوى
الثورية ( الاشتراكيون - البلاشفة- الدولة السوفيتية ) باعضاء الجماعات اليهودية
وبالصهيونية .
«الثورة
اليهودية» مصطلح أطلقه البعض على الثورة البلشفية عند نشوبها ، وهو يفترض أن
الثورة البلشفية نظمها اليهود وخططوا لها وعملوا على نجاحها واستفادوا منها . بل
ويذهب البعض إلى أن الثورة البلشفية ، كثورة يهودية ، هي أحد التطبيقات
لبروتوكولات حكماء صهيون أوالمؤامرة اليهودية العالمية الكبرى ضد الجنس البشري .
والمدافعون عن هذا التصور يشيرون إلى أن كلا من كارل ماركس ولينين يهود (وهو أمر
مناف للواقع، فأبو ماركس قد تنصر ، أما لينين فمن المعروف أن خلفيته ليست يهودية)
، كما يشيرون إلى وجود عدد كبير من اليهود في صفوف البلاشفة على مستوى الكوادر
السياسية العادية والقيادات مثل تروتسكي وكامينيف وزينوفييف .
ولكن
الدارس المتعمق سيكتشف ، على سبيل المثال ، أن هناك تيارا قويا معاديا لليهود
واليهودية داخل الفكر الاشتراكى الغربى، وأن كثيرا من المفكرين الاشتراكيين من
أعضاء الجماعات اليهودية كانواهم أنفسهم معادين لليهودواليهودية . فالبلاشفة
اليهود رفضوا اليهودية بل وساهموا في صياغة السياسة البلشفية تجاه الجماعة
اليهودية وفي تطبيقها ، وهي
١٤٣
السياسة
التي أدت في نهاية الأمرإلى تصفية التجمعات السكانية اليهودية في روسيا وأوكرانيا
(وكانت من أكبر التجمعات في العالم) وإلى تصاعد معدلات الاندماج والعلمنة بينهم .
ومن المعروف أن صعود وهبوط القيادات البلشفية اليهودية في ميزان القوى ، داخل
الحزب وخارجه ، لم يكن نتيجة يهوديتهم ، وإنا كان بسبب الظروف العامة للصراع داخل
الحزب الشيوعي والمجتمع السوفيتي . وقد تحالف كامينيف وزينوفييف مع ستالين ضد
تروتسكي، ومن ثم نجح ستالين في إقصائه ونفيه رغم أنه كان ثاني أهم شخص في الحزب.
ثم تحالفا معا ضد ستالين الذي نجح ، في نهاية الأمر ، في القبض عليها وإعدامها،
وهي أمور تحدث في كل الثورات .
ولا شك في أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية
المشتركين في الثورة البلشفية والمناصرين لها كان أكبر من نسبتهم إلى عدد السكان .
كما أن الجماعة اليهودية استفادت ولاشك من الثورة ، ولكن هذا أمر متوقع من أقلية
عانى أعضاؤها من الحكم القيصري في الوقت الذي كانوا يتمتعون فيه بمستوى تعليمي عال
.
ولا شك في أن الميراث
اليهودي للبلاشفة اليهود قد ترك أثراً على فكرهم وسلوكهم . ولعل تطرف تروتسكي كان
نتيجة لهذا الميراث . ولكن لايمكن تفسير موقفهم بأكمله على أساس انتمائهم اليهودي
، إذ ظل اشتراكهم في الثورة أوانخراطهم في صفوفها خاضعاً لآليات وحركيات المجتمع
الروسي إبان الثورة . ومن ثم ، فإن مصطلح «الثورة اليهودية» ليس له قيمة تفسيرية
عالية ، فهوقديفسربعض التفاصيل ولكنه يعجزعن تفسيرها جميعا بكل تركيبيتها.
كما أن مصطلحا مثل
«الثورة اليهودية» له مضمون عنصري إذ أنه يفترض أن اليهودي يظل يهوديا مهما غير من
آرائه ومهيا اتخذ من مواقف، فثمة حتمية ما تفرض نفسها عليه، أي أنه مصطلح ينكر
عليه حرية الاختيار . ومن ثم ، فهو أيضاً مصطلح صهيوني ، فالصهاينة يفترضون أيضاً
وجود هوية يهودية ثابتة ، لا تتحول ولا تتغير بتغير الزمان والمكان.
وقد عاد مصطلح «الثورة
اليهودية» إلى الظهور مع البريسترويكا ، إذ بدأ أعداء الشيوعية يلقون باللوم على
اليهود وعلى الثورة اليهودية (أي البلشفية) التي ألحقت الكوارث بمجتمعهم ،
وأوصلتهم إلى ما وصل إليه من تفكك ودمار .
ولكن العداء لليهود
واليهودية لايصلح وحده إطارا تفسيريا ، فموقف الاتحاد السوفيتى من التجمع الصهيونى
كان مركبا تحكمه عدة اعتبارات من بينها مصلحة الدولة السوفيتية كقوة عالمية
وإلميراث الروسى القيصرى .
الفكر
الاشتراكي الغربي وموقفه من الجماعات اليهودية
تتسم الرؤية الاشتراكية
إلى أعضاء الجماعات اليهودية بنفس الإبهام الذي تتسم به رؤية عصر الاستنارة إليهم
. فقد دعا مفكرو عصر الاستنارة إلى المساواة بين كل البشر وبالتالي إلى إعتاق
اليهود وإعطائهم حقوقهم السياسية والاقتصادية كاملة . وهذا تيار أساسي في الفكر الاشتراكي
يوجد في كثير من كلاسيكيات هذا الفكر .
لكن إعتاق اليهود ، بل
والإنسان عموما ، يتم في إطار مفاهيم علمانية مادية مثل مفهوم الإنسان الطبيعي أو
المادي أو العالمي أو الأنمي . فهو مفهوم مادي اختزالي يسقط أي خصوصية أو هوية ،
ويرى الإنسان باعتباره جزءا من الطبيعة/ المادة . ويترتب على هذه المقدمات عدة
نتائج أهمها رفض الخصوصية العرقية لليهود ، ثم ينظر إليهم باعتبارهم مواطنين
عاديين وحسب يمكن دمجهم في المجتمع وإعطاؤهم كافة حقوقهم . ومن ثم نجد أن كثيرا من
كلاسيكيات الفكر الاشتراكي ترفض الفكرة الصهيونية التي ترى أن اليهود أمة عرقية
مستقلة .
ولكن ، كما أن هناك
تيارا داخل فكر حركة الاستنارة يرى أن اليهود عنصر له خصوصيته ، وأن تخلصه من هذه
الخصوصية أمر صعب بل ومستحيل أحيانا ، فإن الفكر الاشتاكي قد اشتمل على مثل هذا
التيار . وهو يترجم نفسه أيضاً إلى اتجاه معاد لليهود ومتحيز للصهيونية في ذات الوقت
. والواقع أن أتباع هذا التيار يطرحون فكرة هوية تهودية مستقلة عضوية يفترض
فيهاعادة أنها ذات طابع شرقي أو آسيوي أوسامي . وقد ازداد الاهتمام بهذا الجانب مع
تزايد الاهتمام بالعنصر الهيليني (الآري فيا بعد) في الهوية الغربية . وهو اهتمام
صار محوريا في الخطاب السياسي الغربي في النصف الثافي من القرن التأسع عشر . وقد
أكد هيجل على ما أساه «الطابع الشرقي» للروح القومية اليهودية التي لم تدرك المثل
العليا (الهيلينية) للحرية والعقل، فظلت اليهودية لذلك مرتبطة بشعائر بدائية
لاعقلانية أو طقوس لا روح فيها تسببت في نهاية الأمر في إدخال العنصر العبراني
السلبي على الحضارة الغربية .
وكجزء من هجومهم على
المؤسسات القائمة في المجتمع ، قام المفكرون الاشتراكيون بالهجوم الضاري على
المسيحية وعلى كل الأفكار الدينية ، فوجهوا النقد إلى اليهودية باعتبارها أساس
المسيحية ، بل وباعتبارها شكلا متخلفاً منها . وقد اتهموا اليهودية أيضاً بأنها
تتضمن عناصر نفعية أنانية تشجع اليهود على الاهتمام بأنفسهم وعلى كره البشر . كما
أن اليهودية تشجع اليهود على ضرب العزلة حول أنفسهم وعن البقاء سجناء لشعائرهم
البدائية المتخلفة مثل قوانين الطعام التي تجعل من المستحيل عليهم الاندماج مع
بقية الجنس البشري . بل إن بعضهم ذهب إلى حد القول بأن اليهودية تتضمن عناصر هضمية
أو معوية ، وأن كل إشارة إلى الإله في العهد القديم مرتبطة بالطعام ، وأن تقديم
القرابين البشرية كان أحد العناصر المكونة للعبادة اليسرائيلية القديمة .
وللقضية
أيضاً جانب اقتصادي ، فكثير من المفكرين الاشتراكيين ينظر إلى اليهود بوصفهم عنصرا
هامشيا غير منتج يتركز في التجارة والأعال المالية ولا يتجه إلى الصناعة أو
الزراعة أبداً (أي أنهم جماعة وظيفية وسيطة) . كما أن بعض الاشتراكيين يرون أن ثمة
علاقة عضوية بين اليهود والرأسمالية، خصوصاً في شكلها التجاري المتمثل في الأعمال
المالية والبورصة.
لكل
ما تقدم ، ذهب بعض المفكرين الاشتراكيين إلى أن اليهود يشكلون جماعة بشرية غير
سوية وغير طبيعية. وكان الحل الذي يطرحونه هو ضرورة تخليص اليهود من هويتهم
المتخلفة أو الخسيسة أو الأنانية (البورجوازية أو الرأسمالية) وتحويلهم إلى عناصر
منتجة ودمجهم في المجتمع أو تأكيد هويتهم وتوطينهم في فلسطين داخل مجتمع تعاوني
اشتراكي . وقد ساوى كارل ماركس بين « برجزة» المجتمع (أي سيادة العلاقات التعاقدية
البورجوازية فيه) من جهة ، وبين« تهويده» من جهة أخرى.
ومن أوائل الدعاة إلى
الاشتراكية المفكر كونت دي سان سيمون (١٧٨٠ - ١٨٢٥) ، وهو ممن يسمون «الاشتراكيين
الطوباويين» ، أي المثاليين . ويبدو أنه يوجد تيار يهودي مشيحاني في فكره ، إذ
طالب بتأسيس مجتمع صناعي يحكمه نخبة من العلماء وأصحاب الأعمال والمصرفيين الذين يهتدون
بهدي «المسيحية الجديدة» - وهي مسيحية علمانية (أو لادينية) لا تستند إلى الإيهان
بالإله أو باليوم الآخر أو الزهد في الدنيا - وهي تشبه في ذلك اليهودية الإثنية .
وثمة إشارة في كتابات سان سيمون إلى الماشيح الأم ، وهي أنثى يهودية من الشرق
ستصوغ الأخلاق الجديدة . وبطبيعة الحال ، سيتمتع اليهود بالمساواة الكاملة في هذا
المجتمع الجديد . وقد كان الكثير من تلاميذ سان سيمون وحوارييه من اليهود .
وقد أدى هذا العنصر اليهودي اللاديني الفاقع في
اشتراكية سان سيمون إلى ردة فعل عنيفة من الكنيسة ومن شارل فورييه (١٧٧٢ - ١٨٣٧)
أحد أهم المفكرين الاشتراكيين وأحد أهم النقاد الاشتراكيين لليهود . ويذهب فورييه
إلى أن التجارة هي مصدر كل الشرور وأن اليهود هم تجسيد لها ، كما أنهم المستغلون
الاقتصاديون الرئيسيون في أوربا . واليهود (في تصوره) ليسوا جماعة دينية وإنا هم
جماعة قومية غير متحضرة وبدائية ومعادية للحقيقة ولابد للمجتمع من التخلص منها
بالدمج أو الطرد .
وقد أشار فورييه إلى قوانين الطعام اليهودية على
أنها قرينة على صدق كل الشائعات التي أطلقها أعداء اليهود عنهم مثل اتهامهم بأنهم
يعتبرون سرقة المسيحي أمرا شرعيا مباحاً لهم . ولذا ، يرى فورييه أن لفظتي «يهودي»
و«لص» مترادفتان ، وأن الإنسان عند التعامل معهم لا يتوقع سوى أكاذيب ولاشيء سوى
الأكاذيب التي يشجعهم عليها دينهم. بل ويرى فورييه أن اليهود عنصر تجاري لا ارتباط
ولا انتماء له بوطن. ولذا، فهم لا يتورعون عن ارتكاب أعمال الخيانة العظمى ويعملون
جواسيس لكل الأمم وجلادين لها. وهم كذلك غير مبدعين في الفنون والآداب ولا يتميزون
إلا بسجل طويل من الجريمة والقسوة . والنشاطات الاقتصادية لليهود كلها هامشية
وشرهة وغير منتجة ، فهم لا يعملون أبداً بالزراعة ويشتغلون بالتجارة والأعمال
المالية . وهم إلى جانب هذا متمرسون في التهرب من دفع الضرائب ولا يستثمرون أبدا
رأسمالهم في الصناعة حتى لا يرتبط مصيرهم بمصير الدولة التي يعيشون فيها . ويقتصر
نشاطهم التجاري على الاستيراد والتصدير حتى يحرموا تجار البلاد المضيفة من
الاحتكاك بالبلاد الأخرى. وهم يحققون الثروات الهائلة على حساب المواطنين ، خصوصاً
وأنهم بخلاء إلى درجة أن بإمكانهم العيش على أقل القليل بما يساعدهم على مراكمة
الثروة بسرعة. ومن الواضح أن فورييه يتحدث عن الجماعة الوظيفية الوسيطة ، ولكنه
تظر لأنه كان جاهلا بهذه الظاهرة وتواترها في المجتمعات الأخرى تصور أنها ظاهرة
يهودية وحسب وأن خصائص أعضاء الجماعة الوظيفية هي خصائص لصيقة بطبيعة اليهود ،
أينما كانوا وعبر التاريخ .
وقد طرح فورييه برنامجا
لحل المسألة اليهودية، وذلك عن طريق دمج اليهود بالقوة اقتصاديا وروحيا . وهذا لن
يتأتى إلا بالقضاء على خصوصيتهم اليهودية القومية الاقتصادية عن طريق تطبيق قوانين
قاسية عليهم ، ومنعهم من الاشتغال بالأعمال التجارية، وإبعادهم عن الحدود والسواحل
والأماكن التي يمكنهم أن يارسوا فيها
١٤٧
التهريب
والتجارة، وكذلك عن طريق توطينهم بالقوة في القرى . ويجب أن يواكب عملية الدمج
الاقتصادي عملية دمج روحي عن طريق التعليم حتى يتخلى اليهود عن مبادئهم الشريرة .
والحل
الثاني للمسألة اليهودية الذي يطرحه فورييه قد يبدو وكأنه نقيض الأول، ولكنه في
الواقع امتداد له . فإذا كان الحل الأول يفترض إمكانية التخلص من الشعب العضوي
المنبوذ عن طريق تخليصه من هويته الكريهة ودمجه ، فإن الحل الثافني الذي ورد في
كتاب الصناعة الزائفة ( ٥ ٨٣ ١ - ٦ ٨٣ ١ ) يرى أنه يمكن التخلص منهم عن طريق
توطينهم في فلسطين وسوريا ولبنان ليصبحوا أمة معترفا بها لها ملك وعلم وقناصل
وعملة! ويتوجه فورييه بالنصح إلى اليهود، فبدلآ من مضاربات البورصة يمكنهم تحويل
فلسطين وما حولها في المنطقة الممتدة من لبنان إلى سيناء إلى أرض صالحة للسكنى عن
طريق توفير منافذ لنهر الأدن والبحر الميت على موانئ البحر الأحمر، وأن يتم ري
الصحراء وزراعة الغابات الخضراء فيها بواسطة الجيوش الصناعية والمزارع التعاونية
وذلك بتمويل من روتشيلد وبدعم من أوربا - وهذا أدق وصف لعملية الاستيطان الصهيوني
وللزراعة الصهيونية التعاونية المسلحة ولكل من الصهيونية التوطينية والاستيطانية
(وقد قضت الحركة الصهيونية بين اليهود نحو سبعين عاما لتكتشف هذه الصيغة البسيطة)
. ويجب أن نشيرإلى أن تاريخ نشر الكتاب هو أيضا الوقت الذي طرحت فيه المسألة
الشرقية وبحدة بسبب مشروع محمد على النهضوى.
وقد
ترك فورييه أعمق الأثر على الفكر الاشتراكي بعده. فنجد أن تلميذه ألفونس توسينيل
(١٨٠٣ - ٥ ٨٨ ١) يؤلف كتابه اليهود ملوك العصر : تاريخ الإقطاع المالي (١٨٤٥) حيث
يمثل الإقطاع المالي البنوك في أوربا وفرنسا. والكتاب ليس هجوماً عنصريا تقليديا
على اليهود إذ يحذر الكاتب في البداية من أنه سيستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها
المحدد الذي يشير إلى جماعة إثنية أو دينية وإنا يستخدمها بالمعنى الشائع لها، أي
«مصرفي» أو«مراب» أو«تاجر» . ولذا، فإنه يستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى كل من
يشتغل في الأمور المالية، كل الطفيليين غير المنتجين الذين يعيشون على وجود
الآخرين وجهدهم. وقد ربط توسينيل بين القدس اليهودية وجنيف البروتستانتية
الكالفنية، فكأن من يقول «يهودي» يقول « بروتستانتي، أي تجار وطيور جارحة» . وقد
وصل توسيئيل إلى أن اليهود، أي كبار الممولين، قد هيمنوا على أوربا في القرن التاسع
عشر.
وقد ظهر نفس الاتجاه أيضاً في كتابات أدولف
ألايزا الذي ترأس مجلة لا رينوفاسيون الناطقة باسم الحركة الاشتراكية من أتباع
فورييه وأعطاها اتجاها معاديا لليهود . ويرى ألايزا أن اليهود مثل البكتيريا
القذرة (وهذه استعارة استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو ثم الزعيم النازي هتلر من
بعده) تؤدي إلى عفن المكان الذي تصل إليه . فاليهودي يتآمر ضد الأمن الوطني مثل
دريفوس . وقد ربطت مدرسة فورييه أيضاً بين ماركس والبلشفية من جهة، وبين ماركس
واليهودية من جهة أخرى.
وتعبر آراء ميخائيل
باكونين (١٨١٤ - ٦ ٨٧ ١)، المنظروالمفكرالفوضوي الروسي ، عن كره عميق لليهود . ففي
كتابه الاعتراف الذي ألفه في السجن عام ١ ٨٥ ١ ، انتقد قادة الاستقلال في بولندا
لاتخاذهم موقفا إيجابيا تجاه اليهود . وقد نشر عام ١٨٦٩ ردا على خطاب من موسى هس
أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم أمة من المستغلين تقف على الطرف النقيض تماما من
مصالح البروليتاريا . ويمكن فهم موقفه هذا من اليهود من خلال حقيقتين ، أولاهما :
خلافه الفكري الحاد مع الاشتراكيين وبالذات اليهود ، منهم كارل ماركس وموسى هس
وأمثالهما . وثانيتهيا : الدور البارز لأعضاء الجماعة اليهودية في التجارة والمال
في أوربا ، وهو ما كان نتاجاً لميراثهم التاريخي كجياعات وظيفية هامشية . وقد ذهب
باكونين إلى أن اليهود يشكلون خطرا أكبر من اليسوعيين ، وأنهم القوة الحقيقية في
أوربا إذ هم يسيطرون بشكل مطلق على التجارة والبنوك وعلى ثلاثة أرباع الصحافة
الألمانية وعلى جزء كبير من صحافة الدول الأخرى . ولقد وصف باكونين الفوضوي ظهور
ماركس وأعماله بأغها ظهورجديدللنبي موسى ، وأنه يعتبرنموذجا يمثل الشعب اليهودي.
وقد كان عداء الاشتراكيين والثوريين لليهود
يستند إلى تحليل طبقي يفترض فيه أصحابه علميته وموضوعيته . ولكن مع العقود الأخيرة
من القرن التاسع عشر، وظهور الخطاب العرقي واكتساحه الفكر الأوربي ، نجدأن أتباع
فورييه أيضاًيتبنون التفسير العرقي . فالعرق اليهودي ، بحسب تصورهم ، قبيح من
الناحية الجسدية ، فوجوههم تخرق قواعد الجماليات تماما كما تخرق روحهم الروح
الآرية (الهيلينية من قبل) التي تتسم بالجمال . والعرق اليهودي لا يمكن دمجه ولا
هضمه، وهو عرق طفيلي كلية، فاليهودي في كل مكان وزمان كان طفيليا يصيب المجتمعات
بالتحلل . وهم طفيليون لأسباب عرقية ولا يمكنهم أن يغيروا دورهم، تماما كما لايمكن
للمخلوقات الطفيلية التي تقتل الأجساد
١٤٩
الحية أن تتوقف عن
وظيفتها . وهم معروفون بشكل خاص بمقدرتهم على تخريب قوانين البلادالتي ينتمون
إليها.
ويلاحظ أن كل هذه
الأوصاف هي أوصاف الشعب العضوي المنبوذ ، فيا هو الحل إذن؟ طرحت المجلة ، الناطقة
بلسان أتباع فورييه ، حلا صهيونيا حيث طلبت من اليهود أن يجلوا عن فرنسا طواعية .
ولذا ، توجهت بنداء إلى اليهود : «أيها اليهود ! إلى أعللي سيناء ، حيث أرسل الإله
بالوصايا العشر التي تخرقونها دائيا، إلى موسى والإله الذي تركتموه بسبب حبكم
الشديد للذهب . . . أعبروا البحر الأحمر مرة أخرى ، ولتنزلوا إلى الصحراء مرة أخرى
، إلى أرض الميعاد التي تنتظركم ، الأرض الوحيدة التي تناسبكم ، أيها الشعب الشرير
الوقح الخائن، اذهبوا إلى هناك . وهذا هو الحل الاستعماري الصهيوني - إرسال كل
مشاكل أورباإللى الشرق .
ومن الطريف أنه برغم
صهيونية مثل هذه الحلول والتي طرحت عام ١٨٩٩ بعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول ، فإن
المجلة لم تعط أي أهمية للحركة الصهيونية أو المنظمة الصهيونية . بل إنه
حينمانشرأحدأتباع فورييه ويدعى فيرييه كتيبه المسألة اليهودية (١٩٠٢) ، فإنه يقدم
رؤية إيجابية للحركة الصهيونية ويفرق بين يهود الغرب المندمجين الذين سيبقون في
أوطانهم ويهود شرق أوربا (أي يهود اليديشية) الذين يجب تهجيرهم إلى وطن قومي خارج
فلسطين لأنها - حسب تصوره - غير مناسبة . ورد عليه ألايزا قائلا إنه يؤيد الحل
الصهيوني الذي طرحه تيودور هرتزل من ناحية المبدأ ، ويحب أن يرى اليهود في وطنهم
وأن هذا سيحقق مصلحتهم، وأكثر من هذا فإنه سيحقق مصلحة فرنسا ذاتها! ولكنه عبر عن
شكه في إمكانية تحقق هذا الحلم بسبب الطبيعة الهامشية لليهود.
وقد
أصبح ارتباط اليهود بالرأسالية وكبار الممولين موضوعا أساسيا متواترا في الفكر
الغربي امتزج بالأطروحة العرقية التي تنظر إلى اليهود بوصفهم ساميين (في مقابل
الآريين) . ويلاحظ أن مقولة «الآريين» انفصلت بالتدريج عن مقولة «الهيلينيين» ،
وبالتالي فقدت بعدهاالثقافي واكتسبت بعدا عرقيافاقعا. ولذا، نجدأن بعض الكتاب
يقرنون بين التاجر اليهودي والتاجر اليوناني باعتبارهما من التجار الوسطاء .
وتبلور كتابات يوجين
دوهرنج (١٨٣٣ - ١٩٢١) كافة هذه الاتجاهات، فكتابه الحالة اليهودية كمسألة عرقية
وأخلاقية وحضارية ينسب النزعة الليبرالية في الاقتصاد السياسي
(أي
الرأسمالية والديموقراطية) إلى اليهود الذين يتهمهم باستغلال مبدأ الاقتصاد الحر
وتسخيره في خدمة الاحتكار اليهودي الذي يحاول استعباد كل الناس . وبرغم أن اليهود
يلعبون د وداً طبقيا فإغهم يشكلون عرقا وضيعا لا مثيل له . واتجاه اليهود نحو
التجارة يعود إلى أن جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر فهي ملأى على
الدوام بالربا وبالشئون التجارية . فاليهود ، إذن ، فئة تجارية نظرا لأن خصائصهم
العرقية تجعلهم ينزعون نحو التجارة ، وهم يحققون ترايطأ غير عادي بسبب شعائرهم
القديمة التي لم يطرحوها جانباً تماماً . وتهمة الدم ، بحسب رأي دوهرنج ، لها أساس
علمي ، فهي تعود إلى التضحيات البشرية التي كان يقدمها اليهود . وقد استمرت هذه
التضحيات بسبب رغبة قيادات اليهودفي أن تجعل كل فرد في الجماعة اليهودية متورطاًفي
جريمة قتل الأطفال المسيحيين .
وحل
المسألة اليهودية بالنسبة لدوهرنج هو أيضاً خليط عرقي اشتاكي علمي، فهو ينادي
باعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي وبالاقتصاد الموجه وبنوع من الاشتراكية المقيدة
وبالحفاظ على الشرف العرقي الذي يستدعي إنقاذ جميع الدوائر العامة وعالم المال
والأعمال من تسلط اليهود وسيطرتهم . وبهذا ، فإن دوهرنج قد وحد بين الرأسماليين
بوصفهم تشكيلا اقتصاديا واليهود بوصفهم عرقاً وقرن بينهم. ولهذا ، فهو يرفض الحل
الصهيوني لأن الصهيونية ستدعم من القوة العالمية لليهود ، ويجد أن الحل الأسمى
للمسألة اليهودية هو القتل والطرد . ومن هذا المنظور، فإن مفكر اشتاكيا مثل ماركس
، في رأي دوهرنج ، هو الشر المجسد بسبب نظرياته الشيوعية وعرقه اليهودي ، فقد
استقى كل نسقه الفكري من القانون الموسوي على الرغم من أنه قد تم تعميده . وقد
ظهرت الأطروحة مرة أخرى في كتابات ورنر سومبارت عن علاقة الرأسمالية باليهودية
وتصل إلى ذروتها في الفكر النازي.
وينبغي
عدم تصور أن هذه الرؤية المعادية لليهود مقصورة على المفكرين غير اليهود وحدهم،
ففرديناند لاسال (١٨٢٥ - ١٨٦٤) المفكر الألماني الاشتراكي اليهودي كان له آراء
شبيهة . فقد أكد تنصله من اليهودية لأنه يبغض اليهود إذ لا يرى فيهم سوى سلالة
منحلة لماض عظيم ولى . وبعد قرون طويلة من العبودية ، اكتسب هؤلا الرجال سات
العبيد . ويجب ذكر أنه كان يوجد عديد من المفكرين، من الاشتراكيين اليهود ، لم
يهتموا باليهود واليهودية وإنا افترضوا أن المساواة داخل المجتمع الاشتراكي ستحل
كافة المشاكل.
١٥١
تنطلق رؤية المفكرين الاشتراكيين
، ماركس وغيره ، من تجربتهم التاريخية في فرنسا وألمانيا والنمسا أساسا . وهي دول
لم تكن فيها تجمعات يهودية كبيرة ، كما أن اليهود كانوا مركزين في الأعمال
التجارية والمالية ، وزاد ارتباطهم بالنظام الرأسمالي مع تطور المجتمعات . أما في
شرق أوربا وروسيا على وجه الخصوص ، فقد كان الوضع مغايرا تماماً إذ كانت توجد أكبر
كتلة بشرية يهودية لها صفات شبه قومية وإضحة تميزها اللغة اليديشية، كما أن ظروف
التحديث أدت إلى تحول قطاعات كبيرة من اليهود إلى بروليتاريا . ولذا ، تجاهل
البلاشفة كلاسيكية ماركس عندما كان عليهم أن يتعاملوا مع جزء كبير من هذه الكتلة
التي ورثوها ضمن ما ورثوا من روسيا القيصرية. ولم يكن من الصعب عليهم تجاهل كتيب
ماركس لأنه كان من أعماله الأولى ولم تكن أفكاره قد تبلورت بعد . مع هذا ، يبدو أن
البلاشفة ، مثل ماركس من قبلهم ، قد خلطوا بين مفهومين نختلفين تمام الاختلاف في
منطلقاتها وفي نتائجها ، وظنوا أنها نفس الشيء . أما المفهوم الأول فهو مفهوم
الأمة اليهودية العالمية ، وهو مفهوم صهيوني مطلق يفترض وجود وحدة يهودية عالمية
وتهدف إلى تأسيس دولة يهودية لجمع الشعب اليهودي . أما المفهوم الثاني ، فهو مفهوم
اليهود بوصفهم أقلية قومية شرق أوربية لها خصوصيتها التي لا تختلف عن خصوصيات
القوميات أو الأقليات الأخرى الموجودة في روسيا القيصرية . وهي خصوصية قد تفصل
أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي الروسي أو البولندي، ولكنها لا تربطهم
بالضرورة بالجياعات الأخري في بقية العالم - وهذا هو طرح البوند . ولعل هذا الخلط
هو نتيجة محاولة البلاشفة والماركسيين عموما للوصول إلى مستوى تعميمي ، مرتفع
وعلمي ، يتجاهل كل الخصوصيات أو يوحد بينها بحيث لا يراها - وهذا ميراث عصر
الاستنارة والنموذج المادي الذي يصر على مستوى عال من البساطة والوضوح والتعميم لا
يتفق مع تركيبية الظاهرة الإنسانية . هذا هو الذي أدى إلى تخبط السياسة السوفيتية
بعض الوقت ، وإلى عدم حسم المسألة اليهودية في الاتحاد السوفيتي إلا من خلال
التطورات الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي (ككل) خارج إطار الحلول النظرية المطروحة
وبدون هدي كبير منها.
وقد انطلق لينين من
تعريف محددللأمة استقاه من كارل كاوتسكى وهى أن الأمة جماعة لابد وأن تكون لها أرض
تتطور عليها، الأمر الذي لم يكن متوفراً لليهود، كما لابد وأن تكون لها لغة مشتركة
وهو الأمر الذي توفر ليهود شرق أوربا وحدهم . ولكن لينين ، مع هذا، لم ينظر إلى
يهودشرق أوربابوصفهم وحدة مستقلة داخل التشكيل السياسي الروسي
والتشكيل
الحضاري لشرق أوربا ومنفصلة عن يهود العالم . ولذا ، فقد ناقش القضية من منظور
أعلى نقطة تعميم فتساءل : هل اليهود، بشكل عام ومجرد ، وفي كل زمان ومكان، يشكلون
قومية أم لا؟ وهل هناك وحدة عالمية تنتظم كل اليهود ؟ وهل هناك خصوصية مقصورة
عليهم أم لا؟ والإجابة على مثل هذا السؤال البسيط بسيطة للغاية ، وهي أن كل اليهود
بطبيعة الحال لا يشكلون قومية ، وأنه لا وجود لأي وحدة بين يهود ألمانيا وبولندا
وفرنسا وإنجلترا . فيهود فرنسا يتحدثون الفرنسية ، ويهود إنجلترا يتحدثون
الإنجليزية ، ويهود ألمانيا يتحدثون الألمانية ، ويهود شرق أوربا كانوا يتحدثون
اليديشية ، ويتحدث يهود القوقاز عدة لغات ، ولكل جماعة يهودية موروثها الثقافي
ووضعها الاقتصادي المتميز الذي تحدده حركيات المجتمعات التي يعيش في كنفها أعضاء
الجماعات اليهودية . والخلل يكمن في المستوى التعميمي للسؤال، فهو لا يتفق مع
طبيعة الظاهرة وتنوعها وعدم تجانسها.
وفي تصورنا أن موقف
لينين كان سيختلف تماماًلوأنه لم يطرح السؤال بهذه الطريقة ، وتخلى عن مفهوم
اليهود ككل و« في كل زمان ومكان» ، وخفض من مستواه التعميمي قليلا ونظر إلى يهود
شرق أوربا داخل الإطار الوحيد الممكن وهو التشكيل الحضاري الشرق أوربي ، وطرح حلا
لمشاكلهم داخل هذا الإطار باعتبارهم أقلية قومية شرق أوربية .
ولأن اليهود ، من وجهة
نظر لينين ، لا يشكلون أمة ، فإن القضية تصبح هي مشكلة اندماجهم أو انعزالهم . ومن
ثم ، فإن حل المسألة اليهودية هو ببساطة دمجهم، وهي عملية يمكن أن تتم بأن ينخرط
اليهود في النضال الثوري إلى جانب المضطهدين من الطبقة العاملة وغيرها من الطبقات
على أن يذوب أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الاشتراكي الكبير- أي أن الخاص
(يهود شرق أوربا) لابد وأن يذوب في العام (المجتمع الثوري الجديد) . وهذا هو النمط
الكامن في فكر حركة الاستنارة وفي كل الحلول الماركسية.
ولهذا ، وقف لينين موقف المعارضة الكاملة لا من
فكرة القومية اليهودية العامة العالمية الوهمية (أي الصهيونية) وحسب ، وإنا أيضا
من فكرة الخصوصية اليديشية المحدودة والمقصورة على يهود شرق أوربا ، وهي الفكرة
التي طرحها حزب البوند الذي طالب بقدر من الاستقلال الثقافي للعمال اليهود يتناسب
مع هويتهم الثقافية المحددة وخصوصيتهم ، ولايختلف عن استقلال الأقليات والطوائف
الأخرى ، ويترجم نفسه إلى استقلال تنظيمى. كما رفض لينين بالتالي أي استقلال
تنظيمي لحزب البوند أو ما سمي «الوحدة الفيدرالية» ، ورأى أن مبدأ الاستقلال الذاتي
يفي بكل احتياجات اليهود من أعضاء
١٥٣
الطبقة العاملة ويكفل
لها أن تقوم بالدعاية لبرنامج الحزب باليديشية وأن تعقد مؤتمراتها الخاصة ، وأن
تقدم مطالب مستقلة تدخل في برنامج واحد يعبر عن الاحتياجات المحلية وخصوصية الحياة
اليهودية . ذلك لأن الهدف النهائي هو اندماج أعضاء الطبقة العاملة من اليهود اندماجا
كاملا في الطبقة العاملة الروسية . وثمة نظرية تذهب إلى أن معارضة لينين للبوند
كانت في واقع الأمر نابعة من اعتبارات عملية سياسية غير نظرية وأن كل تحليلاته هي
عبارة عن مسوغات وديباجات لتبرير رغبته في تصفية البوند .
وكان
تروتسكي الزعيم الماركسي اليهودي هو الآخر ضد فكرة القومية اليهودية ، ولذا فقد
عارض الصهاينة ، وكان رأيه أن حل المسألة اليهودية لا يكمن في تأسيس دولة يهودية
بين دول أخرى غير يهودية وإنما يكمن في إعادة تركيب المجتمع تركيبا أمميا متماسكا.
إلا أنه عارض أيضاً مفهوم الأقلية اليهودية باعتبارها أقلية قومية شرق أوربية ،
ولذا عارض البوند .
ولا
يخرج موقف ستالين عن موقف الزعماء الماركسيين السابقين . فقد بين أن اليهود ككل لا
يجمعهم إلا الدين ، وقد يكون لهم طابع قومي ، ولكنهم لا يكونون أمة واحدة عالمية ،
ذلك لأنهم متفرقون اقتصاديا ، ويعيشون على أراض مختلفة ، ويتكلمون لغات متعددة
وليس لهم ثقافة مشتركة . وهذا ، مرة أخرى ، أمر بديهي واضح . ولكن ستالين ارتكب
نفس الخلل التحليلي الذي ارتكبه كل من لينين وماركس وإنجلز من قبله وهو التعامل مع
الظاهرة على مستوى تعميمي وتخصيصي لا يتفق مع طبيعتها ، وهو ، بطبيعة الحال ، رفض
فكرة القومية اليهودية العالمية التي تنتظم كل يهود العالم . ولأن مثل هذه القومية
لا توجد ، يتم الانتقال إلى الحد الأدنى ، أي افتراض عدم وجود أي وحدة على الإطلاق
، دون البحث عن مستوى وسيط من الخصوصية يتمثل في قومية يهودية يديشية مقصورة على
يهود شرق أوربا وحدهم دون سواهم .
وقد
تبنى خروشوف نفس الموقف المطلق الكلي ، في تعليق له بجريدة الفيجارو في ٩ أبريل
١٩٥٩ ، إذ تحدث عن اليهود بشكل عام ومجرد ، وبين أن اليهود هم المسئولون عن فشل
تجربة بيروبيجان « فاليهود منذ أقدم الأزمنة فضلوا الحرف الفردية . وهم لا يحبون
العمل الجماعي ولا الانضباط الجماعي، كماأنهم في جميع الأوقات فضلواأن يكونوا
مشتتين . وهم في الواقع فرديون . ومنذ قرون لا تحصى، لم يستطيعوا أن يعيشوا
مجتمعين ، أو أن يستمدوا وجودهم وتوازنهم من أنفسهم». وهذا حديث لا يختلف عن نقد
فولتير أو ماركس لليهود بشكل عام . ولو تخلى خروشوف عن مقولة اليهود ، وتحدث بدلا
من ذلك
عن الجماعات اليهودية
المختلفة ، فربا استطاع أن يفسر الواقع اليهودي في الاتحاد السوفيتى، وأن يبين سبب
رفض اليهود الاستيطان في بيروبيجان. ولأن السوفييت يرفضون فكرة أن اليهود يكونون
شعباً ، فإغهم يرفضون الصهيونية ويعتبرونها حركة رجعية ، بل حركة استغلالية .
ومن الواضح أن موقف
البلاشفة من المسألة اليهودية ، برغم معاداته الضارية للصهيونية ومعاداة اليهود،
وبرغم اعترافه من البداية باليديشية لغة قومية ورفض الاعتراف باللغة العبرية
باعتبارها لغة قومية وهمية ، خضع لبعض الوقت للصياغات العامة وإلمقولات المجردة،
مثل مقولة « اليهود ككل» . ولكن تم تصحيح هذا الوضع فيما بعد بتأسيس منطقة
بيروبيجان إذ أن هذه الخطوة تعني ضمنا القبول بما رفضه لينين وهو أنه إذا كان
اليهود لا يشكلون أمة بالمعنى المطلق، فيهود روسيا يشكلون أقلية قومية روسية لها
وضعها الثقافي المتميز ولها خصوصيتها التي لا تستمدها من جوهر يهودي عام وإنا من
تجربتها تحت ظروف اجتماعية وحضارية معينة في شرق أوربا، ولم يبق سوى توفير الأرض
لها لتصبح أقلية قومية مثل مثات الأقليات الأخرى في الاتحاد السوفيتي .
وقد حسمت مسألة
الاندماج والعزلة اليهودية ، في ثلاثينيات القرن ، لا من خلال الأطروحات الماركسية
أو البلشفية وإنما من خلال تغيرات بنيوية في المجتمع. فمع تصاعد حركة التصنيع داخل
الاتحاد السوفيتي، تمتع أعضاء الجاعة اليهودية بحراك اجتماعي غير عادي ، ونتج عن فرص
الترقي أمام اليهود تفتت التجمعات اليهودية فزادت معدلات الاندماج واختفت اليديشية
تقريباً ، ولم تهاجر أعداد كبيرة إلى بيروبيجان. وما ساعد على الاندماج ، الهجرة
اليهودية إلى الولايات المتحدة التي كانت تضم كثيرا من العناصر اليهودية الشابة
وإلعناصر ذات التوجه الصهيوني التي كان يمكنها أن تحافظ على عزلة اليهود . ولم تكن
عملية الدمج والاندماج سهلة أو بسيطة فتقاليد معاداة اليهود في الاتحاد السوفيتي
قديمة وراسخة وكثيرا ما انعكست من خلال البيروقراطية السوفيتية ذاتها .
وإذا انتقلنا من استعراض موقف الفكر البلشفي إلى
تأمل موقف الاتحاد السوفيتي من المسألة اليهودية ، فإننا نجد الأمر لا يختلف كثياً
. فالقانون السوفيتي يجعل من الصهيونية ومعاداة اليهود جريمتين يعاقب عليهما
القانون . وقد ألغيت جميع التنظيمات الصهيونية وأصبح نشاطها غير شرعي مع أن روسيا
كانت مركز النشاط الصهيوني في العالم . ولقد وقف المندوبون السوفييت ، في المنظمات
والمؤتمرات الشيوعية ، ضد الساح للأحزاب
١٥٥
الصهيونية ذات
الديباجات الماركسية البوروخوفية بالانضمام إليها حتى لا تكتسب أي
شرعية .
البلاشفة والصهيونية
أيد الاتحاد السوفيتي قيام الدولة الصهيونية ،
واعترف بها فور قيامها . ولقد تحدث المندوب السوفيتي في هيئة الأمم عن الشعب
اليهودي الذي لاقى الاضطهاد-أي أنه كان يتحرك داخل الإطار المجرد والعام لمقولة
اليهود التي رفضها البلاشفة من قبل ، وليس داخل إطار يهود شرق أوربا بوصفهم أقلية
قومية.
ونود هنا أن نثير قضية
هي : هل كان الموقف البلشفي والسوفيتي المبدئي ينبع من اعتبارات عقائدية أم أنه
كان وليد الاعتبارات العملية وحدها ؟ وهل يعتبر إصرار السوفييت على أنه لا يوجد
شعب يهودي ، ثم إصرارهم أيضا على أن يهود اليديشية لا يشكلون قومية سلافية وكذلك طرحهم
الاندماج كنوع من الحل ، إصراراًنابعاًمن النسق الماركسي أم هو حل نابع من
الاعتبارات العملية الروسية السوفيتية ؟ نحن نميل إلى الاعتقاد بأن التطورات
اللاحقة ترجح أن كلا من الاعتبارات العملية والتقاليد السياسية الروسية القيصرية
هي التي قررت مسار القضية ، كما نرى أن سياسة البلاشفة تجاه يهود الاتحاد السوفيتي
امتداد للسياسة القيصرية الشمولية التي كانت تهدف إلى دمج وتذويب أعضاء الجاعة
اليهودية باعتبارهم عنصرا غريباًثقافته ألمانية وولاؤه مشكوك فيه ، فألمانيا هي
عدوة روسيا الأكبر . وهناك من القرائن ما يشير إلى أن مشروع توطين اليهود في شبه
جزيرة القرم قد استبعد بعد البدء فيه نظرا لقرب القرم من ألمانيا وأنه نقل إلى
بيروبيجان يعيداً عن أي مركز جذب أوربي . ولكن ، مع بداية الأربعينيات ، وتصاعد
النفوذ النازي الذي كان يشكل تهديدا قويا للدولة السوفيتية ، بدأت الاتصالات بين
السوفييت والصهاينة ، وشكلت في بداية الأمر لجان يهودية لمناصرة السوفييت ولمناهضة
الفاشية . وفي عام ٩٤٣ ١ ، وضمن إطار الاستعدادات للتسوية النهائية لعالم ما بعد
الحرب ، بدأ السوفييت يتحدثون في إطار أن المشكلة اليهودية ستصبح مشكلة عالمية
ملحة مع نهاية الحرب لا مجرد مشكلة ألمانية أو حتى مشكلة غربية . ومن ثم ، فإنهم
لابد وأن يحددوا موقفهم منها بوضوح وفي إطار عالمي.
وفي أكتوبر ١٩٤٣ ، قام
إيفان مايسكي ، نائب وزير الخارجية السوفيتية ، بزيارة إلى فلسطين قام في خلالها
بزيارة الكيبوتسات ومناقشة مشاكل الاستيطان مع بن جوريون
وجولدا
مائير ، ولم يتصل بالجانب العربي قط . ويبدو أن مايسكي بدأ سياسة مراجعة موقف
السوفييت من الاستيطان الصهيوني إذ كان يرى أنه « من الواضح أن اليهود الاشتراكيين
والتقدميين في فلسطين سيكونون أكثر فائدة لنا من العرب المتخلفين الذين تسيطر
عليهم مجموعات إقطاعية من الباشوات والأفندية» . وقد استمرت هذه النغمة طيلة الحرب
وبعدها وأصبحت لبنة أساسية في الديباجات الاشتراكية الصهيونية . وأخذ السوفييت
يتحدثون عن الدولة الصهيونية على اعتبار أنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في
منطقة الشرق الأوسط ، لا سيما وأنها كانت تسمح للحزب الشيوعي بممارسة نشاطاته بشكل
قانوني . كما أن الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية المتطرفة كانت تشكل
من وجهة نظرهم نواة للاشتراكية في المنطقة !
ويبدو
أن هذا هو المنطق الذي ساد بعض الوقت إذ أن مستشاري ستالين ، كما يقال ، قد نصحوه
بأن إقامة الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط المتخلف ستدخل عنصراً من عدم الاتزان
والصراع في المنطقة مما سيؤدي إلى تثويرها - حتى ولو كانت هذه الدولة هي ذاتها
رجعية واستعمارية ! وهذا يعني أنه نسب للدولة الصهيونية نفس الدور أو الوظيفة التي
نسبها الفكر الماركسي لليهود بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تقوض دعائم المجتمع دون أن
تقوم هي ببناء المجتمع الجديد . بل كان هناك رأي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية
ستؤدي إلى نوع من أنوإع الاستقطاب الطبقي بحيث تتحالف الرجعية الغربية مع الرجعية
اليهودية ويتحالف أعضاء الطبقة العاملة من العرب واليهود ضد أعدائهم الطبقيين - أي
أن المنطقة بهذه الطريقة يتم إدخالها في العملية التاريخية الكبرى ، عملية استقطاب
الرأسماليين والعمال بحيث يتم استقطاب كل التفاعلات والتناقضات في عملية واحدة ذات
قطبين متعارضين . ولكن مهما كانت الأسباب والدوافع ، فإن التطورات اللاحقة بينت
خلل المقدمات .
ويرى
بعض المحللين العسكريين أن اندفاع موسكو وانضمامها إلى الولايات المتحدة في تأييد
قيام دولة يهودية يعتبر خطوة ذكية لإحداث شرخ دائم في العلاقات الأمريكية العربية
حول فلسطين . فقد كان السوفييت يدركون أنهم لن يخسروا شيئا في المنطقة لأنهم لا
يملكون شيئا فيها ، على عكس وضع الولايات المتحدة الأمريكية التي ستخسر الكثير من
جراء هذا الموقف .
ومها كانت الديباجات
، قومية أم طبقية ، بيروقراطية أم ثورية ، فإنه من الواضح أنه قد تقرر توظيف
فلسطين وشعبها في خدمة المصالح الإستراتيجية للاتحاد السوفيتي- وكان
١٥٧
يفترض
أن انتشار الاشتراكية يخدم هذه المصالح . وقد تكون هذه الديباجات الاشتراكية زائفة
أو حقيقية ، ولكن ما يهم هو أن الدولة السوفيتية بدأت تدرك دورها باعتبارها قوة
عظمى وأن من الضروري أن يكون لها دور تلعبه في الصراع .
وقد ظهر هذا الاهتمام
العملي بفلسطين ، بوصفها عنصرا يوظف في خدمة المصالح ، في صورة تحول كامل على
المستوى العقائدي وعلى مستوى الخطاب السياسي . ويلاحظ أنه، في أعقاب الحرب
العالمية الثانية ، بدأ تأييد الاتحاد السوفيتي لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين
يتخذ صورا واضحة . ففي فبراير عام ١٩٤٥، عقد مؤتمر نقابات العيال العالمي في لندن
وصوت الوفد السوفيتي للى جانب قرار يؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين . ونص
القرارأيضاًعلى ضرورة إيجاد علاج أساسي عن طريق عمل دولي لإصلاح الخطأ الذي وقع
على الشعب اليهودي ، وأن تكون حماية اليهود من الاضطهاد والتمييزفي أي بلد من
بلدان العالم من واجب السلطات الدولية الجديدة . كما ينبغي إعطاء اليهود الفرصة في
الاستمرار لبناء فلسطين كوطن قومي عن طريق الهجرة والاستيطان الزراعي والانتماء
الصناعي على أن يكون ذلك مقروناً بتأمين المصالح الشرعية لكل السكان في فلسطين ،
وتأمين المساواة في الحقوق والفرص كذلك . وهذا جزء لا يتجزأ من الخطاب السياسي
الغربي العلماني النفعي الذي لا تثقله أي مثاليات أو مطلقات .
كمااتفق ستالين مع كل
من روزفلت وتشرشل في مؤتمريالطافي فبرايرعام ١٩٤٥ على ضرورة إنشاء وطن قومي يهودي
في فلسطين وعلى وجوب الفتح السريع للأبواب التي كانت تعوق الهجرة اليهودية إلى
فلسطين مقابل السماح للسوفييت بإقامة مناطق نفوذهم في أوربا الشرقية . وبادر
الاتحاد السوفيتي في يوليو من العام نفسه إلى الاعتراف بالوكالة اليهودية وسمح
بفتح مكتب لها في موسكو . ثم قام جروميكو بتأييد قرار التقسيم حتى يتم التعايش بين
الشعبين العربي واليهودي في أبريل ١٩٤٧ . وتجدث جروميكو في ١٣ أكتوبر ١٩٤٧ من نفس
العام عن ارتباط الشعب اليهودي (التاريخي) بفلسطين ، وأشار إلى الظروف التي وجد
الشعب اليهودي نفسه فيها نتيجة للحرب . وهنا لا نجد مجرد منطق ذرائعي ، وإنا نجد
كل مكونات الخطاب الغربي العنصري تجاه اليهود باعتبارهم شعباً ومادة استيطانية
متحركة لها ارتباط أزلي بفلسطين ، مما يعطيها حقوقا أزلية في هذه الأرض ، خصوصاً
وأن ما يعانيه اليهود في الغرب لابد من تعويضهم عنه في الشرق ، وهذا هو منطق
الإمبريالية . كما يمكن استخدام هذا الوضع لخدمة الحضارة الغربية متمثلة هذه المرة
في
الاتحاد
السوفيتي والاشتراكية العالمية والعلمية. وهذا هو الموقف الغربي التقليدي من
الجماعة الوظيفية الوسيطة التي تستخدم كأداة . ولذا ، ليس من المدهش معرفة أن
الاتحاد السوفيتي هو أول دولة منحت إسرائيل اعترافا قانونيا ، وبذلك أعطتها
مصداقية كانت في أمس الحاجة إليها . ومما يجدر ذكره أن من مجموع إحدى عشرة دولة
اعترفت بإسرائيل في خلال شهر واحد من إقامتها كان يوجد ست منها بين دول الكتلة
الاشتراكية .
ولم
تكن علاقة الاتحاد السوفيتي بالصهيونية على مستوى العقيدة النظرية أو على مستوى
الاعتراف القانوني وحسب ، وإنا امتدت لتشمل الدعم البشري والعسكري إذ سهل السوفييت
عملية الهجرة للعديد من يهود بولندا إلى مناطق احتلال الحلفاء في النمسا وألمانيا
مدركين أن هؤلاء المهاجرين سيتوجهون في النهاية إلى فلسطين . كما أن تشيكوسلوفاكيا
زودت المستوطنين بالأسلحة التي لعبت دوداً أساسيا . ويبدو أن السوفييت في
الخمسينيات، حينا اكتشفوا عدم جدوى الدولة اليهودية وعدم نفعها ، قطعوا العلاقات
الساسية معها ودخلوا في تحالف مع العرب . ولكن ، مع تغير سياسة الدولة السوفيتية
باتجاه الانفتاح ، شهدت العلاقات مع إسرائيل تحستاً مرة أخرى ، إلى أن فتحت بوابات
الهجرة على مصراعيها أمام المهاجرين اليهود السوفيت، ثم سقط الاتحاد السوفيتى
بأسره بعد ذلك .
مدى انخراط أعضاء
الجماعات اليهودية في الحركات الاشتراكية والثورية
يلاحظ
وجود كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية الاشتراكية في كثير من
بلاد العالم بنسبة تفوق نسبة انخراط السكان الأصليين في هذه الحركات . وهذه ظاهرة
كانت ملحوظة في العالم العربي الإسلامي ، إذ يلاحظ أن كثيرا من قيادات ومؤسسي
الحركات الشيوعية كانوا من أعضاء الجماعات اليهودية . وهذا ليس بمستغرب ، فكثير من
أعضاء الأقليات ينجذبون إلى الحركات الثورية العلانية على أمل أن يحقق لهم المجتمع
الثوري العلماني الجديد الحرية الكاملة والمساواة التامة. ولكن ذلك، على كل حال،
كان ظاهرة عابرة نظراً لأن كثيرا من العناصر اليهودية في الحركة الاشتراكية كانت
أجنبية أو من أصل أجنبي ورحلت عن العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية وبعد
اتضاح معالم حركة القومية العربية . كما أن هذه العناصر كانت ضمن القيادات وحسب
ولم يكن هناك
١٥٩
قط جماهير يهودية بهذا
المعنى . ومع الخمسينيات ، كانت معظم الحركات الاشتراكية يقودها عناصرعربية محلية
. ومع هذا ، يذهب بعض الباحثين إلى أن القيادات الشيوعية العربية من أصل يهودي
(مثل هنري كورييل) ظلت مسيطرة على الحركات الشيوعية .
أما
في العالم الغربي، فيمكن القول إن غرب أوربا في القرن التاسع عشر (إنجلترا وهولندا
وفرنسا وغيرها) لم يكن فيه كتلة بشرية يهودية كبيرة كما أنها كانت مندمجة ،
وبالتالي لم يكن هناك وجود يهودي ملحوظ لا على مستوى القيادات الاشتراكية ولا على
مستوى الجماهير. ولكن من الملاحظ أن بعض العناصر الثورية كانت تحضر من بين
المهاجرين من شرق أوربا مع يهود اليديشية . كما أن تمثيل اليهود في الأحزاب
الثورية ، سواء على مستوى القيادة أوعلى مستوى الجماهير ، كان أعلى من نسبتهم
القومية .
أما
في وسط أوربا (ألمانيا والنمسا) ، فقد كانت أعداد اليهود صغيرة ، كما كانت تنتمي
أساسا لكبار الممولين والطبقات الوسطى ، ولذا ارتبط اليهودي في الأذهان بكبار
الممولين وبالدعاوى الليبرالية . ولم تكن الأحزاب الثورية تضم في صفوفها أعدادا
كبيرة من اليهود بشكل مطلق . ومع هذا ، كان هناك عدد ملحوظ من قيادات الحركات
الثورية الاشتراكية والشيوعية ، ومن المفكرين الثوريين ، من أعضاء الجماعات
اليهودية ، يمكننا أن نذكر من بينهم كارل ماركس وفرديناند لاسال وكارل كاوتسكي
وروزا لوكسمبرج . ولعل هذا الوضع هو الذي أضفى مصداقية سطحية على الادعاءات
النازية بخصوص المؤامرة اليهودية الكبرى ومحاولة اليهود تحطيم ألمانيا بتطويقها من
اليمين واليسار .
أما في شرق أوربا ،
فقد كان وجود اليهود في الحركات الثورية على مستوى القيادات والجماهير وجودا
ملحوظا لا شك فيه . فكان عدد كبير من البلاشفة الروس ، مثل زينوفييف وكامينيف وليتفينوف
، من أعضاء الجماعات اليهودية ، وعلى رأسهم تروتسكي مهندس الثورة البلشفية وقائد
الجيش الأجمر . أما على مستوى المشاركة الجماهيرية ، فقد كان حزب البوند الروسي
البولندي اليهودي هو أكبر حزب ثوري اشتراكي في العالم عند تأسيسه . وكان الشباب
اليهودي ينخرط في سلك الثوار بدرجات متزايدة ، فقد كان ٠ ٧٣ من كل المقبوض عليهم
في جرائم سياسية عام ١٩٠٠ (في روسيا) من أعضاء الجماعات اليهودية.
ويمكن تفسير انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية بشكل
ملحوظ على الأساس التالي: -
١ - كان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من القطاع
المتعلم في المدن ، وهو القطاع الذي يساهم في الحركات الثورية أكثر من القطاعات
الأخرى .
٢ -
كان كثير من الشباب اليهودي محروماً من دخول الجامعات الروسية ، فالتحقوا
بالجامعات في أوربا حيث تم تسييسهم وتثويرهم إلى درجة أعلى من أقرانهم.
٣-
كان اليهود أقلية مضطهدة محرومة من حقوقها المدنية . ولذا ، نجد أن المثقفين
اليهود الذين كانوا في ظروف عادية من الممكن أن يتحولوا إلى مهنيين عاديين (وهو
الأمر الذي حدث فيما بعد) وقد انخرطوا، بدلآ من ذلك، في صفوف القواعد الثورية، كما
يحدث في كثير من الحركات الثورية في العالم حيث نجد أن أعضاء الأقليات المضطهدة
يشكلون نسبة عالية فيها .
وقد استفادت الصهيونية
من ظاهرة انخراط أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات الثورية ووظفته
لصالحها إذ أن أحد الموضوعات الأساسية التي كان يطرحها تيودور هرتزل في كتاباته ،
وفي أثناء مفاوضاته ، أن الحل الصهيوني هو الطريقة الوحيدة لتحويل الشباب اليهودي
عن الثورة . وقد تم تطوير الصيغة الصهيونية العمالية كمحاولة لاستيعاب الديباجة
الثورية الاشتراكية داخل الصهيونية . ومن الأسباب التي أدت إلى صدور وعد بلفور ،
محاولة تجنيد الكتلة اليهودية الضخمة في شرق أوربا ضد الثورة البلشفية.
وبعد الحرب العالمية
الأولى ، يلاحظ تركز اليهود في التنظيمات الاشتراكية التي بدأت تتبلور في تنظيمات
شيوعية وتنظيمات اشتراكية ديموقراطية . وكانت التنظيمات الشيوعية الدولية معادية
للصهيونية ولمعاداة اليهود ، ورفضت السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية
بالانضمام إليها . وحيث أن الأحزاب الشيوعية كانت تتبع تعليمات الاتحاد السوفيتي
في هذا المجال ، وفي عدة مجالات أخرى ، فإن هذه الأحزاب ناصبت الصهيونية وأحزابها
العداء . ولكن هذه الأحزاب ذاتها أيدت قيام الدولة الصهيونية حينها فعل الاتحاد
السوفيتي ذلك، ثم ناصبت الصهيونية العداء مرة أخرى حينما غير الاتحاد السوفيتي
سياسته وأعلن عداءه للصهيونية ودولتها . أما الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، فقد
تقبلت الظاهرة الاستعمارية وبالتالي الصهيونية ، وأيدت المشروع الصهيوني ثم الدولة
الصهيونية وتعاونت مع الأحزاب الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية
١٦١
ومنحتها
حق العضوية في الأممية الثانية. وفي الستينيات، ظهرت حركة اليسار الجديد، وكان
كثير من زعمائها في الولايات المتحدة وأوربا من أعضاء الجماعات اليهودية، وكان
هربرت ماركوز، منظرها الأساسي، يهوديا . وقد أخذت هذه الحركة موقفاً معاديا
لإسرائيل ومؤيدا للعرب ، خصوصاًبعد حرب ١٩٦٧ ، مما أدى إلى ابتعاد بعض الشباب
اليهودي عنها . ولكن ، مع هذا ، ظلت نسبة عالية من أعضائها من اليهود .
ولاتزال كثير من حركات
الرفض الثورية تضم عددا كبيرا من أعضاء الجياعات اليهودية. وهذه أيضاظاهرة ليست
مقصورة عليهم وإنا هوأمرشائع بين أعضاء الأقليات.
ويلاحظ أننا لا نستخدم
اصطلاحات مثل «الاشتراكية اليهودية» أو «الاشتراكيين اليهود» لأن مثل هذه
الاصطلاحات تفترض وجود اشتراكية يهودية لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلى حركيات
يهودية مستقلة وأن يهودية الاشتراكي اليهودي هي أهم العناصر التي تفسر سلوكه . وهو
ما نجد من الصعب قبوله . فبعض الاشتراكيين من أعضاء الجماعات اليهودية لعب انتما
ؤهم اليهودي ، الديني والإثني ، دوراً في انخراطه في الحركة الاشتراكية، والبعض
الآخر لم تلعب معه اليهودية أي دور على الإطلاق . وأحيانا نجد أن يهودية الاشتراكي
من أعضاء الجماعات اليهودية قد لعبت دوراً سلبيا وجعلته يتخذ موقفاًمعادياً لليهود
واليهودية ، وكثيرون منهم «يهود غير يهود» (على حد تعبير إسحق دويتشر) لا يكترثون
باليهودأواليهودية، وكل مابقي من يهوديتهم هوالاسم، ومع هذاصنف كل هؤلاء على أنهم
يهود.
وثمة وجود ملحوظ لأعضاء
الجماعات اليهودية في قيادة الأحزاب الشيوعية ، خصوصاً في شرق أوربا ، بنسبة تفوق
بمراحل نسبتهم إلى عدد السكان . كما يلاحظ وقوفهم إلى جوار الستالينية . ويجب أن
نرى الستالينية هنا بأعتبارها «النفوذ الروسي» . فعلى الرغم من الإدعاءات الأمية
للنظرية الشيوعية إلا أنه، في مجال التطبيق، ظهرت التوترات العرقية والإثنية
وإلقومية التقليدية وظهر مرة أخرى خوف الشعوب المحيطة بروسيا (بولندا - المجر-
تشيكوسلوفاكيا - رومانيا) من الدب القيصري الذي ارتدى رداء أمميا شيوعيا . وقد وقف
كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جانب روسيا ، مما جعل منهم ما يشبه الجماعة
الوظيفية التي تمثل المصالح الروسية باعتبارها القوة الإمبريالية الحاكمة . وفي
هذا استمرار
لميراث
الجماعة اليهودية في شرق أوربا كجماعة وظيفية استخدمتها الطبقات الحاكمة لضرب
الفلاحين وأحيانا النبلاء ، مما دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود عند شعوب شرق
أوربا. ولعل هذا يفسر استمرارسخط كثيرمن شعوب شرق أوربا على «اليهود» رغم اختفاء
الجماعات اليهودية تقريباً ، إذ لا تزال صورة اليهودي كسوط عذاب في يد الحاكم حية
في الأذهان .
١٦٣
الفصل لنىا مت
اللإهية الجنسة المبوية
يتسم اليهود بالإباحية المطلقة (من منظور العقل التآمري) باعتبار أن
هذا امتداد لشيطانيتهم وجزء من تآمرهم ضد المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها .
وسيتناول هذا الفصل بعض جوانب هذه القضية ابتداء من الموقف اليهودي من الجنس
والبغاء مرورا بالشذوذ الجنسي وانتهاء بحركة التمركز حول الأنثى .
إلجنس
ترى اليهودية الحاخامية أن الجنس غريزة إنسانية
طبيعية ، وأن الإنسان عليه أن يشبعها من خلال العلاقات الزوجية. ويكرس التلمود
أجزاء كبيرة لتناول هذا الموضوع، كما يشجع الزواج المبكر للحفاظ على الفضيلة.
ولايمكن للزوج أن يجامع زوجته في أثناء فترة العادة الشهرية، ولمدة اثنى عشر يوم
بعدها (فترة «النيداه») . ونظرالطول المدة، فقد كان الزوجان ينامان عادة في فراشين
نختلفين. وكان على الزوجة أن تأخذ حماما طقوسيا بعد انتهاء فترة الحظر. وتحرم
اليهودية الزنى والدعارة والشذوذ الجنسي بين الرجال (أما بين النساء ، فإن هذا الأمر
ليمر) محرماًبقدر ما هو مكرره) . ولاتحرم اليهودية تعدد الزوجات وإن كان الحاخامات
قد حرموه. ولا يعتبر التلمود الزنى بامرأة من الأغيار، متزوجة أو غيرمتزوجة،
محرماً. أما التحريم، في العهد القديم، فيقتصر على «زوجة أخيك» لا زوجة الغريب.
وفي إحدى الفتاوى، جاء أن إناث الأغيار« زوناه» وجمعها «زونوت» أي «عاهرات» حتى لو
تهودن. ولكن هناك فتاوى أخرى تحرم الزنى كلية مع اليهوديات أو مع نساء الأغيار .
١٦٥
ومع هذا ، تسلك بعض
شخصيات العهد القديم سلوكا منافياتماماً للقيم الدينية اليهودية ذاتها (اعتداء أحد
أبناء يعقوب على زوجة أبيه - العلاقة بين يهودا وتامار زوجة ابنه - داود وامرأة
أوريا الحيثي-إبراهيم وزوجته في مصر) . وكان على الحاخامات تفسير ذلك، والتوفيق بينه
وبين الرؤية الدينية العامة . وفي العهد القديم تتواتر استعارات جنسية ، خصوصا في
سفر هوشع ونشيد الأنشاد ، ولكن هذه الاستعارات تفسر على أنها من قبيل المجاز ، كما
هو الحال في الشعر الصوفي. وفي فترة الهيكل الثاني أخذ تمثالا الملاكين (كروب)
اللذان كانا على تابوت العهد ، حسب بعض الآراء ، شكل ذكر وأنثى في وضع عناق جنسي .
وكان التابوت يحمل في أعياد الحج ، فيقول الحاخامات للجماهير : «هكذا يحب الإله
جماعة يسرائيل» (ومن المعروف أن تشبيه علاقة الإله بالإنسان بعلاقة الذكر بالأنثى
أمر شائع في العقائد الحلولية) . وقد ظل موقف العهد القديم غامضا للغاية إزاء
مشكلة البغاء . وهوغموض استمر إلى أن استقرت دعائم اليهودية الحاخامية .
وكما تقدم ، أخذت
اليهودية الحاخامية موقفاً متشدداً ض الإباحية الجنسية . وقد بين موسى بن ميمون ،
متبعاً أرسطو ، أن حاسة اللمس هي أدنى الحواس باعتبارها الحاسة المرتبطة بالجنس .
وقد نجح هذا الإطار الحاخامي التلمودي في أن يضرب عزلة حول اليهود، وأن يضبط
سلوكهم الجنسي ، خصوصاً وأنه كان من المحرم عليهم الاختلاط بأعضاء المجتمع الخارجي
. وقد كانت المؤسسة الحاخامية، في تلك الآونة ، في غاية القوة إذ أن المؤسسة
الحاكمة كانت تعطيها من الصلاحيات ما يسمح لها بالتحكم في أعضاء الجماعة اليهودية
. والواقع أن عملية الضبط الاجتماعي للجماعات الإنسانية الصغيرة تكون في العادة
أكثر نجاحا من عمليات الضبط في المدن والتجمعات الكبيرة . ولذا ، فإنه يمكن النظر
إلى حوائط الجيتو على أنها كانت أيضاً بمثابة السياج الأخلاقي للجاعات اليهودية
حتى عصر الإعتاق .
ومن
المعروف ، حسب الإحصائيات المتوافرة لدينا ، أن نسبة الأطفال غير الشرعيين (وهو
مؤشر جيد على السلوك الجنسي) بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أقل من النسبة
على المستوى القومي ، ويبدو أن السلوك الجنسي لليهود كان يميل نحو المحافظة .
ومع
هذا ، فإن ثمة استثناءات لهذه الصورة العامة ، ففي إسبانيا المسيحية يلاحظ أن سلوك
أعضاء الطبقة الأرستقراطية اليهودية كان يتسم بالانحلال الجنسي (ولعل هذا يعود
إلى
الثراء ، وإلى عدم وجود أسوار الجيتو) . وفي الجو الإباحي لعصر النهضة الإيطالية
نجد نفس الظاهرة . فكثير من الفتيات اليهوديات اشتغلن بالبغاء بعد الانغاس في
الجنس . ومن أهم المؤشرات على مدى الإباحية المنتشرة بين أعضاء الجماعة اليهودية
آنذاك، تلك الإحصائيات التي يوردها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي والتي تقول
كان في فلورنسا في القرن الخامس عشر نحو مائة أسرة يهودية وحسب ، ومع ذلك فقد رفعت
ضدها ثمافي وثمانين قضية منها أربع وثلاثون مرتبطة بقضايا الآداب والأخلاق وسبع
عشرة قضية مرتبطة بالقمار . ويضيف باتاي أن القضايا لم تكن ترفع إلا في حالات
قليلة ، مما يدل على أن حالات الزنى والقمار كانت أعلى من ذلك بكثير داخل جماعة لا
تزيد على مائة أسرة . ولكن حالة إيطاليا كانت الاستثناء ، فأغلبية يهود العالم
كانوا مقسمين بين الدولة العثمانية وشرق أوربا .
ولكن ، داخل أسيجة
الجيتو ذاتها ، ظهر الفكر القبالي الحلولي الذي طور كثيراً من الأفكار والاستعارات
الجنسية الجنينية في العهد القديم ومنحها قدرا من المركزية . وأصبحت الاستعارة
الجنسية (أي تشبيه تماسك أجزاء الكون بالتشابك الجنسي) استعارة أساسية لا يمكن
إدراك العالم بدونها . ويدور التراث القبالي حول أسطورة الخلق : خلق الإله، وخلق
الإنسان . فالإله يخلق نفسه (في قبالاة الزوهار) من خلال التجليات النورانية
العشرة ، أما في القبالا اللوريانية فإن الإله يخلق نفسه من خلال الانكماش ثم
الانتشار والتبعثر. والذات الإلهية، في القبالا، تحوي داخلها عناصر تذكير وعناصر
تأنيث، فالحوخمه أو الأب العلوي (العلة الذكرية الأولى) يدخل في علاقة جنسية مع
البيناه أو الأم العلوية (العلة الأنثوية الأولى) ، فينجبان الابن ( عريس يسرائيل
) والابنة ( جماعة يسرائيل) ، وكان من الممكن أن يتم خلق الإله وتنجز وحدة العالم
حينها يتحد الابن والابنة، أي الإله مع يسرائيل ، وهو اتحاد ينظرإليه من خلال
استعارة جنسية .
وتظهر المقولة الجنسية في تصور أن اليسود (أساس
العالم) هو ذاته التساديك اليهودي (الرجل التقي) وهو أيضأ القضيب الإلهي الذي تمر
منه الرحمة الإلهية حتى تصل إلى الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) التي تأخذ
شكل عضو التأنيث ، فهي كالوعاء السلبى الذي يتلقى ولا يعطي ، فالشخيناه هي أيضاً
جاعة يسرائيل. وبذا يتم التوحد بين الإله والشعب . وتشير كلمة «يحود» العبرية إلى
الوحدة وأيضاً إلى الجياع الجنسي في النصوص القانونية . ويطلق على هذا التوحد أيضا
اسم «هازيفوج هاقادوش» أي «الزواج
١٦٧
المقدس»
. وحينيا صعد موسى إلى جبل سيناء كان مثل ابن الإله الذي ضاجع الشخيناه، والهيكل
هو مخدع الشخيناه الذي يحل فيه الإله ليضاجعها ، ولذا فإنه حينهما هدم الهيكل توقف
اليحود، أى التوحد/ الجماع بينهها .
وقد
أثرت الاستعارة الجنسية على البناء الديني اليهودي ، فاختيار الإله للشعب يصبح مثل
اختيار الذكر للأنثى ، كما أن العذاب الذي يلقاه اليهود بسبب اختيارهم هو مثل
تعذيب الذكر للأنثى ، ولذا فإنه يصبح مصدرا للذة . ويشار إلى الشعب ، باعتباره
التعبير الأنثوي عن الإله ، على أنه بنت صهيون (وليس ابن صهيون) ، وهو أيضا
التوراة، عروس الإله التي تجلس إلى جواره على العرش والتي تزف إلى الماشيح حينما
يأقي إلى هذا العالم. ونشيد الأنشاد هو نشيد زفاف الشعب (الأنثى) إلى الإله
(الذكر) . ولقد أصبح تفسير التوراة مثل الجاع الجنسي ، فالتوراة التي أمامنا
(توراة الخلق) هي مجرد رداء ، وفي الأعماق توجد توراة الفيض (ويلاحظ هنا صورة
الفيض الجنسية) . وكلا تعمق الدارس خلعت التوراة أحد أرديتها حتى يصل إلى معناها
الحقيقي ، فإنه يراها ا وجها لوجه ويعرفها ، أي يجامعها ، تماماً مثليا رأى موسى
الشخيناه وجهاً لوجه فعرفها ، أي جامعها . والهدف من الصلاة هو أن يتحقق اليحود أو
الوحدة/ الجاع بين الملك والماترونيت (العنصر الأنثوي) ، وأن تفيض بركة الإله (ذات
الطابع الجنسي) . ويصبح الهدف من المتسفوت ، (أي الأوامر والنواهي) هو نفس الشيء .
ولذا ، فقبل أن يقوم أي يهودي بأي عمل، فإن عليه أن يردد الصيغة التالية : « من
أجل التوحد بين المقدس المبارك والشخيناه» . والهدف من صلاة الصباح هو الإسهام في
هذه العملية الجنسية . وكل فقرة توازي مرحلة من مراحل الوحدة . فبعد الفقرة
الأولى، تقترب الابنة المقدسة (ماترونيت) مع وصيفاتها . وبعد الثانية ، يضع الإله
ذراعه حول رقبتها ثم يلاطفها ويريت على ثدها . وفي غهاية الصلاة ، يتم الجياع .
وقد أوصى الحاخام لوب (ميلاميد من برودي) بأن يفكر الإنسان في امرأة عارية في
أثناء الصلاة حتى يصل إلى أعلى درجات السمو . وقد شاعت القبالا في القرن السادس
عشر في أوربا ، وحلت محل التلمود كأساس للوجدان وكمصدر للقيم الأخلاقية، حتى هيمنت
تماماً على الوجدان اليهودي بين يهود اليديشية في شرق أوربا ، وهم أغلبية يهود
العالم . ويقول روفائيل باتاي أن أحد أسباب شيوع كتب القبالاه هو أنها كانت كتبا
إباحية يقبل الناس على قراءتها بشغف شديد.
لكن
ظاهرة مركزية الاستعارة الجنسية وشيوعها تحتاج إلى تفسير . والواقع أنه يمكننا أن
نقول إن اليهودية الحاخامية ، بتشددها ، أحاطت اليهودي بعدد هائل من التحريمات
والأوامروالنواهي (وقد حرم الحاخامات في كثيرمن الحالات ماأحل الإله، ولعل شعائر
السبت التي أخذت تتزايد على مر السنين خير مثال على ذلك) . وقد يكون كل هذا قد خلق
إحساساًعميقا بالذنب بين أعضاء الجماعات في أوربا ، خصوصاًبسبب وجودهم في تربة
مسيحية تنظر إلى الجسد باعتباره شيئا كريها ، وبسبب الفقر الذي عاشوا فيه ، مما
زاد من حرمانهم وشقائهم. وقد حدث نتيجة لهذا رد فعل عنيف، وهو في جوهره، حسب قول
باتاي ، « تجنيس للإله وتأليه للجنس» (من الغريزة الجنسية) . ويجب أن نشير إلى أن
هذه الظاهرة ليست مقصورة على اليهود ، بل هي ظاهرة تعم كثيرا بين الحركات الصوفية
الحلولية ، وإن أخذت شكلا متطرفاً في حالة يهود شرق أوربا . كما أن الأنساق
الدينية الحلولية المتطرفة عادة ما تتبدى في ترخيصية جنسية . فإذا كان الإله يحل
في كل شيء ، فإن كل شيء يصبح الإله بم) في ذلك الجنس، بل و خصوصاً الجنس الذي يعد
هو الآخر تعبيا عن الإله ، بل ويعد أكثر الأشياء تعبباً عنه بسبب ما يحيطه من غموض
وأسرار وبسبب ما يتضمنه من فقدان للذات وإحساس بالفيضان والفيض . وقد عقد باتأي
مقارنة بين القبالاه والديانة الهندوكية الحلولية، وبين عمق التشابه بينها .
ومما
زاد الأمور تطرفاً ظهور حركات مسيحية منشقة في روسيا ابتداء من القرن السابع عشر،
مثل السكوبتسى (المخصيون) والخليستي (الذين يضربون أنفسهم) وغير ذلك، وهي جماعات تحرم الجماع الجنسي غاماًمن ناحية، ثم تقيم من ناحية أخرى احتفالات ذات
طابع جني داعر ٠ وقدتأثرييوداليديشية بتلك الحركات. ولعل كل ذلك قدأدى إلى تهيئة
الجولظهورشبتاي تسفي الذي نادى بالتخيصية، وبإسقاط الأوامروالنواهي، وبدأفي
ممارسات جنسية كانت تفسر تفسيرا رمزيا من قبل أتباعه. وبعد إسلامه ظهرت الحركات
الشبتانية، خصوصاً الدونمه والفرانكية، التي جعلت الإباحية الجنسية طقسا دينيا
أساسيا، والتى أدركت الإله من خلال استعارات جنسية واضحة. وكانوايقولون إنه كلا ازداد
الإنسان اكلالأ ازداد ارتفاعه وسموه، وكلا ازداد خرقا للشرائع كان هذا دليلا على
وصوله واقترابه. وقد آمنوا بما يقال له «العالياه» من خلال «اليريداه» ، أي الصعود
من خلال الهبوط. وقد ورثت الحركة الحسيدية معظم هذه الاتجاهات الإباحية الترخيصية
ونادت بما أسمته
«عفوداه بجاشيموت» ، أي «الخلاص بالجسد» ، وإن حاولت تفسيرها تفسيرا رمزيا .
وقد كان هذا هو الإطار الفكري السائد بين يهود
أوربا عشية الانعتاق ، وكان الفكر الشبتاف متغلغلا تماما حتى في صفوف القيادات
الحاخامية ، كما أن القبالاه كانت قد هيمنت تماماً على الوجدان الديني اليهودي
وكانت تعد أساساً للتشريع أو على الأقل لتفسير الشعائر والشرائع .
ومن الواضح أنه لا يمكن فهم ظاهرة مثل فرويد إلا
في إطار الفكر القبالي الشبتاني ، فالواقع أنه برغم اختياره لأسطورة يونانية
(أوديب) ومصطلحات لاتينية (إجو ، وسوبر إجو، وإيد 10 2214 ٥80 »ع1ا5 ,680 ) ، فإن مصطلحه الكامن وصوره
الأساسية مستقاة من التراث القبالي الذي درسه وهوفي فيينا التي كان يوجدفيها واحد
من أهم القباليين في عصره (ويقال أن كلمة «إيد» هي اختصار لكلمة «ييد» اليديشية ،
أي يهودي) . كما أن حديث رولان بأرت عن لذة النص كلذة جنسية له ما يناظره في الفكر
القبالي .
ولذا ، فليس من الغريب
أن نجد أن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يختلف مع الانعتاق عنه قبله .
والواقع أن سقوط الجيتو ، واليهودية الحاخامية ، وانتشار القبالا، جعلت اليهود
مرشحين لدخول عصر الإباحة والإباحية الحديثة من أوسع أبوابه . وقد ساعد على ذلك تعثر
التحديث في شرق أوربا ، الأمر الذي أدى إلى هجرة الملايين من قراهم وجيتواتهم إلى
العالم الجديد ، حيث لا ضوابط أو آليات ضبط اجتماعية أودينية ، فتآكلت الأسرة
اليهودية وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين بعد أن كان هذا ظاهرة غير معروفة تقريباً
بثن أعضاء الجماعات في الغرب .
وقد ظهر قدر كبير من عدم التماسك بين أعضاء
الجماعات في نهاية القرن التاسع عشر، فوجدت أعداد كبيرة منهم من البغايا والقوادين
، وبين المشتغلين فيمانسميه «قطاع اللذة» (نشر المجلات والكتب الإباحية-النوادى
الليلية- صناعة السينما ) وهو قطاع اقتصادى لايلتزم بأى معيارية أخلاقية ، فهو شأن
شأن أى قطاع اقتصادى لايلتزم إلا بأخلاقيات (أو لا أخلاقيات ) السوق . ومع اندماج
أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم ، وتزايد معدلات العلمنة ، أصبح من الملاحظ
أن درجة الانحلال وعدم التماسك بينهم لا تختلف عن درجة الانحلال وعدم التماسك في
المجتمع ككل .
وتتمتع الدولة
الإسرائيلية بواحد من أعلى مستويات العلمنة في العالم . وقد انعكس هذا على سلوك
الإسرائيليين الذي يتسم بكثير من الحرية الجنسية . وقد ساهم في ذلك أن المجتمع
الإسرائيلي مجتمع مهاجرين يعتمد السياحة كمصدر أساسي من مصادر الدخل . ويتسم كل من
المهاجر والسائح (وهما من الشخصيات الوظيفية الهامشية) بأن درجة التزامهما بقيم
المجتمع ليست عالية . والسائح بالذات لايلتزم إلا بقيمة المتعة . كما أن القوات
المسلحة الإسرائيلية تضم عددا كبيرا من المجندات اللاثي يوجدن مع عدد كبير من
الذكور في مناطق مختلفة، وتحت ظروف تتسم بانعدام الضبط الاجتماعي ، مما يؤدي إلى
توسيع رقعة الحرية الجنسية ويشجع على السلوك غير المنضبط . وقد قامت الصهيونية
بتحويل اليهودية إلى عقيدة قومية بدلا من وجودها كعقيدة دينية قومية مما يعني
إمكانية استخدامها لضبط سلوك المستوطن الإسرائيلي على المستوى القومي . ولكن لا
يمكن ، بطبيعة الحال ، توظيفها لضبط السلوك الجنسي للمستوطن على المستوى الشخصي .
ولذا ، فقد نشأت ظواهر مرتبطة بالحرية الجنسية
مثل انتشار البغاء ، وأخيرا الأيدز ، كما يلاحظ زيادة عدد الأطفال غير الشرعيين .
وقد صدر مؤخرا قانونا يسمح بممارسة البغاء في الدولة الصهيونية . ولا توجد لدينا
بيانات دقيقة عن سلوك الإسرائيليين الجنسي، . ولكننا نعرف (حسب إحصائيات ١٩٨٦) أن
٠/٤٥ من الإسرائيليات اللائي في المرحلة العمرية ١ ٢ سنة فأكثر يتزوجن لأنهن
يتوقعن طفلا، وأن ٧١١ من الفتيات اللائي يتزوجن في إسرائيل (بغض النظر عن أعمارهن)
يتزوجن وهن حوامل. وتعد نسبة عمليات الإجهاض فى اسرائيل من أعلى النسب في العالم ،
فقد سجلت المستشفيات الحكومية نحو سبعين ألف حالة إجهاض سنويا ، مما يعني أن
الحالات أكثر من ذلك بكثير . وينتشر الشذوذ الجنسي أيضاً في إسرائيل (ويقال إن
نسبته تصل إلى ٠ ١ / بين الرجال) . وقد وصف أمنون روبنشتاين ( الوزير الإسرائيلى )
المجتمع الإسرائيلي بأنه من أكثر المجتمعات إباحية ، وأشار إلى شارع دزنجوف (أحد
الشوارع الرئيسية في تل أبيب) باعتباره «زبالة دزنجوف» إذ تعرض فيه الأفلام
الإباحية وتروج المخدرات (وقد عرضت فيه مؤخرا مسرحية تمثل الملك داود وصديقه
يوناثان على أنهما على علاقة جنسية شاذة) .
وتتسم الحياة في الكيبوتسات بالحرية الجنسية ،
إذ لا يتم فصل أفراد الجنسين إلا بعد سن الثامنة عشرة تقريباً . أما فيما قبل ذلك
، فإنهم يقضون معظم الوقت معا ويمارسون كل النشاطات الإنسانية المختلفة مثل
الاستحمام معا. ولكن يبدو أن العلاقة الجنسية
١٧١
داخل
الكيبوتس (بين أعضائه) أصبحت تشبه علاقة الإخوة بالأخوات ، فلقد ظهرت أنماط
للتعامل تشبه أناط التعامل داخل الأسرة الواحدة، وظهرت أشكال من التابو (الحظر )
تلقائيا. ومن الملاحظ أن أعضاء الكيبوتس الواحد لا يتزوجون فيما بينهم ، إلا فيما
ندر ، ولا يتزوجون إلا مع أعضاء الكيبوتسات الأخرى في معظم الأحيان .
البغاء
وتجارة الرقيق الأيض
تعريف البغاء أمر خلافي
وإن كان قد تم الاتفاق على أن البغي هي من تقوم بإشباع الرغبات الجنسية لعملائها
نظير أجر تتقاضاه ، ولذا يرى بعض الدارسين أن البغاء هو نشاط اقتصادي وحسب ، تجاري
في جوهره ، وأن «البغي» إن هي إلا عاملة جنس (بالإنجليزية : «سكس وركر تع٣00٤1 58٤»). وهم بذلك يرون أنهم قد طوروا
مصطلحا محايدا ، منفصلا عن المنظور القيمي .
.وكلمة
«البغاء» تقابلها في العبرية كلمة «زينوت» . وقد كانت البغي شخصية مقبولة وإن كانت
محتقرة في المجتمع العبراني القديم. ففي سفر التكوين (١٤/٣٨-١٩) جاء أن يهودا عاشر
عاهرة نظير أجر . ولا يوجد في السياق ما يدل على أن هذا أمر مرفوض أخلاقيا (وقد
اتضح فيما بعد أن العاهرة هي تامار زوجة إبنه الذي مات ، وقد أنجبت من والد زوجها
طفلين) . ويذكر سفر يشوع قصة العاهرة راحاب التي ساعدت العبرانيين مل وجرلي لما
(بشيئ ا . احبماية البفي) . وتره في يفرالمك الأل (٣/ ٦ ٦١ ٢٧) قصة سليان مع البن
الجن تأزعتا طفلا . وما فيالقصة عاهتان . وتوجد في سفر القضاة (١/١٦) إشارة يلى
زيارة شمشون لعاهرة في غزة . بل ويمكن أن نفهم من السياق في العهد القديم أن
إبراهيم قد استفاد ماليا من العلاقة الجنسية لزوجته بفرعون مصر، وقد تكررت الحادثة
بعد ذلك . ويبدو أن إستير (البطلة اليهودية التي يقرأ السفر المسمى باسمها في عيد
النصيب) هي الأخرى عاهرة . وكل الإشارات والقصص تفترض أن مهنة البغاء مهنة طبيعية
، قد تكون وضيعة ولكنها مع هذا جزء من البناء الاجتماعي والأخلاقي . وقد ورد في
العهد القديم فقرات لا تحرم البغاء في حد ذاته ، وإنا تحرم على العبرانيين أن يدعوا
بناتهم يعملن بهذه المهنة : " لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزفي الأض
وتمتلي الأض رذيلة . (لاوين ٢٩/١٩) ، وهناك فقرات تحرم على الكهنة الزواج من
عاهرات : امرأة زانية أو مدنسة لا يأخذ ولا يأخذوا امرأة مطلقة من
زوجها"
(لاويين ٧/٢١) . وهي تحريمات غير عامة أو مطلقة وإنا مقصورة على أفراد معينين وتحت
ظروف معينة . ولذا ، فإننا نجد إشارات عديدة في العهد القديم إلى عاهرات يقمن
بوظيفتهن بشكل شبه عادي (أمثال ١٠/٧-٢٣، أشعياء ١٦/٢٣ ، ملوك ٣٨/٢٢) .
وعلى
الرغم من وجود البغاء بين الذكوروالإناث في المملكة العبرانية المتحدة ، ثم في
المملكتين الشمالية والجنوبية ، فإن البغاءالمقدس الذي كان يمارس آنذاك في الشرق
الأوسط لم يجد طريقه إلى العبادة اليسرائيلية ( أى العقيدة اليهودية فى مراحل
تطورها الأولى ) . كما أنه بسبب ارتباط البغاء بالعبادات الوثنية ، كان يتم طرد
البغايا في فترات الإصلاح الديني. وكان الأنبياء يستخدمون استعارة الزنى للتعبير
عن انصراف الشعب عن الإله وخيانته إياه . ومع هذا يبدو أن بعض طقوس العبادات
الكنعانية ، ذات الطابع الجنسي الواضح، قد وجدت طريقها إلى العبادة اليسرائيلية .
ويحرم
التلمود البغاء بين اليهود تماماً . وهناك أجزاء كثيرة في التلمود تنعت البغاء بكل
الصفات السلبية ، وتبين عقوبة من يعمل بهذه المهنة البغيضة . وبشكل عام ، فقد
اختفت المهنة بين اليهود في العصور الوسطى وصاعدا ، لكن هذا لم يمنع وجود حالات من
البغايا اليهوديات والقوادين اليهود . وعلى الرغم من أن المواخير كانت ، في كثير
من الأحيان ، تشيد خارج المدينة ، بالقرب من الجيتو ، فإن عدد اليهود الذين
اشتغلوا بهذه المهنة كان نادرا بالقياس إلى النسبة السائدة بين الشعوب التي عاشوا
بين ظهرانيها . وقد وردت أحكام في الشريعة اليهودية ضد العاهرات اليهوديات ، وضد
اليهود الذين يزورون المواخير. ولكن الشريعة اليهودية تقر بحق العاهرة في الحصول
على أجرها . كاتعطي حق الطلاق لليهودية التي يذهب زوجها إلى ماخور.
وفي العصر الحديث ، ومع مشاكل التحديث في الغرب
، أخذت الصورة تتغير بشكل جوهري . ففى الفترة بين عامي ١٨٨٠ و ١٩٣٠ ؛ عمل عدد كبير
من اليهود في تجارة الرقيق الأبيض قوادين وعاهرات ، وأصبحت منطقة الاستيطان فى
روسيا ، خصوصا جاليشيا ، أهم مصدر للعاهرات في العالم بأسره، وامتدت شبكة الرقيق
الأبيض اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ومنها إلى الشرق، فكانت هناك
مراكز في جنوب أفريقيا ومصر والهند وسنغافورة والصين. وقد أصبح البغاء جزءامن حياة
قطاعات بعض يهود اليديشية في شرق أوربا حتى صار عملا محايداً-مجرد نشاط اقتصادي ومصدر
للرزق-
٠ف
وتحولت
قطاعات من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تعمل بالبغاء . وقد أشار أحد
الأطباء اليهود من غرب أوربا إلى أن كثيرا من أمهات البغايا كن ينظرن إلى البغاء
باعتباره مصدرا مشروعا للرزق . ومسرحية الانتقام للكاتب اليديشي شولم آش توضح هذه
الصورة ، فبطل المسرحية يدير ماخورا للدعارة في الدور الأزضي من منزله ، ولكنه يصر
على أن هذا لا علاقة له بالقيم الأخلاقية التي تسود بين أعضاء أسرته (وازدواجية
الأخلاق هي إحدى سمات الجماعة الوظيفية) . وبغتة تفر ابنته من المنزل وتعمل
بالدعارة في ماخور آخر . وحين تعود نادمة على فعلتها، يرفضها أبوها ويرسل بها إلى
الدور الأزضي لتعمل فيه مع بقية البغايا . وقد أصبحت البغي اليهودية شخصية معروفة
في كثير من عواصم أوربا وإلى جوارها القواد اليهودي الذي لم يكن يكتفي بطبيعة
الحال بتجنيد البغايا اليهوديات ، وإنا كان يتاجر بفتيات من كل قطاعات المجتمع .
وقد أصبح القفطان (زي يهود اليديشية) رمز تجارة الرقيق الأيض ، كما أصبحت اليديشية
لغة هذه التجارة . وقد زاد عدد البغايا اليهوديات بشكل واضح في النمسا حيث زاد عدد
اليهود في فيينا من بضعة آلاف في منتصف القرن التاسع عشر إلى مائة وخمسين ألفا مع
نهايته ، وحيث زادت معدلات العلمنة بشكل واضح وتفشت قيم اللذة .
وقدذهب هتلر للى فيينا ، ولاحظ الوجود اليهودي
في هذه التجارة المشينة ، وسجل ملاحظته في كتابه كفاحي . كما شهدت ألمانيا نفسها
نشاط البغايا والقوادين اليهود بشكل مكثف إذ أنها كانت المعبر بين جاليشيا وبقية
العالم . وقد ترك ذلك أثره بطبيعة الحال على أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في
هذا قرينة على مؤامرة اليهود على العالم ومحاولتهم إفساده ، خصوصا وأنهم كانوا
مركزين بشكل واضح أيضاًني المجلات الإباحية وفي القطاعات الاقتصادية الماثلة.
وكانت الأجنتين تعد أهم مراكز البغاء اليهودي في
العالم (وتوجد هناك ، حتى الآن ، دار للمسنين تضم البغايا اليهوديات المسنات) .
وقد بلغ تجار الرقيق الأبيض اليهود درجة من القوة مكنتهم من التحكم في المسرح
اليديشي، وفي جوانب أخرى كثيرة من حياة الجماعة اليهودية . وهذا يرجع إلى وجود
قطاع اقتصادي لا بأس به، من بقالين وأصحاب عقارات وخياطين وغيرهم ، مرتبط بهؤلاء
التجار ، ولذا فقد كونوا جماعة ضغط ، ولكنهم، مع هذا ، فشلوا في السيطرة تماماً
على الجماعة اليهودية ، كما فشلوا في الحصول على القبول الاجتماعي من جانبهم. وقد
كانت الجماعة تطلق عليهم مصطلح «تميم» ، أي
«المدنسين»
، فاضطروا إلى تكوين جماعة يهودية مستقلة . وبرغم اشتغال هؤلا القوادين بالبغاء ،
فإنهم أصروا على التمسك بهويتهم اليهودية ، فكان لهم معابدهم وحاخاماتهم وقبورهم،
كما كانوا يحتفلون بالأعياد اليهودية . وهكذا كانت بوينس أيريس هي عاصمة البغاء في
العالم.
ولا يمكن إنكار ما يقوله أعداء اليهود عن بروزهم
في تجارة الرقيق الأيض في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي ، فهذه حقيقة
واقعية نؤثر أن نسميها «واقعة جزئية» في مقابل «الحقيقة الشاملة» . ولكن تقرير
الواقعة الجزئية دون ذكر الحقيقة الشاملة هو جوهر العنصرية. فهذه الأدبيات لاتحدد
ماإذاكانت هذه الواقعة مسألة أزلية ثابتة لهادلالة عامة بالنسبة إلى ما يسمونه
«الطبيعة اليهودية» أم أنها تفصيلة عرضية متغيرة ليس لها أي دلالة . كما أن هذه
الأدبيات تخفي بعفر الحقائق التي قد تمكننا من فهم الحقيقة بشكل أوسع.
وفي محاولة تفسيرهذه
الواقعة ، يجب أن نشير إلى أن نهايات القرن التاسع عشركانت مرحلة تعثر التحديث في
شرق أوربا حيث توقفت فرص الحراك الاجتماعي واضمحل الأمل في المستقبل بالنسبة إلى
عدد كبير من اليهود الذين أدت عمليات التحديث إلى طردهم من أعمالهم التقليدية . فكان
نصف عدد يهود جاليشيا البالغ عددهم ثمانائة ألف متعطلين عن العمل ، من بينهم تسعة
وثلاثون ألف أنثى كن مصدرا خصباً للبغايا . ولكن الفقر في حد ذاته لا يؤدي أبدا
إلى انتشار ظاهرة كالاشتغال بالبغاء ، إذ لإبد وأن تصاحب ذلك تحولات في البيئة
الاقتصادية (والأخلاقية والنفسية) للمجتمع ، تطبع إلى حد ما مثل هذه المهن وتعطيها
قسطا من القبول الاجتماعي . ومع تزايد حركة التصنيع ، شهدت هذه الفترة تركز أعضاء
الجماعات اليهودية في المدن الكبرى . لكن سكنى المدن والتركيز فيها ليس مسألة
مادية خارجية ، وإنا هو شيء يحدث تحولات نفسية وأخلاقية عميقة . وقد كانت الفترة
التي انتشر فيها الرقيق الأيض فترة انفجارة سكانية بين هود شرق أوربا ، كما كانت
فترة الهجرة الأوربية واليهودية الكبرى إلى الولايات المتحدة ، والهجرة تؤدي عادة
إلى خلخلة الأخلاق . وقد صاحب ذلك تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية ،
وهو ما كان يعني زيادة الرغبة في الاستهلاك ونقصان المقدرة على احتمال الفاقة (مع
تآكل قيم مثل الزهد والقناعة) . وقد أدى كل ذلك إلى تفكك الأسرة، وفقدان الأب
السيطرة والهيبة التقليدية ، كما فقدت المؤسسة الدينية اليهودية ذاتها معظم
شرعيتها وسيطرتها بسبب
١٧٥
هجمة
الدولة القومية العلانية عليها . وقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة على سرعة انتشار
تجارة الرقيق الأبيض - شأنها في هذا شأن أية تجارة أخرى .
ومن الأسباب الأخرى التى ساعدت على انتشار
البغاء بين إناث اليهود تشدد العائلات اليهودية ، فكثير ماكانت الفتاة تخطئ مرة
واحدة فترفض الأسرة السماح لها بالعودة . كما كان التعليم الديني مقصورا على
الذكور ، ولذا كانت الفتيات يتلقين تعليها علمانيا (خارج المدارس التلمودية
العليا) ، وهو ما زاد من معدل علمنتهن . وكانت كثير من الفتيات اليهوديات يتسمن
بالسذاجة نظراً لأن عزلة الجيتو وقبضة الأسرة اليهودية القوية شكلت سياجا بينهن
وبين الواقع الأوربي الذي كان يتغير وتتغير أخلاقياته بسرعة غير مألوفة في تاريخ
البشرية بأسره .
وقد ساهمت الطقوس
اليهودية الخاصة بزواج المطلقة أو الأزملة في انتشار البغاء ، إذلم يكن يسمح
للمرأة أن تتزوج مرة أخرى إلا بعد حصولها على «جيط» وهي شهادة شرعية تصدرها المحاكم
الحاخامية . ولكن الحصول على مثل هذه الشهادة كان أمرآ في غاية الصعوبة ، الأمر
الذي أدى إلى وجود عدد كبير من المطلقات والأرامل ممن لا يحق لهن الزواج . وقد بلغ
عددهن ٥ ٢ ألفا في بولندا (بعد الحرب العالمية الأولى) .
ومن الحقائق المشينة أن
الحكومة الروسية كانت تعتبر أن وظيفة البغاء من الوظائف التي تسمح لصاحبتها
بمغادرة موطن الاستيطان (باعتبار أن البغاء تجارة متميزة ونافعة - وقد كان التجار
المتميزون والعاملون بوظائف نافعة يتمتعون بحق ترك منطقة الاستيطان متى شاءوا) . وقد
خلق هذا وضعاًشاذا إذ أصبح بوسع الفتاة التي تعمل بهذه الوظيفة أن تترك أسرتها
وتذهب إلى موسكو (على سبيل المثال) بعيداً عن سلطة أسرتها ثم تعود بعد فترة ومعها
ثروة لا بأس بها، وهو ما كان يدعم من مكانتها داخل الأسرة ويقوض من هيمنة الأب
وشرعيته . ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار البغاء في الأزجنتين أن التجارب
الاستيطانية فيها اتسمت بزيادة عدد الذكور ، وهو ماخلق سوقا رائجا للبغايا .
ومن أهم العناصر التي
أدت إلى انتشار تجارة الرقيق الأيض أن اليهود كانوا يشكلون في الحضارة الغربية
جماعة وظيفية تشتغل بكثير من الأعمال الهامشية في المجتمع ، أو الأعال المشبوهة من
الناحيتين الأدبية والمادية مثل العمل بالمجاري ومثل الأعمال التي تتطلب قدراً كبيرا
من الحياد كالتجارة والربا ، كما أنهم يتجهون إلى الأعيال الجديدة التي تتطلب روح
الريادة . وتجارة الرقيق الأبيض تنطبق عليها كل هذه المواصفات، فهي تجارة هامشية
تتطلب قدراً كبثاً من الحياد وعدم الالتزام
العاطفي أو الأخلاقي تجاه أعضاء المجتمع ، وهي وظيفة مشبوهة أخلاقيا. كما أن
الفترة التي راجت فيها هذه التجارة هي فترة مفصلية، ومثل هذه الفترات تملؤها عادة
الجماعات الوظيفية ، وهي في الواقع مفصلية من ناحيتين : أولا ، كانت معدلات
العلمنة في المجتمع الغرب قد ارتفعت بشدة . ولكن يلاحظ أن علمنة الرغبة قد سبقت
علمنة السلوك ، فنجم عن ذلك أن تفتحت شهية الإنسان الغري إلى استهلاك السلع
والنساء . ولكن الحرية الجنسية لم تكن قد انتشرت بعد ، ذلك لأن علمنة الرؤية
الأخلاقية وعلمنة السلوك تستغرقان وقتا أطول . ثانيا ، كان أعضاء ألجماعات
اليهودية في نفس هذه المرحلة قد فقدوا دورهم التقليدي داخل قطاعات اقتصادية معينة،
وفقدوا مكانتهم السياسية ، وكان القهال كتنظيم اجتماعي سياسي قد تآكل تماما . وفي
ذات الوقت ، لم يكن قد تم دمجهم في المجتمعات الغربية . وقد تزامنت هذه المرحلة
الانتقالية مع نفس المرحلة المفصلية التي أشرنا إليها . ومن الملحوظ أن نفس هذه
المرحلة هي التي شهدت ازدهار اللغة اليديشية والفكر الصهيوني وحزب البوند.
ومع
نهاية المرحلة المفصلية ، اختفت معظم هذه الظواهر باندماج تهود العالم الغربي في
مجتمعاتهم، أو عن طريق إبادتهم .
ومن
الأمور المهمة التي يسقطها أعداء اليهود أنه كانت توجد أعداد كبيرة من البغايا غير
اليهوديات ، وأنه ، بعد الثلاثينيات ، بدأت ظاهرة البغي اليهودية تختفي كظاهرة
متميزة لها دلالتها . والأهم من هذا ، أن أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية شنت حربا
شرسة ضد التجارة المشينة، وكان هذا من أهم العناصر التي أدت إلى القضاء عليها .
أما
في إسرائيل ، فإن الصورة مختلفة إلى حد كبير. فيلاحظ زيادة البغاء بشكل واضح حتى
بين طالبات المدارس والفتيات القاصرات . بل إن إسرائيل تصدر العاهرات أيضا إلى دول
العالم الغربي . ففي فرانكفورت ، يلاحظ وجودعددكبيرمن العاهرات الإسرائيليات . وفي
أمستردام ، تزايد عدد القوادين الإسرائيليين ، حتى أن لغة الدعارة هناك أصبحت
العبرية أو رطائة عبرية . وقد صدر مؤخرا ، في إسرائيل ، قانون يبيح البغاء . وبحسب
مشروع القانون المذكور، يسمح للمرأة الوحيدة (أي غير المتزوجة) بممارسة البغاء في
بيت أو فندق أو سيارة أو قارب ، كما يسمح لها بنشر « الإعلانات المعقولة » . وعلى
كل ، فإن الصحافة الإسرائيلية كانت زاخرة بمثل هذه الإعلانات «المعقولة » حتى قبل
صدور القانون .
١٧٧
ويبدو أن ما بين ١٥- ٠
٦٢ من المهاجرين السوفييت من النساء اشتغلن بالبغاء-وهو شكل من أشكال بيع الطاقة
العضلية ، حيث يصبح النشاط الجنسي نشاطا اقتصاديا موضوعيا محايداً- فالبغى حالة
متطرفة من الإنسان المرتزق. ويبدو أن هذا السلوك كان محايدا للغاية إذ كانت النساء
يعملن بعلم أعضاء الأسرة وموافقتهم ، وهو الأمر الذي سبب صدمة للإسرائيليين الذين
لم يصلوا بعد إلى هذا المستوى العالي من الحياد والموضوعية والمادية .
الشذوذ الجنسي
يحرم العهد القديم العلاقة الجنسمثلية أو الشذوذ
الجنسي بين الذكور ، وتبلغ عقوبة هذه الجريمة حد الإعدام . أما التلمود ، فهو يجرم
العلاقة الشاذة بين كل من الذكور والإناث . ولا يوجد وصف تفصيلي لحوادث جنسمثلية
في العهد القديم إلا في حادثة لوط (تكوين ١٩/ ٥)، وفي قصة بنو بليعال من بنيامين
(قضاة ٢٠/١٩) .
ويبدو أن سلوك أعضاء
الجماعات اليهودية عبر التاريخ البشري كان يتسم بالإحجام عن الشذوذ الجنسي . ولذا
، فإننا نجد أن التلمود لا يشغل باله كثيرا بالعلاقات الجنسية الشاذة ، بل إن
الشولحان عاروخ ، وهوتلخيص للقوانين التلمودية ، يهمل ذكرهاباعتبار أنها أمر مفروغ
منه . ومما يجدر ذكره أنه في أثناء المواجهة بين اليهودية والهيلينية في القرون
الأخيرة قبل الميلاد ، ومع تأغرق أعداد كبيرة من أعضاء النخبة اليهودية في مصر
وفلسطين، ورغم القبول الواضح في التراث الهيليني للشذوذ الجنسي ، فإن أعضاء
الجماعات اليهودية لم ينغمسوا في مثل هذه المارسة . ويبدو أن بعض الأدباء السفارد
، متأثرين بتقاليد الشعر العربي والتغزل بالغلان ، كتبوا عن حب أفراد من نفس الجنس
. بل ويبدو أن المارسات الجنسية الشاذة كانت منتشرة بين السفارد قبل وبعد الطرد من
إسبانيا حتى أن كلمتي «يهودي» و«شاذ جنسيا» كانتا مترادفتين في شبه جزيرة أيبريا .
كما أن التراث القبالي يرى أن كلا من الإله والإنسان (قبل تبعثر الشرارات) مكونان
من عناصر ذكورة وأنوثة مختلطة ، وفي هذا تعبير عن الواحدية الكونية الحلولية ورفض
للثنائيات .
وقد تغير الوضع تماماً
في العصر الحديث مع تصاعد معدلات العلمنة بين أعضاء الجياعات اليهودية ، فرئيس أول
جماعة عالمية للشواذ جنسيا من الذكور هو ماجنوس هيرشفيلد (١٨٦٨ - ١٩٣٥) ، ومساعده
كورت هيلر (١٨٨٥ - ١٩٧٢) ، وكلاهما كان
ألمانيا
يهوديا (بل وكان هيلر يزعم أنه من نسل الحاخام هليل) . وكان هيلر هو أول من طالب
باعتبار الشواذ جنسيا أقلية لابد من حماية حقوقها . ويلاحظ اهتمام علماء النفس
اليهود بموضوع الشذوذ الجنسي . ومن المعروف أن فرويد ينسب لكل البشر ازدواجية جنسية أو جنسمثلية كامنة .
ولكن حتى لا تفسر هذه المعلومات تفسيرا عنصريا
يبسط الأمور تبسيطاً مخلا يجعل من اليهود «مسئولين» عن الشذوذالجنسي، لابدوأن نشير
إلى أن التقبل المتزايدللشذوذالجنسي وتطبيعه هو إحدى سمات المجتمعات العلمانية
المتقدمة ، كما أنه نتيجة حتمية لغياب اليقين المعرفي والمطلقية الأخلاقية وغياب
المركز وتعاظم أهمية الهامش وإنكار أي مفهوم للطبيعة البشرية ومن ثم أي معيارية .
وإذا كان هناك وجود ملحوظ لليهود في الحركات الداعية لتطبيع الشذوذ الجنسي ، فهذا
أمر نابع من أن أعضاء الأقليات (الذين يوجدون في الهامش) ، وخصوصاأولئك الذين يتحولون
إلى جماعات وظيفية ، لهم استعداد أكبر من إستعداد أعضاء ا لأغلبية لارتيادآفاق
جديدة سواء في عالم الاستثمار أو في عالم الأفكار والسلوك . ومها يكن الأمر، فإن
حركة الشذوذ الجنسي في العالم الغري قد حققت تقدماً ملحوظا حتى أن قوانين معظم
بلاد أوربا قد تغيرت، فهي تسمح بالعلاقات الجنسية الشاذة الخاصة بين بالغين يدركون
ما يفعلونه ويقبلونه ، وبدأت تصدر تشريعات تعترف بالعلاقة الشاذة جنسيا كزواج شرعي
يعطي لطرفيه كافة حقوق المتزوجين من معاش حكومي إلى علاوات إضافية بل وحق تبني
الأطفال! كما أن كثيرا من الكنائس المسيحية أصبحت تقبل العلاقة الشاذة جنسيا، بل
وتؤسس الآن كنائس للشواذ جنسيا، ويرسم الشواذ جنسيا قساوسة ووعاظا. وقد بدأت
المؤسسات الدينية اليهودية تلحق بالركب، فاليهودية الإصلاحية والمحافظة لا تحرمان
الآن الشذوذ الجنسي. وقد أسست أيضاًمعابد تهودية للشواذ جنسيا، ورسم حاخامات شواذ
جنسيا من الجنسين. وهذا دليل آخر على أن الجاعات اليهودية هي، في نهاية الأمر،
ثمرة التغيرات الحضارية والاجتماعية التي تقع للمجتمعات التي يعيشون في كنفها ،
ومن السخف بمكان التحدث هنا عن «تاريخ يهودي مستقل» أو عن مسئولية اليهود عن الشر.
ونحن نتوقع أن تتطور الأمور بين الجماعات
اليهودية بشكل أسرع منها بين المسيحيين ، وهذا يعود للتركيب الجيولوجي التراكمي
لليهودية والتي تحوي داخلها أشياء عديدة متناقضة . كما أن تطور اليهودية وقبولها
للهوية الإثنية كأساس للانتماء ، بدلا من العقيدة
١٧٩
الدينية ، يفتح الباب
على مصراعيه لأي سلوك مها تنافى ذلك مع القيم الأخلاقية أو الدينية ، فالهوية
الإثنية لا تفرض على صاحبها أية أعباء أخلاقية . وكما جاء في إحدى الدراسات ، فإن
المعابد اليهودية الشاذة جنسيا تكافح من أجل الحصول على الفهم والقبول من بيت إسرائيل
(الشعب اليهودي) رغم أنف التحريمات الواردة في التوراة وتقاليد اليهودية الحاخامية
التي استبعدتهم من الحياة الدينية للجاعة .
والقانون
العثماني الذي طبقته حكومة الانتداب ، ومن بعدها الدولة الصهيونية، يحرم العلاقات
الجنسية الشاذة . ومع هذا ، كانت السلطات التنفيذية الصهيونية تنظر للممارسات
الشاذة بكثير من التسامح ، ولذا لم يقدم أحد قط للمحاكمة بتهمة المارسة الجنسية
الشاذة . وفي عام ٩٨٨ ١ ، أصدر الكنيست قانونا بإلغاء القانون الذي يجرم العلاقات
الجنسية الشاذة (رغم معارضة اليهود الأرثوذكس) . ولا يعفى الشواذ جنسيا من الخدمة
العسكرية ، ولكنهم ينقلون إلى مواقع غير هامة من الناحية الأمنية . ويوجد في
إسرائيل جماعة تسمى جماعة الدفاع عن الحقوق الشخصية أسست عام ١٩٧٥ . وبعد عام ٩٨٨
١ ، ظهرت مجلات شاذة جنسيا في إسرائيل باللغتين العبرية والإنجليزية . وفي يونيه
١٩٩١ ، عقد في تل أبيب المؤتمر الدولي الثالث للشواذ جنسيا من الذكور والإناث
والمخنثين (أي الذين يحوون عناصر ذكورة وأنوثة) . وهناك اتجاه الآن في إسرائيل نحو
منح المزيد من الحريات للشواذ جنسيا . وقد صرحت يائيل ديان ، ابنة موشيه ديان ، أن
العلاقة بين الملك داود ويوناثان هي علاقة شاذة جنسيا ، وقد عرضت مسرحية في
إسرائيل تتناول سيرة داود الملك بنفس الطريقة. وهناك العديد من الأفلام والأعمال
الفنية التي تتعامل مع هذا الموضوع. وقد عقد أول «زواج» بين ذكرين من الشواذ جنسيا
فى إسرائيل على يد حاخام إصلاحى عام ١٩٩٨، الأمر الذى أثار حفيظة المؤسسة الدينية
وطرح من جديد قضية «من هو اليهودى؟» .
اليهودية المتمركزة حول
الأنثى
كلمة
«فيمنست أ٤٦٤٢1111115 » الإنجليزية في تصورنا مختلفة
تماما عن عبارة اويمنز ليبريشياون موفمنت ٤ا122ع1010٧ 1001120101 س1 115ع٧70112 » . فالعبارة الأخيرة، يمكن التعبير
عنها بعبارة «حركة تحرير المرأة» أما الأولى فنحن نؤثر التعبير عنها بعبارة «حركة
التمركز حول الأنثى» ( لأسباب سوف نوردها فيما بعد) . ومن هنا قولنا «اليهودية
المتمركزة
حول الأنثى» (الأنثى
اليهودية بطبيعة الحال) . وقد ظهرت حركات سياسية واجتماعية وفكرية تدور حول موضوع
المرأة في المجتمع. ويمكن أن نقسم هذه الحركات إلى اتجاهين : حركات تحرير المرأة ،
وحركات التمركز حول الأنثى . والحركة الأولى حركة اجتماعية سياسية فكرية تهدف إلى
تحقيق العدالة في المجتمع بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان من تحقيق لذاته
إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل. وعادة ما تطالب
مثل هذه الحركات بحقوق المرأة سواء السياسية (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في
السلطة) ، أو الاجتماعية (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال) ، أو الاقتصادية
(مساواة المرأة في الأجور مع الرجل) . وبرغم أن حركات تحرير المرأة تصدر عن مفهوم
تعاقدي للمرأة (باعتبارها فردا مستقلا بذاتها لا باعتبارها أما وعضوا في أسرة) ،
فإن حركة تحرير المرأة تدور في إطار بعض القيم الاجتماعية المستقرة ، وتقبل
المفهوم التقليدي لدور المرأة في المجتمع والمفهوم التقليدي للطبيعة البشرية .
أما
حركات التمركز حول الأنثى فهي رؤية معرفية أنشروبولوجية اجتماعية تقف على الطرف
النقيض من كل هذا ، فهي تصدر عن مفهوم أساسي هو أن تاريخ الحضارة البشرية إن هو
إلا تعبير عن هيمنة الذكر على الأنثى ، وهي هيمنة تمت إثر معركة أو مجموعة من
المعارك حدثت في عصور موغلة في القدم حينها كانت المجتمعات كلها مجتمعات أمومية
تسيطر عليها الأنثى أو الأمهات ، وكانت الآلهة إناثا، وكان التنظيم الاجتماعي ذاته
يتصف بالأنوثة ، أي بالرقة والوئام والاستدارة (التي تشبه نهود الإناث وعضو
التأنيث) . ثم سيطر الذكور وأسسوامجتمعا مبنيا على الصراع والسلاح (الذي يشبه عضو
التذكير) وعلى الغزو (الذي يشبه اقتحام الذكر للأنثى) . وانطلاقاً من هذه الرؤية
للتاريخ ، يطرح دعاة التمركز حول الأنثى برنامجا إصلاحيا يدعو إلى إعادة صياغة كل
شيء ؛ التاريخ واللغة والرموز ، بل والطبيعة البشرية ذاتها . فالتاريخ في تصورهم
هو سرد للأحداث من وجهة نظر ذكورية ، ولابد أن يعاد السرد من وجهة نظر أنثوية،
والرموز التى فرضها الذكور لابد وأن تضاف لها رموز أنثوية . واللغات ، التي عادة
ما تفضل صيغة التذكير على صيغة التأنيث ، لابد وأن يعاد بناؤها بحيث تستخدم صيفاً
محايدة أو صيغاًذكورية أنثوية . وهذا البرنامج الإصلاحي هدف في نهاية الأمسر إلى
إعادة صياغة الإدراك البشري ذاته للطبيعة البشرية كما تحققت عبر التاريخ وتجلت في
مؤسسات تأريحية وأعمال فنية، فهذا التحقق والتجلي إن هما إلا انحراف عن مسار
التاريخ الحقيقي بعد استيلاء الذكور عليه!
إن ماتنادي به حركة
التمركز حول الأنثى يختلف تماما عباتنادي به حركة تحريرالمرأة . فالرجل يمكنه أن
ينضم إلى حركة تحرير المرأة ، ويمكنه أن يدخل في حوار بشأن ما يطرح من مطالب لضمان
تحقيق العدالة للمرأة ولضمان ألاتتحول الاختلافات بين الجنسين إلى أساس بيولوجي للتفاوت
الاجتماعي والاقتصادي بينها (وكأن المرأة تعادل الرجل الأسود في المنظومة العنصرية
الغربية البيضاء) . ويمكن للمجتمع الإنساني بذكوره وإناثه أن يتبنى برنامجا
للإصلاح في هذا الاتجاه، ويمكن لكل من الرجال والنساء تأييده والوقوف وراءه . أما
حركة التمركز حول الأنثى فلا يمكن أن ينضم لها الرجال ، فالرجل باعتباره رجلا لا
يمكنه أن يشعر بمشاعر المرأة ، كما أنه مذنب يحمل وزر هذا التاريخ الذكوري ، رغم
أنه ليس من صنعه . ولا يوجد برنامج للإصلاح وإنا يوجد برنامج للتفكيك يهدف إلى
تغيير الطبيعة البشرية ومسار التاريخ والرموز واللغات .
![]()
![]()
![]()
وفي تصورنا أن الرؤية الكامنة وراء حركة
التمركز حول الأنثى هي رؤية حلولية تستند إلى رؤية واحدية كونية إذ تحاول اختزال
الكون بأسره إلى مستوى واحد ، فتدمج الإله والطبيعة والإنسان والتاريخ في كيان
واحد وتحاول أن تصل إلى عالم جديد تماماً تتساوى فيه الأطراف بالمركز، عالم لا
يوجد فيه قمة وقاع ولا يمين ويسار (ولا ذكر وأنثى) ، وإنا يأخذ شكلا مسطحا تقف فيه
جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتصفى فيه كل الثنائيات . بل إن
تحقق هذا النمط يتم عند نقطة الصفر حين تصبح كل الكائنات شيئاً واحدا. وبينما
تعترف حركة تحرير المرأة بالاختلافات بين الرجل والمرأة ، وتحاول ألا يكون هناك
تفاوت اقتصادي أوإنساني نتيجة هذا الاختلاف ، فإن حركة التمركز حول الأنثى لا ترفض
التفاوت وحسب وإنا ترفض الاختلاف ذاته. وبينما تعترف حركة تحرير المرأة بأن هذا
الأختلاف يؤدي إلى اختلاف في توزيع الأدوار وتأمل ألا ينجم عن هذا الاختلاف ظلم أو
تفاوت اجتماعي ، فإن حركة التمركز حول الأنثى ترفض توزيع الأدوار وتطالب أن يصبح
الذكور آباء وأمهات ، وأن تصبح الإناث بدورهن آباء وأمهات . بل إن الأمر يمتد
ليشمل الأحاسيس ذاتها . فالمرأة يجب ألاتختلف مشاعرها عن مشاعرالرجل. ويمتد الأمر لرؤية
الإنسان للإله. فحركة التمركز حول الأنثى ترى أن كل التاريخ يدور حول مركز ، هذا
المركز هو الرجل؛ عضو التذكير، السلطة ، الإله الذكر . ويجب أن يحل
والمفارقة الكبرى تكمن
في أن حالة السيولة الحلولية الكونية تثبت عادة استحالتها ، فينتج عنها حالة تفتت
ذري . وتصبح القضية ليست جعل الذكر مثل الأنثى وإنا ينتج عنها ثنائية صلبة تصبح
ثنوية فيتم عزل الأنثى تماماً عن الذكر باعتبار أن ما تحس به الأنثى لا يمكن للذكر
أن يحس به ، وباعتبار أن التجربة التاريخية للأنثى مغايرة تماماً للتجربة
التاريخية للذكر . ويمكننا هنا أن نرى تطورا تاريخيا في قضية علاقة الذكر بالأنثى
، من مساواة الذكر بالأنثى إلى ظهور الخنثى، وأخيرا ظهور الأنثى التي لا علاقة لها
بالذكر (ولا بالأنثى كما نعرفها) . وحينها نصل إلى هذه المرحلة ، فإننا لا نتحدث
عن برنامج للإصلاح وإنا عن برنامج تفكيكي تختفي فيه كل المقولات الثنائية
التقليدية ، مثل : إنسان/ طبيعة - إنسان/ حيوان - ذكر/ أنثى ، ويختفي المركز تماما
، ويصبح التمييز مستحيلا . عند هذه المرحلة ، تلتحم حركة التمركز حول الأنثى
بحركات حلولية مماثلة كالدفاع عن السحاق ، وعبادة الأض ، فهي كلها حركات تفترض أن
ما هو مطلق لا يتجاوز المادة وإنا يكمن ويحل فيها ، فهو الأزض بالنسبة لعبدة
الطبيعة ، وهو الأنثى بالنسبة لحركات التمركز حول الأنثى ، وهو الطبقة العاملة بالنسبة
للفكر الشيوعي ، والمنفعة واللذة الفردية بالنسبة لليبرالية. وهذا المطلق الحال هو
الذي يحرك التاريخ ويساوي بين كل الكائنات ويسويها الواحدة بالأخرى .
ويبدو أن المرأة
اليهودية كانت مرشحة أكثر من غيرها لأن تنخرط في صفوف حركات تحرير المرأة ثم حركات
التمركز حول الأنثى في الغرب لأسباب عديدة ، من بينها :
١ -
ارتفاع معدلات العلمنة بين الإناث اليهوديات في الغرب بنسبة تفوق مثيلتها لا بين
أعضاء المجتمع وحسب وإنا بين الذكور اليهود أنفسهم (ولعل هذا يعود إلى أن الأنثى
اليهودية كانت لا تتلقى تعليما دينيا ، كما أنها كانت غير ملزمة بأداء كثير من
الشعائر الدينية اليهودية) .
٢ -
لابد وأن الفكر الحلولي اليهودي ولد لدى الإناث اليهوديات قابلية عالية للغاية
لتقبل نزعة التمركز حول الأنثى والدعوة إليها . ويلاحظ أن مقولة يهود/ أغيار تقابل
تماماً مقولة أنثى/ ذكر . كما أن التمركز حول الأنثى يشبه التمركز حول الهوية
اليهودية . ورؤية تاريخ البشر كتاريخ ظلم وقمع واضطهاد (لليهود وللإناث) ، هو
الآخر ، عنصر مشترك. ويشترك الفريقان في البرنامج التفكيكي العدمي .
١٨٣
ويعود تاريخ حركة تحرير
المرأة بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى عصر التنوير في ألمانيا ، حيث
عبرت عن نفسها في ظاهرة صالونات النساء الألمانيات اليهوديات ، مثل
راحيل
فارنهاجن، وفي ظهور أديبات يهوديات مثل إما لازاروس، ونساء يهوديات في الحياة
العامة مثل روزا لوكسمبرج (في الحركة الشيوعية) وهنريتيا سيزولد (في الحركة
الصهيونية) . ويمكن القول إن الحديث عن حركة مستقلة لتحرير المرأة اليهودية أمر
صعب إن لم يكن مستحيلا ، إذ أن حركة تحرير المرأة هي مسألة متعلقة بحقوق المرأة في
المجتمع ، وهو أمر يقع داخل رقعة الحياة المدنية العامة (وكفاح المرأة اليهودية
للحصول على حقوقها لا يختلف في الواقع عن كفاح النساء غير اليهوديات ، بل هو جزء
عضوي منه) . وقد تركت حركة تحرير المرأة أثرها على المؤسسات الدينية اليهودية التي
بدأت تفتح أبوابها للنساء . وبدأت اليهودية الإصلاحية والمحافظة تحث النساء
اليهوديات على المشاركة في الصلوات التي تقام في المعابد اليهودية التي لا يفصل
فيها الجنسان . كما أنه أصبح هناك احتفال ببلوغ البنات سن التكليف الديني (بت
متسفاه) على غرار احتفال البرمتسفاه ، أي بلوغ الصبيان هذا السن .
أما حركة التمركز حول
الأنثى ، فهي أمر مختلف تماماً . فهذه الحركة ، كما أسلفنا ، ليست مسألة حقوق ،
وإنما هي قراءة للتاريخ ، وموقف من اللغة والرموز والجسد ، ومن ثم يمكن الحديث عن
حركة يهودية للتمركز حول الأنثى تركت أثرا جذريا على الجماعات اليهودية وعلى العقيدة
اليهودية ، ولدت يهودية متمركزة حول الأنثى وصفت بأنها حركة تحاول تركيب بنية
دينية جديدة، تتكون من عناصر يجمعها مفكرو وقيادة الحركة لإعادة بناء اليهودية
بطريقة ترضي الإناث وتفي بحاجاتهن الأنثوية الخاصة . وهذه العناصر هي مجموعة من
الأساطير الشعبية والأفكار الوثنية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي
(مثل أسطورة ليليت) ، وهو تركيب جعل من الممكن على دعاة اليهودية المتمركزة حول
الأنثى توليد نسقهم من داخل النسق الديني ذاته ، ذلك لأن هذا التركيب يحوي كل شيء
تقريباً ، كما أنه يولد قابلية عالية لليهودية للتغير حسب الأوضاع والملابسات
التاريخية. وقد وصفت جوديت بلاسكو، إحدى مفكرات حركة اليهودية المتمركزة حول
الأنثى، بأغها حركة تسعى إلى توسيع نطاق التوراة، ومن ثم فهي تثير الشكوك بخصوص
غهائية النص التوراقي ومطلقيته ، فهي يهودية معادية للمطلق الديني المتجاوز للطبيعة
والإنسان ، وتطرح بدله نسقا يتغير بتغير الملابسات التاريخية والرغبات البشرية ،
الجماعية
والفردية . وهي في هذا لا تختلف كثيرأ عن لاهوت
موت الإله ، حين يموت الإله ويصبح المطلق الوحيد هو حادث الإبادة النازية ليهود
أوربا وإنشاء الدولة الصهيونية . وقد صرحت إحدى مفكرات الحركة بأن إعادة النظر في
وضع المرأة في سياق العقيدة اليهودية أمر جوهري يشبه إعادة دراسة المسألة اليهودية
في سياق التاريخ العام .
وكانت اليهودية
الإصلاحية هي أول فرقة استجابت لحركة التمركز حول الأنثى اليهودية إذرسمت سالي
برايساندحاخاماًني يونيه ١٩٧٢ . وفي عام ٩٧٣ ا ، وافقت اليهودية المحافظة على أن
تحسب النساء ضمن النصاب (منيان) اللازم لإقامة الصلاة في المعبد ، كما سمح لهن
بالقراءة من التوراة في المعبد ، وهذه أمور كانت مقصورة على الذكور البالغين. ثم
وافقت اليهودية المحافظة على ترسيم الإناث كحاخامات محافظات في ١٩٨٥، وكمنشدات
(حزان) عام ٩٨٧ ١ ، وقد اتسع النطاق بطبيعة الحال ليشمل كل الشعائر .
وقد أسست بعض النساء الأمريكيات اليهوديات من
المدافعات عن التمركز حول الأنثى جماعة «نساء الحائط» التي تطالب بحق تلاوة
التوراة أمام حائط المبكى، وارتداء شال الصلاة (طاليت) وهو حق مقصور على الرجال.
كما بدأت بعض المؤمنات باليهودية المتمركزة حول الأنثى بارتداء شيلان للصلاة
(طاليت) حريمي لونه بنبي وطاقيات للصلاة موشاة بعناصر حريمية مثل الدانتلا، وتمائم
للصلاة (تيفلين) مزينة بالشرائط (وإن كان بعضهن يرفضن الشيلان والطاقيات والتمائم
لأنهاذكورية أكثر من اللازم وتذكرهن بآبائهن!) . ومنذ عام ٩٨٣ ١ ، بدأت بعض
المعابد اليهودية غير الأثوذكسية بتعديل الصلوات حتى تتم الإشارة إلى الآباء
(باتريارك) وزوجاتهن الأمهات (ماتريارك) .
وتحاول بعض المعابد
تغيير صيغة الإشارة إلى الإله باعتباره ذكر ، فيشار إليه باعتبار أنه ذكر وأنثى في
ذات الوقت، حتى تتحقق المساواة التامة بين الجنسين! فيقال على سبيل
٠٠
, - - هي التي، وضع/ وضعت... إلخ"، بل ويشارإليه
أحياناً بالمؤنث وحسب، فهو « ملكة الدنيا»، و« سيدة الكون» و«الشخيناه». كا أن
بعض دعاة حركة التمركز حول الأنثى يستخدمن كليات لا جنس لها (بالإنجليزية : أن
جندرد 8ع٢ء152114!لا») مثل : «فريند 14اء1)0» (صديق)
و«كومبانيون اشة0ه» (رفيق) ركو كريتور-0 -0ء» (المشارك في الخلق) .
وهذا الاسم الأخيريدل على الجذور الخحلولية لليهودية المتمركزة حول الأنثى .
فالتاث القبالي يرك أن
١٨٥
الإنسان شريك للإله في
عملية الخلق إذ أن عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون) التي يستعيد بها الإله وجوده
ووحدته ، لا يمكن أن تتم إلا من خلال أداء اليهود للأوامر والنواهي.
كيا تحاول الحركة اليهودية المتمركزة حول الأنثى
تطهير الخطاب الديني تماماًمن أي استعارات قد يفهم منها الانقسام إلى ذكر وأنثى
مثل استعارة الزواج والزفاف المتواترة في العهد القديم . ولعل من أهم التغييرات في
عالم الرموز ظهور ليليت (نسبة لى الليل والظلمة) بديلا لحواء ، وهي حسب الأساطير
التلمودية الزوجة الأولى لآدم قبل حواء (أوعشيقته أثناء فترة انفصاله عن حواء ) ،
وقد تمردت على وضعها كأنثى فرفضت أن يطأها الرجل فى عملية الجاع ، لأنهاترى فى هذا
إذلالأ لها وهيمنة للرجل عليها ، ثم تمردت على الإله . وأصبحت تنتقم من الرجال
والنساء المتزوجات بأن تقتل الأطفال المولودين . فليليت ليست عكس حواء وحسب، بل هي
عكس الأنوثة والأمومة والحالة البشرية ذاتها، فهي شخصية تفكيكية من الطراز الأول
تنتمي إلى عالم ما بعد الحداثة الذي لا يوجد فيه لا مركز ولا معنى (وقد صدرت في
عام ٦ ٩٧ ١ مجلة ليليت لتعتر عن فكر حركة التمركز حول الأنثى أسستها سوزان وايدمان
شنايدر إحدى أهم مفكرات الحركة) .
ومن التعديلات الأخرى التي أدخلت على العبادة
اليهودية ، الاحتفال بعيد «روش هوديش» ، أي «عيد القمر الجديد» باعتباره عيداً
أنثويا . وتشير بعض مفكرات الحركة اليهودية للتمركز حول الأنثى إلى علاقة القمر
بالعادة الشهرية ، وإلى أن في التلمود عبارة تقول إن القمر سيصبح يوماً ما مساويا
للشمس ، ويفسر كل هذا على أنه إشارات إلى المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى
واختفاء أي اختلاف بينهما . ويقيم دعاة حركة التمركز حول الأنثى احتفالات خاصة
بالعادة الشهرية والاجهاض والولادة . وقد وصفت إحداهن الاحتفال بالمخاض وإنجاب
الطفل وقالت إنها عثرت عليه في كتاب يسمى سيفر هاتشبي (وقد ذكره أحد الحاخامات
ليحذر أعضاء الجماعة اليهودية من الانغماس في الخرافات الشعبية الوثنية) . ويأخذ
الطقس الشكل التالي :
ترسم دائرة بالفحم الأسود على حوائط الغرفة التي
تجلس فيها الأنثى التي ستنجب ، ثم يكتب على الحائط عبارة : آدم وحواء بدون ليليت ،
ثم يكتب على الباب أسياء ثلاثة ملائكة هم : سانوي وساتسوني وسامنجالوف (واسمهم هو
أيضا سانفي وسانسافي وسامن جاليف) ، ثم تحضر صديقات الأنثى التي ستلد ويجلسن في
دائرة حولها وهكذا .
وقد
أعد دعاة حركة التمركز حول الأنثى هاجاداه لعيد الفصح خاصة بالنساء (وكتبتها
الأمريكية إستير بروند والإسرائيلية نعومي نيمرود) . ويبدأ الاحتفال بعيد الفصح
بالنساء جالسات على الأرض وقد فرشن أمامهن مفرش وتوجه الأسئلة لأبعة بنات ، بدلا
من أربعة أولاد ، أما كأس النبي إلياهو فيصبح كأس الكاهنة مريم . وقد كتبت كتب
مدراش خاصة متمركزة حول الأنثى . وقد أدخلت الحركة أيضأ تعديلات عديدة ذات طابع
سطحي بعضها يكاد يكون كوميديا . فمثلا هناك احتفال يسمى «بريت بنوت يسرائيل» بدلا
من «بريت ميلاه (الختان)» تتلى فيه صلاة خاصة تؤكد أهمية الأمهات : أولهن بطبيعة
الحال ليليت ثم حواء وزوجة نوح وسارة ورفقه وليئة وراحيل . ويقام احتفال التشليخ
(بعد عيد رأس السنة) حيث تقوم النساء بإلقاء خطاياهن في الماء . وتأكل النساء
طعاماً مستديراً (فطائر) علامة الخصوبة والأنوثة ، ويشعلن شموعاً يوم السبت على أن
توضع الشموع في طبق مليء بالماء حتى تشبه القمر . وتجمع النساء الصدقة فيما بينهن
ولا ينفقنها إلا على حركة التمركز حول الأنثى . وكما أسلفنا ، رسمت نساء كحاخامات
كما أنه يوجد الآن معابد يهودية إصلاحية ومحافظة للمساحقات ، وقد رسمت لها
(كحاخامات) النساء المساحقات ، وتوجد الآن مدرسة تلمودية عليا تسمح بالتحاق الشواذ
جنسيا والمساحقات.
وقد
يكون من الأفضل تصنيف اليهودية المتمركزة حول الأنثى على أنها من بين العبادات
الجديدة ، أكثر من أن تكون استمرارا لليهودية الحاخامية ، وهي من ثم محاولة أخيرة
للإنسان العلماني اليهودي في الغرب أن يحل مشكلة المعنى والأزمة الروحية الناجمة
عن تصاعد معدلات العلمنة في المجتمعات التي يقال لها «متقدمة» .
وحركة التمركز حول الأنثى تشبه تماماً في بنيتها
الحركة الصهيونية التي تذهب إلى أن الأغيار لا يمكنهم أن يشعروا بشعور اليهود، وهم
يحملون وزر تاريخ قام باضطهاد اليهود جيلا بعد جيل ، والبرنامج الإصلاحي الصهيوني
لا يهدف إلى تحسين أحوال اليهود باعتبارهم أقلية دينية في أوطانهم وإنما هو برنامج
تفكيكي يطالب بسحب اليهود من مجتمعات الأغيار (مثلا تسحب المرأة في المنظومة
المتمركزة حول الأنثى من مجتمع الرجال) .
ولنا
أن نقول نفس الشى بالنسبة لما يحدث في الدين فا يحدث في حالة اليهودية المتمركزة
حول الأنثى ليس إصلاحاً دينيا يهدف إلى تطوير بعض الشعائر حتى يمكن لليهودي أن
يصبح إنسانا عصريا، وإنا هي عملية تفكيك للدين تغير من هويته وملامحه وتوجهه حتى
يصبح من العسير تسميته ديناً على الإطلاق ؟ فإذا كان النص المقدس نصا زمنيا
١٨٧
تاريخيا، وإذا كانت
العقائد مسائل اجتماعية اتفاقية. وإذا كانت الشعائر تدور داخل نطاق كل هذا ،
فماالفرق بين النص المقدس ومجلة نيوزويك مثلا؟
لقد دخل الإنسان الغربي
عالم ما بعد الحداثة : عالم حلولي وثني دائري عبثي (مثل «صمت الحملان») عالم يحكمه
إله مجنون ويعيش فيه بشر لا يمكن الحكم عليهم من منظور أي منظومة قيمية ، فهم خليط
من الذئاب والأفاعي والأميبا .
ومن أهم القيادات لحركة
التمركز حول الأنثى بتي فريدان (١٩٢١ - ) وهي كاتبة أمريكية ، وإحدى زعيمات حركة
التمركز حول الأنثى في الولايات المتحدة . ولدت عام ١٩٢١ في ولاية إلينوي باسم
نعومي جولدشتاين ، ودرست علم النفس بكلية سميث بولاية ماساشوستس (وهي كلية للنساء
فقط) . وتخرجت عام ١٩٤٢ لتستكمل بعدها دراستها العليا في جامعة بيركلي بكاليفورنيا
ثم عملت لعدة سنوات محللة نفسية وباحثة .
تفرغت بعد زواجها عام
١٩٤٧ لتربية أبنائها الثلاثة . وفي عام ٩٦٣ ١ ، نشرت كتابها الشهير السرالأنثوي
الذي يعدأبرزأدبيات حركة التمركزحول الأنثى في الولايات المتحدة في الستينيات
والتي تعد بتي فريدان أبرز رائداتها . والكتاب يركز على قضية المساواة ويهاجم
إعلاء دور المرأة كأم وزوجة ويدعو إلى تحقيق المرأة لذاتها من خلال التعليم
والعمل. وفي الواقع ، فإن هذا الكتاب كان بمثابة المرجع للعديد من الأفكار بشأن
حركة التمركز حول الأنثى لفترة طويلة ، إلا أن بتي فريدان نفسها عادت (عام ١ ٩٨ ١
) فنشرت كتاب الطور الثاني الذي غيرت فيه كثيرا من آرائها وهاجمت فيه كثيرا من
أفكار التمركز حول الأنثى وانتقدت مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ودعت
إلى عدم حرمان المرأة من خصوصيتها كامرأة ، وأكدت على أهمية دعم دور المرأة كأم
وزوجة وتأكيد حقها في الحرية والاختيار في إطار الحفاظ على مؤسسة الأسرة، كما دعت
إلى حق الإجهاض كحق من حقوق المرأة كإنسان لا كدعوة للانحلال الأخلاقي . كما دعت
بتي فريدان الحركة النسوية إلى زيادة الاهتمام بالحقوق الاجتماعية للمرأة وإلى
تقليل التركيز على القضايا الجنسية وعلى حرية الشذوذ الجنسي ، وهو ما استثار ضدها
التيارات الراديكالية في الحركة المتمركزة حول الأنثى الأمريكية التي اتهمتها
بالمحافظة بل وأحيانا بمعاداة التمركز حول الأنثى .
وعلى المستوى الحركي
تعد بتي فريدان من أنشط العناصر النسائية الأمريكية في عقدي الستينيات والسبعينيات
، حيث أسست المنظمة القومية للنساء (ناو 11077) عام
١٩٦٦
ورأستها
حتى عام ٠ ٩٧ ١ ، وهو نفس العام الذي قادت فيه مظاهرة تضم ٠ ٥ ألف امرأة للمطالبة
بمساواة المرأة في الحقوق والواجبات مع الرجل، كما شاركت في تأسيس المؤتمر السياسي
النسائي القومي في عام ١٩٧١ ، وفي تأسيس بنك النساء ١٩٧٣ ، والمجلس العالي للمرأة
٩٧٣ ١ . وكذلك ، فإنها تعد من أبرز الشخصيات التي دافعت عن مشروع قانون المساواة
الكاملة بين الجنسين الذي طرح في عهد الرئيس ريجان والمعروف باسم إيرا 8 .
وتعد بتي فريدان نموذجا
متكررا بين قيادات حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة ، إذ يلاحظ أن عددا
كبيرا منهن إما يهوديات ، أو لهن أصول يهودية . ويمكن القول أن هذا يعود لمركب من
الأسباب منها ما يلي :
١ -
يلاحظ تصاعد معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة لكونهم عناصر مهاجرة جديدة
لا تحمل أعباء تاريخية أو دينية ، وباعتبار أنهم أعضاء في أقلية وجدت أنها يمكنها
أن تحقق الحراك الاجتماعي من خلال الاندماج في المجتمع الأمريكي العلماني ومن خلال
تآكل القيم المسيحية الأخلاقية المطلقة .
٢ -
لعل الخلفية الحلولية (القبالية) لكثير من هذه القيادات قد ساهم في دفعهم نحو تبني
مواقف جذرية متطرفة ، فالحلولية بأحاديتها المتطرفة لا تعترف بأي حدود أو تقسيمات
أو اختلافات أو ثنائيات .
٣ -
يلاحظ أن الأسرة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتميز بقدر عال من
التماسك حتى أوائل الستينيات ، ولكنها أخذت في التآكل والتراجع كإطار للتضامن، وقد
أدى هذا إلى غربة عدد كبير من النساء اليهوديات وإلى إحساسهن بالاضطهاد داخل
الأسرة . ولا شك في أن الدور المتميز الذي كانت تلعبه الأم اليهودية في الأسرة
اليهودية في شرق أوربا ثم في الجيلين الأول وإلثاني من المهاجرين وتآكل هذا الدور
وتجوله إلى عبء على الأم وعلى أبنائها، بسبب ظهور المؤسسات الحكومية التي تضطلع
بوظائف الأم التقليدية ، لاشك في أن هذا قد عمق من هذه الغربة وبالتالي زاد من
تطرف الثورة .
الفصل السارس
الجانم اليبودية
ارتبط
اليهود في العقل التآمري بكل أنواع الجرائم . ويتناول هذا الفصل الجريمة اليهودية
بشكل عام ثم يركز على الجرائم المالية والجاسوسية .
من
المعروف أن النسق الأخلاقي الذي تطرحه العقيدة اليهودية (حينها تكون تعبيرا عن
الطبقة التوحيدية الكامنة فيها) يشبه ، في كثير من الوجوه ، الآنساق الأخلاقية
التي تطرحها الديانات السماوية . فالقتل والزنى والسرقة والشذوذ الجنسي والجاع مع
المحارم ، كلها أمور محرمة يعاقب عليها القانون الديني . ولتفسير السلوك الإجرامي
لأحد أعضاء الجماعات اليهودية ، لابد من العودة لحركيات وقيم المجتمع الذي يعيش
فيه هذا اليهودي، ولابد من دراسة القوانين الاجتماعية وإلجنائية والظروف
الاقتصادية والعناصر الأخرى كافة .
ومع
هذا ، يمكن ملاحظة أن بعض الأنماط المتكررة يمكن تفسيرها على أساس أن الجماعات
اليهودية تشكل أقليات وجماعات وظيفية، علما بأن أعضاء الأقلية يخضعون عادة لحركيات
المجتمع ولكنهم يشعرون بها بشكل أكثر حدة ، كما توجد بينهم دوافع وضوابط مختلفة
إلى حد ما عن تلك التي توجد في المجتمع ككل . ولكن ، قبل الاستمرار في الدراسة ،
تجب الإشارة إلى أن بعض الأرقام الموجودة لدينا غير موثوق فيها بسبب عنصرية
النموذج الإحصائي والتفسيري الذي تم بمقتضاه جمع المادة . كما أصبح العكس صحيحا
الآن ؛ إذ ترفض كثير من الدول الغربية أن تكشف عن الانتماء الديني أو الإثني
للمجرم خوفاً من إشاعة صورة عنصرية كريهة عن أعضاء الأقليات . وبعد هذا التحفظ ،
يمكن القول بأنه قد لوحظ ، على سبيل المثال ، أن نسبة الجريمة بين أعضاء الجماعة
١٩١
اليهودية
تكون أحيانا أقل من النسبة العامة في المجتمع، وقدتكون مساوية لها أو أعلى منها،
ولكن لكل وضع تفسيره. ويمكن استخدام الأحكام الصادرة ضد أعضاء الجماعة كمؤشر.
ولكننا لن نقدم هنا عرضا لأنماط الجريمة بين العبرانيين وأعضاء الأقليات اليهودية
عبر التاريخ وفي مختلف المجتمعات، ذلك لأن مثل هذا العرض سيشغل حيزاً ضخام، إلى
جانب أن ما غهدف إليه في هذا المدخل هو أن نبين مدى الخصوصية أو العمومية في ظاهرة
الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية . ولهذا ، فإننا سنركز على العصر الحديث وحسب
.
ثمة تباين واضح بين
معدل الجريمة بين أعضاء الجياعة اليهودية ومعدلها بين أعضاء مجتمع الأغلبية الذي
يعيشون في كنفه، فمعدلات الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية كانت منخفضة قبل
منتصف القرن التاسع عشر ثم أخذت في التزايد بعده إلى أن وصلت إلى معدلات ضخمة في
أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين . ثم أصبحت معدلات الجريمة بينهم لا
تختلف كثيرا عن المعدلات السائدة في المجتمع . ولتفسير هذا التباين ، يمكن القول
بأن أعضاء الأقلية يتمتعون عادة بدرجة أعلى من التماسك العائلي والتضامن الاجتماعي
، وأن هناك مؤسسات دينية واجتماعية (وهي عادة مقصورة عليهم) تقوم بعملية الرقابة
الداخلية والضبط الاجتماعي والأخلاقي . كما أن أعضاء الأقليات يخضعون دائا لرقابة
شديدة من أعضاء الأغلبية ، خصوصا في فترات التعصب والتمييز العنصري . وهذه الرقابة
الخارجية الصارمة من شأنهاأن تجعل عضوالأقلية حذراًيراقب سلوكه ولا يقبل على
ارتكاب الجريمة أو التفكير فيها إلا في أضيق الحدود وللضرورة القصوى . ولا شك في
أن تميز اليهود مهنيا ووظيفيا كان له دور في ذلك ، وكان هذا يعني المزيد من البروز
ومن ثم المزيد من الرقابة.
لكل ما تقدم ، نجد أن
تزايد انعتاق أعضاء الجماعات اليهودية واندماجهم يؤدي إلى تزايد معدل الجريمة
بينهم ، وهذه مفارقة لاحظها أيضاًدارسو وضع المرأة . فكلا ازدادت مساواة المرأة
بالرجل ، في الحقوق والواجبات ، زاد معدل الإجرام بين النساء ، فكأن تحرير المرأة
يعني أن تصبح مثل الرجل في الخير والشر ، وأن تتاح أمامها فرص متساوية للخير
والشرعلى حد سواء . وقد لوحظ أن معدل الجريمة بين يهود المجرفي أوائل القرن
العشرين مرتفع عنه بين يهود روسيا مثلا . ولا يمكن تفسير هذا إلا على أساس أن يبود
المجر كانوا أكثر الجماعات اليهودية انعتاقاًوائدماجاً . وقد لوحظ أيضاً أن معدل
الجريمة
بين
يهود ألمانيا (الذي كان متخفضاً) تساوى تقريبا مع النسبة العامة في المجتمع في
الفترة ما بين عامي ٨٨٢ ١ و٠ ١ ٩ ١ ، وذلك مع تزايد اندماج اليهود وازدياد معدل
التعليم بينهم وتجسن وضعهم الاقتصادي . وقدلاحظ ليتشنسكي أن معدل الأحكام الصادرة
ضديهود النمسا من المتعلمين كان يزيد بواقع ٠ ٧٥ مقارنا بمعدل الأحكام الصادرة ضد
يهود جاليشيا الفقراء الجهلاء . أما في هولندا ، فكان معدل الجريمة بين أعضاء
الجماعة اليهودية أقل من المعدل على المستوى القومي في عام ١٩٠٢ . ومع تزايد
انعتاقهم واندماجهم ، أصبح المعدلان متساويين . أما في البلاد العربية ، فيلاحظ أن
معدل الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية قل بعد إعلان دولة إسرائيل ، ربا بسب
زيادة الرقابة وتشديد القبضة عليهم.
ولابد
أن هناك استثناءات كثيرة من هذا النمط ، ففى الولايات المتحدة يلاحظ أن معدل
الجريمة بين المهاجرين اليهود يصل أحيانا إلى نصف المعدل على المستوى القومي في
الجيل الأول ثم يتزايد بالتدريج مع الجيل الثاني ، ومع الجيل الثالث يقترب معدل
الجريمة من المعدل العام . ومن المعروف أن أعضاء الجيل الثالث في الولايات المتحدة
من أبناء المهاجرين هم الذين يصلون إلى معدلات عالية من الاندماج والأمركة بحيث
يصبحون أمريكيين مائة في المائة . وهذا النمط ينطبق كذلك على معظم الدول
الاستيطانية .
ومع
هذا ، توجد ظاهرة عكسية وهي أن معدل الجريمة بين العناصر المهاجرة في قطاعات حرفية
أو طبقية معينة قد يكون أعلى من نظيره بين أعضاء المجتمع المضيف . كما أن الجماعات
المهاجرة تتخصص في أنواع من الجريمة غير معروفة في المجتمع أو كانت موجودة فيه
بشكل جنيني وحسب . ويعود هذا إلى أن العناصر المهاجرة هي داباً عناصر رائدة ،
وأعضاء الأقلية المهاجرة الباحثون عن الحراك الاجتماعي لا يلتزمون بقيم خلقية ولا
يشعرون بالولاء نحو المجتمع الجديد ، كما أنهم في العادة شخصيات حركية قادرة على
إدراك الثغرات في المجتمع وعلى التسلل منها . وبالفعل ، نجد أن جماعات من
المهاجرين اليهود كونوا في الثلاثينيات عصابات جريمة منظمة (مافيا) في نيويورك
تمارس نشاطات المافيا المختلفة من ابتزاز وتهريب مخدرات واغتيال نظير أجر والبغاء
، واستمرت في ذلك حتى الخمسينيات . (وقد كشف النقاب مؤخر عن أن عصابات الجريمة
المنظمة اليهودية قد دعمت الحركة الصهيونية ماليا وسياسيا، واشتركت في جمع
التبرعات لها ، بل واستخدمت نفوذها مع بعض حكام أمريكا اللاتينية المتعاونين مع
عصابات الجريمة المنظمة لتهريب السلاح للمستوطنين الصهاينة) .
١٩٣
وقد ظهرت الجريمة المنظمة أيضاًبين المهاجرين
اليهود السوفييت والإسرائيليين في الولايات المتحدة ، وتعد لوس أنجلوس من أهم
مراكزها . ولعل تفشي الجريمة بين المهاجرين السوفييت هو أحد الأسباب التي دعت
أمريكا لإغلاق أبوابها أمام المزيد من المهاجرين السوفييست . ومن الطريف أن أعضاء
هذه العصابات اليهودية قد تخصصوا في ابتزاز أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب
ممارسة النشاطات الإجرامية العادية والعامة . ويبدو أن هذه العصابات بدأت تمارس
نشاطها في إسرائيل وفي بعض دول الشرق الأوسط. ومن الظواهر التي يجب تسجيلها أيضاً
أن أفراد عصابات المافيا في الولايات المتحدة (وهم من أصل إيطالي في العادة)
يستعينون في الغالب بمحامين من بين أعضاء الجماعة اليهودية للدفاع عنهم في جرائمهم
ولإدارة أعمالهم المشينة .
وقد فوجى الصهاينة بأن المهاجرين اليهود قادرون
على ارتكاب جميع الجرائم الخطيرة مثل القتل والاغتصاب والسرقة في بلدهم . ولكن هذا
يعود دون شك للى إحساس المستوطنين بأنهم مواطنون يتمتعون بكل الحقوق السياسية
والضمانات القانونية ، ومن ثم تخف عمليات الرقابة الخارجية التي كانوا يخضعون لها
كأعضاء أقلية . ومما لا شك فيه أن العقيدة الصهيونية التي تشجع على العنف
والاغتصاب تلعب دوراً في استثارة الاستعداد الكامن أو القابلية لدى المستوطنين
الصهاينة لارتكاب الجرائم بمعدل يفوق نظيره في المجتمعات الأخرى التي تعيش تحت
الظروف نفسها .
وداخل هذه الأنماط العامة ، يمكننا أن نكتشف
نمطا آخر وهو أن وضع أعضاء الأقليات قد يزيد قابليتهم لارتكاب جرائم دون أخرى.
فعلى سبيل المثال ، نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية يرتكبون الجرائم ضد الملكية
وكذلك جرائم القتل بمعدل أقل من المعدل القومي . وربما يعود هذا إلى مستواهم
التعليمي المرتفع وقلة استهلاكهم للمواد الكحولية ، وللى عملية الضبط الاجتماعي
التي تمارسها الجماعة مع أعضائها ويمارسها المجتمع مع الجماعة ككل . وعلى أية حال
، فالملاحظ أن معدل الجرائم التي يرتكبها أعضاء الجماعة يرتفع مع تزايد معدلات
الاندماج والعلمنة .
ولكن يلاحظ أن ثمة جرائم يزيد معدل ارتكابها بين
أعضاء الجماعة عن المعدل العام السائد في المجتمع ، وهي الجرائم التي يتم فيها
انتهاك الحرمات والتي تتطلب من صاحبها التخطيط وإعمال العقل وتحقق لمرتكبها
عائداًسريعاً(أي تتطلب المهارات نفسها التي يتطلبها الاضطلاع بوظائف الجماعة
الوظيفية) . ومن هذه الجرائم ما يسمى «جرأئم
الآداب» . ففي تونس ،
كان أعضاء الجماعة اليهودية يمثلون ٧١,٧ من مجموع السكان ، ومع ذلك كانت نسبة
النساء اليهوديات المسجلات في جرائم الآداب تفوق هذه النسبة كثياً . وكانت نسبة
الأحكام الصادرة ضد أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا لاتكاب أعمال غير أخلاقية
تفوق كثيرا (مرتين ونصف) نسبة الأحكام الصادرة ضد أعضاء الأغلبية .
ومن الجرائم الماثلة ،
جرائم التزييف والغش التجاري . ومن المعروف أن هذه الجرائم انتشرت بين أعضاء
الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر في الغرب إلى درجة اضطرت معها الحكومات إلى
استصدار تشريعات خاصة . ويبدو أن تركز أعضاء الجماعات اليهودية في القطاع التجاري
من المجتمع التقليدي ساعد على ذلك ، فهو قطاع لم يكن يعرف نظام الضرائب ولم يكن
يرتبط بشبكات الرأسمالية الرشيدة من مصارف ووسائل نقل أوغيرها . ولذا ، كان التهرب
من الضرائب ، وكذلك تهريب البضائع ، جزءا عضويا من مثل هذا النشاط التجاري ، كما
أن تركز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في المناطق الحدودية والمدن شجع على هذا
الاتجاه . وقد استمر هذا النمط حتى الوقت الحاضر . ويبدو أن لأعضاء الجماعات
اليهودية دورا ملحوظا في ترويج المخدرات في الولايات المتحدة، كما يوجد عدد لا بأس
به من الجواسيس من بين أعضاء الجماعات اليهودية في الدول الغربية .
ويمكن هنا أن نسأل : ما
الفعل الإنساني الذي يشكل جريمة ؟ فعلى سبيل المثال ، تعد الثورة ضد نظام مستغل
عملا بطولياً من منظور الثوار ، ولكنها تعد جريمة ضد أمن الدولة يعاقب عليها
القانون من منظور القائمين على النظام . والعكس صحيح ، فدعم نظام مستغل ظالم جريمة
من منظور المدافعين عن العدالة ، ولكنه واجب وطني من منظور القائمين على النظام ،
أي أن مسألة المنظور في غاية الأهمية في دراسة الجريمة .
ويمكننا الآن أن نتناول الجرائم المرتبطة بأمن
الدولة والنظام العام. ويلاحظ أن معدل ارتكاب أعضاء الجماعات اليهودية لمثل هذه
الجرائم يتناسب طرديا مع معدل التمييز العنصري ضدهم ، ومن ثم فإن الأحكام الصادرة
ضدهم تصلح مؤشراً عل نوعية المعاملة التي يلقاها أعضاء الجماعات اليهودية وعلى
معدل الإعتاق والاندماج . ففي منتصف القرن التاسع عشر ، كان حوالي ٠ ٣/ من
المسجونين السياسيين في روسيا القيصرية من الشباب اليهودي . وفي عام١٩٠٧ كان
اليهوديشكلون ٧٤ من عددالسكان ، ومع هذا نجد أن ما يزيد على ٧١٧ من الجرائم التي
ارتكبت ضد أمن الدولة والنظام العام ارتكبها
١٩٥
أعضاء
فى الجياعة اليهودية. وفي بولندا (١٩٢٤-- ١٩٣٧) ، كان ٦ ,٧٤٣ من الجرائم التي
ارتكبها اليهود جرائم سياسية ، وتنخفض النسبة إلى ٧٢٥ في ألمانيا (٩ ٨٩ ١ — ١٩٠٢)
، وإلى ٦٦,٢ في هولندا (١٩٣١- ١٩٣٣) . وقد لوحظ إبان الستينيات أن عدد الشبان
اليهود في الولايات المتحدة الذين يشتركون في المنظمات اليسارية والتظاهرات يبلغ ٠
٧٣ ، بينها كانت نسبتهم إلى عدد السكان لا تزيد عن ٥ , ٢/ . ولكن هذه النسبة أخذت
تتناقص مع زيادة هيمنة الجو المحافظ على تهود الولايات المتحدة .
ويمكن أن ننظر إلى
المسألة من جانب آخر ، وهو مدى مساعدة أعضاء الجماعات اليهودية للنظم المستغلة
والظالمة ، باعتبار أن ذلك أحد أشكال الجريمة . ففي جنوب أفريقيا ، في عصر التفرقة
اللونية ، على سبيل المثال ، كان يلاحظ وجود أعضاء الجاعة اليهودية بشكل واضح في
المؤسسات الأمنية . ويمكن أن نطرح هنا الدعم اليهودي للدولة الصهيونية باعتباره
شكلا من أشكال الإجرام . بل إن زيارة إسرائيل للسياحة ، وهي شكل من أشكال الدعم
الاقتصادي والمعنوي لها ، تشكل دعما للاستعبار الاستيطاني الذي استولى على أرض
فلسطين ، ومن ثم يمكن تصنيفها على أنها عمل إجرامي.
ويمكن النظر إلى
الإجهاض أيضاً باعتباره قضية أخلاقية ، فهو قد يكون (كما يرى البعض) حقا مشروعا
للمرأة (إذا نظرنا إليها كفرد وحسب لا كأم وكائن اجتماعي) ، وقد يكون جريمة يعاقب
عليها القانون (إن أخذ البعد الاجتماعي والأخلاقي في الاعتبار) .
ويلاحظ
هنا وجود عدد كبير من الأطباء اليهود بين أولئك الذين يجرون عمليات الإجهاض في
الولايات المتحدة وفي غيرها من البلاد .
ولابد أن ارتكاب أعضاء
الجماعة اليهودية جرائم الغش التجاري والآداب ، وهي جرائم بارزة تمس حياة الجماهير
الشعبية مباشرة ، كان له أكبر الأثر في تغذية الأنماط الإدراكية السلبية التي
تستند إليها أدبيات معاداة اليهود . ومما يجدر ذكره أن الأدبيات الصهيونية ،
بتأكيدها خصوصية اليهود ، تقبل (نظريا على الأقل) إمكانية أن تعبر هذه الخصوصية عن
نفسها من خلال الجريمة اليهودية. ولإبد أن نضيف هنا أيضا أن الصهاينة يرون أن
الشخصية اليهودية تصبح شخصية إجرامية مدمرة في المنفى لأنها شخصية مقتلعة لا
انتماء لها ، ومن هنا فإن المفكرين الصهاينة يحذرون دول العالم من وجود اليهود فيها
.
ويبدو أن المؤسسة الصهيونية تقوم في الوقت الحاضر بتصدير الجريمة
إلى أنحاء العالم .
فالشرطة الإسرائيلية
تشجع المجرمين على الهجرة إلى خارج إسرائيل كوسيلة للتخلص
منهم،
فيستقرون في كل أنحاء العالم ، خصوصاً في هولندا وألمانيا الغربية حيث يسيطرون على
كثير من النشاطات الإجرامية التي من أهمها البغاء . وقد دخلت كلات عبرية كثيرة على
لغة الجريمة في العالم ، خصوصا لغة القوادين السرية في أوربا . ويقال إن لغة
القوادين في أمستردام هي العبرية ، ولعلها لغة سرية خليط من الهولندية والعبريه .
كذلك
تصدر إسرائيل مرتزقة إلى الخارج لتدريب قوات تجار المخدرات في كولومبيا أو حرس بعض
رؤساء دول أمريكا اللاتينية .
وتوجد الآن مافيا
إسرائيلية قوية مركزها لوس أنجلوس، ولكنها منتشرة في كل أرجاء الولايات المتحدة .
وقد بدأت هذه العصابات نشاطهابفرض إتاوات على فقراء اليهود (عادة من بقايا يهود
معسكرات الإبادة) ، ثم دخلت عالم المخدرات وجرائم الغش التجاري . ويبلغ عدد أعضاء
قيادة المافيا الإسرائيلية نحو ١٠٠ عضو. وتعقد سلطات الأمن الأمريكية مؤتمرا قوميا
كل عام لمناقشة نشاط المافيا الإسرائيلية.
عتاة المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية في
العصر الحديث
يوجد الكثير من
المجرمين من أعضاء الجياعات اليهودية ولا يمكن تفسير تميزهم في الإجرام بناء على
يهوديتهم، ولنبدأ بإدوارد ديفيس (١٨٤١,١٨١٦) وهو لص أستزللي يهودي ولد في إنجلتا ،
وأدين عام ٢ ٨٣ ١ بتهمة السرقة وحكم عليه بالترحيل إلى أستراليا لمدة سبع سنوات .
وفي أستراليا ، نجح في الفرار من سجنه عام ٩ ٨٣ ١ وكون عصابة من السجناء الهاربين
، وقامت على مدى عامين بالإغارة على المدن الصغيرة والقرى بقطع الطريق على
المسافرين ، مما أثار الرعب في نفوس الكثيرين . وقد اتخذت هذه العصابة لقب «عصابة
الولد اليهودي» . وكان ديفيس يعتبر نفسه « روبين هود أستراليا » ، لأنه كان يسرق
من الأغنياء ويعطي الفقراء ، كا كان يرفض استخدام العنف إلا دفاعا عن النفس .
وجاءت نهايته بعد أن قتلت عصابته صاحب متجر في إحدى غاراتها ، الأمر الذي دفع
السلطات لتكثيف البحث عنه، وقد ألقي القبف عليه وعلى عدد آخر من أفراد عصابته عام
١٨٤٠ ، وأدين بتهمة القتل وحكم عليه بالإعدام .
وديفيس ينتمي إلى نمط
من اللصوص يمكن تفسيره من خلال دراسة درجة السخط الشعبي والاستقطاب الطبقي، فهو
ليس مجرماً بالمعنى المألوف وإنا مجرم يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء . ولكن
النمط الأكثر شيوعا هو المجرم المتميز من أعضاء الجماعات اليهودية الذي يمكن تفسير
سلوكه باستخدام نموذج العلمانية الشاملة والنيتشوية .
١٩٧
ولنبدأ باثنين من أهم
المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية وهما ريتشارد لويب (١٩٠٥ - ١٩٣٦) ونيثان
ليوبولد (١٩٠٤-) . كان لويب وليوبولد من خريجي الجامعة، وكانا أيضاً من أبناء
الأسر اليهودية الثرية في الولايات المتحدة . وفي عام ١٩٢٤ ، قاما باختطاف صبي في
الرابعة عشرة من عمره ثم قتلاه . وقد حكم على أحدهما بالسجن مدى الحياة ، وحكم على
الآخر بالسجن لمدة تسعة وتسعين عاماً . وقد قتل لويب في السجن وأعفي عن ليوبولد في
عام ١٩٥٨ . والواقع أن الجريمة التي ارتكبها لويب وليوبولد ليس لها مضمون يهودي
واضح أو كامن ، فدوافع المجرمين ليست إنسانية تقليدية ، فها لم يكونا مدفوعين
بدوافع اقتصادية (فهما من أعضاء الطبقة الثرية في الولايات المتحدة) أو دوافع
جنسية (فهما لم يغتصبا الصبي المخطوف) . ولفهم هذه الجريمة ، لابد وأن نصنفها على
أنها جريمة حديثة تماماً ، فمرتكباها افتقدا المعنى في حياتها الرتيبة وقررا
استرجاع شيء من المعنى عن طريق شكل من أشكال الإثارة الشديدة . وقد وجدا الإثارة
في ارتكاب جريمة بلا دافع ، أي أن الأداء الإجرامي الكفء أصبح غاية في ذاته ، فهي
جريمة محايدة تتم بلا حب أو كره أو غاية ، وهي جريمة كاملة ، يفترض فيها أها من
الدقة والإحكام بحيث يستحيل اكتشافها (أي أنها نسق مغلق تماما)، وكل هذا تعبير عن رغبة
الإنسان الحديث في التحكم الإمبريالي الكامل في كل شيء بحيث يصبح الإنسان إلها
يحيي ويميت دون مكافأة أو عقاب . وفي هذا لذة أيما لذة ، فهنا يصبح اللا معنى هو
المعنى ، ويصبح العبث هو الغاية ، وتصبح الاستعارة الحاكمة الكبرى هي أن الحياة
بأسرها إنا هي لعبة أو مباراة وأن ذبح الأطفال إنما هو جزء من هذه اللعبة المسلية
.
ويمكن
أن نشير أيضاً إلى أرنولد روثشتاين ( ٨٨٢ ١- ١٩٢٨) ، وهو من رواد الجريمة المنظمة
في الولايات المتحدة . ولد في نيويورك لعائلة يهودية تجارية متوسطة الحال ، واتجه
في سن مبكرة إلى القار ثم المراهنات ، ونجح في إقامة أكبر إمبراطورية للقمار في
الولايات المتحدة ، وامتد نشاطه إلى تهريب الخمور وتجارة المخدرات والابتزاز ،
ونجح في حماية نفسه وأنشطته الإجرامية من خلال رشوة رجال الأمن وإلقانون والسياسة
ومن خلال استثمار أمواله في بعض الأنشطة المشروعة . وقد تمتع روثشتاين بنفوذ واسع
، وأصبح يلقب ب «قيصر عالم الجريمة» ، وقد تتلمذ على يديه عدد من مشاهير المجرمين
الأمريكيين ، أمثال مائير لانسكي ، والذين تعلموا منه أهمية التعاون والتحالف في
عالم الجريمة بغض النظر عن الانتماء الإثني أو الديني. فاللص هنا، مثل الإنسان
الطبيعي أو الأممي، لا جذور
له ولا
حدود ، ولا تعوقه أية مطلقات غيبية أو إنسانية . وهو ، مثل عضوالجماعة الوظيفية
والإنسان الاقتصادي ، لا يدين بالولاء إلا لصالح جماعته وما يحققه لها ولنفسه من
ربح ، «وليس للدولار سوى قومية واحدة ودين واحد وهو الربح» على حد قول روثشتاين
الذي أغتيل في أحد فنادق نيويورك نتيجة خلاف حول سداد دين قمار .
أما
لويس بوكالتر« ليبكي» (١٨٩٧ - ١٩٤٤) أحد زعماءالجريمة المنظمة في الولايات المتحدة
، فقد ولدفي نيويورك لعائلة من المهاجرين اليهود ، وانخرط في حياة الإجرام في سن
الثامنة عشرة ، حيث انضم إلى عصابة من الأحداث تحترف النشل وسرقة الباعة المتجولين
. وقد اشتهر بوكالتر باسم «ليبكي»، وهو الاسم الذي أطلقته عليه والدته ويعني
باليديشية «لويس الصغير" .
وقد
أمضى بوكالتر ثلاثة أعوام في السجن بتهمة السرقة ، خرج بعدها ليتزعم عصابة من
مائتي مجرم تخصصت في الابتزاز. ولم يكن بوكالتر يؤمن بالتخصص فحسب وإنا بالتنظيم
والترشيد أيضاً . وقد استخدمت عصابته جميع أساليب الإرهاب للسيطرة على النقابات
العمالية في قطاع صناعة الملابس والمأكولات في نيويورك ، ثم ابتزاز أصحاب الأعمال
ل « حمايتهم» من الإضرابات العمالية. وكان بوكالتر من زعم اء الإجرام الذين أسسوا
الاتحاد القومي للجريمة الذى جمع فى إطاره جميع العصابات وزعماء الإجرام فى البلاد
وعمل على تحويل الجريمة فى الولايات المتحدة إلى نشاط يتسم بقدر كبير من المركزية
والتنظيم والتنسيق والادارة الرشيدة ، وأصبح يشرف على حملة من الأنشطة الإجرامية
مثل القهار وإلدعارة ,المخد؛ ات والإبتزإز والرشوة ,الفساد السياسى
. وقد تولى دوكالاز راسة الجناح التنفيذي للاتحاد والذي أطلقت عليه الصحافة
الأمريكية اسم «شركة القتل المساهمة» لأنه قام بتنفيذمثات الاغتيالات وجرائم القتل
.
وفي
عام ١٩٣٣ ، ألقي القبض على بوكالتر بتهمة نخالفة القانون المناهض للاتحادات
الاحتكارية ، وحكم عليه بالسجن والغرامة ، إلاأنه تم نقض المحكم وأفرج عنه بكفالة
.
ثم قدم
للمحاكمة مرة أخرى عام ١٩٣٩ في جريمة مخدرات، وحكم عليه بالسجن لمدة أربع عشرة سنة
. وفي أثناء ذلك، قدم (عام ١٩٤١) للمحاكمة بتهمة جريمة قتل ارتكبها عام ١٩٣٦ وحكم
عليه بالإعدام. ونفذ فيه الحكم عام ١٩٤٤ .
ويعدمائيرلانسكى
(١٩٠٢ - ١٩٨٣) من أهم الشخصيات فى عالم الجريمة المنظمة وهو أمريكي يبودي اسمه
الأصلي ماير سوشو لانسكي . ولد في بولندا وهاجر مع أسرته
١٩٩
إلى
الولايات المتحدة عام ١٩١١, وقد بدأ حياته الإجرامية بسرقة السيارات ثم قام بتهريب
الخمور والقتل بالأجر . ثم انتقل إلى ممارسة نشاطه في عالم القمار ، وأصبح من كبار
زعماء الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة . وقد كون عصابة مع المجرم الأمريكي
اليهودي بنجامين سيجل « بجزي « لحماية» الملاهي الليلية نظير إتاوة منتظمة . وفي
عام ٤ ٩٣ ١ ، ساهم لانسكي في تأسيس الاتحاد القومي للجريمة وترأس مجلس إدارة هذا
الاتحاد . وحينا حاولت السلطات الأمريكية القبض عليه بتهمة التهرب الضريبي في عام
٠ ٩٧ ١ ، تمحك في أصله اليهودي وفر إلى إسرائيل . ثم حاول الحصول على الجنسية
بمقتضى قانون العودة، لكن طلبه رفض . ومما يذكر ، أن لانسكي كان من كبار المساهمين
في المنظمات اليهودية- خصوصا النداء اليهودي الموحد . وقد عاد إلى الولايات
المتحدة عام ١٩٧٢ حيث حوكم ، ولكن تمت تبرئته من جميع التهم التي وجهت إليه .
وقد ظهرت مؤخراً دراسة
تذهب إلى أن لانسكي لم يلعب هذا الدور المحوري والمركزي في الجريمة المنظمة في
الولايات المتحدة . وترى هذه الدراسة أنه في حين أن لانسكى كان بالفعل مجرما وزعيم
عصابة على صلة وثيقة بأهم رموز الإجرام في الولايات المتحدة وأخطرها، إلا أنه لم
يظهر أبدا أي دليل يثبت أو يؤكد بشكل قاطع أن لانسكي كان العقل المدبر والمحرك
الرئيسي وراء الجريمة المنظمة وأن هذه الادعاءات ليست سوى جزء من الأسطورة التي
نسجت من حوله .
ويمكن
أن نشير أيضاً إلى بنجامين سيجل (١٩٠٦-١٩٤٧) الذي كان يلقبه أعداؤه باسم «بجزي
لاكعلا» ، نسبة إلى البجز أي «الحشرات» . وقد كان سيجل أحد زعماء اتحاد الجريمة
المنظمة في الولايات المتحدة . ولد في نيويورك ، وبدأ منذ سن الرابعة عشرة في
الانخراط في الأنشطة الإجرامية . وكون عصابة مع مائير لانسكي عرفت باسم «عصابة بجز
ومائير" قامت بحاية الملاهي الليلية نظير إتاوة منتظمة ، كما قامت بعمليات
السطو المسلح والخطف والقتل بالأجر لحساب عصابات تهريب الخمور. وقد تورط سيجل في
عدد من قضايا التهريب والاغتصاب والسرقة والاغتيال ، حيث اتهم بقتل بعض شركائه
القدامى . كما اشترك مع عدد من كبار المجرمين الأمريكيين في تأسيس الاتحاد القومي
للجريمة . وفي الثلاثينيات ، انتقل سيجل إلى كاليفورنيا للإشراف على عمليات
الاتحاد بها كما أشرف على عمليات القار وتجارة المخدرات ، ومد نشاطه إلى مجال
السينيا حيث قام بعمليات ابتزاز عديدة .
وقد
عاش سيجل حياة مترفة مع كثير من أصدقائه نجوم السينها ، جين هارلو وكلارك جيبل
وكاري جرانت وغيرهم . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية ، اكتشف سيجل إمكانات ضخمة
في القمار المشروع في نيفادا ، فاقترض بعض النقود من اتحاد الجريمة وبنى فندق
الفلامنجو الضخم في لاس فيجاس ، وقد حاول أن يبقي كل الأرباح لنفسه دون أن يشرك
الاتحاد فيها . وكانت فلسفته في الحياة عملية داروينية إذ كان يقول دائا : « كل ما
نفعله هو أن يقتل الواحد منا الآخر» ، وهذا ما حدث له في يونيه ١٩٤٧ إذ كلف اتحاد
الجريمة قاتلا صوب مسدسه إلى رأس سيجل وأفرغ فيه عدداً من الرصاصات .
أما
فلاتو شارون ، فهو من كبار المجرمين الفرنسيين . تهرب من الضرائب في فرنسا باللجوء
إلى إسرائيل مستفيدا من قانون العودة . ورشح نفسه لعضوية البرلمان (الكنيست) كي
يحصل على الحماية البرلمانية ، ونجح مرتين في الانتخابات بشراء الأصوات صراحة
وعلانية ، حيث مول حملته الانتخابية أحد زعماء الجريمة المنظمة . وبعد أن فريعقوب
الله كوهين زعيم الجريمة المنظمة في إسرائيل (وهو يهودي من أصل إيرافي) إلى
البرازيل ، تردد اسم فلاتو شارون خلفاً له في الزعامة . ويوجد الآن في إسرائيل عطر
ومساحيق تجميل تحمل اسم «فلاتو» ، مما يدل على تغلغل المثل الإجرامية في المستوطن
الصهيوني (ويلاحظ أن فلاتو شارون هذا كان شريكاً لعزرا وايزمان في تجارة السلاح مع
جنوب أفريقيا) .
واستخدام
نموذج الخصوصية اليهودية والعبقرية اليهودية والجريمة اليهودية في تفسير سلوك هذه
الشخصيات الإجرامية لا يفيد كثياً ، فقيمته التفسيرية ضئيلة . أما إذا وضعناهم في
سياق المجتمع العلماني الحديث الذي يتسم بتزايد تهميش القيم الأخلاقية والإنسانية
المطلقة وتصاعد معدلات النسبية والنيتشوية والنفعية المادية ، فإنه يمكن إلقاء
مزيد من الضوء على دوافعهم وسلوكهم.
من أهم الجرائم التي
ارتبط اسم أعضاء الجماعات اليهودية.ها «الجرائم المالية» وهي الجرائم التي يرتكبها
بعض كبار الممولين . وقد لوحظ ازدياد نسبة ارتكاب مثل هذه الجرائم بين أعضاء
الجماعات اليهودية ، عن النسبة العامة السائدة في المجتمع ، جرائم التزييف
والجرائم المالية والغش التجاري. ومن المعروف أن هذه الجرائم انتشرت بين أعضاء
الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشرإلى درجة اضطرت معها الحكومات إلى
استصدار
تشريعات خاصة . ويبدو أن تركز أعضاء الجماعات اليهودية في القطاع التجاري (في
المجتمع التقليدي) ساعد على ذلك، فهو قطاع لم يكن يعرف نظام الضرائب، ولم يكن
يرتبط بشبكات الرأسمالية الرشيدة من مصارف ووسائل نقل وغيرها . ولذا ، كان التهرب
من الضرائب ، وتهريب البضائع ، جزءاً عضويا في مثل هذا النشاط التجاري . كما أن
تركز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في المناطق الحدودية والمدن شجع على هذا
الاتجاه . ومن المعروف أن اللغة اليديشية التي تكتب بالحروف العبرية ، والتي لا
يعرفها سوى التجار اليهود ، أصبحت تشبه اللغة السرية التي يستخدمها اللصوص ،
وأصبحت بذلك من أهم وسائل الغش التجاري . ولذا ، فقد حظرت الحكومات الغربية على
التجار اليهود استخدامها في معاملاتهم التجارية . وقد استمر هذا النمط إلى العصر
الحديث ، فنجد أن نسبة جرائم الغش التجاري والتزييف التي ارتكبها أعضاء الجماعات
اليهودية في بولندا وروسيا ، وفي ألمانيا وهولندا ، تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف
نسبتها بين أعضاء الأغلبية . وفي الاتحاد السوفيتي ، لوحظ في الستينيات أن حوالي
٧٥٠ من الجرائم المالية ارتكبها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت لا تزيد
نسبتهم على ٢/ من عدد السكان . ويبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم دور ملحوظ في
توزيع المخدرأت في الولايات المتحدة والدول الغربية . ولا يزال يظهر من آونة إلى
أخرى فضيحة مالية ضخمة يتواجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ .
وقد
شهد أواخر القرن التاسع عشر واحدة من أهم فضائح الفساد المالي والسياسي التي هزت
المجتمع الفرنسي وهى فضيحة قناة بنا وماتكشف في أعقاب ذلك من تجاوزات وفساد مالي
وسياسي . وقد تورط في هذه الفضيحة ثلاث شخصيات من أعضاء الجماعات اليهودية هم
البارون جاك دي رايناخ ( وهو مصرفي ومالي من أصل ألماني والوكيل المالي للشركة ) ،
وكورنيليوس هرتز ( وهو طبيب أمريكى ) ، وليوبولد إميل أرتون ( وهو مغامر فرنسي ) .
وترجع
بدايات الفضيحة إلى عام ٨٨٨ ١ ، حينمابدأت شركة قناة بنيا في مواجهة أزمة مالية
حادة نتيجة جملة من العوامل الطبيعيوالمشاكل الفنية وسوء الإدارة التي صاحبت عملية
شق القناة . وكان المخرج الوحيد أمام الشركة هو طرح سندات يانصيب لجمع الأموال
اللازمة . ولكن كان ذلك يستلزم الحصول على موافقة البرلمان الفرنسى في حين كانت
بعض الدوائرتؤكد أن وضع الشركة والمشروع أصبح ميئوسا منه وأن طرح سندات
اليانصيب
لن يجدي فتيلا . ولذلك، لجأت الشركة إلى رشوة بعض أعضاء البرلمان الفرنسي الذي صوت
بالفعل لصالح مشروع اليانصيب . وقد كان أداة الشركة في هذه العملية هو وكيلها
المالي البارون جاك دي رايناخ . وكان رايناخ ، الألماني الأصل ، قد أقام مؤسسة
مصرفية ومالية في فرنساباسم«كون ورايناخ وشركاهما» . وقد جمع ليوبولدثروته من خلال
المضاربة في السكك الحديدية الفرنسية وبيع الإمدادات العسكرية للحكومة الفرنسية .
ويبدو
أن بعض عملياته قد أحاطتها الشبهات وإن لم تتأكد أبدا أية انحرفات ضده. وقد كانت
مهمة رايناخ إقامة لوبي ( جماعة ضغط ) مؤيدة للشركة في الأوساط البرلمانية
والسياسية والصحفية وتلقى من الشركة ملايين الفرنكات لدفع الرشاوى وشراء الأصدقاء.
وقد
قام رايناخ باستخدام ليوبولد إميل أرتون (١٨٤٩ - ١٩٠٥) ليقوم بتوزيع مليون فرنك
على أعضاء البرلمان الفرنسي . والمعروف أن أرتون مغامر فرنسى ولد لعائلة يهودية
ألزاسية وعاش طفولة تعسة في فرانكفورت ثم انتقل إلى البرازيل حيث اعتنق
الكاثوليكية وغير اسمه من أرون إلى أرتون، وفي عام ١٨٨٢ عاد إلى فرنسا والتحق
بشركة الديناميت التي كانت مشاركة في عمليات شق قناة بنها . وبعد تفجر فضيحة قناة
بنها كان أرتون قد فر من البلاد بعد أن اختلس مبلغ ٤,٦ مليون فرنك من شركة
الديناميت .
أما
كورنيليوس هرتز (١٨٤٥ - ١٨٩٨ ) ، فقد أبرم اتفاقا سريا مع قناة بنما استلم بموجبه
٠ ٠ ٦ ألف فرنك مقابل استخدام نفوذه وعلاقاته لدى بعض الشخصيات السياسية الفرنسية
الهامة لصالح الشركة نص الاتفاق أيضا على أن يتسلم هرتز عشرة ملايين فرنك فور مرور
مشروع اليانصيب في البرلمان على أن تتم عمليات الدفع كلها عن طريق رايناخ . وقد
كانت شخصية هرتز شخصية مثيرة للريبة والتكهنات ، فقد ولد في فرنسا لأبوين ألمانيين
ثم هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة. وعاد هرتز في شبابه إلى فرنسا لدراسة الطب ،
وانضم كمساعد جراح في الجيش الفرنسي أثناء الحرب الفرنسية البروسية ولكنه ترك
الجيش بعد ثلاثة أشهر بعد أن اكتشف المسئولون في المستشفى العسكري أنه لم يتخرج من
أي جامعة في فرنسا وأنه غير حاصل على شهادة إتمام دراسة الطب . وقد انتقل هرتز بعد
ذلك إلى سان فرانسيسكو حيث افتتح عيادة طبية ولكنه سافر عام ٨٧٧ ١ بشكل مفاجئ مع
أسرته إلى فرنسا وتبين فييا بعد أنه احتال على بعض مرضاه وزملاثه من الأطباء وأخذ
منهم حوللي ١٤٠ ألف دولار . وفي باريس ، استثمر أمواله بمساعدة رايناخ في بعض
المشاريع ، وبدأ في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العديد من
٢٠٣
٠ف
الشخصيات
الفرنسية الهامة من بينها رئيس الدولة ورئيس الوزراء وجورج كليمنصو الذي ساهم هرتز
في تأسيس وتمويل جريدته . وقد اتهم هرتز بأنه كان عميلا لبريطانيا ، لكن ذلك لم
يتاكد قط.
وقد
رفضت الشركة أن تدفع له العشرة ملايين فرنك عقب تصويت البرلمان الفرنسي لصالح
مشروع اليانصيب ، بدعوى أن هرتز لم يلعب في ذلك دورا يذكر. إلا أن هرتز نجح في أن
يستنزف من الشركة ملايين الفرنكات من خلال ابتزاز رايناخ الذى يبدو أن هرتز كان
على علم ببعض الأسرار المشينة في حياته ومنها ماقيل من أنه باع أسرار الدولة
الفرنسية إلى إيطاليا أو بريطانيا .
وبرغم
موافقة البرلمان على مشروع اليانصيب ، فشل هذا المشروع عند طرحه في جمع الأموال
اللازمة ، وهو ماساعدفي نهاية الأمر إلى سقوط الشركة وتصفيتها عام ١٨٨٩ . وقد كان
ذلك ( أي انهيار الشركة ) يعد أكبر سقوط مالي في فرنسا حتى ذلك الحين أدى إلى ضياع
أموال أكثر من ٨٠٠ ألف من المواطنين الفرنسيين من المساهمين في الشركة .
ولم
تتفجر فضيحة قناة بئها إلا بعد سقوط الشركة بثلاث سنوات حينما نشرت صحيفة لاليبر
بارول التي أسسها إدوارد درومون المعادي لليهود سلسلة من المقالات تحت عنوان
«أسرار بنما» ادعى فيها كشف النقاب عن« المؤامرة اليهودية» وراء كارثة بنها واتهم
رايناخ بالتورط في رشوة أعضاء البرلمان الفرنسي . وقد كان درومون أشد أعداء
الرأسمالية المالية حيث اعتبرها « مرض فرنسا الحديثة وسبب مشاكلها» . ونظرا
لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالقطع المالي والمصرفي بشكل وثيق أصبح اليهود
هدف هجومه اللاذع وحمل «النظام الرأسالي اليهودي» كثيرا من المشاكل التي تواجهها
فرنسا الحديثة ومن ذلك كارثة بنما .
وكان من مفآجات التحقيقات اللاحقة أنها كشفت أن
رايناخ ( محور المؤامرة اليهودية ) كان هو نفسه مصدر معلومات درومون حيث تبين أنه
في أعقاب تفجير القضية على صفحات الجريدة أبرم رايناخ اتفاقا مع درومون يقضي
بإخراج اسمه من موضوعات الصحيفة مقابل قيام رايناخ بتوفير كافة المعلومات الخاصة
بالقضية ويتجاوزات الشركة . ومما يذكر أن الحملة التى أثارتها صحفية درومون وغيرها
من الصحف الفرنسية ضد شركة بنما كانت تتم فى إطار الصراع السياسي القائم آنذاك بين
القوى اليمينية والملكية من جهة والقوى الاشتراكية والنظام الجمهوري من جهة أخرى ،
خصوصا وأن كثيرا من رجال السياسة والدولة كانوا متورطين في الفضيحة بشكل أو بآخر .
وقد توفي رايناخ في نوفمبر
١٨٩٢
بشكل مفاجئ مع بداية التحقيقات في القضية وقد أثيرت تكنهات حول مسألة وفاته حيث
قيل أنه انتحر أو قتل . أما هرتز، فقد فر من البلاد إلى لندن حيث ظل فيها حتى
وافته المنية - وقد حكم عليه غيابيا بخمس سنوات سجن . أما أرتون ، فقد ظل هاربا
إلى أن تم إلقاء القبض عليه عام ١٨٩٥ . وقد توفى منتحرا عام ١٩٠٥ .
ومن
العسير فهم فضيحة قناة بنما إلا في إطار حركيات الرأسمالية الفرنسية والنخبة
الحاكمة الفرنسية والعلاقة بينهما في أواخر القرن التاسع عشر . وتبين أحداث
الفضيحة وطأة الاستغلال الواقع على كل من جماهير الشعب الفرنسي وأعضاء الطبقة
الوسطى . ومع هذا ، تحولت الفضيحة إلى قرينة أخرى على المؤامرة اليهودية الأزلية ،
وأصبحت من أهم الأحداث التي يشير إليها المعادون لليهود في أدبياتهم . وقد ساعدهم
في ذلك أن أبطال الفضيحه كلهم من أعضاء الجماعات اليهودية اثنان منهم فرنسيان من
أصل ألمانى والثالث فرنسي هاجر إلى أمريكا ، ولذا لم يكن من العسيرالحديث عن شبكة
يهودية عالمية تشمل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة . لكن السؤال الذي يطرح نفسه
هو : هل ينبع غشهم التجاري من يهوديتهم أم هونابع من وجودهم داخل مجتمعات فاسدة
مستغلة تساعد الإمكانيات الفاسدة داخل الإنسان على التحقق؟
وفي
القرن العشرين ، تعددت الفضائح المالية التي تورطت فيها شخصيات يهودية . ففي
السبعينيات ، أسس الأمريكي برنارد كورنفلد مؤسسة استثمارأموال مشتركة في سويسرا
باسم «انفستورز أوفرسيز سيرفيسيز» ونجح في جذب مستثمرين من أكثر من ماثة دولة بلغت
قيمة أموالهم المودعة لدى شركته ملياري دولار. ولم تجتذب شركته هذا الحجم من
الأموال بفضل خبرتها في إدارة الأموال ولكن بفضل خبرتها في تهريب الأموال والعملات، وخصوصا من دول العالم الثالث . وقد اكتسب كورنفلد عداء كثير من السلطات
المالية في دول عديدة ، وأثار قلق الدوائر المالية السويسرية الحريصة على صورتها
وسمعتها العالمية. واغهارت شركته بعد أن انخفضت قيمة بعض الأصول الهامة المملوكة
للشركة وهبطت سوق الأوراق المالية الأمريكية التي كانت أغلب أموال الشركة مستثمرة
فيها. كما نجحت السلطات المالية السويسرية في اتخاذ إجراءات قانونية ضده، فسجن
لمدة عام قبل خروجه من السجن بكفالة مالية .
وقدكان
كورنفلد على علاقة بشخص ساهم في دفع كفالته يدعى تيبور بنحاس روزنباوم. وقد تورط
روزنباوم هو الآخر في فضيحة مالية كبرى. وروزنباوم يودي
سويسري
من أصل مجري ، وكان والده حاخاما (كما درس هو أيضاً ليصبح حاخاماً) . وفي خلال
الحرب العالمية الثانية، عمل روزنباوم في المقاومة المجرية، وشارك في تهريب اليهود
. وبعد الحرب، عمل لصالح الوكالة اليهودية، واشترك في عمليات تهجير وتوطين اليهود
في فلسطين. كما كان عضوا في المؤتمر اليهودي العالمي وفي حركة مزراحي الدينية
الصهيونية . وعقب إقامة دولة إسرائيل، أسس روزنباوم شركة تجارية سويسرية-
وكان روزنباوم قد أسس
مصرفاً في سويسرا باسم «إنترناشيونال كريديت بنك» اعتمد على الإيداعات السرية
لأموال غير معلومة المصدر من اليهود الفرنسيين والمافيا الأمريكية . وكان يتم
تحويل هذه الأموال عن طريق فرع المصرف في جزر البهاما. وقد استخدم مصرفه لتحويل
بعض الأموال لشركة كورنفلد. وقد قدم مصرفه خدمات مالية لإسرائيل حيث يقال أنه دبر
قرضا لوزارة الدفاع الإسرائيلية قيمته ٧ ملايين من الدولارات في خلال ٤ ٢ ساعة
وتلقى مقابل ذلك عمولة قدرها نصف مليون دولار . كا اشترك في تمويل بعض الشركات
الإسرائيلية ومن بينها شركة «إسرائيل كوربوريشن» الذي كان عضوا في مجلس إدارتها ،
وهي شركة استثمارية أسسها مجموعة من أثرياء اليهود على رأسهم البارون إدموند دي
روتشيلد الذي ترأس مجلس إدارتها . وقد ترأس الشركة إسرائيلي يدعى مايكل تسور . وقد
قام روزنباوم وتسور، معاً ، بتحويل عشرين مليون دولار من أموال الشركة إلى مصرف
روزنباوم في سويسرا دون تفويض من المساهمين أو الأشخاص المعنيين. وقام روزنباوم
بتحويلها بدوره إلى إمارة ليختنشتاين ، واستخدم الأموال في بعض مشاريعه الخاصة .
أما تسور ، فقد كان يتلقى فائدة قدرها ٧٨ على هذه الأموال ، في حين كان يدفع
للمستثمرين في الشركة ٦,٥/ فقط ويضع الفارق في جيبه . وقد كشف إدموند دي روتشيلد
النقاب عن هذه العمليات وهدد بوقف إنفاقاته الخيرية في إسرائيل إذا لم يتم إجراء
تحقيق شامل في الأمر . وقد أدين تسور بأربع عشرة تهمة ، وحكم عليه بالسجن لمدة ه ا
عاما . وفي سويسرا ، أغلق مصرف روزنباوم ، الذي سجن ثم أفرج عنه بكفالة مالية
قيمتها مليونان من الدولارات وهي أعلى كفالة في تاريخ سويسرا.
وقد ارتبطت بعض الأسماء
اليهودية بالفضيحة الخاصة بمصرف أميركان بانك آند تروست كومبافي أوف نيويورك الذي
اعتبر سقوطه رابع أكبرإفلاس مصرفي في التاريخ الأمريكي . وقد تأسس هذا المصرف عام
١٩٢٩ في نيويورك على يد بنك مكسيكي ، ثم
انتقلت ملكيته عام ١٩٦٣
إلى بنك إسرائيلي - سويسري، ثم انتقلت في أواخر الستينيات إلى ثري من شيلي يدعى
خوزيه كلاين، وأخيرا إلى ديفيد جرافيير وهو يهودي أرجنتيني ثري من أصل بولندي .
وقد نجح هذا المصرف في جذب كثير من رجال الأععال وأثرياء اليهود الأمريكيين، كما
ارتبطت به شخصيات أمريكية سياسية هامة. وقد نجح البنك أيضاًني جذب أموال أعضاء
الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية حيث بلغ حجم أموالهم المودعة لدى البنك
حولي . ٤ مليون دولار في منتصف السبعينيات . ولكن ، في عهد كلاين ، بدأ المصرف في
ارتكاب عدة نخالفات مثل التجاوز في منح التسهيلات وتجاوز سقوفها ومنح القروض
لشركات يمتلك المسئولون في المصرف حصصاً فيها ، الأمر الذي اضطرت معه السلطات
المالية الأمريكية المختصة إلى وضع المصرف تحت رقابتها . ولكن يبدو أن الاعتبارات
السياسية حالت دون اتخاذ أي إجراءات ضده . وعند انتقال ملكية المصرف إلى جرافيير ،
عمل هو الآخر من خلال سلسلة من العمليات الملتوية على غهب المصرف وإفراغه من
ملايين الدولارات وسلب أموال المودعين وودائعهم . وحينما بدأ أمره يفتضح، لقى
جرافيير مصرعه فجأة إثر سقوط طائرته فوق المكسيك عام ٦ ٩٧ ١ . ويحيط بالحادث الكثير
من الغموض وأثيرت التكهنات حول احتمالات أن يكون قد أغتيل . وقد أغلقت السلطات
المالية الأمريكية المصرف بعد أن نهب جرافيير منه ٠ ٥ مليون دولار ،
وبعد أن فقد كثير من المودعين من أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية
أموالهم.
أما
مارك ريتش ، الذي تورط في أكبر فضيحة تهرب ضريبي في تاريخ الولايات المتحدة، فهو
يهودي أمريكي ولد في بلجيكا عام١٩٣٤ من أبوين من أصل ألمافي، وفرت أسرته إلى
الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية . وقد انضم ريتش في سن مبكرة
إلى شركة فيليب براذرز، وهي شركة تعمل في تجارة السلع أسسها يهود ألمان عام ١٩٠١
في ألمانيا ثم في الولايات المتحدة عام ١٩١٤ ٠ وقد تدرج بها ريتش سريعا ، وكان أول
من أدخل الشركة إلى مجال تجارة البترول في أواخر الستينيات وحقق لها أرباحا ضخمة
عقب ارتفاع أسعار البترول عام ٩٧٣ ١ . ولكنه ، في عام ١٩٧٤ ، ترك الشركة إثر
خلافات مع الإدارة وأسس شركة خاصة به في سويسرا هي مارك ريتش وشركاه التي أصبحت ،
في خلال فترة وجيزة، من أكبر الشركات العاملة في مجال تجارة السلع، خصوصاًا لبروبى
والمعادن ، وقدرت ثروتها عام ١ ٩٨ ١ بنحو ٠ ٠ ٢ مليون دولار . وقد نجح فرع شركته
في الولايات المتحدة في تحقيق إيرادات بلغت ٥ ٠ ١ ملايين دولار من خلال
الالتفاف حول بعض
القوانين الخاصة بضبط أسعار البترول والتي أدخلتها الحكومة الأمريكية عام ٩٧٣ ١
لحماية صناعة التكرير الأمريكية من الارتفاع المفاجئ في الأسعار. ثم قام ريتش
بإخفاء وتهريب أرباحه إلى خارج البلاد من خلال سلسلة من الصفقات الملتوية حتى
يتهرب من دفع مبلغ ٨ ٤ مليون دولار هي قيمة الضرائب المستحقة عليه للحكومة
الأمريكية . وقد وجهت إليه عام ٩٨٢ ١ اتهامات بالتهرب الضريبي وأيضا بالاتجار مع
العدو حيث قام بشراء بترول إيراني في خلال أزمة الرهائن الأمريكية عام ٠ ٩٨ ١ بعد
أن كانت الحكومة الأمريكية قد أصدرت قرارا بمنع الشركات الأمريكية من التعامل مع
النظام الإيراني. وقد فر ريتش إلى سويسرا بعد أن أغلق فرع شركته في الولايات
المتحدة ، ولاتزال شركته تزاول نشاطها من سويسرا في السوق العالمي .
ويلاحظ تورط بعض أعضاء الجماعات اليهودية فى
الفضائح الخاصة بسوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة . من بنيهم الأمريكي
اليهودي لويس وولفسون الذي سطع نجمه في عالم المال خلال الخمسينيات والستينيات ،
حيث حقق أول مليون له في سن الثامنة والعشرين من خلال تجارة الخردة ثم اتجه إلى
شراء الأسهم والحصص في العديد من الشركات وقام ببناءوتطويرشركة «ميريت شابمان
آندسكوت كوربوريشن» التي اعتبرت أولى الشركات الضخمة متعددة النشاطات . ولكن كثيرا
من عمليات ولفسون ، خصوصاً المتعلقة ببيع وشراء الأسهم ، كانت مخالفة للقوانين الخاصة
بهذه العمليات مما أوقعه في مواجهات عديدة مع هيئة الأوراق المالية والبورصة
الأمريكية التي كانت تسعى إلى الحد من تزايد معدلات الجرائم المالية ، كما كانت
تسعى إلى إدانة أحد رموزها البارزين مثل وولفسون لرحع المنحرفين في قطاع المال .
وقد نجحت الهيئة بالفعل في إدانة وولفسون وحكم عليه بالسجن لمدة عام سنة ١٩٦٩ .
وقد صفيت شركته وتفككت إمبراطوريته بعد أن كلفته إجراءات التقاضي مع الحكومة ،
والدعاوى التي أقامها ضده المساهمون في شركته، الملايين من الدولارات .
ومن أكبر الفضائح المالية التي هزت أركان وول
ستريت (سوق المال في نيويورك) فضيحة إيفان بويسكي ، وتتلخص جريمته في الحصول
مسيقاًعلى معلومات حول نوايا بعض الشركات بخصوص بيع أسهمها من مصادر وثيقة الصلة
قبل أن يتم الإعلان عن نية البيع للجمهور واستخدام هذه المعلومات لتحقيق المكسب
والربح . وقد حقق بويسكي، والذي كان يمتلك مؤسسة متخصصة في المضاربة في أسهم
الشركات التي على وشك أن يتم الاستيلاء عليها، في الفترة ما بين ٩٨٤ ١ ر٩٨٦ ١
أرباحا بلغت ٠ ٥ مليون
دولار
من خلال الحصول على معلومات مسبقة حول نوايا الاستيلاء على بعض الشركات حيث قام
بشراء أسهمها ثم أعاد بيعها بعد أن قفزت أسعارها إلى أعلى عقب الإعلان عن هذه
المعلومات . وقد فرضت على بويسكي غرامة قدرها ٠ ٠ ١ مليون دولار وحكم عليه بالسجن
لمدة ثلاث سنوات مع حرمانه مدى الحياة من المتاجرة في سوق الأوراق المالية
الأمريكية.
وقد فتحت فضيحة بويسكي الباب على مصراعيه لأكبر
قضايا جرائم ذوي الياقات البيضاء في التاريخ الأمريكي حيث كشفت التحقيقات عن تورط
واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في وول ستريت (وهي دريكسل بورنام لامبيرت)
وأحد نجومها ونجوم وول ستريت (وهو مايكل ميلكن) في انحرافات بويسكي حيث قاما
بتقديم معلومات خاصة بنوايا عملائهم إلى بويسكي واقتسام الأباح معه . كما تكشف
قيامهم بمخالفات وانحرافات مالية خطيرة ، منها الاحتيال واستخدام أساليب ملتوية
لإخفاء الملكية الحقيقية للأسهم والأوراق المالية بغرض تمرير صفقات غير مشروعة .
وقد كان ميلكن ، الذي قدرت ثروته عام ٩٨٨ ١ بنحو مليار دولار ، قد أسس سوقاضجا لم
عرف باسم «سندات الخردة» وهي سندات ذات عائد عال وفي الوقت نفسه ذات مخاطر عالية ،
وعادة ماكانت تطرحها الشركات التي تعاني من أزمات مالية . وقد نجح ميلكن في خلق
سوق ضخم لهذه السندات وصل حجم التعامل فيه خلال الثمانينيات إلى ١٢٠ مليار دولار،
وذلك من خلال استخدامها كأداة لتدبير التمويل اللازم للشركات الصغيرة ومتوسطة
الحجم ولتمويل عمليات الاستيلاء على الشركات . وقد خلق ميلكن شبكة واسعة ومتداخلة
من المتعاملين في هذه السندات واستطاع من خلالهاأن يسيطر ويتلاعب في حجم تداولها
وأسعارها . ووجهت إليه اتهامات باللجوء إلى أساليب غير مشروعة مثل الرشوة
والابتزاز والتلاعب في الأسعار لتشجيع أو إجبار بعض المؤسسات المالية على شراء
سنداته والتعامل فيها . وقد فرضت على ميلكن غرامة قدرها ٠ ٠ ٦ مليون دولار هي أعلى
غرامة من نوعها تفرض ضد شخص في الولايات المتحدة ، كما حكم عليه عام ١٩٩١ بالسجن
لمدة عشر سنوات .
ويمكن الإشارأيضاإلى الفضيحة الخاصة بمؤسسة
سالومون براذرز ، وهي ثالث أكبر المؤسسات الاستثمارية والخدمات المالية في
الولايات المتحدة حققت هذا المركز بفضل إدارة جون جوتفروند رئيس مجلس إدارتها
ورئيسها التنفيذي والملقب ب «ملك وول
٢٠٩
ستريت»
. وقد تبين عام ١٩٩١ أن مؤسسة سالومون انتهكت القواعد الفيدرالية الخاصة بالتعامل
في سندات الخزانة الأمريكية التي تحظر على أي مؤسسة مالية شراء أكثر من ٧٣٥ من
السندات المطروحة في مزاد واحد . ويهدف هذا الإجراء إلى تجنب الاحتكار في سوق
السندات الحكومية التي يصل حجم التعامل فيها إلى ٢,٢ تريليون دولار . وقد تكشف أن
مؤسسة سالومون اشترت ما يزيد على نسبة قدرها ٠ ٧٥ من السندات المطروحة في عدة
مزادات خلال عام ١٩٩١ حيث قدمت بعض عروضها بأساء عملائها دون الحصول على تفويض
منهم . واستقال جوتفروند من منصبه عقب تفجر الفضيحة وبدء التحقيقات .
ومن أهم الفضائح التي تورطت فيها شخصيات يهودية
، الفضيحة الخاصة بمصحات وبيوت المسنين في الولايات المتحدة ، وهي فضيحة لم تقتصر
فقط على التورط في أعمال التزوير والاحتيال على السلطات الحكومية ، بل تضمنت أيضا
إساءة معاملة نزلاء هذه المصحات والبيوت من المسنين . وقد كان أهم المتورطين في
هذه الفضيحة برنارد بيرجمان الذي كان يلقب «ملك بيوت المسنين» حيث كان يتمتع
بسيطرة شبه احتكارية على هذا القطاع - وهو قطاع احتل فيه اليهود الأمريكيون النسبة
الأكبر من العاملين فيه . وقد ولد بيرجمان في المجر وهاجر إلى الولايات المتحدة عام
١٩٢٩ . وقد تخرج هناك من جامعة يشيفا ليصبح حاخاما أرثوذكسيا ، إلا أنه ترك العمل
الديني واتجه نحو الأعمال التجارية ودخل قطاع ملاجئ ومصحات المسئين وهو قطاع يتمتع
بهامش ربحية عالية في الولايات المتحدة . ونظرا لأن الدولة كانت تتحمل النسبة
الأكبر من نفقات رعاية المسنين في إطار البرامج الحكومية المخصصة ، لجأ بيرجمان
إلى تعظيم أرباحه من خلال تضخيم كشوف نفقات هذه الملاجث والمصحات المقدمة إلى
الجهات الحكومية المعنية للنزلاء . وقد تبين من التحقيقات اللاحقة مدى حجم الإهمال
والأوضاع المتردية والمعاملة اللا إنسانية التي تلقاها النزلاء المسنون مما أكد
وصف بيرجمان بأنه «يهودي يتولى إدارة معسكر اعتقال » (وهي إشارة إلى معسكرات
الاعتقال النازية التي تعرض فيها اليهود للإبادة) .
ومما يذكر أن بيرجمان ،
شأنه شأن بويسكي ، كان من كبار المساهمين في الأنشطة الصهيونية والأنشطة الخيرية
" اليهودية . وقد حرص بيرجمان على إقامة علاقات وثيقة بشخصيات سياسية أمريكية
واستغلال هذه العلاقات لتمرير بعض مشاريعه أو التغاضي عن تجاوزاته ، كما أنه لم
يتردد في اتهام الهيئات أو الجهات المختصة التي عارضت مشاريعه على أها معادية
لليهود ، وذلك في نفس الوقت الذي كان يقوم فيه باستنزاف
المسنين
من اليهود وغيراليهود وإهدار آدميتهم تحت عباءة اليهودية . وقد بدأالتحقيق مع
بيرجمان عام ٤ ٩٧ ١ حيث أدين بتهم الاحتيال والنصب على البرنامج الأمريكي للرعاية
الصحية وبتهم الرشوة والتهرب الضريبي . وحكم عليه بالسجن لمدة عام وأربعة أشهر
وبغرامة كبيرة .
وإذا كان ميراث
الجماعات اليهودية (باعتبارها جماعات وظفية وسيطة داخل التشكيل الرأسمالي تعمل
وتتركز في قطاعات التجارة والخدمات المالية والسمسرة) يفسر إلى حد كبير بروزهم في
كثير من الفضائح المالية ، فإن هذه الجرائم والانحرافات المهنية ذاتها هي جرائم
وانحرافات شائعة في المجتمعات الرأسمالية ، بين اليهود وغير اليهود ، وإنعكاس
مباشر لآليات هذه المجتمعات التي تحكمها اعتبارات القوة والمال ويسودها الصراع
والتنافس الشديدان وتكثر بها الثغرات التي يمكن استغلالها والتحايل من خلالها على
القوانين والتشريعات لتحقيق المكسب والربح . ويجب ملاحظة أنه لا يمكن تفسير جرائم
الغش التجاري التي يرتكبها أعضاء الجماعات اليهودية بأنها جزء من المؤامرة
اليهودية الأزلية لإفساد أخلاق الأغيار ، فكثير من ضحايا جرائم الغش التجاري التي
يرتكبها اليهود هم من اليهود (كما هو الحال في حالة جرافيير وبيرجمان) ، فالغش
التجاري في عصر الرأسمالية الرشيدة يتسم بالرشد وبعدم التمييز بين البشر على أساس
الدين أو اللون أو الجنس ، فهو غش مجرد لا شخصي ، تماماً مثل الرأسمال المجرد .
ارتبط اليهود بشكل مبهم
بجرائم التجسس ومع هذا لا يمكن بداية أن نزعم أن الكثيرين من اليهود يعملون
كجواسيس ، إذ أن هذه المسألة لم تدرس بطريقة إحصائية تجعل التعميم ممكناً ، ومع
ذلك فإن من الممكن لنا أن نزعم أن الانطباع الأولى يدل على أن سلوك أعضاء الجماعات
اليهودية لا يختلف كثيرا في هذا المجال عن سلوك أية جماعة إنسانية أخرى لها نفس
الظروف .
ومع هذا ، يمكن تصنيف
الجواسيس على أغهم من الجماعات الوظيفية . والجاسوس ، أصلا ، ليس بغريب وإنما هو
عضو في الجماعة ، ولكنه يتعاقدمع قوة خارجية توظفه ليعمل لصالحها داخل مجتمعه أو
بين أعضاء المجتمع المضيف فيخلق مسافة بينه وبين المجتمع وينظر إليه بحياد شديد ويرصده
بموضوعية لحساب القوة الخارجية بحيث تختفي العلاقة التراحمية وتحل محلها علاقة
موضوعية باردة .
وقد
أصبحت الجماعات اليهودية ، بعد انتشارها في العالم ، ولا سيا العالم الغربي ،
جماعات وظيفية . وقد نجم عن ذلك أن أعضاءها أصبحوا عنصرا متحركا لا يدين بالولا
لأحد، وأصبحت ثمة قابلية لأن يتم تجنيد الجواسيس من صفوفهم بسهولة، خصوصاً وأنهم
تواجدوا في المناطق الحدودية . وقد قام قمبيز ، حسبما جاء في تاريخ هيرودوت ،
بإرسال جواسيس يهود إلى مصر قبل أن يقوم بغزوها ليأتوه بالمعلومات . وأدى انتشار
الجماعات اليهودية إلى قيام شبكة اتصالات يهودية لا تقوم بتسهيل عملية تبادل
البضائع والأموال وحسب ، وإنما تقوم أيضاً بتوصيل المعلومات بسرعة . وقد استفاد من
ذلك يهود البلاط ، في القرن السابع عشر، في الحصول على المعلومات وتوصيلها إلى
الحكومات التي يدينون لها بالولاء . وقد حاول أوليفر كرومويل الاستفادة من هذه
الشبكة لا على المستوى التجاري وحسب وإنا على مستوى المعلومات أيضاً ، إذ كان يفكر
في توظيف اليهود ليعملوا له كجواسيس .
ويبدو أن نابليون قد
فكر في توظيف اليهود ليعملوا جواسيس لحسابه (وقد أخبر هرتزل ملك إيطاليا بهذه
الحقيقة) . وإبان غزو نابليون لروسيا ، جند نابليون بعض اليهود للتجسس لحسابه ،
لكن أغلبية اليهود تجسسوا عليه لحساب الحكومة القيصرية لأن المؤسسة الدينية كانت
تعتبره عدوها الأكبر .
وإبان
الحرب الفرنسية الألمانية، كانت المخابرات الفرنسية تجند يهود الألزاس واللورين
الذين يعرفون الألمانية ليتجسسوا لحساب فرنسا . وقد اتهم دريفوس ، وهو من أصل
ألزاسي ، بأنه يتجسس لحساب ألمانيا . بل وكان هرتزل يود ، ضمن مخططه الصهيوني ، أن
يحول يهود العالم إلى عملاء لبريطانيا العظمى .
ويفترض
الصهاينة أن يهود العالم هم أعضاء في الشعب اليهودي ، ومن ثم فإن ولاءهم لابد أن
يتوجه إلى الدولة الصهيونية . وانطلاقا من هذا المنظور ، تحاول أجهزة المخابرات
الإسرائيلية تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية ليعملوا من أجل المصالح الصهيونية .
وانطلاقاًمن هذا أيضاً ، تم تجنيد بعض يهود البلاد العربية قبل وبعد عام ١٩٤٨
للتجسس لصالح المستوطن الصهيوني (جماعة نيلي- حادثة لافون . . . إلخ) . وتبين
حادثة بولارد في الولايات المتحدة أن المؤسسة الصهيونية لاتزال تتحرك داخل نفس
الإطار . لكن من الضروري الإشارة إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات
المتحدة رفضوا هذا التعريف الصهيوني لهويتهم .
وتشك المؤسسة الصهيونية
في المهاجرين السوفييت ، ولا توظفهم في الأعمال العسكرية خشية أن يكون بينهم
جواسيس قام الاتحاد السوفيتي (سابقاً) بتسريبهم إلى صفوفهم .
ومن أهم الجواسيس اليهود تريبر ليربولد (١٩٠٤ -
١٩٨٢) وهو عميل مخابرات سوفيتي سابق ، ورئيس شبكة الجاسوسية التي عملت ضد ألمانيا
النازية في خلال الحرب العالمية الثانية والتي عرفت باسم «الأوركسترا الحمراء» .
ولد في بولندا ، وكان نشطاًفي حركة الشبيبة الشيوعية البولندية ، وسجن لعدة أشهر
ثم انضم فيما بعد إلى المنظمة الصهيونية هاشومير هاتزعير ، وذهب في عام ١٩٢٦ إلى
فلسطين . وهناك ، ارتبط بالحزب الشيوعي ، واحتجز عدة مرات بسبب نشاطه السري . ثم
أصبح عضوا في الهستدروت ، وترأس داخله جناح إيحود ، أي الوحدة ، والذي كان ينادي
بوحدة الشيوعيين من اليهود والعرب . وبعد المؤتمر الأول لإيحود في عام ١٩٢٧ ، طرد
تريبر من فلسطين ، فذهب إلى فرنسا ونشط هناك في القسم اليهودي للحزب الشيوعي
الفرنسي . كما عمل أيضا مع المخابرات السوفيتية . ولكنه اضطر مرة أخرى إلى الرحيل
بعد أن كشف النقاب في فرنسا عن شبكة تجسس سوفيتية .
وانتقل تريبر إلى الاتحاد السوفيتي حيث درس في
الجامعة الشيوعية للعمال الغربيين في موسكو ، ويبدو أنه تلقى إلى جانب ذلك تدريبا
في الأعمال الاستخباراتية . وفي عام ٨ ٩٣ ١ ، أرسل إلى فرنسا وبلجيكا حيث لعب
دوراً هاما وحيويا لصالح المخابرات العسكرية السوفيتية ، ونجح في تأسيس وقيادة
شبكة جاسوسية واسعة النطاق كان لها عملاء في مواقع هامة داخل الجهاز العسكري
الأمني في برلين . وقد أطلق جهاز مكافحة الجاسوسية الألماني على هذه الشبكة اسم
«الأوركسترا الحمراء» . ويبدوأن تريبر نجح إلى حد كبير في نشاطه ، فقد حذر موسكو
عام ١٩٤١ من الهجوم الألماني الوشيك وتنبأ بالتاريخ المحدد له ، إلا أن ستالين
تجاهل هذه التحليرات حيث اعتبرها نوعا من الإثارة البريطانية .
وقد كان لشبكة التجسس دور حيوي في الإستراتيجية والتكتيكات السوفيتية
في خلال الحرب مع ألمانيا . إلا أن الألمان نجحوا في إلقاء القبض على تريبر عام
١٩٤٢ في باريس وحاولوا تجنيده ليعمل لصالح ألمانيا كعميل مزدوج. ويبدو أن تريبر
تظاهر بقبول هذا العرض بناءعلى أوامرسابقة لقيادته تحسبا لمثل هذا الاحتمال
واستطاع في خلال سجنه تهريب تقرير مفصل حول ظروف اعتقاله ومدى الاختراق الألماني
لشبكة التجسس . وقد
نجح
تريبر في الهروب بعد أقل من عام ، وعاود مرة أخرى نشاطه الاستخباراقي . ولكن يبدو
أن بعض الشكوك والشبهات قد أحاطت به ، فعند عودته إلى موسكو عام ١٩٤٥ تم إلقاء
القبض عليه وسجن لمدة عشرة أعوام تعرض خلالها لعديد من الاستجوابات ، وتم الإفراج
عنه عام ١٩٥٥ ورد له اعتباره . وقد كرس تريبر مجهوداته بعد ذلك نحو الشئون
اليهودية . فقدم للقيادة السوفيتية خطة لإحياء المؤسسات والحياة الثقافية اليهودية
في الاتحاد السوفيتي ، إلا أن هذه الخطة رفضت ، فانتقل بعد ذلك إلى وارسو حيث ترأس
، تحت اسم ليبا دومب ، الجمعية الثقافية الاجتماعية اليهودية تحت رعاية الحكومة
البولندية ، كماترأس دارالنشراليديشية التابعة لها . وفي عام ١٩٦٨ ، قدم
تريبرطلباللهجرة إلى إسرائيل حيث كان بعض أفراد أسرته قد استقروا فيها ، إلا أن
السلطات البولندية رفضت طلبه . وقد أثارت الدوائر الصهيونية مسألة هجرته على
المستوى العالمي ، كما تم استغلال قضيته لإثارة الرأي العام العالمي ضد حكومة
بولندا الاشتراكية وضد الاتحاد السوفيتي الذي كان الاعتقاد السائد يرى أنه وراء
موقف الحكومة البولندية . وفي تلك الآونة ، قام عميل سابق للمخابرات الفرنسية هو
جان روشيه باتهام تريبر على صفحات جريدة لوموند بأنه تعاون مع النازيين في خلال
الحرب ، وبأنه خان رفاقه في المقاومة . ولكن تريبر أقام دعوى قذف ضد روشيه واستطاع
أن يكسبها .
وقد
سمحت السلطات البولندية لتريبر في آخر الأمر ، بالرحيل إلى إنجلترا لأسباب
صحية
وفي عام ٤ ٩٧ ١ ، استقر تريبر في إسرائيل . ونشر مذكراته عام ٥ ٩٧ ١ بعنوان اللعبة
الكبيرة والتي حاول التأكيد فيها على دورشبكة «الأوركسترا الحمراء» في محاربة
النازيين والدور البارز الذي لعبه اليهود في ذلك . وتوفى تريبر عام ٩٨٢ ١ ودفن في
القدس .
وحياة تريبر المثيرة لا
تختلف كثيرا عن حياة أمثاله من الجواسيس . أما هجرته لإسرائيل فهي لا تختلف عن
هجرة المجرم لانسكي في دوافعها ولا علاقة لها بانتيمائه اليهودي .
روبرت ماكسويل: جاسوس وغشاش
يمكن أخيرا أن نذكر
روبرت ماكسويل (١٩٢٣-١٩٩١) الناشر البريطاني اليهودي الذي ارتبط اسمه بواحد من أهم
الجرائم المالية وبعالم الاستخبارات والتجسس . ولد ماكسويل في تشيكوسلوفاكيا ،
وكان اسمه الحقيقي يان لودفيج هوخ . ولد لعائلة يهودية
ريفية
يقال إنه قضي على معظم أعضائها خلال الحرب العالمية الثانية ، وانضم إلى الجيش
التشيكي عام ٩ ٩٣ ١، ثم فر إلى بريطانيا مع الاحتلال النازي ، حيث انضم إلى صفوف
الجيش البريطاني . وحاز في عام ١٩٤٥ على ميدالية الصليب العسكرية . وقد بدل اسمه
عدة مرات ، ثم استقر في عام ١٩٤٥ على الاسم الإسكتلندي الحالي إيان روبرت ماكسويل
. عمل ماكسويل لحساب الاستخبارات البريطانية ، وترأس القسم الصحفي للقوات
البريطانية المتمركزة في ألمانيا في الفترة بين عامي ١٩٤٥ و٧ ١٩٤ . وفي خلال وجوده
في ألمانيا ، التقى بناشر ألماني كان تحت يده عدد ضخم من الوثائق والنشرات العلمية
التي خلفها الحكم النازي ، وبالتالي تفتحت أمام ماكسويل فرصة ذهبية للعمل في مجال
النشر العلمي . وبالفعل ، أسس في عام ١٩٤٩ شركة برجامون برس التي جعلها من أكبر
دور النشر المتخصصة في المطبوعات العلمية ، والتي شملت أعمالها بمبامجاً واسعا
لترجمة الكتب والمجلات العلمية السوفيتية . وقد كانت دار نشر برجامون اللبنة
الأساسية في إمبراطوريته الصحفية والإعلامية التي احتلت المرتبة التاسعة أو
العاشرة في العالم على حد تقدير ماكسويل نفسه . وكانت إمبراطورية ماكسويل تضم عددا
كبيرا من الشركات القابضة والمؤسسات العائلية والهيئات الخيرية التي توزعت مقارها
الرئيسية في بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل وأوربا الشرقية وجبل طارق
وليختنشتاين .
وقد
امتلك ماكسويل حصصاً متفاوتة في عدد كبير من الصحف في ثلاث عشرة دولة . فمجموعة
ميرور نيوز (التي امتلكها ماكسويل في عام ٩٨٤ ا ) تنشر عدداً من الصحف البريطانية
الهامة مثل ديلي ميرور وصاندي ميرور . كاامتلك ماكسويل نسبة ستة في المائة من أسهم
صحيفة ذي إند بندنت اليومية البريطانية . كما سيطرفي عام ١٩٩١ على صحيفة ديلي
نيوزالصادرة في نيويورك . وفي المجر ، امتلك حصة كبيرة في صحيفة ماجيار هيرلاب
اليومية . وفي عام ١٩٨٦ ، أصدر صحيفة الصين اليومية تشايناديلي التي كانت تصدر
بالإنجليزية في بكين ولندن، إلا أنه توقف عن نشرها بعد أحداث الصين في عام ١٩٨٩ .
كما أصدر في عام١٩٨٨ الصحيفة الأوربية الأسبوعية ذي يوروبيان . وأشترى ماكسويل في
نفس العام دارين للنشر في الولايات المتحدة هما : دار ماكميلان التي كانت ثاني
أكبر دار نشر أمريكية، والدار التي تنشر الدليل الرسمي لشركات الطيران . وقد وضعت
هذه الممتلكات الجديدة عبئاً كبيرا من الديون على كاهل ماكسويل تجاوزت عند وفاته
ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، مادفعه إلى بيع بعض ممتلكاته، ومن أهمها دار نشر
برجامون
لسداد ديونه . كما كان ماكسويل يمتلك ، منذ عام ١ ٩٨ ١ ، شركة للاتصالات
هي
ماكسويل كوميونيكيشن كوربوريشن ٠
وقد
كان لماكسويل اهتمام خاص بأوربا الشرقية ، وكانت له علاقات مع عدد من رؤساء الكتلة
الشرقية . وقد أسس عام ١٩٩٠ ، بالتعاون مع مؤسسة مريل لينش ، شركة للاستثمار في
أوربا الشرقية رأسمالها ٠ ٥ ٢ مليون دولار . وكان ماكسويل قد أسس قبل ذلك ببضع
سنوات شركة للاستثمار في الصين بالمشاركة مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري
كيسنجر، لكن أعمال الشركة توقفت بعد أحداث الصين في عام ٩٨٩ ١ . كما دخل ماكسويل
حلبة السياسة البريطانية حيث تولى منصب نائب في البرلمان عن حزب العمال البريطاني
في الفترة بين عامي ١٩٦٤ و ١٩٧٠ .
ومن
جهة أخرى كان لماكسويل اهتمام كبير وارتباط خاص بإسرائيل . ومما يذكر أنه لم يكن
يعلن عن أصله اليهودي في البداية ، كما كان يذهب إلى الكنيسة مع زوجته الفرنسية
البروتستانتية (أي أنه كان يهوديا متخفيا مثل عشرات الألوف الآخرين) . ولكنه حين
عرف أصله ، لم يستمرفي إنكاره . وفي السنوات الأخيرة ، أصبح واحدا من أهم
المستثمرين الكبار في إسرائيل وأحد كبار مؤيديها . ويعتقد أنه كان أكبر المستثمرين
فيها على الإطلاق. فكان يمتلك ثلث صحيفة معاريف الإسرائيلية التي تحتل المرتبة
الثانية بين الصحف الإسرائيلية من ناحية التوزيع . واشترى في عام ١٩٩٠ خسين في
المائة من حصص دار كيتر للنشر بمبلغ خمسة ملايين دولار وهي الشركة التي تصدر
الموسوعة اليهودية . كما امتلك ماكسويل حصصاًني شركتين إسرائيليتين هما : شركة
سايتكس وهي من الشركات الرائدة في مجال الرسوم البيانية بالكومبيوتر والطباعة بالألوان
، وشركة تيفا فارماسوتيكال للمنتجات الطبية . وقد ترددت أنباء عن أن ماكسويل كان
ينوي استثمار مائة مليون دولار في تأسيس شركة قابضة في إسرائيل تجمع استثماراته
القائمة والمتوقعة هناك.
وفي غهاية عام ٩٨٨ ١
، أصبح ماكسويل رئيس شركة سندات إسرائيل في بريطانيا، إذ اشترى سندات بملايين
الجنيهات الإسترلينية أصبح بعدها أكبر مشتر للسندات الإسرائيلية في بريطانيا .
وكانت الشركة تأمل في أن يساهم تعيين رئيس للشركة ذي شهرة واسعة في جذب أعداد
كبيرة من المستثمرين لشراء السندات الإسرائيلية .
وقد كان ماكسويل من المؤيدين لسياسات حكومة
الليكود الإسرائيلية ، وصرح قبل وفاته ببضعة أسابيع أن آراءه تتطابق تماماً مع
آراء رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير . وأيد ماكسويل مبدأ إبعاد الفلسطينيين
عن أرضهم وتوطينهم في البلدان العربية ، كما كان يصرح دائيا أن الأدن هي الدولة
الفلسطينية (كما يفعل الإسرائيليون والصهاينة) . وفي عام ١٩٨٩ ، وبخ ماكسويل رئيس
تحرير جريدة معاريف لنشره مقالا عرض فيه تقرير الاستخبارات الإسرائيلية ومؤداه أنه
ليس هناك بديل عن الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . كما بين ماكسويل أن الدافع
وراء محاولته الفاشلة في عام ٩٨٩ ١ لشراء صحيفة جيروساليم بوست كان وقف النقد الذي
كانت توجهه الصحيفة للحكومة الإسرائيلية.
وقد تورط ماكسويل قبل وفاته بقليل في قضية تجسس
وتجارة سلاح . فقد ذكر الصحفي الأمريكي سيمور هيرش في كتابه الخيار شمشون أن
لماكسويل علاقات بالمخابرات الإسرائيلية (الموساد) ، وأنه تورط مع محرر الشئون
الخارجية لجريدته الديلي ميرور في تسهيل عقدصفقات سلاح سرية لإسرائيل وفي تسهيل
اختطاف موردخاي فانونو، وهو أحد العاملين في مفاعل ديمونة والذي كشف عن وجود مائتي
قنبلة نووية لدى إسرائيل . كما ادعى ضابط في المخابرات الإسرائيلية ، وهو آرييه
منسى ، أن ماكسويل كان متورطا في مبيعات الأسلحة إلى إيران (في أثناء حربها مع
العراق) وهي مبيعات تمت بموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير ونائب الرئيس
الأمريكي آنذاك جورج بوش ، فكان ماكسويل يتلقى عمولات عن هذه الصفقات ثم يجري
عملية «غسل» لهذه الأموال المتحصلة بهذه الطريقة غير النظيفة لتبدو كيا لو أنها
نظيفة وشرعية (وتتم عملية الغسل هذه بطرق عديدة مثل وضع النقود في المصارف من خلال
منافذ عديدة أو استثمارها في مشاريع تجارية خاسرة ثم إعلان أنها حققت أرباحا
خيالية ، وتودع الأموال في المصارف بعد ذلك) .
وقد نفى ماكسويل أية
علاقة له بالموساد أو بصفقات السلاح ، وأقام دعوى ضد هيرش يوجه فيها إليه تهمة
السب العلني . وبعد أقل من شهر من إثارته هذه الفضيحة ، لقي ماكسويل حتفه ، وقيل
أنه سقط ميتاً وهو على ظهر يخته في البحر قرب جزر الكناري. وتراوحت الآراء حول
ظروف موته بين التلميح إلى اتهام الموساد بقتله، أو
٢١٧
ترجيح
انتحاره بسبب متاعبه المالية الكبيرة أو اتهامه بالعمالة لإسرائيل ، أو القول بأن
موته كان مجرد حادث عادي . وقد دفن ماكسويل في إسرائيل وفقا لرغبته .
وقد تفجرت فضيحة مالية
كبرى في أعقاب وفاة ماكسويل ، حيث تبين أنه حول أكثر من ٧٠٠ مليون جنيه إسترليني
(١,٢٧ مليار دولار) من صناديق المعاش في مجموعة الشركات العامة ميرور جروب التي
كان يديرها ، وذلك لتغطية خسائر شركاته الخاصة ولمساعدة إمبراطوريته الإعلامية التي
كانت تنوء تحت ثقل الديون . وتبين أيضاً أنه احتال على مؤسسة مالية سويسرية للحصول
على قرض قيمته ١٠٠ مليون دولار ، وأنه استخدم نفس الأصول لضمان أكثر من قرض . وكان
ماكسويل قد تعرض من قبل للمساءلة حول سلامة ممارساته ، حيث أجرى مجلس التجارة
البريطاني تحقيقاً في عام ١٩٦٩ حول أوضاع شركة برجامون برس وكشف بالفعل عن بعض
المخالفات . وقد تضمن التقرير الذي انتهى إليه المجلس أن ماكسويل «شخص لا يعول
عليه في إدارة شركة مساهمة عامة » . وقد عمل ماكسويل منذ ذلك الحين على إسكات
منتقديه وردعهم عن طريق مقاضاتهم وتوجيه تهمة التشهير به إليهم . وقد وصف ماكسويل
عقب تفجر هذه الفضيحة بأنه «محتال القرن »، مما زاد التكهنات القائلة بأنه مات
منتحرا . كما قبض على ابنيه ، اللذين توليا أمور بعض شركات والدهما بعد وفاته ،
بتهمة التورط في الغش التجاري ، ولكن لم تتم إدانتها بعد محاكمتها .
الفصل الساب
يرى البعض أن اليهود عباقرة بطبيعتهم، لكن الحديث عن «العبقرية
اليهودية» ، لا يختلف بنيويا، في واقع الأمر، عن حديث المعادين لليهود عن «الجريمة
اليهودية» أو عن «عبقرية اليهود المتأصلة في ارتكاب الموبقات والسرقة والفساد» .
فالحديث عن العبقرية اليهودية، تماما مثل الحديث عن الجريمة اليهودية، يصدر عن
تصور أن اليهودي «يهودي» وحسب أو يبودي بالدرجة الأولى ثم أمريكي أو روسي بالدرجة
الثانية أو الثالثة، وأن ما يحدد سلوكه (عبقريته في الخير والشر) هو البعد اليهودي
في وجدانه ورؤيته . كما يتفق الصهاينة والمعادون لليهود على اختزال اليهودي
وتجريده من أى سياق اجتماعي أو تاريخي أو إنساني وعلى وضعه على هامش التاريخ أو
خارجه ، حيث يقف ليساهم فيه بعبقرية فذة، أو يحاول تخريبه بكل ما أوتي من قوة
ودهاء وحيلة وعبقرية إجرامية. وسنتتاول هذا الموضوع فى هذا الفصل ونحاول أن نفسر
أسسه التاريخية والاجتاعية .
كلمة «عبقرية» تعني
مجموعة من السمات الخاصة لا تفترض بالضرورة عيتاً أو علوا مثليا نقول «عبقرية
المكان» حيث لكل مكان عبقريته الخاصة، أو «عبقرية اللغة الإنجليزية" حيث لكل
لغة عبقريتها الخاصة . وحينها تستخدم العبارة بهذا المعنى في الكتابات الصهيونية
(أو غيرها) كأن يقال «العبقرية اليهودية» ، فهي تشير عادة إلى «الخصوصية اليهودية»
. ولكن هذا الاستعمال نادر، والاستعمال الشائع هو أن تشير كلمة «عبقرية» إلى درجة
من درجات التميزإلى جانب الخصوصية . وعبارة «العبقرية اليهودية» تفترض وجود عبقرية
يهودية مستقلة، وأن العباقرة اليهود يتمتعون باستقلال عا حولهم، وأن وجودهم
٢١٩
مؤشرعلى تميزاليهودككل،
ولذانجدحديثامستفيضا عن فضل العباقرة اليهودعلى الحضارة الإنسانية وعن زيادة عددهم
بالنسبة للعباقرة من الشعوب والأقليات الأخرى .
ولو نظرنا إلى العباقرة
اليهود ، بعد أن نضعهم في سياقهم التاريخي المتعين ، سنكتشف على الفور أن مقولة
«العبقرية اليهودية» لا تملك مقدرة تفسيرية عالية . وسيظهر قصورها التفسيري
السكندرى اليهودى حينيا نسأل عن تلك السمات " اليهودية المشتركة " بين
عباقرة مثل فيلون (الفيلسوف السكندرى اليهودى الذي عاش في العصر الهيليني) ،
وشعراء العرب اليهود (في الجاهلية) ، وموسى بن ميمون (المفكر الديني العربى
اليهودي الذي عاش في العالم الإسلامي في القرن الحادي عشر) ، وفرويد (المفكر
النمساوي اليهودي الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر) ، وشاجال (الفنان التشكيلي
الروسي الفرنسي اليهودي الذي عاش معظم حياته في النصف الأول من القرن العشرين) ،
وبرنارد مالامود (الروائي الأمريكي اليهودي الذي عاش في النصف الثاني من القرن
العشرين) . والإجابة الوحيدة هي أن مثل هذه السمات المشتركة غير موجودة . وإن ا
كتشف أحد عناصر يهودية مشتركة بين كل هؤلاء العباقرة، فإن تصنيفهم على أنهم يهود
بالدرجة الأولى لا يفيد كثيا في فهم فكرهم أو طبيعة مساهمتهم في التاث الإنساني .
فيهوديتهم المشتركة ليست ذات مقدرة تفسيرية أوتصنيفية عالية، ولابدلنا أن نعود إلى
التقاليد الحضارية والظروف التاريخية التي شكلت فكر ووجدان كل واحد منهم حتى يتسنى
لنا الإحاطة بها. فموسى بن ميمون كاتب عربي أندلسي كان يؤمن باليهودية وتفاعل مع
التراث العربي الإسلامي . ومن خلال هذا التفاعل نضجت عبقريته العربية، ولم تكن
اليهودية سوى أحد العناصر في تكوين هذه العبقرية (وحتى هذه اليهودية كانت قد
اصطبغت بصبغة إسلامية) . وقصص برنارد مالامود تنتمي إلى التراث الدبي الأمريكي لأن
كاتب هذه القصص تأثر بتقاليد هذا الأب وأتقن اللغة الإنجليزية الأمريكية وكتب
روايات أمريكية تعالج موضوعات أمريكية يهودية . وحين صرح شاجال ذات مرة لمجلة تايم
بأنه غير مهتم باليهودية، قامت الدنيا ولم تقعد، وأرسل كثير من القراء برسائل
احتجاج أوضحوا فيها تأثر شاجال باليهودية الحسيدية. وقديكون هذا أمراًصحيحاً ،
ولكن شاجاليظل نتاج الحركات الفنية في أوربا في القرن العشرين، وبخاصة في روسيا
وفرنسا . وقد تكون لبعض لوحاته نكهة حسيدية، خصوصاً أنها تعالج موضوعات يهودية مثل
التوراة والحاخام ، ولكنهاتظل مع هذا لوحات رسمها فنان روسي فرنسي متأثر وبعمق
بالتراث المسيحي!
وإذا
ما تركنا مجال الفنون والإنسانيات ، يصبح الحديث عن العبقرية اليهودية عبثاً وهراء
لا طائل من ورائه . فبأي معنى يمكننا أن نقول إن نظرية النسبية قد توصل إليها
أينشتاين من خلال عبقريته اليهودية ، وكأن أينشتاين كان من الممكن أن يصل إلى ما
وصل إليه من اكتشافات باهرة دون جهود من سبقه من علماء مسيحيين وبوذيين ؟ وهل كان
من الممكن أن يصل إلى ما وصل إليه من اكتشافات دون وجوده داخل الحضارة الغربية
الحديثة ؟ وإلا فبماذا نفسر عدم ظهور علاء طبيعة متفوقين تفوق أينشتاين بين يهود
الفلاشاه الإثيوبيين؟
ويلاحظ
أن نسبة المتعلمين والمخترعين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي
مرتفعة . ولكن هذا أمر طبيعي وينطبق على كل أعضاء الأقليات في أي مكان حينيا تتاح
أمامهم الفرصة . لكن أعضاء الأقلية يخضعون ، مع ذلك ، في معظم الأحيان إن لم يكن
كلها ، لدرجة تقدم وتخلف المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه، فإن تقدم تقدموا وإن
تخلف صاروا متخلفين . ولذا لم يكن هناك عباقرة يهود بين العرب إبان فترات الانحلال
في الحضارة العربية حين أغلقت فيها الحلقات الفقهية والمدارس التلمودية العليا في
العراق بسبب انتكاس الحضارة العربية ، بينما ازدهر الفكر العربي اليهودي في
الأندلس بسبب ازدهارها.
وحتى لو رصدنا العبقرية
اليهودية بشكل مطلق ، كما يفعل الصهاينة ، فإننا سنكتشف أن العبرانيين وأعضاء
الجماعات اليهودية، لم يلعبوا دوداً كبيرا في خلق الحضارة الإنسانية . فحينها ظهر
العبرانيون على مسرح التاريخ منذ عام ١٢٠٠ ق. م . رعاة رحلا ، كانت الإمبراطورية
الفرعونية في مصر قد شيدت مئات المعابد والأهرامات والسدود ، وكان الفن المعماري
وعلوم الفلك المصريان قد وصلا إلى قمم شامخة . وحينا تأسست المملكة العبرانية
الموحدة على يدي داود وسليمان، لم تكن هذه المملكة سوى مملكة صغيرة ازدهرت في غياب
القوى الإمبراطورية العظمى في الشرق الأدنى القديم ، واعتمدت حضاريا على الدول
والأقوام المجاورة اعتمادا كاملا. أما في مجال الأدب والفن والفكر، فلا توجد أية
مساهمة حقيقية من جانب العبرانيين في تراث العالم القديم ، ولا نسمع عن عباقرة
يهود في فن الهندسة المعمارية (على سبيل المثال) . ولايأتي ذكراليهودفي الكتابات
اليونانية أو الرومانية إلا بوصفهم شحاذين ومصدر ضيق لكتاب مثل شيشرون. وإذا نظرنا
الى الحضارة العربية إبان فترة غهضتها، فإننانجد أن دور اليهود كان مقصورابالدرجة
الأولى
على
الترجمة والنقل من اللغات الأجنبية . وقد دفعهم اضطلاعهم بوظيفة الجماعة الوظيفية
الوسيطة التي يعمل أعضاؤها بالتجارة الدولية في العالم القديم إلى معرفة العديد من
اللغات، كما جعلهم ناقلين لحضارات الآخرين . ولم يكن يوجد شاعر كبير أو مفكر فلسفي
عربي مشهور يعتنق اليهودية ، فكنت ترى بينهم الأطباء والصيادلة والتجار حيث ظلوا
مرتبطين بالإنتاج اليومي المادي ، ولكن لم يوجد بينهم الفنانون أو المفكرون . وبعد
أن انتقل مركز الحضارة إلى الغرب ، ظل الأمر على ما كان عليه . ففي شرق أوربا ،
التي كانت تضم غالبية يهود العالم (يهود اليديشية) ، ظلت الجماعات اليهودية غارقة
حتى أذنيها في التأملات القبالية. وكانت الحياة العقلية في الجيتو منفصلة عن
العالم الخارجي، هذا في الوقت الذي كانت أوربا تعيش عصر نهضتها . ولذا لا نجد في
أدب وحضارة العصور الوسطى أو عصر النهضة مفكرا أو رساماً أو أديبا يهوديا واحدا
شهيرا . بل إن المفكرين اليهود الذين ظهروا خلال هذه الفترات الطويلة ، مثل
الحاخام عقيبا أو راشي أو موسى بن ميمون، كانوا مهتمين بأمور دينية يهودية ذات
أهمية إنسانية محدودة . كا نعرف أنهم كانوا بلا ثقل يذكر داخل مجتمعاتهم، فموسى بن
ميمون لم يكن معروفا باعتباره مفكرا دينيا، وإنما باعتباره طبيبا ومؤلف كتب في
الطب وحسب . وما من شك في أن اقتصار نشاط اليهود على نشاطات إنسانية معينة دون
غيرها أمر طبيعي للغاية من أقلية تلعب دورالجماعة الوظيفية الوسيطة المنعزلة
اقتصاديا ووجدانيا بسبب وظيفتها .
ونحن
لا نسمع عن العباقرة اليهود إلا مع بدايات ظهور الرأسمالية والعلمانية . وربما لم
يكن من قبيل المصادفة أن إسبينوزا ، أول فيلسوف يهودي غربي في العصر الحديث ، ظهر
في هولندا مهد الرأسمالية الحديثة. ومما له دلالة بالمثل ظهور إسبينوزا من بين
اليهود السفارد المتمتعين بمستوى حضاري مرتفع بسبب احتكاكهم بالحضارة الإسلامية،
على عكس اليهود الإشكناز الذين تدنى وضعهم الحضاري داخل الحضارة المسيحية . وقد
كان إسبينوزا أيضاًمن أوائل المفكرين العلمانيين الذين طرحوا انتهاءهم اليهودي
جانباً ، فلم يكن إبداعه وبروزه نتيجة انتمائه اليهودي، وإنا تم هذا الإبداع وذلك
البروز رثماًعن هذا الانتماء وبسبب رفضه (وذلك مع عدم إنكارأن التراث اليهودي
القبالي لعب دورامهماًفى تحديد معالم فكره أو في تأكيد الواحدية المادية الكونية
والاتساق الهندسى عنده واللذين يشكلان جوهر نسقه الفلسفى) .
جاء في المعاجم العربية «تميز الشيء» بمعنى «بدا
فضله وانفصل عن غيره» ، و«برز بروزا» بمعنى «فاق الآخرين في فضل أو علم» ،
و«بوزالشيء» معناها«أظهره وبينه» . ومن الموضوعات الأساسية التي تتواتر في
الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، موضوع «بروزأعضاء الجماعات اليهودية
وتميزهم» في كثير من مجالات النشاط والمعرفة الإنسانيتين بنسبة تفوق بمراحل نسبتهم
إلى عدد السكان في المجتمعات التي يعيشون في كنفها . ودارس تواريخ أعضاءالجماعات
اليهودية سيجدقرائن على كل من البروزالإيجاي والتميز في الخير والإبداع ، والبروز
المشين والتميز في الشر والهدم والإجرام. أما البروز الإيجابي ، فعليه من الأدلة
الكثير ، مثل : كثرة عددالعباقرة والمهنيين بين أعضاء الجاعات اليهودية، ونسبة
التعليم المرتفعة بينهم ، وارتفاع دخولهم . أما البروز المشين ، فهناك أيضاً
مؤشرات كثيرة عليه ، مثل : اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا عبر العصور
الوسطى في الغرب بل واحتكار هذه المهنة في بعض المناطق ، واشتغالهم بتجارة الرقيق
في القرنين السابع عشر والثامن عشر . ثم اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية في القرن
التاسع عشر، بتقطير الخمور والاتجار فيها، وتهريب البضائع والرقيق الأبيض، وبكثير
من الأعمال الطفيلية غير المنتجة .
ويلاحظ أن أي مؤشر على بروزهم الإيجابي قد يعد
مؤشرا على بروزهم المشين، فالثراء (وهوعادة مؤشرعلى حركية الإنسان وذكائه) يعتبرمن
منظور آخردليلا على عدم الانتماء وعلى الرغبة في الثروة وفي مراكمتها دون أية
تحفظات أخلاقية. كما أن التميز الوظيفي لليهود هو أيضاً من علامات البروز الإيجابي
والمشين ، بل إن الجيتو ذاته كان علامة من علامات البروز ، إذ كان اليهود يسعون
للحصول على إذن بإقامته والإقامة فيه ليتمتعوا داخله بالمزايا الممنوحة للجماعة
اليهودية والمقصورة عليهم وليعزلهم عن بقية السكان الأمر الذي يييسر لهم إدارة
مؤسساتهم الدينية والقضائية والتربوية الخاصة . ولكن الجيتو أصبح بالتدريج هو
المكان الذي يتعين عليهم البقاء فيه ، وهكذا تحول من ميزة إلى قيد .
ويذهب كثير من الدارسين إلى أن بروز بعض أعضاء الجماعات اليهودية من
أهم الأسباب التي تجلب عليهمعداء أعضاء الأغلبية من غير اليهود ؛ وهو تعميم متعسف
. فقد كان ابرون يؤدي أحياناًإلى مثل هذه التائح ، كما حدث في ألمانيا
النازية . ولكن ، في إسبانيا الإسلامية أو أمريكا العلمانية ، لم يؤد البروز
والتميز إلى أي عنف أو تمييز ضد
٢٢٣
أعضاء الجماعة اليهودية
. أما في بولندا ، خصوصاً في أوكرانيا التي ضمت من منظور التطورات التاريخية
اللاحقة أهم الجماعات اليهودية عبر التاريخ ، فإن بروزهم قد أدى دون شك إلى
استجلاب السخط عليهم لا بسبب البروز في حد ذاته وإنا بسبب طبيعته ، إذ أن أعضاء
الجاعة اليهودية كانوا قريبين من الطبقة الحاكمة عملاء لها ، في إطار الإقطاع
الاستيطاني البولندي في أوكرانيا ، وبذا أصبحوا عنصرا استيطاتياًتجارياًيمثل
الأرستقراطية البولندية في وسط فلاحي ، وعنصرا يهوديا ينوب عن عنصر كاثوليكي في
وسط أرثوذكسي أوكراني ، يتحدثون اليديشية أو البولندية في وسط يتحدث الأوكرانية ،
أثرياء في وسط من الفقراء والمعدمين . وقد تحول أعضاء الجماعة اليهودية إلى أداة
يمسك بها النبلاء في وارسو يعتصرون :ها الفلاحين . وحينما يكون البروز على
المستويات الطبقية وإلدينية والثقافية ، فإن الانفجار الشعبي يكون ساحقاًماحقاً ،
وهذا ما حدث مع انتفاضة شميلنكي .
وقد يتشابك التميز المشين مع التميز الإيجابي ،
فمع غهاية القرن التاسع عشر كان يهود البلاد الغربية قد حققوا صعوداً طبقيا ومكانة
اجتماعية عالية وهو ما يعنى تميزا يهوديا إيجابياً . ثم وصل يهود اليديشية ،
وكانوا متخلفين فقراء تتفشى بينهم الأمراض الاجتماعية المختلفة كما تفشى التعصب
الديني، وكان هذا يعني مميزاً :بوديا مشحا، وحدث تشابك بين الجماعتين أدى إلى
إحساس المجموعة الأولى بالحرج ثم إلى فزعها . ومن هنا فقد كان من أهداف الصهيونية
أن تبقي ليهود الغرب تميزهم الإيجاب، وأن تريحهم من يهود اليديشية بتميزهم المشين
عن طريق توطينهم في فلسطين .
ويحاول الصهاينة تفسير بروز وتميز بعض أعضاء
الجماعات اليهودية على أساس طبيعة اليهود والخصوصية اليهودية والجوهر اليهودي
والعبقرية اليهودية، وهو منطق خطر للغاية لأن البروز والتميز اليهودي الإيجاب إن
فينر على أساس الطبيعة اليهودية، فلابد من تفسير البروز والتميز المشين على الأساس
نفسه أيضاً . وهذا ما لا يحجم عنه أعداء اليهود بل وبعض الصهاينة (خصوصا
العماليين) .
ويلاحظ أن اليهودي الذي يحقق اندماجا في مجتمعه
ويسلك سلوك الآخرين ، لا يرصد أحد سلوكه باعتباره سلوكا عادياً . ولكن حينما ينخرط
بعض أعضاء الجياعات اليهودية في أنشطة مشينة أو متطرفة كأن يصبحوا أعضاء في جماعات
ثورية أو ماسونية أو يحققوا قدراًغالياًمن الثراء ، فإن أعداء اليهود يتجاهلون
اليهود العاديين والفقراء ويتناسون العباقرة من أعضاء الجياعات اليهودية ويرصدون
بعناية فائقة الأنشطة المشينة وحدها .
وحينا
يحقق البعض الآخرمن أعضاء الجماعات اليهودية برو إيجابياً ، فإن الصهاينة يؤكدون
ذلك ويستبعدون كلا من اليهود العاديين وهؤلاء الذين حققوا بروزاً مشينا. وربا إذا
أخضعت الظاهرة للدراسة الإحصائية المتأنية لاكتشفنا أن بروز اليهود في الخير والشر
إنا هوخاضع لآليات اجتماعية ليسوا مسئولين عنها ، وأن نسبة المتطرفين بينهم ، في
الخير والشر، قد لا تختلف كثيرا عن النسبة السائدة في المجتمع ، أو عن النسبة
السائدة بين أعضاء الأقليات على وجه العموم في أي مجتمع.
ومما
يظهر عدد اليهود المتميزين أكثر من حقيقته أن دارسي الجماعات اليهودية ينظرون
إليهم كما لو كانوا يشكلون كلا واحداً . ومن هذا المنظور، فإن تهود اليمن
والولايات المتحدة والصين وإثيوبيا وجنوب أفريقيا وجنوب أمريكا ، كلهم هود في
نهاية الأمر. ومن هنا ، فإن البحث عن البارزين فيهم داخل أية جماعة يتم دون أية
دراسة إحصائية تبين العلاقة بين نسبة هؤلاء البارزين إلى المعدل السائد في كل
مجتمع . كما يتجاهل الدارسون أن تركز اليهود في قطاعات وعلوم بعينها يؤدي إلى كثرة
البارزين فيها (مهنة الطب والعلوم الطبيعة وعالم التجارة والموسيقى وعلم الاجتماع)
. ولكن هذا يعني أيضا غيابهم عن قطاعات وعلوم أخرى كثيرة أو ندرتهم فيها . كا أنهم
يتجاهلون اللحظة التاريخية ، فبروز اليهود في مجتمع ما في لحظة تاريخية معينة لا
يعني بالضرورة بروزهم الدائم في كل زمان ومكان .
ويتبنى
أعداء اليهود منهجاً مماثلا، فهم يركزون على اليهود الذين حققوا بروزاً مشينا في
بعض المجتمعات، وكأن جميع اليهود يكونون كلا واحدا ولا يقارنون نسبة اليهود الذين
حققوا مثل هذا البروز قياساًإلى المعدل الإحصائي السائد في المجتمع ، كا أغهم
تهملون أخيرا اليهود الذين حققوا بروزاً إيجابياً . ونحن نذهب إلى أن أعضاء
الجماعات اليهودية يحققون البروز والتميز داخل الحضارة التي يعيشون في كنفها وبسبب
عناصر موجودة داخلها لا على الرغم منها . وتعود معدلات إبداعهم (وإجرامهم) لا إلى
التراث اليهودي وإنما إلى العناصر الحضارية والاجتماعية التي تكون محيطهم الحضاري
والاجتماعي .
ويمكننا
أن نحاول رصد أسباب بروز وتميز أعضاء الجماعات اليهودية، مقسمين الأسباب إلى قسمين
: أسباب عامة تسري على أعضاء معظم الأقليات في العالم، وأخرى مقصورة على اليهود في
الحضارة الغربية الحديثة . ولنبدأ بالأسباب العامة :
٢٢٥
١ -
يتسم أعضاء الأقليات في جميع المجتمعات بشيء من البروز نظرا لاختلافهم في بعض
النواحي أو في كثير منها عن أعضاء المجتمع .
٢ -
يتميز أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية ، بل وأحيانا في المجتمعات الحديثة ،
تميزا وظيفياًإذ يضطلعون بوظائف دون غيرها.
٣-
يسكن أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية في أماكن مقصورة عليهم وهو ما يساعد
على هذا البروز ، وقد قطن أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو .
٤
-تتسم المجتمعات الغربية بأنها مجتمعات لا تضم أقليات كثيرة ، وذلك على عكس
المجتمعات الشرقية الفسيفسائية ، ولذا فإن أقلية تكاد تكون وحيدة مثل الأقلية
اليهودية تحقق
بروزاغير عادي .
٥-
لاشك في أن من يوجدفي المدينة يحقق بروزالايحققه عادة من يكون في الريف ، وقد
تركزت الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي في العصر الحديث في المدن .
٦-
ولا شك أيضاً في أن ارتباط أعضاء إحدى الأقليات بالطبقات الحاكمة يساهم في زيادة
بروزهم ، وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الوسيط في الغرب بالطبقات
الحاكمة .
٧ -
يكون أعضاء الأقليات دائيا واقعين تحت ضغط نفسي يدفعهم إلى إثبات تفوقهم أمام
أنفسهم وأمام الآخرين، ومن ثم فهم يجتهدون في أن يساهموا في الإبداع الحضاري بدرجة
تزيد عن المعدل السائد في المجتمع . ولذا يلاحظ في معظم الأحيان أن نسبة المتعلمين
والمخترعين (في قطاعات معينة) من بين أعضاء الأقليات مرتفعة نوعا (ويلاحظ الشيء
نفسه بالنسبة للإجرام والانحراف) .
٨ -
عضو الأقلية عادة ما تكون لديه عقلية نقدية في رؤيته للمجتمع (بسبب عدم إحساسه
الكامل بالأمن والاستقرار) ، وهو ينظر لمنظومة المجتمع الدينية والقيمية نظرة شك .
وهذه النظرة النقدية الحادة تخلق تربة خصبة للإبداع التفكيكي ، وربا التركيبي
أيضاً .
٩ -
عضو الأقلية يتسم بروح الريادة وبالحركية ، الأمر الذي يجعله سباقاً إلى الخير
والشر .
أما بروز أعضاء
الجماعات اليهودية وتميزهم داخل الحضارة الغربية على وجه التحديد فيمكن تفسير كثير
من جوانبه من خلال مركب من الأسباب والنهاذج التفسيرية المترابطة :
١ -
يلاحظ ارتباط تميز أعضاء الجماعات اليهودية بتصاعد معدلات العلمنة في المجتمع .
وكما أسلفنا القول، ليس من قبيل الصدفة أن أول عبقري يهودي حقق تميزا وبروزا لا
داخل سياقه اليهودي وإنا داخل سياق الحضارة الغربية ككل هو إسبينوزا ، فيلسوف
الحلولية والكمونية . ويمكن القول بأن العباقرة اليهود في الغرب الحديث يحققون
التميز والبروز لا بمقدار تعبيرهم عن يهوديتهم وإنما بمقدار تخليهم عنها. ولعل
أصدق شاهد على هذا هوإسبينوزا نفسه الذي حقق بروزه وتميزه بمقدار ابتعاده عن
اليهودية ، ثم تبعه ماركس وفرويد وأينشتاين وكلهم يهود ملحدون، أي يهود غير يهود،
تبرأوا من
يهوديتهم ٠
ويمكن
القول بأن الجباعات اليهودية في أوربا كانت تعد ، مع اندلاع الثورة الفرنسية، أكثر
قطاعات المجتمع تخلفا وهامشية . إلا أن معظم يود العالم الغربي كانوا مع انتصاف
القرن من أكثر القطاعات علانية وحداثة . وقد تبعهم وبسرعة يهود اليديشية من شرق
أوربا، سواءمن بقي منهم داخل الاتحادالسوفيتي أومن هاجر منهم إلي الولايات المتحدة
.
٢ -
يلاحظ أن علمنة النخب اليهودية (قيادات اليهود الثقافية) تمت بسرعة فائقة
وبشكل
كامل وجذري ، كما تمت علمنة الجماهير اليهودية بشكل كامل وقاس وفجائي ومخطط من قبل
الدول المطلقة المختلفة (الدولة الفرنسية أو النمساوية أو الروسية) .
واستمرت
هذه العملية حتى بعد أن حكمت هذه الدول نظم ليبرالية أو ثورية . وقد أدى هذا إلى
انقطاع واضح بين انتمائهم الديني وتراثهم من ناحية، ووجودهم في العصر الحديث من
الناحية الأخرى ، ولذا فإنهم لم يحتفظوا بقيمهم الدينية التقليدية إلى جانب الرؤية
العلمانية التي اكتسبوها . ويلاحظ كذلك أهم لم يحتفظوا بأية رواسب دينية من خلال
الرموز العلانية ذات الأصول المسيحية ، إذ أنهم لا يشتركون أصلا في هذه الرموز
باعتبارهم يهودا. كما أن غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا وجميع هود
الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية ، عناصر مهاجرة ، وبالتالي فهم عناصر
حركية متحررة من القيم والمطلقات تبحث عن الحراك الاجتماعي .
وقد أدى كل هذا إلى
علمنة اليهود بشكل حاد وبمعدل يفوق معدلات العلمنة بين معظم قطاعات المجتمع الأخرى
. ولذا ، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر العناصر تحررا من القيم التقليدية
وغير التقليدية في المجتمعات الغربية ، وأصبح الإنسان اليهودي في الغرب هو الإنسان
الحديث بشكل نهاذجي متبلور ، لا انتاء له ولا جذور، لا يشعر بحرمة أي شيء وينزع
القداسة عن الإنسان والعالم . ومن ثم أصبح أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر
العناصر مقدرة على التحرك في المجتمع العلماني الحديث وأصبح لديهم من الكفاءات
اللازمة للتعامل مع المجتمع العلمافي الجديد أكثر مما لدى بقية أعضاء هذا المجتمع
من المسيحيين أو حتى العلمانيين ذوي الجذور المسيحية ، فاستطاعوا أن يحققوا بروزا
وصعودا بدرجة تفوق ما يحققه أقرانهم من القطاعات البشرية الأخرى في المجتمع ،
ولكنه صعود من يستطيع أن يسبح مع التيار بكل قوة ، لا أن يسبح ضده فيعوقه ويصده .
وقد لاحظ أحد وزراء
داخلية روسيا القيصرية وجود اليهود بأعداد كبيرة في الحركات الثورية ، فبين له أحد
الحاخامات أن الشباب اليهودي كان بعيداً كل البعد عن الحركات الثورية والفوضوية
حينا كان يتلقى تعليا دينيا تقليديا ، وأن هذه الظاهرة لم تبرز إلا بعد أن انخرطوا
في المدارس العلانية التي أسسها القياصرة .
٣ -
ويمكن أن نضيف إلى هذا أن اليهود كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع
الغري لعدة قرون ، فأصبحت سمات الجماعة الوظيفية من سماتهم الأساسية . ويوجد أعضاء
هذه الجماعات داخل المجتمع وخارجه في وقت واحد ، فهم على هامشه لا يخضعون لقوانينه
، ولكن عليهم التعامل معه ، ولذا كان عليهم أن يفهموا هذه القوانين ، حيث إن
علاقاتهم بالمجتمع علاقات موضوعية غير حميمة ، فهم ينظرون إلى المجتمع بطريقة
تحليلية تفكيكية تعاقدية نقدية ، وخصوصا أنهم من القرب بحيث يمكنهم فهم آلياته ،
كما أنهم بعيدون بقدر يمكنهم من الاحتفاظ بالمسافة النقدية . وأعضاء الجماعات
الوظيفية هم من أولى القطاعات في المجتمع التي تتم علمنتها وتجريدها من القداسة،
وصبغها بالصبغة الموضوعية . وبالتالي ، فإن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة هم
أول من يحمل الفكر العلماني النفعي الدنيوي وينشره ويذيعه .
٤ -
يقال إن النزعة المشيحانية عند اليهود، والتي أخذت شكلا علمانيا عند المثقفين
اليهود الغربيين ، تساهم في إضعاف الأواصر التي تربط بين اليهودي وبين المعطيات
التاريخية والاجتماعية
، الأمر الذي يجعله أكثر رفضا للمجتمعات التى يوجد فيها ، وأشد عمقاً في نقده لها
، وأكثر موضوعية . ويلاحظ أن المثقفين اليهود من أكثر العناصر تطرفاً في الحركات
الثورية والفوضوية والعدمية (تروتسكي-روزالوكسمبورج. . . إلخ) .
٥ -
ويمكننا هنا أن نحاول تقديم فرضية تلقي بعض الضوء على بروز المثقفين اليهود في
الحضارة العلانية ، وهذه الفرضية تستخدم نموذج الحلولية الكمونية (وتصاعد معدلاتها
داخل النسق الديني اليهودي وداخل الحضارة الغربية) لتفسيرهذا التميز . ويمكن القول
إن ثمة تشابها شبه كامل بين وحدة الوجود الروحية (لا موجود إلاهو ، أي الإله)
ووحدة الوجود المادية ( لا موجود إلا هي، أي المادة) . وهنا ، فإننا نذهب إلى أن
بروز المثقفين اليهود في الحضارة الغربية بدأ حينها بدأت هذه الحضارة في تبني
أنساق فكرية حلولية كمونية (البروتستانتية - النزعة الإنسانية الهيومانية - النزعة
العقلانية المادية) . فهؤلاء المثقفون اليهود ، بخلفيتهم الحلولية ، وبإنكارهم
إمكانية تجاوز المادة كانوا مهيئين بشكل كامل لامتلاك ناصية الخطاب الحضاري
العلاني ، ومن ثم تحقيق البروز من خلاله. ولعل الأهمية المركزية لإسبينوزا تتضح من
خلال هذا النموذج التحليلي . فهو أول مثقف يهودي حقق بروزا واضحا في العصر الحديث
، ويعود هذا إلى أنه ربط بين النسقين الحلوليين ، الروحي والمادي ، وعادل بين
الإلهي والطبيعي، ومن ثم فقد علمن الحلولية تماماً وجعلها تصب في الأنساق المادية
والعلمية .
٦ -
يلاحظ أيضا تركز اليهود في حقل الإعلام ، خصوصاً لي الصحافة والإذاعة ، وهو ما
جعلهم في موقع يمكنهم من تسليط الأضواء على الأنشطة التي يقومون بها وإعطائها من
الأهمية ما تستحق وربما أكثر مما تستحق . كما أن اليهود الجدد متمركزون في المدن ،
وهي مرا كز صنع القرار في كل أنحاء العالم . فضلا عن أنهم بانتقالهم إلى الضواحي
لم يبعدوا كثيرا عن هذه المراكز ، إذ أن معظم أعضاء النخبة في الولايات المتحدة
يوجدون في هذه الضواحي . ويمكن أن نضيف أيضا أن ارتفاع دخل المواطن الأمريكي
اليهودي بالنسبة إلى المعدل القومي قد زاد من بروزهم ، وكذلك تمركزهم في بعض المهن
البارزة ، مثل الطب وإلجامعات وإلمراكز العلمية .
٧ -
ويجب التأكيد- كما أسلفنا- على أن بروزالمثقفين اليهودفي الولايات المتحدة، على
سبيل المثال، لايعودإلى أنهم يهود، بل إلى أمهم أمريكيون يوجدون داخل الحضارة
الغربية ، وهي الحضارة المهيمنة على معظم المصادر الطبيعية في العالم ، والتي نجحت
في
تأسيس
بنيتها التحتية ، وبالتالي بإمكان أي شخص ينتمي إليها أن يحقق كل إمكانياته
الفكرية والإبداعية .
كما أن الحضارة الغربية
، بسبب هيمنتها على معظم أرجاء العالم ، تنسب لنفسها صفة العالمية وتسلط عليها
الأضواء . والمفكرون البارزون من أعضاء الجماعات اليهودية يتمتعون بهذه المزايا .
ولعل ظاهرة العرب من أصل مصري أو لبناني أو فلسطيني وغيرهم (فاروق الباز- إدوارد
سعيد) ممن يحققون بروزا في الحضارة الغربية تلقي بعض الضوء على الظاهرة نفسها بين
أعضاء الجماعات اليهودية . فلو قدر لهؤلاء البقاء في بلادهم فلربه) أجهضت
إمكاناتهم بسبب الحدود المادية . وربيا حتى لو تحققت إمكاناتهم لما وصفت بالعالمية
ولما سلطت عليها الأضواء .
هذه هي بعض العناصر
التي تصلح في مجملها لتفسير معظم جوانب هذه الظاهرة . ومع هذا يجب ألا نسقط في
الاختزالية والواحدية بألا نعطي أية قدرة تفسيرية للبعد اليهودي في تميز العباقرة
(والمنحرفين) من أعضاء الجماعات اليهودية . وكل ما نفعله هنا هو أننا ننكر على مثل
هذا البعد أية أولوية أو مركزية تفسيرية . فالبعد اليهودي لا يفسر تميز اليهود
وبروزهم ولكنه يساهم ولا شك في تفسير حدته ودرجته ونسبته .
ويمكننا أن نقول إن
آليات المجتمع العلماني التي أدت إلى بروز اليهود هي ذات الآليات التي قد تؤدي إلى
اختفائهم وانصهارهم ، فالمجتمع العلماني يزداد ترشيدا وتطبيعا ويتطلب من أعضائه
كافة أن يعيدوا صياغة ذاتهم حتى تزداد كفاءتهم في الأداء العام ، وهو ما يعني ضرورة
التخلص من كل الخصوصيات والنتوءات . فإنسان عصر الاستنارة والعقل المادي إنسان
عالمي لا يتمتع بأية خصوصية . كما أن عملية الدمج في المجتمع العلاني لا تتم من
خلال الدمج بين هويات دينية وإثنية مختلفة وإنا تتم من خلال نزع جميع الهويات أو
إخفائها أو تهميشها حتى يكتسب الجميع هوية علمانية عامة تزيد كفاءتهم في الأداء في
رقعة الحياة العامة . وبما أن أعضاء الجماعات اليهودية ليسوا استثناء من القاعدة ،
فنحن نتنبأبأن يتزايد اندماجهم وانصهارهم في الغرب إلى أن يختفي بروزهم ويصبحوا
جزءاًلا يتجزأ من الآلة ذات الكفاءة الكبرى .
العباقرة
من أعضاء الجماعات اليهودية (ابن نغريلة-يعقوب صنوع - ألبرت أينشتاين)
في محاولة تفسير عبقرية
العباقرة من أعضاء الجماعات اليهودية ، لابد أن يبتعد الدارس عن نموذج الخصوصية
اليهودية العالمية . وبدلا من ذلك يمكن أن نضبط مستوى التعميم
والتخصيص
للوصول إلى النموذج التفسيري الملائم . ومثل هذا النموذج لابد أن تتم صياغته من
خلال دراسة السياق الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والديني الذي يوجد فيه العبقري
من أعضاء الجماعات اليهودية . وسنحاول أن نطبق هذا المنهج على مجموعة من العباقرة
من أعضاء الجماعات اليهودية عبر التاريخ مثل ابن نغريلة ويعقوب صنوع وألبرت
أينشتاين .
أ-ابن نغريلة
ابن نغريلة ( ٩٣
٩-١٠٥٥) هو صموئيل اللاوي بن يوسف بن نغريلة المشهور بين اليهود باسم «شموئيل
هانجيد» . وقد عرفه العرب باسم إسماعيل بن يوسف بن نغريلة . وهو رجل سياسة وشاعر
وعالم وقائد عسكري عربي يودي ، ويعد أهم شخصية يهودية في الأندلس.
ولد في قرطبة من عائلة
غنية ، وأتقن العبرية والعربية واللاتينية ولغات البربر ، كما درس القرآن الكريم
والتوراة والتلمود على يدي حنوخ بن موسى في قرطبة . وكان يشيع عن نفسه أنه من نسل
داود . فر من قرطبة في القرن الحادي عشر الميلادي بعد غزو المرابطين لها وفتح دكان
توابل في ملقا ، ثم ألحقه الملك حبوس بخدمته حيث عمل بجمع الضرائب ، ثم كاتباً
ومساعدا للوزير أبي العباس . وبعد أن أيد باديس ، في معركته ضد أخيه على العرش ،
كافأه الملك الجديد وقربه منه وعينه وزيرا له بحيث أصبح ابن نغريله من أهم
الشخصيات في المملكة. وحيث إن باديس كان مستغرقا في لذاته ومسراته، فإن ابن نغريلة
كان الحاكم الفعلي، فقاد جيوش غرناطة في معاركها الدائمة مع أشبيلية، وحقق
أنتصارات عسكرية عديدة فيها .
ألف ابن
نغريلة عدة كتب في الشريعة اليهودية، من بينها مقدمة للتلمود، وحرر معجاكرية
التوراة . كما وضع كتاباًيطعن في الإسلام وكتابه الكريم، فرد عليه أبو محمد بن حزم
في كتاب سماه الردعلى ابن نغريلة اليهودي. ومع هذا ، كان ابن نغريلة مندمجا تماماً
في الحضارة العربية الإسلامية، فقلد أمراء عصره باجتذاب الشعراء وكون لنفسه حاشية
منهم، وكان من بينهم عدد من الشعراء المسلمين. وكان هو نفسه يقرض الشعر باللغتين
العربية والعبرية وله عدة دواوين. وتتناول قصائده العبرية موضوعات شتى. وقد طعم
الشعر العبري بفنون جديدة اقتبسها من الأدب العربي، كالشعر القصصي
٢٣١
وإلخمريات
والغزل ووصف المعارك ووصف الطبيعة والرثاء . كما طرق فنون الشعر العبري التقليدية
مثل قصائد البيوط والأدعية . ولم يكن الشعر الذي كتبه ابن نغريلة بالعربية أو
بالعبرية متميزا . ومهما كانت طبيعة عبقريته فلا يمكن تفسيرها إلا من خلال نموذج
تفسيري يضعه في سياق الحضارة العربية الإسلامية.
ب-
يعقوب صنوع
يعقوب صنوع (٩ ٨٣
١-١٩١٢) كاتب عربي مصري يهودي وأحد رواد المسرح المصري والصحافة المصرية الساخرة .
كان يعقوب الإبن الوحيد لوالديه اللذين فقدا أربعة أولاد بعد ولادتهم ، وحينما
حملت به أمه نصحتها إحدى صديقاتها المسلمات (كما هو الحال في البيئة المصرية
الصميمة في ذلك الوقت) أن تطلب بركة إمام مسجد الشعراني الذي كان يكتب التماثم
والتعاويذ والأحجبة . ويذكر يعقوب صنوع أن الشيخ قال للأم : «إن ربنا سيبارك ثمرة
أحشائك وسترزقين بولد» ثم أكمل نبوءته : « وإن نذرتيه للدفاع عن الإسلام فلسوف
يعيش ، اكسيه من حسنات المؤمنين ليكون متواضعا ، ولسوف يجد ما يريد بفضل بركة
خالقه » . وأطاعت المرأة ما أمرها به الشيخ ، وأقرها زوجها على أن يهب ابنه
للإسلام والمسلمين ، غير أنه اعترض في أول الأمر على فكرة كساء الطفل المرتقب من
حسنات المحسنين ، واعتبر في ذلك مهانة لا تليق به ، وهو يتمتع بالحظوة لدى البلاط
ويستشيره الأمراء في مسائلهم الخاصة (أي أن المكانة الاجتماعية داخل المجتمع
المصري عنده كانت أكثر أهمية من الانتماء الديني) . غير أن الزوجة أصرت على أن
تلبي نصيحة شيخ الضريح بحذافيرها لتضمن سلامة وليدها حين يرى النور ! (اعتمدنا في
هذه الدراسة بالدرجة الأولى على السيرة التي كتبها الدكتور إبراهيم عبده ليعقوب
صنوع وعلى مقال للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى) . «
يذكر أبو نظارة أنه حين
كبر حفظ القرآن وعاهد والدته على أن يوفي نذرها وأن يجند نفسه لخدمة الإسلام
والمسلمين وأنه جعل رسالته « مكافحة الأباطيل التي تفرق بين المسلمين والمسيحيين ،
بإظهار سماحة القران وحكمة الإنجيل ، وهكذا تتسنى لي الملاءمة بين قلوب الفريقين »
. ويقول كاتب سيرة يعقوب صنوع الدكتور إبراهيم عبده (( إنه لم يشر قط في تاريخه
إلى أنه ولد لأوين يهوديين» . فإذا أضفنا إلى هذا موقف والده من الانتماء الديني ،
فإن هذا يعني أن أسرة صنوع كانت مندمجة حضارياًتماماًفي المجتمع المصري وأن
البعد
اليهودي (حتى من الناحية الدينية الشكلية) كان قد شارف على الاختفاء . وحينما بلغ
يعقوب صنوع الثانية عشرة من عمره كان يقرأ التوراة بالعبرية والإنجيل بالإنجليزية
والقرآن بالعربية . كها كان قد أجاد عدداًمن اللفات منها : العربية والعبرية
والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية . ثم أرسل في بعثة دراسية
إلى إيطاليا في مدينة ليجهورن (على نفقة الحكومة المصرية) . فمكث ثلاث سنوات درس
أثناءها الاقتصاد السياسي والقانون الدولي والعلوم الطبيعية والفنون الجميلة .
ولكن
الأهم من هذا أن الحركة القومية الإيطالية (الهادفة إلى التحرر من السيطرة
النمساوية وتحقيق الوحدة الإيطالية) كانت آنذاك محتدمة وظهرت جمعيات سرية وطنية
مثل الكاربوناري وجمعية إيطاليا الفتاة .
ويرى
الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى أن يعقوب صنوع قد تشرب كثيرا من هذه الأفكار
القومية ، إبان إقامته . وعند عودته اشتغل بالتدريس في مدرسة الهندسة ، كما قام
بتعليم أبناء رجال البلاط . ولكنه لم يقنع بهذه الوظيفة المريحة فشخصيته كانت
مبدعة حركية ، ففكر في إنشاء مسرح وطني يقدم تمثيليات عربية . وكانت أولى محاولاته
المسرحية عام ١٨٦٩ إذ مثل مسرحية فودفيل قصيرة تتخللها أشعار ملحنة تلحينا شعبيا
في القصر أمام باشوات وبكوات البلاط الخديوي الذين ضحكوا للتمثيلية من أعماق
قلويهم . وشجعوه على عرض مسرحياته في حديقة الأزبكية . فألف فرقة مسرحية من
تلاميذه وكان هو مدير المسرح ومؤلف التمثيليات، كما كان يقوم أحيانا بدور الملقن.
وكان يقدم تمثيليات مترجمة عن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية . وقد أعجب به
الخديوي في أول الأمر وخلع عليه لقب «موليير مصر (ولكنه قام بتعنيفه حينا كتب مسرحية
عن تعدد الزوجات).
ولكن
يعقوب صنوع لم يكن يتحرك داخل دائرة البلاط الملكي والمسرح وحسب، إذ بدأ يحتك
بالدائرة الفكرية التى تحلقت حول جمال الدين الأفغاني، الذي شجعه هو والشيخ محمد
عبده عل الكتابة في الصحف ، بل وعلى إنشاء صحيفة عربية تكتب بالعامية. وحكى
لنايعقوب صنوع كيف وقع اختياره على اسم أبو نظارة. فبعد أن قرر تأسيس مجلة خرج من
بيت الأفغاني فأحاط به المكارية (أصحاب الحمي) وكان كل واحد منهم يريد أن يختار
يعقوب حماره، ويقول : « ده يا أبو نظارة، ، فأعجبه النداء واختاره اسهاًلصحيفته.
وقد أعجب بهذا الاسم كثيرون من أصدقاء يعقوب، حيث يوحي بأن
٢٣٣
صاحبه
رجل يرى من بعيد ، وفي ذلك ما يعني أنه رجل ملهم (ذو نظر) لا تفوته فائتة . وكانت
الصحيفة ذات توجه اجتماعي ناقد ؛ فنددت بزيادة الضرائب والتدخل الأجنبي وهاجمت
الوزراء بأسلوب ساخر ملتو ونكات وفكاهات ، وشجعت المصريين على الشكوى وبصرتهم
بحقوقهم .
وهنا
لابد أن نتوقف عند علاقة يعقوب صنوع بالماسونية ، إذ يذكر الدكتور أحمد عبد الرحيم
مصطفى أن يعقوب صنوع وجمال الدين الأفغاني قد نشطا في التنظيمات الماسونية ، وأن
هذه التنظيمات لعبت دوراً « في دعم الحركة الوطنية المصرية الوليدة » . وقد بينا
في فصل سابق أنه لا توجد ماسونية واحدة بل عدة ماسونيات . وكانت التنظيمات
الماسونية في بلاد أفريقيا وآسيا تضم الأجانب بالدرجة الأولى ، حيث كانوا يتمتعون
بمزايا وحقوق خاصة وبمساندة القناصل الأوربيين . وقد استخدمت كل دولة أوربية
المحفل الماسوني التابع لها كأداة في صراعها الاستعماري بين بعضها البعض . وقد
استفاد كثير من زعماء الحركات الوطنية من هذا الوضع ، تماما كما يحدث الآن حين
يتمتع زعيم حركة وطنية بدعم فرنسا على سبيل المثال فيعطى حق اللجوء السياسي
للإقامة في باريس ، بل وممارسة نشاطه السياسي . ووجود مثل هذا الزعيم يمثل بالنسبة
لدولة المأوى ورقة ضغط في صراعها مع القوى الغربية الأخرى . كما أن هناك دائها
احتمال أن يصل إلى الحكم ، ولذا فمن الحكمة أن تبقى الجسور مفتوحة معه . وفي هذا
الإطار يمكن فهم انضمام يعقوب صنوع والأفغاني لمثل هذه التنظيمات وترحيبها بهما
وبغيرهما من المثقفين والسياسيين الثوريين.
وقد أدى توجه مجلة أبو نظارة إلى مصادرتها المستمرة ولذا كان يعقوب
صنوع يضطر لتغيير اسمها ، فهي مرة أبو نظارة ومرة أخرى أبو نظارة زرقاء وثالثة
رحلة أبي نظارة زرقاء ورابعة النظارة المصرية . بل وكان يصدر ما يسميه إبراهيم
عبده «مجلات الضرورة» (الضرورة التي فرضتها عليه القوانين المتعسفة) فكان يصدر
المجلة تلو الأخرى فلا يغير سوى اسمها ، فهي أبو صفارة وحين) أغلقت أبو صفارة ظهرت
أبو زمارة التي جاء في افتتاحيتها التي تعبر عن روح الدعابة المصرية مايلي: « بسم
الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أنبيائه أجمعين
. أما بعد فيقول العبد الحقير أبو زمارة . لمابلغني بأن صدر أمر من ناظر الخارجية
. بقفش وكسر الصفارة . الساعية في استحصال التمدن والحرية.
قلت ياربي نور عقلي وفهمي . وانصرني على الواد الأمرد
مصطفى فهمي . إللي أمر
بتعطيل صفارقي البهية . العزيزة عند الشبان المصرية » .
وحينما أغلقت أبوزمارة
صدرت مجلة الحاوي التي وصفهاصاحبهابأنها«الحاوي الكاوي إللي يطلع من البحر الداوي
عجايب النكت للكسلان والغاوي ويرمي الغشاش في الجب الهاوي» .
ويقول
الدكتور عبد الرحيم مصطفى إن يعقوب صنوع قام بتأسيس جمعيتين علميتين أدبيتين أطلق
على أولاهما اسم «محفل التقدم» ، وعلى الثانية اسم «محفل محبي العلم» وترأسها
بنفسه . وفي هاتين الجمعيتين كانت تلقى المحاضرات عن تقدم الأداب والعلوم في أوربا
مع الاهتمام بالتاريخ والسياسة والأدب والمارسات التعليمية والإشارة بوجه خاص إلى
ما حققته فرنسا وإيطاليا في هذا المضمار . وأشار يعقوب صنوع إلى أنه كان يحضر
اجتماعات كل من الجمعيتين المسلمون والمسيحيون واليهود ، وأن الجمعيتين لقيتا
الإقبال من طلبة الأزهر وكبار ضباط الجيش، كماذهب إلى أنهما هما اللتان وفرتاالإطار فيما بعد لظهور الحزب الوطني (القديم) .
وقد
أغلقت الجمعيتان ونفي يعقوب صنوع للى خارج البلاد عام ٨٧٨ ١ فاستقر في باريس إلى
أخر حياته . وهناك التقى بأديب إسحاق والأفغاني ومحمد عبده وإبراهيم المويلحي
وخليل غانم ثم مصطفى كامل وغيرهم، وواصل دعايته للقضية الوطنية بعد الاحتلال
البريطاني، فأصدر العديد من الصحف بالعربية والفرنسية. وأخذ يتنقل في أوربا للدفاع
عن وطنه واشترك في الحملات التي شنت على الحديوي إساعيل والاحتلال البريطاني،
وراسل عرابي في منفاه في سيلان، وعبر عن ابتهاجه بانتصار اليابانيين على قوة غربية
بيضاء مثل روسيا القيصرية .
وقد
ظل يعقوب صنوع شأنه شأن كثير من رواد الحركة الوطنية في مصريتصور أن بعض القوى
الغربية (فرنسا على وجه التحديد) يمكنها أن تساعد المصريين ضد الاحتلال الإنجليزي،
ولكن خابت أماله عام ١٩٠٤ بعد توقيع صفقة الاتفاق الودي بين فرنسا وإنجلترا التي
تم بمقتضاها حسم التناقضات بين القوتين الاستعماريتين. وقد ظل يعقوب صنوع يعتر عن
إعجابه بالسلطان عبد الحميد طيلة عشرين عاماً نتيجة مقاومته الأطالع الأوربية
(وكان السلطان يبادله الإعجاب) . ومع هذا رحب يعقوب صنوع بدستور ١٩٠٨ ظنا منه أنه
بداية حقيقية للإصلاح وللتصدي للنهم الاستعماري الغربي.
وقد كتب يعقوب صنوع
قصيدة بالعربية الفصحى بعنوان «القول الوجيز في دخول
الإنجليز» وكيف سلمها الخونة للغزاة جاء فيها :
مصر الفتاة أبو سلطان
أسلمها
وإنا أسلم الإسلام بالذهب
هم رأسوه على النواب
يرشدهم
فكان نائبه من أكبر النوب
وقد أثارت لهيب النار
ندوته
فصار أولى بأن يدعى أبا لهب
تبت يداه على ما جاء من
عمل
لم يأته خائن في سالف الحقب
ولا يمكن القول بأن
القصيدة من عيون الشعر العربي ، فهي لا تختلف كثيرا عن مثل هذه القصائد التي تكتب
في المناسبات وتتبع قوالب لفظية ومجازية جاهزة . ولكن ما يهمنا هنا هو المصطلح
العربي الإسلامي الواضح .
وتتبدى عبقرية يعقوب
صنوع بشكل أوضح وأكثر بلورة حين يترك الخطاب البلاغي التقليدي ويستخدم روح الفكاهة
المصرية ويعتر عن الشخصية المصرية ، كما في مقاله الفكاهي عن الخديوي إسماعيل الذي
يتحدث فيه عن « مناقبه » فقال : « وكفاك أنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا . ولا
يوجد في وقت الصلاة إلا جنبا . وفي رمضان إلا مفطراً . نعم يصوم ولكن عن الخيرات .
ويستقبل الفجور متلطخاً بنجاسة الفحشاء . فاجر يقتات بالكبائر . ويتفكه بالصغائر .
ويروح من مولاه شاكياولشيطانه شاكر ، فكأنه عاهد إبليس فلم يتجن له عهدا ، ووعده
أن يجد عنده كل معصية فلم يخلف له وعلا» .
ورغم أن المقال مكتوب بالفصحى إلا أنه كتب على
طريقة كتاب هذه المرحلة ، كيا أنه يتلاعب بالألفاظ وبترابطها بطريقة تصعد حدة
السخرية والفكاهة .
ولكن عبقرية يعقوب صنوع
الحقيقية تظهر في استخدامه العامية المصرية للتعبير عن روحه الفكاهية فالخديوي هو
« شيخ الحارة» ، والخديوي توفيق هو «توقيف» ، والفلاح المصري هو «أبو الغلب، وهكذا
، وقد أشرنا من قبل إلى افتتاحيات أبو زمارة والحاوي .
وتظهر روح الدعابة المصرية في القصيدة الساخرة
التي كتبها يعقوب صنوع بعد نشوب الثورة المهدية في السودان والتي يشيد فيها بشجاعة
السودانيين ويشهر بالإنجليز :
يا
محلا لنجليزية
أم
عين زرقا وشعر أصفر
ياخسارة دالصبية
في جوزها العسكري الأئحمر
شفتها امبارح ياسيادي
ماكنش حولها انجليز
فقلت لها ياميليدي (ا184 ا1٣0)( ١)
جيف مي إي كيس إيف يو بليز(ع25ا2 ل0ا11 155)1 8 ع11 ع٧أ)(٢)
عد عف عو
أنا في عرضك وان كيس (155)1 ع0) (٣)
قالت جودام بلادي فول (إ100 لال1021000 0000211) (٤)
بلا
فسول بلا شعير
ماتتبغدديش على
أنا ابن المهدي
الكبير
احلمي
علي شوية
و يو مج
فشفنا المهدي منصور
والجردون في الشق مكتوم
في
مصيدة سودانية
تافي يوم جابوه أسير
أمام
المهدي الشهير
مع ضباطه لنجليزية
معو مي مو
٢٣٧
(ومعنى العبارات الإنجليزية على التوللي هو :
١) سيدتي- ٢) أعطيني قبلة واحدة من فضلك - ٣) قبلة واحدة - ٤ ) لعنة الله عليك يا
مجنون) . والقصيدة كما نرى مصرية تماماً، تعبر عن الروح الشعبية المصرية أحسن
تعبير، في محاولتها استيعاب الآخر المعتدي داخل منظومتها وتحويله إلى مجرد هدف
للسخرية .
وحينا
هزمت الثورة المهدية بكت يعقوب صنوع المصريين على تخاذلهم وسخر من الإنجليز الذين
مثلوا بجثة المهدي بعد استجاع السودان .
والآن
، هل يمكن ليهودي خالص ، صاحب عبقرية يهودية خالصة أن يأخذ مثل هذه المواقف
الفكرية والسياسية ، وأن يستخدم الفصحى والعامية بهذه الطريقة ، وأن يترجم مواقفه
السياسية اللاذعة المعارضة إلى مجموعة من النكت اللاذعة ؟ السؤال بطبيعة الحال
خطابي غير حقيقي، فلا يمكن أن يفعل هذا إلا مصري عاش في صميم المجتمع المصري (لا
في مسامه) وتشرب خطابه الحضاري المصري العربي الإسلامي؛ مصري كتب له إمام المسجد
الشعراني حجاباًونذرته أمه لخدمة الإسلام والمسلمين فعاهد أمه على الوفاء بنذرها،
فهو ثمرة رائعة للمجتمع المصري (العربي الإسلامي) بتركيبيته وعراقته وتسامحه! ومع
هذا لابد أن نشير إلى أن البعد اليهودي قد يفير حركية يعقوب صنوع الزائدة وقدرته
الفائقة على التحرك داخل تشكيلات حضارية نتلفة واستيعابها وتعلمه العديد من اللغات
. ومع هذايظل انتماؤه إلى مجتمعه المصري العربي المسلم هو العنصر الأكثر تفسيرية.
ويثير
أبو نظارة قضية العبقرية اليهودية والثقافة اليهودية ، إذ تصنفه المراجع الصهيونية
باعتباره « مثقفاً يهوديا» وهو تصنيف لا يفسر أياً من الجوانب المهمة من حياته ،
أدبية كانت أم سياسية ، وهي حياة لا تفهم في كليتها إلا بالعودة إلى حركيات
المجتمع المصري وتقاليد الفكاهة المصرية وحركة التحرر الوطني في مصر في أواخر
القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .
ألبرت
أينشتاين (٩ ٨٧ ١- ٥ ١٩٥) عالم طبيعة ، ومكتشف نظرية النسبية وحائز على جائزة
نوبل. ولد في ألمانيا ونشأ وتعلم فيها ، وعمل بعد تخرجه في مكتب براءات الاختراع
بمدينة برن في سويسرا وأصبح مواطنا سويسرياً . تمكن أثناء هذه الفترة من إنجاز عدة
أبحاث . وفي عام ١٩٠٥، نشر دراسات عن : النظرية الخاصة بالنسبية وعلم
البصريات،
وعين أستاذا على أثر ذلك في عدة جامعات بألمانيا . وفي عام ١٩٢٠ ، نشر دراسته عن :
النسبية العامة والنسبية الخاصة ، حيث بين أن مبدأ النسبية ينطبق على الحركة وشرح
فكرة البعد الرابع وانثناء الفراغ .
ويعد ألبرت أينشتاين
أحد رواد الفيزياء الحديثة ، فهو صاحب نظرية النسبية الخاصة التي نجحت في التوصل
إلى أساس لعلاج التناقضات بين نظرية نيوتن للحركة ونظرية ماكسويل للحركة
الكهرومغناطيسية . وكان من أهم نتائج النسبية الخاصة مفهوم تداخل الزمان والمكان
وترادف الطاقة والكتلة . وقدتبع ذلك بالنظرية النسبية العامة التي تعتبر تعميما
للنسبية الخاصة حيث تتضمن حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية . وبالإضافة إلى نظرية
النسبية ، ساهم أينشتاين في تطوير النظرية الكمية من خلال تفسير التأثير
الكهروضوئي . وترتكز النظرية الكمية على مبدأ ازدواجية المادة ، وهو أن الجسيم
يأخذ أحياناً شكل الموجة وأن الموجة تأخذ أحيانا شكل الجسيم .
وبعد أن فرغ من صياغة
النظرية النسبية العامة ، انشغل أينشتاين في مسألتين : المسألة الأولى تفنيد مبدأ
اللايقين الذي يفترض استحالة دقة قياس نقطة ما وسرعة جسيم في آن واحد من حيث
المبدأ (لا من حيث قصور ألات القياس) ، أو بصياغة أخرى : مبدأ استحالة فصل التجربة
عن المجرب . والمسألة الثانية هي وضع نظرية عامة واحدة تفير أنواع القوى
(التفاعلات) الأولية كافة ، ولكنه لم يكن موفقاًني محاولاته هذه .
وفي
عام ٣ ٩٣ ١ ، اضطر أينشتاين إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد أن استولى هتلر
على السلطة . وأصبح أينشتاين مواطنا أمريكيا ، واستمر في بحوثه العلمية . ولكنه
كان قد بدأ يدرك أن العلم أصبح مثل حد موسي في يد طفل في الثالثة من عمره ، إذ أدى
امتلاك وسائل الإنتاج العجيبة في تصوره، إلى تزايد القلق والجوع بدلا من الحرية .
وقد لعب أينشتاين
دورامهما في تطويرالقنبلة الذرية أثناء الحرب ، ولكنه عارض استخدامها بل وطالب
بتحريم القنابل اللرية والهيدروجينية . وأثناء الحقبة المكارثية (الإرهابية) طالب
أينشتاين العلماء بألا يدلوا بشهادتهم أمام لجان التحقيق . وقد استمر أينشتاين في
أبحاثه العلمية حتى وفاته .
وموقف
أينشتاين من الإله والدين يستحق بعض التأمل ، وهو موقف يشبه موقف كثير من المفكرين
العلمانيين الذين فقدوا الإيان الديني ، ولنبدأ بموقفه من الإنسان . لقد أدرك
٢٣٩
٠ف
أينشتاين
أن الإنسان كيان غريب مليء بالأسرار ، فقد صرح ذات مرة أن « قانون الجاذبية غير
مسئول عن الحب » ، أي أن القانون الطبيعي لا يفسر الوجود الإنساني ، ولكنه اتجه في
بعض تصريحاته إى ما يمكن تسميته «الديانة الإنسانية» فعبر عن إعجابه بمقدرة
الإنسان على فهم ما حوله، ورأى أن هذه المقدرة شكل من أشكال التفوق اللانهائي على
الطبيعة ، ومن هنا فإن الإنسان يقع عليه عبء أخلاقي ، ولكن مسئوليته الأخلاقية
تكون تجاه نفسه وليس تجاه أي إله .
بيد أن هذه ليست نهاية
القصة ، إذ يستمر تأرجحه دون توقف فيصرح بأن الإله لا يلعب بالعالم ، أي أن العالم
يتبع نظاماًواضحاًيتجل من خلال الإرادة الإلهية . ولكن هذا الإله يشبه من بعض
النواحي إله إسبينوزا . فهوليس إلها ذا إرادة يحب البشر ويعطف عليهم ، يثيب الناس
ويعاقبهم ، وإنا هو مبدأ آلي عام . ولكن العالم الكبير، صاحب نظرية النسبية ، يجد
أن هذا الموقف لا يعبر عن الحقيقة كلها ، ويؤكد أن العلم الحديث ألقى بظلال من
الشك على السببية الآلية التي تشكل إطار الرؤية الإسبينوزية الساذجة.
ولم يكن موقف أينشتاين
، في بداية حياته على الأقل ، رافضا للصهيونية . فقد نشأ وتعلم في ألمانيا . ولذا
، فإننا نجد أنه كان يؤمن بفكرة الشعب العضوي ، وبأن السمات القومية سمات بيولوجية
تورث وليست سمات ثقافية مكتسبة . وقد صرح أينشتاين بأن اليهودي يظل يهوديا حتى لو
تخلى عن دينه ، وهذه مقولة أساسية في معاداة اليهود على أساس عرقي . وليوضح فكرته،
شبه أينشتاين مثل ذلك اليهودي بالحلزون الذي يظل حلزوناً حتى بعد أن يسقط محارته .
وموقفه من معاداة اليهود ، في هذه المرحلة ، لا يختلف كثيرا عن موقف الصهيوني ،
فقد كان يرى أن معاداة اليهود مسألة ستظل موجودة مادام هناك احتكاك بين اليهود
والأغيار، بل وأضاف أن اليهود مدينون لأعدائهم بأنهم استمروا عرقا مستقلا .
وقد أدلى أينشتاين
بتصريح ذي مضمون صهيوني عرقي، إذ صرح (قبل ظهور النازيين) بأنه ليس
مواطئاًألمانياً ، ولا حتى مواطنا ألمانيا من أتباع العقيدة اليهودية ، وإنما
يهودي ويسعده أن يظل يهوديا. وقد عبر أينشتاين في عدة مناسبات عن حماسه للمشروع
الصهيوني وتأييده له ، بل واشترك في عدة نشاطات صهيونية .
ولكن موقف أينشتاين هذا
لم يكن غهائيا، وربها كان تعبيرا عن عدم نضج سياسي، إذ عدل عن هذه المواقف فيما
بعد ، فقد صرح بأن القومية مرض طفولي ، وبأن الطبيعة
الأصلية لليهودية
تتعارض مع فكرة إنشاء دولة يهودية ذات حدود وجيش وسلطة دنيوية . وأعرب عن مخاوفه
من الضرر الداخلي الذي ستتكبده اليهودية ، إذا تم تنفيذ البرنامج الصهيوني ، فقال
: « إن اليهود الحاليين ليسوا هم اليهود الذين عاشوا في فترة الحشمونيين» ، وفي
هذا رفض للفكر الصهيوني ولفكرة التاريخ اليهودي الواحد . ثم أشار إلى أن «العودة
إلى فكرة الأمة، بالمعنى السياسي لهذه الكلمة، هي تحول عن الرسالة الحقيقية للرسل
والأنبياء » . ولهذا السبب ، وفي العام نفسه، فسر انتماءاته الصهيونية وفقاً لأسس
ثقافية ، فصرح بأن قيمة الصهيونية بالنسبة إليه تكمن أساساً في « تأثيرها التعليمي
والتوحيدي على اليهود في مختلف الدول» . وهذا تصريح ينطوي على الإيان بضرورة
الحفاظ على الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم وعلى تراثها، كمايشير إلى
إمكانية التعايش بين اليهود وغير اليهود في كل أرجاء العالم . وفي عام ١٩٤٦ ، مثل
أمام اللجنة الأنجلو أمريكية وأعرب عن عدم رضاه عن فكرة الدولة اليهودية ، وأضاف
قائلا : « كنت ضد هذه الفكرة دائيا» . وهذه مبالغة من جانبه حيث إنه ، كما أشرنا
من قبل ، أدلى بتصريحات تحمل معنى التأييد الكامل لفكرة القومية اليهودية على أساس
عرقي.
والشيء الذي أزعج
أينشتاين وأقلقه أكثر من غيره هومشكلة العرب . ففي رسالة بعث بها إلى وايزمان عام
١٩٢٠ ، حذر أينشتاين من تجاهل المشكلة العربية ، ونصح الصهاينة بأن يتجنبوا
«الاعتماد بدرجة كبيرة على الإنجليز» ، وأن يسعوا إلى التعاون مع العرب وإلى عقد
مواثيق شرف معهم . وقد نبه أينشتاين إلى الخطر الكامن في الهجرة الصهيونية . ولم
تتضاءل جهود أينشتاين أو اهتمامه بالعرب على مر السنين . ففي خطاب بتاريخ أبريل
سنة ١٩٤٨ ، أيد هو والحاخام ليو بايك موقف الحاخام يهودا ماجنيس الذي كان يروج
فكرة إقامة دولة مشتركة (عربية - يهودية) ، مضيفاً أنه كان يتحدث باسم المبادى
التي هي أهم إسهام قدمه الشعب اليهودي إلى البشرية . ومن المعروف أن أينشتاين رفض
قبول منصب رئيس الدولة الصهيونية حينا عرض عليه .
وإسهامات أينشتاين في
علم الطبيعة لا يمكن تفسيرها إلا باعتباره جزءا من المنظومة العلمية الغربية . وقد
يكون لعبقريته اليهودية دور في توجهه نحو النسبية ، ولكن المنظومة العلمية الغربية
ككل تظل العنصر المحدد النهائي ، إذ كان قد طرح داخلها بضعة أسئلة تتطلب الإجابة ،
الأمرالذي جعل الجومهيئا لتغير النموذج .
٢٤١
الفصل الثامن
من الأوهام
البروتوكولية التى تهيمن علي العقل العربي الإيمان العميق (الذي لا يتزعزع أحيانا)
بأن اليهود يسيطرون سيطرة كاملة علي السياسة والإعلام الأمريكيين. وما سنفعله في
هذا الفصل هو اختبار هذه الأطروحة ومدى مقدرتها التفسيرية.
اللوبي اليهودي والصهيوني
(أو جماعات الضغط الصهيونية)
«لوبي لا0اما» كلمة إنجليزية تعني «الرواق» أو «الردهة الأمامية في فندق» ، ولذا
يقال مثلا : » سأقابلك في لوبي الفندق 11 ، أي في الردهة الأمامية التي
توجد عادة أمام مكتب الاستقبال . وتطلق الكلمة كذلك على الردهة الكبرى في مجلس
العموم في إنجلترا ، وعلى الردهة الكبرى في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، حيث
يستطيع الأعضاء أن يقابلوا الناس وحيث تعقد الصفقات فيها ، كما تدور فيها
المناورات والمشاورات ويتم تبادل المصالح . وقد أصبحت الكلمة تطلق على جماعات
الضغط (الترجمة الشائعة للمعنى المجازي لكلمة «لوبي اطتا0م1») التي
يجلس ممثلوها في الردهة الكبرى ويحاولون التأثير على أعضاء هيئة تشريعية ما مثل
مجلس الشيوخ أو مجلس النواب . وفعل «تو لوبي لاطا10
مأ» يعنى أن يحاول شخص ذو نفوذ (يستمده من ثروته أو
مكانته أو من كونه يمثل جماعة تشكل مركز قوة) أن يكسب التأييد لمشروع قانون ما عن
طريق مفاوضة أعضاء المجلس التشريعي في ردهته الكبرى، فيعدهم بالأصوات أو بالدعم
المالي لحملاتهم الانتخابية أو بالذيوع الإعلامي إن هم ساندوامطالبه وساعدواعلى
تحقيقها، ويهددهم بالحملات ضدهم وبحجب الأصوات عنهم إن هم أحجموا عن ذلك. ويوجد في
الولايات المتحدة أكثر من لوي أو جماعة ضغط تمارس معظم نشاطاتها في العلن بشكل
مشروع، وإن كان هذا لا يستبعد بعض الأساليب الخفية غير الشرعية (مثل الرشاوي التي
قد تأخذ شكل
٢٤٣
منح
نقدية مباشرة أو تسهيلات معينة أو منح عقود أو التهديد بنشر بعض التفاصيل أو
الحقائق التي قد تسبب الحرج لأحد أعضاء النخبة الحاكمة وصانعي القرار
. ،
. إلخ) .
وتوجد أشكال وأنواع من
جماعات الضغط ، فهناك جماعات الضغط الإثنية : مثل اللوبي اليوناني أو اللوبي
اللرلندي ، كما يوجد الآن لوبي عربي . وهناك كذلك جماعات الضغط الدينية ، فهناك
لوبي كاثوليكي وآخر علماني . ويوجد جماعات ضغط مهنية وجيلية ونفسية واقتصادية ،
فيوجد لوبي للمصالح البترولية وآخر لمنتجي الألبان وثالث لمنتجي البيض ورابع
لزارعي البطاطس وخامس لنقابات العمال وسادس لمنتجي التبغ وسابع لصانعي
السجائروثامن لمن يحاربون التدخين وتاسع للعجائزوعاشرللشواذ جنسياً (وهناك بالطبع
لوبي لمن يحاربون الشذوذ الجنسي ويدافعون عن قيم الأسرة) . وقد أصبحت جماعات الضغط
على درجة من الأهمية جعلت النظام السياسي الأمريكي أصبح يسمى «ديموقراطية جماعات
الضغط» ، أي أنه لم يعد هناك نظام ديموقراطي تقليدي يعبر عن مصالح الناخبين مباشرة
حسب أعدادهم (لكل رجل صوت) ، بل أصبح النظام يعتر عن مقادير الضغوط التي تستطيع
جماعات الضغط أن تمارسها على المشرعين الأمريكيين لتحديد قرارهم بشأن قضية ما بحيث
تصدر تشريعات وقوانين معينة وتحجب أو تعدل أخرى . فالمواطن الأمريكي لم يعد يارس
حقوقه الديموقراطية مباشرة وإنبا أصبح يمارسها من خلال هذه الجماعات .
ويقال إن أهم جماعات
الضغط في الولايات المتحدة جماعة المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في اقتناء
الأسلحة النارية (دون ترخيص) واستخدامها للدفاع عن النفس ، وهو حق يعود للجذور
الاستيطانية الإحلالية للولايات المتحدة، ويشبه "حق" المستوطنين
الصهاينة في الضفة الغربية في استخدام الأسلحة لقتل العرب , دفاعا عن النفس "
.
وتشير
كلمة «لوبي» ، بالمعنى المحدد والضيق للكلمة، إلى جماعات الضغط التى تسجل نفسها
رسميا باعتبارها كذلك . ولكنها، بالمعنى العام، تشيرإلى مجموعة من المنظمات
والهيئات وجماعات المصالح والاتجاهات السياسية التي قد لاتكون مسجلة بشكل رسمي،
ولكنها تمارس الضغط على الحكام وصناع القرار. وعبارة «اللوبي اليهودي الصهيوني» في
الأدبيات العربية والغربية (في كثير من الأحيان) تشير إلى معنيين اثنين :
١ -
اللوبي الصهيوني بالمعنى المحدد : تشير كلمة لوبي في هذا السياق إلى لجنة الشئون
العامة الإسرائيلية الأمريكية (ايباك) ، وهي من أهم جماعات الضغط . ومهمته ، كما
يدل اسمه ، الضغط على المشرعين الأمريكيين لتأييد الدولة الصهيونية . ويتم ذلك
بعدة سبل ، من بينها تجميع الطاقات المختلفة للجمعيات اليهودية والصهيونية وتوجيه
حركتها في اتجاه سياسات وأهداف محددة عادة تخدم إسرائيل . كما أن اللوبي يحاول
أيضا أن يحول قوة الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصا القادرين على تمويل
الحملات الانتخابية) ، وأعضاء الجماعات اليهودية على وجه العموم (أصحاب ما يسمى
«الصوت اليهودي") إلى أداة ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة ، فيلوح
بالمساعدات والأصوات التي يمكن أن يحصل المرشح عليها إن هو ساند الدولة الصهيونية
والتي سيفقدها لا محالة إن لم يفعل (وهو ما سنتناوله فى الجزء التالى من هذا
الفصل) .
٢-
اللوبي الصهيوني بالمعنى العام الشائع للكلمة : وهو إطار تنظيمي عام يعمل داخله
عدد من الجمعيات والتنظيمات والهيئات اليهودية والصهيونية تنسق فيا بينها ، من
أهمها : مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى ، والمؤتمر اليهودي العالمي ،
واللجنة اليهودية الأمريكية ، والمؤتمر اليهودي الأمريكي ، والمجلس الاستشاري
القومي لعلاقات الجماعة اليهودية.
وكل
هذه المنظمات لديها ممثلون في واشنطن للتأثير على عملية صنع السياسة الأمريكية
تجاه الشرق الأوسط . ورغم أن هذه المنظات لديها أنشطة مختلفة ترتبط بالموضوعات
الاجتماعية ، فإنها أيضاً تعمل بشكل مباشر في الموضوعات التي ترضي إسرائيل حيث
تسعى إلى الضغط على الكونجرس من خلال إرسال الخطابات إلى أعضائه، وغير ذلك من أشكال الضغط .
وهناك أيضاً عدد من
الجماعات الصهيونية التي تسعى إلى كسب تعاطف الرأي العام الأمريكي مع إسرائيل،
والتي ظهرت في بداية الأمر من أجل السعي لإنشاء دولة إسرائيل ثم تأييدها بعدذلك .
ومن هذه المنظات : المنظمة الصهيونية لأمريكا، والتحالف العمالي الصهيوني،
والهاداساه، ومنظمة النساء الصهاينة في أمريكا. وتعمل هذه الجياعات على كسب الرأي
العام عن طريق مشروعات متعددة تتراوح بين إنشاء المدارس التي تعلم العبرية وإنشاء
المستشفيات وإنتاج الأفلام الموالية لإسرائيل ومويل رحلات الباحثين والسياسيين
الأمريكيين إلى إسرائيل .
ومن
الناحية التنظيمية، تتميز هذه الجمعيات والمنظمات عن نظيراتهاالأمريكيات بكونهاتضم
عضوية كبيرة، كما أن أجهزتهاتتميزبوجودموظفين متميزين ومدربين على العمل في مجالات
جماعات الضغط والتأثير. كذلك فإغها قادرة حاليا على تشجيع برامج سياسية وإجتيماعية
غير مرتبطة دائيابالبرنامج الصهيوني ، كما أغها تملك جماعات متخصصة وقادرة على
معالجة مشاكل بعينها وتنمية شبكات للاتصال. وكذلك فإن لديهم بيروقراطية مركزية
لهاالقدرة على الربط الدائم بين اليهودالنشيطين سياسيا على مستوى أمريكاكلها عن
طريق كل من مؤتمر الرؤساء ولجنة الشئون العامة. هذا بدوره يجعل لدى الجماعات
الصهيونية القدرة على الرد الفوري والتعبئة السريعة وبشكل منسق على المستوى القومي
، وذلك عندما تظهر موضوعات تستحق التدخل من جانب هذه الجماعات .
وفي
مجال الدعاية والتأثير على الرأي العام الأمريكي ، فإن اللوبي الصهيوفي بالمعنى
المحددللكلمة ، وبالمعنى العام ، نجح في جعله مواليالإسرائيل بصورة عامة . وهذا
النجاح لا يرجع فقط إلى الدعاية المنظمة والمؤتمرات وإنا يرجع أيضاً لقدرة اللوبي
الصهيوني على عقد تحالفات دائمة مع جماعات المصالح الأخرى مثل العمال والمرأة
والمنظيات الدينية وتلك التي تمثل الأقليات الأخرى وجمعيات حقوق الإنسان ،
واستخدام هذه الجماعات للتأثير على الرأي العام والكونجرس .
ولا
يعمل اللوي الصهيوني (بالمعنى العام الشائع) بشكل مستقل عن الحركة الصهيونية وإنا
ينسق معها . وعندما يثار موضوع مهم ، فإن قادة مؤتمر الرؤساء ولجنة الشثون العامة
يحتفظون باتصال وثيق مع العاملين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن ومع المستويات
العليا في الحكومة الإسرائيلية . وبالإضافة إلى ذلك ، فإن كلتا المنظمتين لديها
القدرة على تنسيق أنشطتها مع الجماعات الصهيونية على المستوى العالمي من خلال
المنظمة الصهيونية.
هذا
هو المعنى الشائع ، ولكننا سنطرح معنى ثالثاً غير شائع إذ أننا نذهب إلى أن اللوبي
الصهيوفي لا يتكون من عناصر يهودية وحسب وإنا يضم عناصر غير يهودية أيضاً ، وهو
يضم كل أصحاب المصالح الاقتصادية الذين يرون أن تفتيت العالم العربي والإسلامي
يخدم مصالحهم ، وأعضاء النخبة السياسية والعسكرية ممن يتبنون وجهة نظرهم . كما يضم
اللوبي الصهيوني كثيراً من الليبراليين ممن كانوا يدعون إلى اتخاذ سياسة ردع نشيطة
ضد الاتحاد السوفيتي (سايقاً) ، وكثيرا من المحافظين الذين يرون في إسرائيل قاعدة
للحضارة
الغربية
وقاعدة لمصالحها ، كما يضم جماعات الأصوليين (الحرفيين) ممن يرون في دولة
إسرائيل
إحدى بشائر الخلاص (وهو ما سنتناوله فى معظم هذا الفصل) .
ولا يوظف اللوبي
اليهودي الصهيوني عناصر اليهودية والصهيونية وحسب ، وإنا يوظف عناصر ليست يهودية
ولا صهيونية (بل قد تكون معادية لليهود واليهودية) ولكنها مع هذا توظف نفسها دفاعا
عنه وعن مصالحه ، بسبب الدور الذي تؤديه الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط وبسبب
تلاقي المصالح الإستراتيجية الغربية والصهيونية .
اللجنة الإسرائيلية
الأمريكية للشئون العامة (ايباك)
«اللجنة
الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة» (بالإنجليزية : أمريكان إسرائيل بابليك
ريليشنز
كوميتي ٥مانا ت 010 12.012010125 عا01ما 18120 6201 1 ع 1 ٨00 واختصارها «ايباك ع٨له») هي منظمة
أمريكية يهودية تأسست عام ١٩٥٤ بغرض التأثير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق
الأوسط بحيث تتفق هذه السياسة مع المصالح الإسرائيلية والصهيونية. وهذه المنظمة
مسجلة كجاعة ضغط (لوي) رسمية للقيام بمهمة الدعاية لدعم إسرائيل باسم الطائفة
اليهودية الأمريكية، وهي في تقدير البعض من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة
ومن أكثرها تأثيرا على الإطلاق .
وتعود جذور هذه المنظمة
إلى عام ١٩٥١ حينها قرر أشعياء كفن ، عضو المجلس الصهيوني الأمريكي ، بعد التشاور
مع الزعماء الإسرائيليين آنذاك (أبا إيبان وموشيه شاريت وتيدي كولك) ، تكوين لوبي
صهيوني هدفه المباشر (آنذاك) زيادة المساعدة الاقتصادية الأمريكية لإسرائيل . وفي
عام ١٩٥٤ ، تكونت اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة ثم تغير اسمها عام
١٩٥٩ إلى «اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة» لكي تعمل من أجل سياسات
أمريكية أكثر تأثيرا في الشرق الأدنى لتحقيق تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي
. وقد سجلت هذه اللجنة في الكونجرس الأمريكي وفقا لقوانين جماعات الضغط (اللوبي)
المحلية ، وهي القوانين التي تسمح للجماعات المختلفة التي يكون لها وجهات نظر أو
مصالح معينة ، أن تعرض وجهة نظرها على أعضاء الكونجرس ولجانه .
وتقود اللجنة
الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة حملات الضغط من أجل دغم مواقف الحكومة
الإسرائيلية وتعمل على تقوية التحالف الإسرائيلي الأمريكي ومنع قيام تحالفات بين
٢٤٧
الولايات
المتحدة والعالم العربي يمكن أن تضر بإسرائيل . وهي تعمل أيضاً على تأكيد أهمية
إسرائيل الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة والغرب ، وعلى تأكيد قدرتها التي
لا تضاهى على حماية المصالح الأمريكية سواء في ردع التوسع السوفيتي (فيا سبق) أو
في التصدي للإرهاب الدولي أو في مواجهة أية أشكال جديدة من الأخطار التي قد تظهر
في هذه المنطقة الحيوية من الشرق الأوسط بعد سقوط المعسكر الاشتراكي . كما تؤكد أن
إسرائيل مثل الولايات المتحدة دولة ديموقراطية ، وبالتالي فهي موضع ثقة في حين أن
جيرانها العرب شعوب متخلفة ومستبدة تحكمها نظم غير مستقرة . وكذلك ، فإنها تؤيد
التشريعات التي تعطي الولايات المتحدة (بمقتضاها) المنح والمعونات لإسرائيل وتضغط
من أجل زيادة هذه المعونات بشكل مطرد ومن أجل تحويل القروض والهبات وكذلك من أجل
رفع العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى مستوى الندية وإحلال
التعامل التجاري محل المساعدة . ومن جهة أخرى ، فإنها تعارض التشريعات التي يتم
بمقتضاها توجيه المساعدات أو المنح الأمريكية إلى الدول المعارضة لمصالح الدولة
الصهيونية . كما أنها تقود الحملات ضد صفقات السلاح مع الدول العربية وضد المقاطعة
العربية وضد منظمة التحرير الفلسطينية .
وبالنسبة لآليات عملها
داخل الكونجرس ، تقدم الايباك تقريرا لكل عضو بالكونجرس عن كيفية التصويت لصالح
إسرائيل وتزود الأعضاء بالبيانات والوثائق الخاصة بالمواضيع التي تعرض على
الكونجرس والتي تهم إسرائيل وتدعم وجهة نظرها، كما أنها تعزز ذلك بالمكالمات
الهاتفية والزيارات الشخصية والتودد إلى معاوني أعضاء الكونجرس الذين يقومون بدور
مهم وراء الستار من أجل سياسات معينة ومن أجل عرض مواقف خاصة وإجراءاتصالات
لممثليهم . وتركزالايباك أيضا على الأعضاءالذين ينتمون إلى اللجان الرئيسية
للمساعدات الخارجية أو السياسية ، وعلى غيرهم من الأعضاء النافذين . وهي تحتفظ
بقائمة أسماء أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الملتزمين بالتصويت وفقا لتعليمات اللوبي
الصهيوني حيث ينال هؤلاء الثناء الفوري في منشورات اللوبي كما يتم تكريمهم في
المؤتمرات وفي حفلات العشاء وتنشر عنهم التقارير الإيجابية على ناخبيهم في
ولاياتهم . وتساهم اللجنة بشكل غير مباشر في تمويل حملاتهم الانتخابية من خلال
لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل . وقد برزت لجان العمل هذه - كقوة سياسية
مهمة في الولايات المتحدة- في أعقاب إصلاحات قانون الانتخاب الفدرللي عامي ٤ ٩٧ ١
ر٩٧٦ ١
والذي
حدد مبلغ التبرعات الفردية للمرشحين السياسيين بألف دولار . وتستطيع مجموعات
الأفراد تكوين لجنة عمل سياسي لها الحق في التبرع بمبلغ ٥٠٠٠ دولار لكل مرشح في
انتخابات واحدة . ولذلك ، أخذ العديد من موظفي الايباك وأنصارهم في تأسيس عدد كبير
من لجان العمل السياسي تشكل أغلبها عام ١٩٨٠ . وتتراوح التقديرات حول عدد اللجان
المؤيدة لإسرائيل ما بين ٣٣ و٤ ه لجنة ، من أهمها اللجنة القومية للعمل السياسي .
ولا تحمل هذه اللجان ما يشير من قريب أو بعيد إلى إسرائيل أو إلى الشرق الأوسط أو
السياسة الخارجية . والواقع أن ذلك يعكس حرص قادة الجماعة اليهودية على عدم إثارة
التلميحات إلى «المال اليهودي» أو الاتهامات بشراء السياسيين (أنفقت هذه اللجان
خلال انتخابات عام ٩٨٤ ١ نحو ٢٥ ,٤ مليون دولار على مرشحي الكونجرس) . وتقوم
الايباك من خلال هذه اللجان أيضاً بالضغط على أعضاء الكونجرس الذين لا يؤيدون
إسرائيل أو يتعاطفون مع القضايا العربية، وهي تعمل على إحباط فرصهم في الانتخابات
. وقد نجحت الايباك ، بالفعل ، في إسقاط بعض أعضاء الكونجرس مثل شارلز بيرسي الذي
عارض صفقة بيع طائرات لإسرائيل عام ٩٨٢ ١ وبول فندلي الذي التقى بياسرعرفات وتبنى
موقفاًمتعاطفاًمع القضية الفلسطينية ، وغيرهما .
وبالإضافة
إلى ذلك، تقدم الايباك مساعدات أخرى لأعضاء الكونجرس (مثل كتابة الخطابات الرسمية)
، كما أنها تقوم بإجراء بحوث لهم . وتعتبر النشرة الدورية التي تصدرها اللجنة،
نيرإيست ربورت 0٢٤ع2
٤ع22 تم3ع11 (تقرير
الشرق الأدنى) من أكثر النشرات نفوذاً بين أعضاء الكونجرس فيما يتعلق بالشرق
الأوسط .
وتقوم
الايباك بإعلام أعضاء القطاع السياسي (النشيط) في الجماعة اليهودية عن الموضوعات
المطروحة أمام الكونجرس ، وذلك لكي يقوم كل منهم بالكتابة إلى هذا العضو والتبرع
في حملته الانتخابية إذا أثبت سلوكاً مواليا لإسرائيل . وتنسق الايباك حلات الضغط
مع اللجنة اليهودية الأمريكية وعصبة مناهضة الافتراء والمؤتمر اليهودي الأمريكي ،
بالإضافة إلى المؤتمر الأمريكي لرؤساء المنظمات اليهودية الكبرى. ولكن هناك على ما
يبدو قذر من التوتر والخلافات والمنافسة بين المنظمات اليهودية الشلاث الأولى من
ناحية، والايباك من ناحية أخرى، حول تحديد المهام ورسم السياسات . فقد اتهمت هذه
المنظمات منظمة الايباك في خطاب نشر على صفحات النيويورك تايمز بتيني مواقف لا
تتفق وإجماع الجباعة اليهودية المنظمة، وطالبوا بضرورة تشاور الايباك معهم قبل
الإعلان
عن
مواقفها بشأن القضايا العامة . كما تردد أن المنظمات الثلاث تتجه نحو تكوين مجموعة
ضغط أخرى (ولكن ذلك تم نفيه) . وقد تعرضت الايباك كذلك للهجوم في بعض وسائل
الإعلام الأمريكية بسبب نفوذها السياسي المتزايد سواء في الانتخابات التشريعية
الأمريكية أو فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط . وقد
أدى هذا الهجوم إلى استقالة المدير التشريعي للايباك وكذلك جميع هيئة تحرير نير
إيست ربورت، وربما يؤدي ذلك أيضاً إلى تحجيم نفوذها في المستقبل .
وتعقد الايباك مؤتمرات
سنوية تجمع الأعضاء العاملين وقادة الجماعة وبمثلي المجموعات المستهدفة وعشرات
السياسيين وكبار الشخصيات الإسرائيلية والأمريكية ، وتعرض من خلال المؤتمر مواقفها
السياسية والأولويات الراهنة للعمل . وتبلغ ايباك برنامجها للسلطتين التشريعية والتنفيذية
في الحكومة الأمريكية وللمؤتمرات السياسية (على المستوى القومي) للحزبين الجمهوري
والديموقراطي التي تنعقد قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية كل أربع سنوات حيث تحرص
ايباك على أن يكون لها موقف محايد من الحزبين وذلك بهدف الحصول على تأييدأي منهها.
وقد وسعت الايباك مجال
نشاطها خارج النطاق التشريعي التقليدي لمحاولة التأثير في المؤسسات والجماعات
الأمريكية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية مثل الطلبة والكنائس البروتستانتية
الليبرالية والأقليات وخصوصا السود . ففي حرم الجامعات أعدت الايباك الحلقات
الدراسية الحرة بهدف تدريب وتنظيم الطلبة المناصرين لإسرائيل وتنسيق نشاطهم
لمواجهة العناصر الجامعية المناهضة لإسرائيل أو المناصرة للفلسطينين ، وذلك عن
طريق نعتهم بالتطرف والراديكالية وبمناهضة الولايات المتحدة وكذلك عن طريق نعتهم
بمعاداة اليهود واليهودية . كما أنشأت الايباك برنامج التقارب المسيحي اليهودي
وتعمل على تحسين العلاقات وإيجاد أرض مشتركة مع منظمات السود ومع منظمات الأقليات
الأخرى ممن تخشى الايباك من أنهم آخذون في الميل إلى معاداة إسرائيل نتيجة تحولهم
نحو العالم الثالث . ولمواجهة ذلك ، تعمل الايباك على إظهار أن الأقليات مضطهدة في
العالم العربي التي تحكمها نظم متخلفة ومستبدة ، وعلى تأكيد أن السود لن يكسبوا
الكثير من ورإء إعطاء جهدهم ودعمهم لمساندة الفلسطينيين . وتنظر ايباك بقلق تجاه
تزايد نشاط اللوبي العري، وذلك من خلال مختلف أجهزته ومنظماته في الولايات المتحدة
. ورغم أنها تسلم بعدم فعالية اللوبي العربي بسبب افتقاره للقدرات التنظيمية
والقاعدة الشعبية والأصوات ، إلا
أنها
عينت عام ٩٨٢ ١ موظفاً متفرغا ليقوم بمهمة رصد وتحليل اللوبي العربي بصفة دائمة
وتطوير سبل مجابهته .
واللجنة
الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة تضم في لجنتها التنفيذية رؤساء ثمان وثلاثين
منظمة يهودية أمريكية كبرى ولها جهاز دائم للعمل . وقد بلغت ميزانيتها المعلنة عام
٠ ٩٨ ١ مبلغ ٣ , ١ مليون دولار لتمويل هذا الجهاز. ويجري تمويل الايباك عن طريق
الرسوم التي يدفعها الأعضاء (٤٤ ألف عضو) والهبات . وهي بوصفها لوبي يتعين عليها
أن تقدم تقارير مالية فصلية كل ثلاثة أشهر إلى وزير الخارجية وإلى رئيس مجلس
النواب . والمنصب الرئيسي داخل الايباك هو المدير التنفيذي ، أما منصب رئيس اللجنة
فيشغله في العادة رجل ثري ذو نفوذ . كما أنه يحظى باحترام الجماعة اليهودية في
الولايات المتحدة وينتمي إلى إحدى مؤسساتها أو منظاتها المهمة .
تلاقى
المصالح الاستراتيجية بين العالم الغربى والدولة الصهيونية
يعد
اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع) أداة ضغط فعالة في يدمن يمثلون مصالح
الدولة الإسرائيلية . ولا يستطيع أي دارس أن ينكر قوة اللوبي الذاتية التي يمكن
تلخيص مصادرها فيا يلي :
١ -
يستند اللوي اليهودي والصهيوني إلى قاعدة واسعة من الناخبين من أعضاء الجماعة
اليهودية .
٢ -
توجد بين هؤلاء الناخبين نسبة عالية من الأثرياء يقدر أنهم يتبرعون بأكثر من نصف
مجموع الهبات الكبرى للحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي، إضافة إلى مبالغ ضخمة
لحملات الحزب الجمهوري.
٣ -
ازدادت أه- ,ن هلا الناخبين بعد الر ادة الهائلة في كلفة الحملات
الانتخابية .
٤-
من أسباب قوة اللوبي اليهودي والصهيوني ارتفاع المستوى التعليمي لأعضاء الجماعات
اليهودية .
٥-
يوجد عددكبير من المثقفين الأمريكيين اليهود الذين أصبحوا جزها عضويا من النخبة
الحاكمة، فهم أبناء حقيقيون للمجتمع الأمريكي لا يعيشون على هامشه أو "في
٢٥١
٠ف
مسامه
" وإنا في صلبه ، وهو ما يجعلهم قادرين على ممارسة الضغط والتأثير بشكل
مباشر.
٦ -
الجماعة اليهودية جماعة منظمة لدرجة كبيرة ، وهذا يجعلها قادرة على مضاعفة قوتها
وزيادة نفوذها لدرجة لا تتناسب مع أعداد أعضائها .
٧ -
ساعد نظام الانتخابات في الولايات المتحدة على أن يلعب اليهود دوراً ملحوظا في
الانتخابات بسبب تركزهم في بعض أهم الولايات التي تقرر مصير الانتخابات الأمريكية
(نيويورك كاليفورنيا - فلوريدا) .
٨-
لا يهتم الناخب الأمريكي كثياً بقضايا السياسة الخارجية ولا يفهمها كثيرا ، ولذا
فإن أقلية مثل الجماعة اليهودية عندها هذا الاهتمام بإسرائيل وسياسة الولايات
المتحدة تجاهها يمكنها أن تمارس نفوذاً قريأ في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية
.
والافتراض
الكامن في كثير من الأدبيات العربية أن اللوبي اليهودي الصهيوني (بالمعنى الشائع)
هوالذي يؤثرفي صناع القرار الأمريكي ، بل يرى البعض أنه يسيطرسيطرة تامة على مراكز
صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ، وأنه يدفع هذه السياسة في اتجاه
التناقض مع المصالح القومية الأمريكية الحقيقية بما يخدم مصلحة الدولة الصهيونية
(وينسب البعض للوبي مقدرات بروتوكولية رهيبة) . وهذا يعني بطبيعة الحال أن اللوبي
الصهيوني هو لوبي يبودي وأن اليهود يشكلون قوة سياسية وكتلة اقتصادية موحدة خاضعة
بشكل شبه كامل للسيطرة الصهيونية ويتحركون وفق توجيهاتها ، وأن بإمكان أقلية
قوامها ٧٢,٤ من السكان أن تتحكم في سياسة إمبراطورية عظمى مثل الولايات المتحدة .
كما
يفترض المفهوم أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة عارضة متغيرة وليست
إستراتيجية مستقرة ، وأن تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل ناجم عن عملية ضغط عليها
" من الخارج" تقوم به قوة مستقلة لها آلياتها المستقلة وحركياتها
الذاتية ومصلحتها الخاصة ، وليس تابعاً من مصالح الولايات المتحدة أو من إدراكها
لهذه المصالح .
ويستند
إدراك كثير من المنادين بمقولة قوة اللوبي الصهيوني إلى مجموعة من المقدمات
المنطقية المعقولة التي تكاد تكون بدهية ، من وجهة نظرهم . فنحن إذا حكمنا العقل
ودرسنا الواقع بشكل موضوعي لتوصلنا إلى أنه ليس من صالح الولايات المتحدة
الأمريكية أن تدخل في معركة مع الشعب العربي ، بل من صالحها أن تتعاون معه في كل
المجالات
الممكنة ، لأن مثل هذا التعاون
سيؤدي إلى استقرار المنطقة العربية وسيعود على الولايات المتحدة بالفائدة .
فالعالم العربي يشغل موقعا إستراتيجيا مها ، فهويقع في وسط أفريقيا وآسيا ، وله
امتدادحضاري وسكاني في كليهيا ، وهو شريك أوربافي حوض البحر الأبيض المتوسط ،
ويشكل نواة العالم الإسلامي . ولذا فمن صالح الولايات المتحدة أن تكون علاقاتها
جيدة مع شعب يشغل مثل هذا الموقع الإستراتيجي ، وألا يزاحمها أحد في مثل هذه
المكانة . علاوة على هذا ، يضم العالم العربي نسبة ضخمة من بترول العالم ومن
مخزونه الإستراتيجي المعروف ، وهذا البترول -- كماهو معروف - أمر حيوي بالنسبة
للمنظومة الصناعية في الغرب . كما أن الأسواق العربية من أهم الأسواق من منظور
تسويق السلع وكذلك استثمار رأس المال . والعلاقة الطيبة بين الدول العربية
والولايات المتحدة ستؤدي حتما إلى تحسين صورتها لا في العالم العربي وحسب بل في
العالم الثالث بأسره .
ولكن
الولايات المتحدة، هذا البلد العقلاني الذي تحكمه معايير عملية عقلانية مادية
باردة ، لا تسلك حسب هذه المعايير المعقولة البديهية ، فهي تتمادى في تأييد
إسرائيل وتقف وراءها بكل قوة وتستجلب على نفسها عداء العرب. مثل هذا الوضع شاذ
وغير عقلاني لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود قوة خارجية، ذات مقدرة ضخمة، قادرة
على أن تضغط على الولايات المتحدة بحيث تتصرف، لا بحسب ما تمليه عليها مصالحها
الموضوعية، وإنا حسبما تمليه عليها مصالح هذه القوة، آي المصالح اليهودية
والصهيونية والإسرائيلية التي يمثلها اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع) .
ولكن ما لم يطرأ
لمثل هؤلاء على بال هو أن من المحتمل أن الولايات المتحدة لاتدرك "
مصالحها" بهذه الطريقة التى يتصورون أنها عقلانية بل لعلها ترى أن "عدم
الاستقرار آو عدم الاستقرار المحكوم" (بالإنجليزية: كونترولد إنستابيليتي
لا٤أ11«اة)ء": 4عاا0»"68)
أفضل وضع بالنسبة لها، وأن وضع التجزئة العربية هو ما
يخدم "مصالحها. ، وان إسرائيل هي أداتها في خلق حالة عدم الاستقرار المحكوم
هذه، والخادم الحقيقي
"لمصالحها" .
ومفهوم
«المصلحة الإستراتيجية» ليس مفهوم بسيطاأوعقلاني. ومالاشك فيه أن
- , او١٠٠^راب٠ىنيالعادسمركبةلأقصىحد،فهيأأىأضخلادل
مؤسساتيديرها
علياء متخصصون (تكنوقراط) بطريقة ٠رشيدة" ، بمعنى أمهاتتبع إجراءات معروفة
ومحددة لا تخضع للأهواء الشخصية، ولذا لا يتخذ القرار إلا بعد توفير
المعلومات اللازمة
وإشراك المستشارين والمتخصصين. ثم بعد ذلك تتم عملية موازنأت صعبة ودقيقة بشأن
حساب المكسب والخسارة وجدوى القرار وقوة العدو ونقط ضعفه . وعلى سبيل المثال،
حينما قرر كيسنجر التخلص من حكم الليندي في تشيلي الذي كان قد وصل إلى سدة الحكم
من خلال انتخابات نزية ، وأحل محله حكا عسكريا شرسا. وحينها قررت الولايات المتحدة
دعم الكونترا وهو ما يعني التدخل في الشئون الداخلية لنيكاراجوا وإثارة حفيظة دول
أمريكا اللاتينية التي كانت تعلم تماماً أن نظام الساندنيستا ليس تناماًشيوعيا
كماتزعم الولايات المتحدة وإنانظام وطني ينحومنحى يساريا. نقول، حينا قررت
الولايات المتحدة أن تفعل ذلك ، فإنها كانت مدركة تماما أن ثمة خسارة ما ولكن حساب
المكسب والخسارة كان واضحا، فالعائد السياسي (القضاء على نظم قومية تحاول أن تحرز
نموا اقتصاديا خارج نطاق المنظومة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية والغربية) كان أعلى
كثيرا من العادم (تدعيم صورة اليانكي القبيح المستغل وترسيخها في الوجدان
اللاتيني) . والشيء نفسه ينطبق على قرار غزو بنها والقضاء على عميل مهم للولايات
المتحدة ، فنروييجا كان نخلوق أمريكا القبيح . وحينما أرسلت الولايات المتحدة
قوتها للقيام بعملية الغزو فإنها كانت مدركة أن العائد الاجتماعي السياسي (القضاء
على واحد من أهم مصادر المخدرات ، وبالتللي حل مشكلة المخدرات التي تهدد نسيج
المجتمع الأمريكي وأمنه القومي ودعم صورة المؤسسة الحاكمة أمام جماهيرها ، على
أنها مؤسسة جادة في عملية محاربة المخدرات) كان أعلى كثيرا في تصؤرها من العادم
(تدخل قوة عظمى في شئون دولة صغيرة والقضاء على عميل نافع مفيد) .
ولكن ، إذا كان
التكنوقراط يتخذون القرار حسب إجراءات موضوعية ومعايير محسوبة تضمن توظيف الوسائل
على أحسن وجه في خدمة الأهداف ، فإن الأهداف الإستراتيجية نفسها لا تحددها اللجان
التكنوقراطية ، فهذه العملية تتم على أعلى المستويات وتصبح جزءا من العقد
الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع ككل، كما أن تغيير هذه الأهداف لا يتم إلا
بثورة اجتاعية شاملة . وحساب المكسب والخسارة والعائد والعادم يتم في إطار ما يسمى
«مصلحة الدولة العليا» . وهذه المصلحة ليست قضية بسيطة يمكن تحديدها موضوعيا
ورياضيا وبشكل إجرائي غرشخصي ، فرؤية أعضاء النخبة الحاكمة لمصالحهم، والمصالح
الفعلية التي يحاولون الحفاظ عليها، والإطار الرمزي الذي يدركون من خلاله هذه
المصالح، والعقيدة السياسية والدينية التي تستندإليهاشرعية النخبة،
تساهم
كلها ، بشكل أو بآخر، في تحديد «مصلحة الدولة العليا» ، فيا يرى أعضاء النخبة أنه
مصلحة الدولة العليا قد يكون مصلحتهم هم كجماعة أو طبقة ولا يمثل بالضرورة صالح
الدولة ككل أو صالح أغلبية أعضاء المجتمع . وما قد يكون رشيداً من وجهة نظر
إنسانية عامة قد لا يكون رشيداً من وجهة نظر أصحاب القرار .
وما نود تأكيده هنا أن
سلوك دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ليس مسألة تتم حسب قواعد رشيدة بسيطة ، وإنا
هو نتيجة عملية مركبة تدخل فيها عناصر "ذاتية ٠ وعقائدية ومادية وغيرمادية ،
قد لاتنضوي بالضرورة داخل إطارالرشدكما نتخيله (وهنايأتي دور الصور الذهنية وعالم
الرموز والتراث المسيحي اليهودي والذاكرة التاريخية . . . إلخ) . وإن لم يكن الأمر
على هذا النحو ، فكيف نفير دخول الولايات المتحدة حرباً ضروسا في فيتنام (بعد
هزيمة فرنسا فيها) ، وتورطها في هذه الحرب لعشرات السنين ، وإنفاقها بلايين
الدولارات وإهدارها دماء عشرات الألوف من الأمريكيين والفيتناميين ، في حرب كان
يعرف الجميع أنها خاسرة ، واعترف بذلك - فيما بعد - مهندس الحرب الحقيقي روبرت
ماكنمارا ؟ ولماذا لم تخرج هذه الدولة العقلانية من الحرب إلا بعد تصاعد المظاهرات
في الولايات المتحدة لما يزيد عن عشرة أعوام ؟
وأعتقد أن الغرب قد عرف
مصلحته الإستراتيجية منذ بداية القرن التاسع عشر بطريقة تجعله ينظر للمنطقة
العربية باعتبارها مصدراً هائلا للمواد الخام (الرخيصة) ومجالا خصبا للاستثمارات
الهائلة (التي تعود عليه وحده بالربح) وسوقا عظيمة لسلعه (التي ينتجها ويصرفها
فيزداد هو ثراء) ، أو قاعدة إستراتيجية شديدة الخطورة والأهمية (بالنسبة لأمنه هو)
إن لم يتحكم فيها قامت قوى معادية (مثل الاتحاد السوفيتي في الماضي) باستخدامها
ضده ، ويعبر هذا الموقف عن نفسه في مصطلح مثل «الفراغ» الذي كثبراً ما يستخدم
للإشارة إلى شرقنا العربي وكأن وطننا رقعة أرض أو مساحة لا يقطنها شعب عريق له
امتداده الحضاري ، وكأن أوطانناهي وجودجغرافي رحب مجردمن التاريخ ، أي أننافي
الإدراك الغربي مجرد شيء قد يصلح للاستخدام أو الاستعمال .
وحتى
حينما نتحول للى أكثر من مجرد مساحة ، فإن الإدراك الغربي للمنطقة (وهو إدراك
تحدده مصلحته كما يراها هو أو كما تراها نخبته الحاكمة ومؤسسات صنع القرار فيه)
يرى وطننا العري على أنه منطقة مأهولة بشعوب وقبائل وأقليات معظمها يتحدث العربية
وتدين بديانات نختلفة لا يربطها رابط حضاري أو اجتماعي واحد لكل مصلحته
٢٥٥
الاقتصادية
ومستقبله السياسي المستقل (وتفتتها يسهل عملية تحويلها إلى مادة استعهالية) وتكمن
مصلحة الغرب (كتشكيل حضاري غهم يود استغلال الشرق والاستثمار فيه با يعود عليه هو
بالربح وبتوجيهه لما يخدم أمنه) في الحفاظ على عدم الترابط الحضاري أو الاجتماعي
في عالمنا العربي . وهذه هي مصلحة الغرب كما يدركها أهله ، وهذا هو الإطار الذي
يتم اتخاذ القرار من خلاله.
والمفهوم الصهيوني
لعالمنا العربي يتفق تمام الاتفاق مع المفهوم الغربي ، فالصهاينة يشيرون إلى
فلسطين باعتبارها «أرضا بلا شعب» ، وإلى الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة»
، وهي مصطلحات تلغي التاريخ العربي تماماً . وهم يشيرون إلى الشرق الأوسط على أنه
«المنطقة» وهو اصطلاح يشبه في كثير من الوجوه اصطلاح «الفراغ» ، فكلاهما يؤكد فكرة
أن عالمنا العربي مكان بلا زمان ، وجغرافيا بلا تاريخ ، أو مساحة تسكنها شعوب
عديدة متفرقة متناثرة ، والصهيونية في غهاية الأمر وليدة التراث الفكري الاستعماري
الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين ، وهي أداته في المنطقة ، وقد بدأ الاهتمام
الغربي بالصهيونية كفكرة منذ القرن السابع عشر ، ولكن الاهتمام الفكري تحول إلى
فكر سياسي ثم إلى خطاب سياسي ثم إلى مخطط استعباري ثابت بعد ظهور محمد علي الذي
كان هدد المصالح الغربية لأنه كان قادراً عل ملء «الفراغ» في المنطقة إما عن طريق
طرح نفسه على أنه القوة الجديدة ، أو عن طريق إدخال العافية على رجل أوربا المريض
. ومن هنا كانت فكرة الدولة الصهيونية التي ولدت داخل الخطاب السياسي الغري ، ومن
هنا الدعم الغربي الحاسم للمشروع الصهيوني ، أداة الغرب في خلق الفراغ والحفاظ
عليه كوسيلة للدفاع عن أمن الغرب لا عن أهل المنطقة ، وعن مصالح الغرب لا مصالح
العرب . ولا يمكن إنكار دور الصهاينة في ترسيخ هذا الإدراك الغربي للشرق الأوسط ،
ولكن تظل العلاقة بين الصهيونية والتشكيل الاستعماري الغربي تدور في إطار المصالح
الإستراتيجية الثابتة التي تشكلت داخل الحضارة الغربية قبل ظهور الجماعات اليهودية
كقوة سياسية فاعلة في الغرب .
هذا هو السر الحقيقي
للنجاح الصهيوني في الغرب ، فهو لا يعود إلى سيطرة اليهود على الإعلام ، أولباقة
المتحدثين الصهاينة ، أو إلى مقدرتهم العالية على الإقناع والإتيان بالحجج
والبراهين، أو إلى ثراء اليهود وسيطرتهم المزعومة على التجارة والصناعة ، وإنا
يعود إلى أن صهيون الجديدة جزء من التشكيل الاستعماري الغربي ، وإلى أنه لا يمكن
الحديث عن مصالح يهودية
وصهيونية مقابل مصالح غربية، وإلى أن الإعلام واللوبي الصهيونيين يمثلان أداة
الغرب الرخيصة : دولة وظيفية عميلة للولايات المتحدة تزدي كل ما يوكل إليها من
مهام بنجاح وتنصاع تماما للأوامر، ولا توجد سوى مناطق اختلاف صغيرة بينها وبين
الولايات المتحدة (لا تختلف كثيرا عن الاختلافات التي تنشأ بين الدولة الإمبريالية
الأم والجيوب الاستيطانية التابعة لها ، كما حدث بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين
في الجزائر ، وبين إنجلترا من جهة والمستوطنين الإنجليز في روديسيا والمستوطنين
الصهاينة في فلسطين من جهة أخرى) . وتنصرف هذه الاختلافات أساساً الى الأسلوب
والإجراءات لا إلى الأهداف النهائية ، اختلافات يمكن حسمها عن طريق الإقناع والضغط
كما يحدث عندما تطلب السعودية صفقة أسلحة ولا ترضى إسرائيل عن ذلك ، أو عندما تريد
إسرائيل توسيع رقعة استقلالها قليلا عن طريق إنتاج سلاح مثل طائرة اللافي ولا ترضى
المؤسسة العسكرية الصناعية الأمريكية عن ذلك . فالاختلاف ينصرف إلى التفاصيل لا
إلى " المصلحة " وإدراكها ، ومن هنا يمكن إدارة الحوار حسب قوانين
اللعبة المتعارف عليها وتتم ممارسة الضغط داخل إطار من التفاهم بشأن المبادى
الأساسية ومن داخل النسق لا من خارجه . ويجب ألا يثير هذا الوضع دهشتنا فتاريخ
الحركة الصهيونية ليس جزءاً من «تاريخ يهودي عالمي وهمي» ولا هو جزء من التوراة
والتلمود (رغم استخدام الديباجات التوراتية والتلمودية) وإنا هو جزء من تاريخ
الإمبريالية الغربية . ولذا فالصهيونية لم تظهر بين يهود اليمن أو الهند أو المغرب
وإنا ظهرت بين يهود العالم الغربي، وهي لم تظهر في العصور الوسطى ، على سبيل
المثال، وإنما في أواخر القرن السابع عشر مع ظهور التشكيل الاستعاري الغري وبدايات
استيطان الإنسان الغربي في العالم الجديد وفي بعض المدن الساحلية في أفريقيا وأسيا
.
ويدرك
الساسة الإسرائيليون هذه الحفاش إدراكاًكاملأ، ولذا فهم لا يكفون عن الحديث عن
أهمية إسرائيل كقاعدة عسكرية وحضارية وأمنية للغرب، وأنها، علاوة على ذلك ، قاعدة
رخيصة ، أرخص بكثير من ٠ ١ حاملات طائرات تبلغ تكاليفها ٠ ٥ بليون دولار، كانت
الولايات المتحدة ستضطر لبنائها وإرسالها للبحر الأبيض المتوسط وللبحر الأحمر
لحماية "المصالح" الأمريكية . إن إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة
" كنز إستراتيجى» (أو دولة وظيفية في مصطلحنا) ، وهذا ما يؤكده المتحدثون
الإسرائيليون في واشنطن، قبل الدخول في أية مفاوضات. وقدجاء في إحدى إعلانات
النيويورك
تايمز
(الذي مولته إحدى الهيئات الصهيونية) أنه إذا ما تهددت مصالح الولايات المتحدة في
الشرق الأوسط فإن وضع قوة لها شأنها هناك يحتاج إلى أشهر ، أما مع إسرائيل كحليف
فإنه لا يحتاج إلا بضعة أيام» . إن هذه العبارة تتحدث عن إجراءات القمع والتأديب
ضد العالم العربي وتبين مدى كفاءة الدولة الوظيفية في إنجاز مهمتها، ولا تتحدث عن
نقطة الانطلاق ولا عن الأسباب الداعية للقمع والتأديب وهي أن مصلحة الغرب تتطلب
مثل هذا القمع لأنها مسألة مستقرة مفروغ منها في الفكر الإستراتيجي الغربي .
اللوبي
اليهودي والصهيوني في أوربا الغربية
نذهب
إذن إلى أن " سر" نجاح اللوبي اليهودي والصهيوني هو أنه يدور في إطار
المصالح الإستراتيجية الغربية وأنه يعرض دولته الصهيونية باعتبارها أداة ، أي أن
مصدر نجاحه لا يعود لقوته الذاتية أو لعناصر كامنة فيه ، وإنا بسبب اتفاق مصلحته
مع مصلحة الغرب الإستراتيجية . والنموذج السائد في الخطاب التحليلي العربي (الرسمي
والشعبي) هو عكس هذا ، فهو يفترض أن نجاح الصهاينة يعود لقوتهم الذاتية ومن ثم
يفير تزايد الدعم الغربي لإسرائيل على أساس تعاظم النفوذ اليهودي والصهيوني ، فإن
زاد الثاني زاد الأول . ولاختبار هذه الأطروحة الشائعة ، ولتوضيح ضعف مقدرتها
التفسيرية ، سنورد بعض الشواهد والقرائن التاريخية والحديثة :
١ -
أول من دعا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين في العصر الحديث هو نابليون بونابرت، وهو
أيضأ أول غاز غربي للشرق العري في العصر الحديث . ومما يجدر ذكره أن نابليون كان
معادياً لليهود ، كما يدل على ذلك سجله في فرنسا . ولا يمكن الحديث عن وجود لوبي
يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف حين أطلق نابليون دعوته ، فقد كانت نابعة من إدراكه
لمصالح فرنسا الإستراتيجية .
٢ -
هناك حشد من الساسة البريطانيين (بالمرستون - شافتسبري - أوليفانت - لويد جورج -
بلفور) دعوا لإقامة دولة يهودية في فلسطين، إما قبل ظهور الحركة الصهيونية بين
اليهود أو في غياب لوبي يهودي أو صهيوني . وثما يجدر ذكره أن كل هؤلاء الساسة
كانوا ممن يكرهون اليهود ، وبخاصة بلفور ، الذي كان وراء استصدار قانون الغرباء
عام ١٩٠٥ لمنع اليهود من دخول إنجلترا ، والذي اعترف بعدائه للسامية ، والذي كان
يرى أن اليهود
يشكلون
عبئا على الحضارة الغربية، ولكنهم جميعا وجدوا أن ثمة فائدة إستراتيجية تعود على
إنجلترا لو أسست دولة صهيونية .
٣ -
لا شك في أن صدور وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية ودراسة الظروف المحيطة
بصدوره . ولذا فهو يزودنا بلحظة نادرة لاختبار نموذج الضغط اليهودي والصهيوني .
ولإنجاز هذا سنعقد مقارنة بين "قوة" الجماعتين اليهوديتين في ألمانيا
وإنجلترا من منظور مقدرتهما على الضغط :
أ )
فمن المعروف أن الوجود اليهودي في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى كان قوياً
جدا، وكان اليهود يشغلون مناصب حكومية مهمة، ويوجدون في مواقع اقتصادية ذات طبيعة
إستراتيجية ، فكان أهم ثلاثة بنوك يملكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا ،
كما كانوا متغلغلين في الإعلام وقيادات الأحزاب السياسية ، وكان منهم كثير من
المؤلفين والفنانين . وقد حققوا معدلات عالية للغاية من الاندماج ، وهو ما يسر لهم
عملية التحرك داخل المجتمع الألماني ، كما أن اليهود الألمان اشتركوا بأعداد كبيرة
في الحرب تفوق نسبتهم القومية . والحركة الصهيونية حتى ذلك الوقت كانت حركة
ألمانية في توجهها الثقافي ، فكانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية ، كما
كانت برلين مقر المنظمة الصهيونية العالمية . وكان الصهاينة على أتم استعداد لأن
يجعلوا مشروعهم الصهيوني جزءا من المشروع الألماني الاستعماري .
ب)
مقابل هذا كانت توجد في إنجلترا جماعة يهودية صغيرة للغاية ليست لها القوة المالية
أو الثقافية للجماعة اليهودية في ألمانيا ، وكانت جماعة مندمجة تماماً ومعادية
للصهيونية (كان وإيزمان والقيادات الصهيونية من شرق أوربا) .
مع
هذا نجح الصهاينة في إنجلترا في استصدار وعد بلفور، رغم ضعفهم وعزلتهم، بينما فشل
صهاينة ألمانيا في ذلك رغم قوتهم وارتباطهم بالمجتمع. ولا يمكن العودة إلى الصورة
الإعلامية أو اللوبي الصهيوني وما شابه من ناذج تفسيرية . وإنا علينا أن نعود إلى
المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الإنجليزية مقابل المصالح الإستراتيجية
الإمبريالية الألمانية. أما الإمبريالية الألمانية فكانت متحالفة مع الدولة
العثانية، ولذالم يكن هناك مجال لإعطاءأى وعودللصهاينة على حساب هذه الدولة. لكن
الوضع كان مختلفاًباكمة للإمبريالية الإنجليزية فقد ظل التحالف قائابينها وبين
الدولة العثمانية حتى اندلع
الحرب، ولذا حينها صدر
أول وعد بلفوري إنجليزي وهو الخاص بمشروع شرق أفريقيا فقد كان وعدا بقطعة أرض خارج
الدولة العثمانية . ولكن بعد أن قررت الإمبريالية الإنجليزية تقسيم الدولة
العثمانية أصبح من الممكن إصدار وعد بلفور لمجموعة من الصهاينة ليسوا من الإنجليز
. وكان على الموجودين في إنجلترا أن يقطعوا علاقتهم مع المنظمة الخاضعة لنفوذ
ألمانيا آنذاك ، وكان الوعد هذه المرة وعدا بقطعة أرض داخل الدولة العثمانية . إن
وعد بلفور والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني لا علاقة لهما بأي لوبي يهودي أو
صهيوني قوي أو ضعيف .
٤ - إذا نظرنا إلى سياسة كل من إنجلترا
وفرنسا في الوقت الحالي تجاه الشرق الأوسط لوجدنا أنها تتفق مع السياسة الأمريكية
والتوجه الإستراتيجي الغربي بشكل عام مع اختلافات طفيفة . ويستطيع الباحث المدقق
أن يجد أن سياسة إنجلترا أكثر اقترابا من السياسة الأمريكية وأكثر دععاً لإسرائيل
، وأن السياسة الفرنسية أكثر ابتعاداً وربيا اعتدالا (من وجهة نظر غربية) . ولو
حاول تفسير هذا الاختلاف على أساس النفوذ الصهيوني لباءت محاولته بالفشل :
أ ) فالجياعة اليهودية في إنجلترا ضعيفة لأقصى
حد من الناحية الكمية ، أما من الناحية الكيفية فهي من أكثر الجماعات اندماجا وهي
آخذة في التناقص (إن لم يكن أيضاً الاختفاء) . وعند وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لم
يجد التليفزيون البريطاني مفكرا بريطانيا يهودياواحدايدافع عن الموقف الصهيوني،
فاضطرواإلى إحضار نورمان بودوريتس رئيس مجلة كومنتاري من الولايات المتحدة لتقديم
وجهة النظر الصهيونية .
ب) أما في فرنسا فتوجد جماعة يهودية يبلغ
تعدادها ٧٠٠ ألف ، وهي جماعة ا كتسبت لونا هوديا قوياًنوعاً ما بعد هجرة يهود
المغرب العربي ، وهي جماعة ذات نفوذ قوي في الإعلام وغيره.
وأعتقد أنه لتفسير موقف كلا البلدين يجب ألا
نعود إلى قوة أو ضعف الجماعة اليهودية في كل منها وإنما إلى موقف كليهيا من
التحالف الغري وإلى رؤية كل منهما له . فإنجلترا أكثرارتباطاً بالولايات المتحدة
من فرنسا داخل هذا التحالف ، بينما تحاول فرنسا أن تحافظ على مساحة من الاستقلال
الأوربي لا تهتم بها إنجلترا بالدرجة نفسها ، ولعل هذا هو مصدر اختلاف سياسة
البلدين تجاه قضية الشرق الأوسط .
٥ - وإذا نظرنا إلى دول مثل هولندا وبلجيكا
فلا يمكن تفسير تأييدها لإسرائيل استناداً
للى مقولة اللوبي
اليهودي الصهيوني، فالوجود اليهودي في كثير من هذه البلدان يكاد يكون منعلما .
اللوبي اليهودي
والصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية
يمكن القول بأن كل الأمثلة التي وردت في الجزء
السابق من هذا الفصل مستمدة من تاريخ أوروبا وأن الولايات المتحدة حالة مختلفة
تماما وأن النفوذ الصهيوني مسيطر عليها بشكل لم يحدث من قبل أو بعد . ولذا فلنحاول
اختبار نموذجنا التفسيري الأسامي : إن المصالح الإستراتيجية/ الغربية (الأمريكية
في هذه الحالة) هي التي تحدد القرار الأمريكي، وأن الضغوط الصهيونية - من خلال
اللوبي أو الإعلام - ذات أهمية ثانوية ، فهي فد تؤخر القرار قليلا ، وقد تعدل شكله
ولكنها لا تحدده أو تعدل اتجاهه الأساسى . ويمكنتا أن نذكر الأحداث المهمة التالية
للبرهنة على مقولتنا :
١ -
هناك عدد كبير من رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة ممن دعوا لإنشاء دولة
يهودية في فلسطين ، حتى قبل أن توجد جماعة يهودية ذات وزن من الناحية العددية
والنوعية في أمريكا الشالية . ويمكن أن نذكر- في هذا المضمار- الرئيس جاكسون (الذي
كان قدلعب دوداًأساسيا في عملية الإجهازعلى البقية الباقية من السكان الأصليين في
الولايات المتحدة الأمريكية) .
٢ -
المؤسس الحقيقي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (بالمعنى العام غير الشائع
الذي نطرحه) هو وليام بلاكستون (١٨٤١ - ١٩٣٥) الصهيوني غير اليهودي ، الذي أرسل
عام ١٨٩١ التماسا إلى الرئيس الأمريكي هاريسون يحثه فيه على "إعادة"
فلسطين لليهود . وقد وقع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات المسيحية واليهودية .
ولكن كان هناك معارضة يهودية قوية لمثل هذه الاتجاهات الصهيونية ، إما من منظور
ديني أو منظور اندماجي . وقد تصاعدت هذه الاتجاهات بين أعضاء النخبة الحاكمة
الأمريكية (البروتستانتية) مع تزايد اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط .
فأيدت الولايات المتحدة وعد بلفور، وحنث الرئيس ولسون بوعوده الخاصة بحق تقرير
المصير، لا خضوعا لأي ضغط صهيوني أو يهودي وإنا لأنه رأى أن مصير الشرق الأوسط لا
يمكن أن يصاغ دون أن يكون للولايات المتحدة دخل فيه ، ووجد أن تأييده لوعد بلفور
هو وسيلته لذلك .
(وقد
فعل ذلك رغم احتجاج عدد كبير من أعضاء الجماعة اليهودية) .
٢٦١
٣ -
كانت الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر أقلية تؤمن
باليهودية الإصلاحية التي تشجع الاندماج . وهذه الأقلية كانت تشكل نخبة ثرية
مندمجة من أصل ألماني ولذا لم تكن متحمسة لهجرة هود شرق أوربا الأرثوذكس السلاف
«المتخلفين» المتحدثين باليديشية . ومع هذا اتخذ القرار الأمريكي بفتح أبواب
الولايات المتحدة لجميع المهاجرين لأن هذا ما كانت تتطلبه المصالح الأمريكية ،
وبالفعل هاجر الملايين من يهود شرق أوربا حتى أصبحوا يشكلون غالبية يهود أمريكا .
٤ -
في عام ١٩٢٤ قررت الولايات المتحدة أن تحد من عدد المهاجرين بسبب الأزمة
الاقتصادية فأصدرت قانون النصاب عام ١٩٢٣ ، ثم قانون جونسون عام ١٩٢٤ ، فانخفض عدد
المهاجرين اليهود انخفاضاً ملحوظاً (من ٩ ١ ا ألفاً هام ١٩٢١ ، و٤٩ ألفاً عام ١٩٢٤
إلى ١٠ آلاف عام ١٩٢٥ ، و٧٥٥, ٢ عام ١٩٣٢) . وبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب
٧٨٥ من المهاجرين اليهود أصبحت تستوعب ما يقل عن ٧٢٥ وأحياتاً عن ٠٠/٠١٠ ويجب أن
نذكر أنفسنا بأن القرارات الخاصة بالهجرة في الولايات المتحدة هي قرارات ذات طابع
إستراتيجي ، فالولايات المتحدة دولة استيطانية ، وكانت حينذاك لا تزال في طور
التشكيل ، وتشكل المادة الاستيطانية الإنتاجية القتالية بالنسبة لها عنصرا
إستراتيجيا، وبالتالي فالقرارات كانت تتخذ في ضوء المصالح الأمريكية وحدها، وسواء
سعد اليهود بهذا القرار أم ابتأسوا له فهذه مسألة ثانوية تماماً .
٥ -
أثناء ما يمكن تسميته بالمرحلة النازية (١٩٣٣-- ١٩٤٨) رفضت الولايات المتحدة ومعظم
بلاد أوربا فتح أبوابها للمهاجرين اليهود (رغم كل التباكي في الوقت الحالي على
ضحايا الإبادة) . ويفسر هذا الوضع على أساس حالة الاقتصاد الأمريكي المتردية
وإلخوف من تسلل الجواسيس الألمان، بل إن القوات الأمريكية بقيادة إيزنهاور رفضت
ضرب قضبان السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الإبادة لوقف عملية نقل اليهود إليها.
ويقال فى تفسير هذا إن أيزنسهاور قائد القوات الأمريكية كان لا يريد تبديد طاقته
العسكرية في هذا العمل الجانبي. ومهبا كانت التفسيرات التي تساق فإن القراركان
أمريكيا والمصالح كانت أمريكية .
٦-
حينيا أعلنت دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ اعترفت الولايات المتحدة بها فورا، ولميكن
اللوبي الصهيوني قوي أخطبوطيابعد، حتى باعتاف أولئك الذين يروجون لأسطورة قوته
وأخطبوطيته . كما أن
اللوبي اليهودي المعادي للصهيونية كان لا يزال قويا إذ كان يضم عدداً كبيرا من
أثرياء اليهود المندمجين ، وهو ما يعني أن مسارعة الولايات المتحدة بالاعتراف لا
يمكن تفسيرها إلا على أساس المصالح الأمريكية وليس لها علاقة بالضغوط اليهودية أو
الحملات الإعلامية .
٧ - حينها تحالفت إسرائيل مع إنجلترا وفرنسا
عام ١٩٥٦ وشنت العدوان الثلاثي على مصر ، دون موافقة الولايات المتحدة ، عوقبت أشد
العقاب ، إذ أن الإستراتيجية الأمريكية حينذاك كانت أن تلعب الإمبريالية الأمريكية
دوداً نشيطاً في الشرق الأوسط وتحل محل الاستعمار التقليدي (الإنجليزي والفرنسي)
وتملأ هي" الفراغ" الناجم عن انسحابهما منه . والدولة الصهيونية
باشتراكها في هذه المغامرة وقفت ضد المخطط الأمريكي ولذا كان من الضروري تأديبها ،
ومن هنا موقف أيزنهاور " النزيه" و" العادل" و" المحايد
" .
٨ -
لم تشن إسرائيل حرب عام ١٩٦٧ إلا بموافقة صريحة من الولايات المتحدة التي وجدت أن
من صالحها تصفية حكم عبد الناصر آنذاك . وعلى كل ليس بإمكان إسرائيل أن تشن أي حرب
أو تدخل أية مغامرة عسكرية إلا بموافقة الولايات المتحدة التي تمدها بالسلاح
والدعم والمظلة الأمنية .
٩ -
شاهدت الفترة من ١٩٦٧ - ١٩٧٤ تنامي العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وذلك
قبل أن يعاد تنظيم ايباك ، وفي فترة حكم نيكسون الذي كان لا يكن حباً خاصاً
لليهود.
٠ ١
- حينما حاولت إسرائيل أن تؤكد استقلالها النسبي في الآونة الأخيرة جاءتها الرسالة
واضحة من
واشنطن ألا تتجاوز حدودها .
أ ) وأولى المحاولات
الإسرائيلية لتأكيد شيء من الاستقلال كان في حادثة جوناثان بولارد وهو موظف أمريكي
يهودي تجسس على الولايات المتحدة لحساب إسرائيل ، وكان رد المؤسسة الأمريكية
الحاكمة حاسا ، إذ قبض على بولارد وأدخل السجن لمدة عشرين عاماً وأجري تحقيق في
إسرائيل لتحديد المسئولية ، كما أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ثارت
ثائرتها ضد الدولة الصهيونية . وصرح جيكوب نيوزنر ، أهم عالم تلمودي في العالم ومن
زعماء يهود الولايات المتحدة ، أن يهود أمريكا يؤمنون بأرض ميعاد واحدة هي
الولايات
المتحدة
وأن عاصمتهم هي واشنطن وحسب . بل إن موظفا مدنيا يهوديا يعمل في وزارة الخارجية
الأمريكية منذ ٥ ٢ عاما سحب منه تصريحه الأمني (الذي يمكن بمقتضاه أن يطلع على
وثائق سرية) لأن ثلاثة من أولاده يعيشون في إسرائيل بعد حادثة بولارد وزيادة
الاحتياطات الأمنية (جيرو ساليم بوست ١ ١ فبراير ٩ ٩٨ ١) ، ولو حدث شيء مماثل في
أي بلد آخر لاتهم هذا البلد على الفور بأنه معاد لليهود . ولكن الإعلام الصهيوني
لزم الصمت لأن الجميع يعرف أن هذا هو الخط الذي لا يستطيع أحد عبوره ، فهو خط
إستراتيجي أحمر راسخ واضح . وقد حاول اللوبي الصهيوني أن يستفيد من قرار بوش
بالعفو عن المتهمين في قضية إيران - كونترا عند انتهاء مدة رئاسته وحاولوا استصدار
عفو عن بولارد ولكن الطلب رفض . وقد رفض كلينتون أيضآ العفو عن بولارد .
ب)
أما الواقعة الثانية فهي إلغاء مشروع طائرة اللافي . فالمؤسسة الحاكمة الصهيونية
كانت حريصة كل الحرص على إنتاج هذه الطائرة محلياً في إسرائيل (بعون أمريكي)
لأسباب عديدة من بينها تحقيق شيء من الاستقلال الإسرائيلي وتحسين صورة إسرائيل
القومية أمام المستوطنين الصهاينة الذين يشعرون باعتماد دولتهم المذل على الولايات
المتحدة . كما أن الطائرة لافي كانت تعني أيضأ إنشاء صناعة طائرات محلية تخلق
عشرات الوظائف للمهندسين والفنيين الإسرائيليين بأمل أن يحد ذلك بعض الشيء من
ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل ونزوح عناصرالنخبة الفنية منها. ولكن المؤسسة
الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة وجدت أنه ليس من صالحها السماح لإسرائيل
بإنتاج اللافي، فألغي المشروع رغم المحاولات اليائسة والمريرة لمدة عامين ، ولم
ينجح اللوبي الصهيوني أو غيره في أن يؤثر على القرار الأمريكي . وقد تزايد عدد النازحين
بالفعل عن الدولة الصهيونية ، كما أنه قلل مقدرة إسرائيل الاستيعابية للمهاجرين
الجدد، وبخاصة من ذوي المؤهلات العالية ، وهو الأمر الذي شكل مشكلة خطيرة مع هجرة
اليهود السوفييت .
١١ -
لوحظ أن بعض الإسرائيليين واليهود السوفييت المقيمين في الولايات المتحدة قد أسسوا
عصابات تمارس الجريمة المنظمة (المافيا) ولها نشاط في عالم المخدرات والجنس وتزييف
النقود . ولم يتردد الكونجرس الأمريكي في إجراء تحقيق في الموضوع ونشر نتائج
التحقيق، وهو ما أساء لصورة اليهود الإعلامية (جيرو ساليم بوست ٩ ١ أبريل ٩٨٨ ١)
ولكنه فعل ذلك دون تردد لأ الجريمة تهدد أمن الولايات المتحدة القومي ، ولم يخش
أحد من سطوة الإعلام الصهيوني.
٢ ١
- ثم جاءت حرب الخليج فأثبتت بما لا يقبل أي شك أن الدولة الصهيونية تتحرك داخل
إطار المصالح الإستراتيجية الغربية وليس داخل إطار المصالح اليهودية أو الصهيونية
الوهمية ، فالدولة الصهيونية قد أعدت عبر تاريخها للاضطلاع بدور الأداة العسكرية
الكفء ، وقد مولها الغرب لهذا السبب ، وهذا السبب وحده . ولكن تبين للغرب أن
اشتراكها في القتال سيسبب خسارة للمصالح الغربية ، فاسم إسرائيل لا يزال كريها لدى
الجماهير العربية التي تدرك بفطرتها السليمة طبيعة هذه الدولة الاستعمارية ، ووقوف
أي دولة عربية في القتال جنباً إلى جنب مع إسرائيل (حتى ولو كان ضد العراق) كان
سيؤدي إلى غضب هذه الجماهير وثورتها ، ولذا طلبت الولايات المتحدة من الدولة
الصهيونية أن تتنحى عن دورها التقليدي وأن تلزم القوات الإسرائيلية ثكناتها وأن
تتلقى الصواريخ العراقية دون أن تحرك ساكنا . وقد امتثلت الدولة الصهيونية لهذه
الأوامر ، وسمي هذا «ضبط النفس» . وسلوك الدولة الصهيونية- مرة أخرى - يبين مدى
ذكاء أهل الحكم فيها ومعرفتهم تماما بقوانين اللعبة .
ولعل التنازل الوحيد
الذي قدمه الأمريكيون للإسرائيليين في هذه الحالة هو اختيار كولونيل يبودي ليترأس
طاقم صواريخ باتريوت الذي أرسل لحاية الدولة الصعهيونية من الصواريخ العراقية ،
وكان ضمن الطاقم عشرون يهوديا! وهو تنازل له طابع رمزي وحسب ولا يمتد بأية حال للأهداف
النهائية .
٣ ١
- أثناء المعركة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الأمريكية ادعى مدير ايباك في مكالمة
تليفونية مع أحد المليونيرات اليهود أن كلينتون يقوم باستشارته بشأن المرشحين
لمنصب وزير الخارجية (وذلك بهدف تضخيم دور اللوبي) . ولكن المليونير كان قد قام
بتسجيل المكالمة وسربها للصحف التي قامت بنشرها ، ويعد مثل هذا التصريح خرقاً
للعقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح لأعضاء الأقليات بالتعبير عن هويتهم الإثنية
بشرط ألا يتناقض هذا مع الصالح الأمريكي العام وأن يأتي الولا للولايات المتحدة في
المقام الأول . وقد اعتذر مدير ايباك عما بدر منه وأكد أن ما قاله في المكالمة
التليفونية بشأن تعيين وزير الخارجية لم يكن إلا من قبيل الدعاية للايباك لحث
المليونيراليهودي على أن يجزل العطاء للإيباك ، وقدم المدير استقالته بعد ذلك .
إلى جانب هذه الوقائع
التاريخية التي تثبت أن المرجعية النهائية هي المصلحة
٢٦٥
الإستراتيجية
الغربية ، يمكننا أن نكتشف بعض جوانب آليات الضغط اليهودي الصهيوني
لنرى
مدى علاقتها بالمصالح اليهودية والصهيونية المستقلة :
١ -
ويمكن أن نثير قضية سيطرة رأس المال اليهودي وهيمنته . ولنا أن نشير هنا إلى أن
حجم رأس المال الذي يتحكم فيه بعض أعضاء الجماعات اليهودية يشكل نسبة ضئيلة للغاية
بالنسبة لرأس المال الكلي للولايات المتحدة . والمنظومة الرأسمالية - كما هو معروف
- منظومة متكاملة متداخلة ، لها قوانينها وآلياتها التي تتجاوز إلى حد كبير إرادة
الأفراد وأهواءهم . ويمكن أن نضيف هنا أنه على الرغم من ثراء يهود الولايات
المتحدة (يوجد ٠ ٤ ١ يهودي بين أكثر من ٤٠٠ شخص يعدون الأكثر ثراء) فإنه لا يوجد
رأس مال يهودي في الصناعات الأساسية (الحديد- الصلب - السيارات) ، كما أن المصارف
الأساسية لا تزال في أيدي الواسب (البروتستانت) . وعلى المنادين بأطروحة السيطرة
اليهودية أن يبينوا أن ثمة علاقة طردية بين تزايد رأس المال المتوافر في أيدي
اليهود والانحياز الأمريكي لإسرائيل.
٢ -
وقل الشيء نفسه عن الإعلام وسيطرة اليهود عليه . فثمة وجود يهودي ملحوظ في قطاع
الإعلام . ولكن هل تزايد هذا النفوذ أو تراجع في الأعوام العشرين الماضية ؟ وهل
زادت نسبة ملكية اليهود لوسائل الإعلام أو قلت ؟ وهل هناك علاقة واضحة بين تزايد
الهيمنة اليهودية على الإعلام ومنحنى الانحياز ؟ كل المؤشرات تدل على أن العناصر
غير اليهودية التي دخلت مجال الإعلام الأمريكي أعلى بكثير من العناصر اليهودية ،
ومع هذا لم يتغير منحنى الانحياز المتزايد .
٣ -
ويمكن أن نثير قضية أن أعضاء الجماعة اليهودية يلعبون دوداً متميزا داخل المؤسسات
الأمريكية لصنع القرار. وفي تقرير كتب في السبعينيات، أشيرإلى أن ٠,٩ ٠/٠٢ من كل
أعضاء هيئات التدريس في الجامعات و٨ , ٥ ٦٢ من مجموع العاملين في الإعلام من
اليهود ، وأن هناك بين ٥٤٥ شخصية قيادية حوالي ٤ ,٧١١ من اليهود . وقد تزايد عدد
اليهود في إدارة كلينتون الأخيرة (١٩٩٦) وبخاصة في المراكز الحساسة مثل وزير
الخارجية ووزيرالدفاع وعضوية مجلس الأمن القومي . ويشار إلى كل هذاباعتباره دليلا
على مدى سيطرة اليهود . ولكن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة- كما أسلفنا-
عملية مؤسسية في غاية التركيب ، ولا تستطيع أية أقلية واحدة التحكم فيها . كما أن
اليهود
لا يشكلون الأقلية
الوحيدة داخل مؤسسات صنع القرار، إذ توجد أقليات وجماعات ضغط أخرى كبيرة ومهمة مثل
جماعة الضغط الكاثوليكية .
٤ -
يمكن أن نطرح سؤالا بشأن مدى تأثير الصوت اليهودى فى سياسات الولايات المتحدة ومدى
انحيازها لإسرائيل (انظر الجزء التالى من هذا الفصل) .
ويمكن تشبيه اليهودي
داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية بالموظف الحركي النشيط في إحدى الشركات الكبرى
الأمريكية . فهذا الموظف إن أبدى ذكاء غير عادي في فهم أهداف المؤسسة التي يعمل
فيها وأخذ بزمام المبادرة وتحرك نحو تنفيذها، فلابد أنه سيترقى ويتحرك نحو القمة ،
ولكن حركته الصاعدة تظل في غهاية الأمر محكومة بالهدف المؤسسي الذي يتم تحديده
بشكل مؤسسي ، كماأن من الصعب على فردأومجموعة أفرادتغييره.
ويمكننا أيضاً أن نستخدم
تشبيهاً مستمدا من تجربة أهم الجماعات اليهودية في التاريخ (من منظور تاريخ
الصهيونية) ، أي يهود الأزندا ، وهم كبار الممولين من أعضاء الجاعة اليهودية الذين
لعبوا دور الوكلاء الماليين (أرنداتور) للنبلاء الإقطاعيين البولنديين (شلاختا) في
أوكرانيا ، فكانوا أداتهم في استغلال الفلاحين الأوكرانيين . وقد كان للأرنداتور
سلطة مطلقة داخل المزرعة التي يقوم بإدارتها . وكان النبيل الإقطاعي الغائب في
بولندا يستمع لمشورته ويأخذ بنصيحته . ولكن القرار النهائي كان في يد النبيل
الإقطاعي ، كما أن الأرنداتور كان يستمد قوته وسطوته لا من ذاته وإنا من النبيل
الإقطاعي، ولذا رغم هذه القوة والسطوة ، كان استمراره ، بل وجوده ، يستند إلى
رضاالنبيل الإقطاعي .
٥ -
ونحب أن نثير قضية مبدثية وهي قضية مصطلح «هودي» نفسه ، ومدى " صهيونية
" هؤلاء اليهود ؟ وهل يصدر يهود الولايات المتحدة عن رؤية يهودية وصهيونية
لأنفسهم، أم يصدرون عن رؤية أمريكية ؟ . تدل كل المؤشرات على أن يهود الولايات
المتحدة قد اندمجوا إلى حد كبير في المجتمع الأمريكي (رغم كل الثرثرة عن الشخصية
اليهودية والجيتو اليهودي) . وحسب دراسات علم الاجتهاع الأمريكي تعد الأقلية
اليهودية من أكثر الأقليات اندماجا وقبولا للعقد الاجتماعي الأمريكي وقيم هذا
المجتمع البرجماتية . ومنذ أمد طويل عرف أحد الزعاء الصهاينة في الولايات المتحدة
البرنامج الصهيوني بأنه تداخل صهيونية اليهودي مع أمريكيته، حتى لا ينفصل الواحد
عن الآخر.
ومن المعروف أن عدد
اليهود في كليات إدارة الأعمال في الجامعات الأساسية في أمريكا (هارفارد- برنستون)
حتى منتصف الستينيات كان صغياًللغاية ، إذ أنه لم يكن بإمكان اليهودي أن يصبح
مديرا في الشركات الكبرى (التي تحكم أمريكا) ، كما أن المناصب الوزارية المهمة
التي كانوا يتقلدونها كانت دائها هامشية . ولكن في عام ٤ ٩٧ ١ حدث تغير جوهري إذ
شهد هذا العام تعيين كيسنجر وزيرا للخارجية الأمريكية ، وعين شابيرو مديرا لشركة
دي بونت للكيماويات . ويبدو أن النخبة الحاكمة في أمريكا قد وجدت أن يهود أمريكا
أصبحوا أمريكيين لهم مصالح أمريكية ، أي ليسوا مجرد يهود لهم مصالح يهودية ، وأنه
تم دمجهم وأمركتهم تماما ، بحيث أصبحوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي خاضعين
لحركيات المجتمع الأمريكي (الذي لا يمانع في الحفاظ على بعض معالم الهوية الإثنية
، طالما أنها لا تؤثر في ولاء الشخص وفي سلوكه في رقعة الحياة العامة) .
وقد أثبت يهود أمريكا
صدق حدس النخبة الحاكمة . فرغم الهستريا الواضحة في تأييد الدولة الصهيونية (الذي
لا يختلف في واقع الأمر عن تأييد المواطن الأمريكي العادي لها إلا في النبرة) فثمة
انصراف واضح عن المنظمة الصهيونية وعن التبرع لها وعن حضور مؤتمراتها وانتخاباتها
. وقد ظهر ولاء يهود الولايات المتحدة بشكل وأضح لا مراء فيه - كما أسلفنا - في
حادثة جوناثان بولارد (حيث جندت المخابرات الإسرائيلية مواطنا أمريكيا يهوديا
للتجسس على الولايات المتحدة) إذ ثارت ثائرة المتحدثين باسم يهود أمريكا ضد
إسرائيل لأنها تعرض وضعهم داخل مجتمعهم للخطر .
٦ -
بل يمكن القول بأن هناك عناصر تسبب بعض التوتر بين يهود الولايات المتحدة والدولة
الصهيونية ، فالصورة الإعلامية للدولة الصهيونية ليست صورة رائعة طيلة الوقت (حرب
لبنان - الانتفاضة - التشدد الصهيوني - بناء المستوطنات) . وكثيرا ما يجد يهود
أمريكا ، الذين يعيشون في مجتمع ليبرالي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ، أنه ليس من
صالحهم أن يوحد فيما بينهم وبين الكيان الصهيوني، ولذا تتخذ قيادات الأمريكيين
اليهود أحياناً موقفا مستقلا عن الدولة الصهيونية وناقداً له . ويلاحظ كذلك أن
سقوط الإجماع القومي في إسرائيل حول المستوطنات انعكس على الأمريكيين اليهود ، إذ
أن ذلك أعطاهم حرية حركة لم تكن متاحة لهم من قبل . فنجدأن حركة السلام الآن
لهافروع في الولايات المتحدة بل لها صندوق جباية مستقل عن الصندوق القومي اليهودي
. كما أن الصراع بين الدينيين الأرثوذكس واللادينيين يجد صداه بين الأمريكيين
اليهودويقلل التفافهم حول الدولة الصهيونية التي تتحكم فيها المؤسسة الأرثوذكسية
التي لا تعترف بهم كيهود .
إذن ثمة عناصر ، داخل
المجتمع الأمريكي ، بعضها يزيد من اقتراب الأمريكيين اليهود من الفكرة الصهيونية ،
والبعض الآخر يبعدهم عنها . ولكن ، مها كانت الصورة مركبة ، فإن العنصرالأساسي في
تحديد سلوك اليهود السياسي ، سلباًأر إيجاباً ، اقراباًأر ابتعادا من الصهيونية ،
هو كونهم مواطنين أمريكيين لهم مصالحهم الخاصة والمباشرة التي تفوق ولاءهم
العقائدي للصهيونية . بل إن تأييد الأمريكيين اليهود لسياسة بلادهم في الشرق
الأوسط لا تختلف كثيرا عن تأييد الأمريكيين البروتستانت لها لافي النسبة ولا في
الحدة. ولعل يهودية الأمريكي اليهودي تفسر علو النبرة فقط . وبما يجدر ذكره أن بعض
المحللين السياسيين يرون أن التظاهر السياسي لصالح إسرائيل ، وارتفاع النبرة ، هو
شكل من أشكال التملص اليهودي من الصهيونية . فالأمريكي اليهودي يدفع الأموال
للدولة الصهيونية ويمارس الضغط السياسي من أجلها خوفاً منها وليس حباً فيها (حتى
يرضي ضميره) فهويرفض الهجرة الاستيطانية تماماً .
كما أن هناك من المحللين
من يذهب إللى أن نفوذ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة يستند إلى قوة إسرائيل
وليس العكس. فاعتاد الولايات المتحدة على إسرائيل في كثير من الأمور الأمنية
وحاجتها إليها كقاعدة عسكرية وحاملة طائرات ، يجعلها توينع رقعة حركة المنظات
الصهيونية حتى تقوم بعملية تعبئة الرأي العام الأمريكي (بما في ذلك الرأي العام
الأمريكي اليهودي) ليساند الولايات المتحدة في دعمها الدائم والمستمر للكيان
الصهيوني با يتضمنه ذلك من دعم مالي قد يبدو باهظاً من منظور الإنسان العادي ولكنه
استثمار إستراتيجي جيد من منظور المؤسسة الحاكمة ، الأمر الذي يتطلب عملية قومية
سياسية تقوم بها المنظمات الصهيونية على أكمل وجه . كما أن المنظمات الصهيونية
تساهم ، عن طريق عمليات جمع التبرعات ، في دفع الفاتورة . والنفوذ الصهيوني ، من
هذا المنظور ، ليس سببا لسياسات الولايات المتحدة وإنا هو نتيجة لهما . ولاستيعاب
هذه النقطة ، يمكن مقارنة النفوذ الصهيوني ومدى نجاحه بفشل الجماعات الأيرلندية في
جمع الدعم والأسلحة لجيش التحرير الأيرلندي رغم قوة الجماعة الأيرلندية ، النوعية
والعددية ، ورغم أن أحد رؤساء الولايات المتحدة (كنيدي) كان من أصل أيرلندي !
الصوت اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية
«الصوت
اليهودي» مصطلح يفترض أن هناك عددا من الأصوات يدلي هاأصحاءهامن اليهود في
الانتخابات الأمريكية (أو غيرها من البلاد الغربية) سواء القومية لانتخاب رئيس
٢٦٩
الجمهورية
، أوعلى مستوى الولاية لانتخاب حاكمها ، أو على مستوى المدينة لانتخاب العمدة أو
غيره من القادة . كما يفترض المصطلح أن الناخبين اليهود يتبعون نمطاًواحداً تقريبا
في التصويت ، وأنهم دائبا يقفون إلى جانب إسرائيل ويؤيدون الموقف الصهيوني ، وهم
بذلك يشكلون أداة ضغط في يد اللوبي الصهيوني . كما يفترض المصطلح أنه كلما ازداد
عدد الناخبين اليهود ازداد «الصوت اليهودي» قوة . ومما زاد هذا المفهوم شيوعا أن
بعض الساسة الغربيين أنفسهم يستخدمونه لتفسير سلوكهم الممالى لإسرائيل وللسياسات
الصهيونية إذ يدعون أن سلوكهم إنا هو استجابة عملية لضغوط الصوت اليهودي والمصالح
الصهيونية ولا يعير عن موقف إستراتيجي مبدئي تمليه عليهم مصالحهم الأمريكية أو
الغربية أو على الأقل رؤيتهم لها . وقد دأبت الدعاية الصهيونية على ترويج هذه
المقولة وكأنها حقيقة مسلم بها ، وتلوح بها ضد معارضي الصهيونية .
و«الصوت
اليهودي» أسطورة لها أساس في الواقع . ويما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية
(أينا وجدوا) سيكون لهم أثر ما على صنع القرار السياسي ، و خصوصاً في الدول
الديموقراطية الغربية . ولكن ، بعد تقرير هذه الحقيقة ، يظل هناك كثير من القضايا
الأساسية مثل : ما حجم هذا الأثر ؟ هل هو من القوة بحيث يجب أخذه في الاعتبار ،
أوهومن التفاهة بحيث يمكن تجاهله تماماً؟ وإذا كان التأثيرقويا فما مصادر أو أسباب
قوته ؟ هل «الصوت اليهودي» قوي بسبب اتفاق مصالح الدولة الغربية مع الدولة
الصهيونية ؟ وهل قوة هذا الصوت اليهودي تعود إلى القوة الاقتصادية للجماعة
اليهودية أوتعودإلى أسباب أخرى ؟ ونظرالاختلاف وضع الجماعات اليهودية من بلد إلى
آخر، فسنتناول في هذا المدخل أهم الجياعات اليهودية وهي الجماعة اليهودية في
الولايات المتحدة (ونتناول أوربا الغربية وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية في مدخل
مستقل) .
يشار إلى الديموقراطية
الأمريكية باعتبارها ديموقراطية جماعات الضغط ، أي أنها ليست مجرد ديموقراطية
حزبية على النمط الأوربي حيث يطرح كل حزب برنامجه السياسي وينضم إليه الناخبون
ويعبرون عن إرادتهم من خلال هذا الإطار الحزي، وإنا هى ديموقراطية يعبر فيها
الناخبون عن آرائهم من خلال كل من الأحزاب وجماعات الضغط التي ينتمون إليها ، وهي
قد تكون جماعات ذات طابع إثني تضم المواطنين الذين ينتمون إثنيا إلى أصل واحد ،
مثل الأمريكيين من أصل إسباني والأمريكيين من أصل إيطالي ٠٠٠ إلخ . وقد تكون
جماعات مصالح مثل المعوقين والمتقدمين في السن
والمحاربين القدامى
والعاملين في صناعة السلاح . وتحاول هذه الجماعات حماية مصالح أعضائها وتحسين
صورتهم في المجتمع عن طريق الضغط على السلطة إما عن طريق التظاهر أو عن طريق غيره
من الوسائل ، وإن كانت أهم أشكال الضغط هي الانتخابات ورشوة أعضاء الكونجرس (ولكن
استكشاف هذا الجائب الأخير يقع خارج نطاق هذا المدخل).
ورغم أن اليهود لا
يشكلون سوى ٤ , ٧٢ من مجموع الناخبين الأمريكيين ، وهو ما يجعلهم كتلة انتخابية
صغيرة نسبيا قياسا بالكتل الأخرى مثل الناخبين من أصل إسباني أو أيرلندي أو
الناخبين السود ، فإن ثمة عوامل تجعل قوتهم الانتخابية وتأثيراتهم تفوق بكثير
عددهم الفعلي :
١ -
فاليهود من أكثر الأقليات تعكيزاً في المدن ، فهم يوجدون بأعداد كبيرة في بعض
المدن ، مثل نيويورك وشيكاغو وميامي (فلوريدا) ، وهو ما يجعل لهم ثقلا غير عادي .
وعلى سبيل المثال ، يشكل اليهود ٩ ١ / من كل سكان مانهاتن وبروكلين (وهما أهم
قسمين إداريين في مدينة نيويورك) . وهم يشكلون ١٦/من كل سكان نيويورك و٣) من كل
سكاغها البيض . وبالتالي ، فإن أي مرشح يتوجه للصوت الأيض (مقابل الصوت الأسود
والإسباني) عليه أن يضع الصوت اليهودي في الاعتبار .
٢ -
يتركز اليهود في بعض الولايات التي تلعب دورا حاسما في انتخابات الرئاسة ، وهذا ما
يجعل أهميتهم كجاعة ضغط تتزايد فهم يشكلون ٦ ,٧١٠ من جملة الناخبين في ولاية
نيويورك و٩ ,٨٥ في نيوجيرسي و٨ ,٨٤ في واشنطن (العاصمة) و٧ و ٤/ في ولاية فلوريدا
ونسبة كبيرة في ولاية كاليفورنيا . كما يوجدون بأعداد كبيرة في ولاية بنسلفانيا
وإلينوي.
٣-
يلاحظ أن أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بأعلى مستوى تعليمي في الولايات المتحدة
، وهو ما يؤثر على سلوكهم الانتخابي إذ أنهم يدلون بأصواتهم بنسبة تفوق بمراحل
النسبة القومية . وتبلغ هذه النسبة بين اليهود ٧٩٢ (وهي أعلى نسبة على الإطلاق بين
أي أقلية في المجتمع الأمريكي) مقابل ٤ ٧٥ وهي النسبة بين الأمريكيين على وجه
العموم ، وهذا يعني تزايد قوتهم الانتخابية . وعلى سبيل المثال ، ذكرنا أن ١٠,٦/
من جملة الناخبين البيض الذين لهم حق الانتخاب في ولاية نيويورك من اليهود. ولكن،
نشراً
٢٧١
لحرص الناخبين اليهود
على الإدلاء بأصواتهم ، نجد أن نسبتهم الفعلية ، وهي النسبة التي يضعها المرشحون في اعتبارهم ، تصل إلى ما بين ١٦ و٠ ٢/ .
٤ -
وتضاعف هذه النسبة فيما يتعلق بانتخابات مؤتمرات الولايات التي يتم عن طريقها
اختيار المرشحين لرئاسة الجمهورية . ففي انتخابات مؤتمر الحزب الديموقراطي في
نيويورك (انتخابات عام ٩٨٤ ١)، بلغت نسبة عدد اليهود نحو ٠ ٧٣ . وكان ١ ٧٤ من
الأصوات التي أعطيت لمونديل من أصوات اليهود . أما في انتخابات عمدة نيويورك ، فإن
أصوات اليهود كانت تشكل ٠ ٧٥ من الأصوات التي حصل عليها . (ومع هذا لوحظ مؤخراً
انصراف الشباب اليهودي في الولايات المتحدة عن الإدلاء بأصواتهم . وقد بينت إحدى
الإحصائيات أن عدد الممتنعين عن الاشتراك في الانتخابات قد وصل إلى ما يزيد على
مليون عام ١٩٩١ وهو ما يضعف قوة الصوت اليهودي ، وخصوصا مع زيادة عدد أعضاء
الأقليات الأخرى وتزايد إقبالهم على الانتخابات) .
٥ -
وللى جانب كل هذا ، يلاحظ أن أعضاء الجماعة اليهودية نشطاء سياسيا ويشتركون في
معظم الحركات السياسية ، وخصوصا الليبرالية واليسارية ، ويؤثرون فيها بشكل يفوق
عددهم .
٦ - تضم الجماعة اليهودية عدداكبير من كبار
المثقفين والفنانين ورجال السياسة ، الأمر الذي يزيد من ثقل وأهمية الصوت اليهودي.
٧-
تعد الجماعة اليهودية من أكثر الأقليات ثراء في العالم إن لم تكن أكثرها ثراء
بالفعل. ونظرا لنشاطهم السياسي ، فهم يتبرعون للحملات الانتخابية بمبالغ كبيرة
يحسب المرشحون حسابها . وربما كانت الجماعة اليهودية ، كجاعة ضغط ، تنفرد بهذه
الخاصية إذ أن أعضاء جماعات الضغط الأخرى قد يفوقون اليهود عددا ولكنهم لا يقتربون
بأية حال من إمكاناتهم المالية.
إذن ، لا شك في أن
الجماعات اليهودية تمثل قوة ضغط مهمة داخل النظام السياسي الأمريكي . وثمة صوت
يهودي تماما كما أن هناك صوتا أسود أو صوتا إسبانيا (وبدايات صوت عربي) . وهذا
الصوت اليهودي متعاطف مع إسرائيل والصهيونية . ولكن هذا الصوت اليهودي يظل خاضعا
لحركيات النظام السياسي الأمريكي وللتناقضات التي تتفاعل داخل المجتمع . وما يحدد
اتجاهه ، ليس الولاء العقائدي المجرد للصهيونية وإنا
استجابة
اليهود ، كأمريكيين أو كأمريكيين يهود ، لما يواجههم في مجتمعهم الأمريكي . فأعضاء
الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هم أمريكيون يهود أو أمريكيون يؤمنون
بالعقيدة اليهودية أو بالهوية اليهودية ، وليسوا يهودا أمريكيين . وهم ، في هذا ،
لا يختلفون عن كل المواطنين في الولايات المتحدة ، فلا يوجد أمريكي خالص سوى فئة
الواسب 7٨9 وهي اختصار لعبارة وايت أنجلو ساكسون
بروتستانت -٨01810 عا111/ 2101٤اءم 100 52201 ، أي البروتستانت من أصل أنجلو ساكسوني (وحتى هؤلاء يحمل اسمهم أصلهم
العرقي) . أما بقية الأمريكيين ، فهم أمريكيون إيطاليون أو أمريكيون أيرلنديون أو
أمريكيون عرب ، ويشار إليهم بالإنجليزية بتعبير «هايفنيتيد أميريكانز -11 015م14682رع٨0112 لمعا12 2 21» أي «أمريكيون بشرطة» (إذيشار إليهم باعتبارهم «أمريكيين/ يهود -
أمريكيين / عرب» وهكذا) . وهذا يعود إلى طبيعة تكوين المجتمع الأمريكي، فهو مجتمع
استيطاني مكون أساسا من مهاجرين ولا توجد فيه تقاليد حضارية ثابتة أو عقائد دينية
مستقرة . وكان على المهاجر أن يسقط معظم ثقافته القديمة ويندمج في المجتمع ليصبح
أمريكيا ، وإن ظل به ولع لثقافته القديمة فإنه يستطيع أن يعتر عن هذا الجانب من
شخصيته من خلال بعض جوانب حياته غير المهمة مثل الطعام والاحتفال ببعض الأعياد .
لكن هويته الأوربية (القديمة) ، أو ماتبقى منها ، يجب أن تظل خاضغة لانتمائه
الأمريكي. ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية من المهاجرين كانوا من أكثر
المهاجرين تقبلا للمثل الأمريكية ، وأكثر تخلياًعن ثقافتهم القديمة الأوربية ،
بمعدلات تفوق المهاجرين الآخرين . وهذا يعود إلى عدم تجذر اليهود في الثقافة
الأوربية في شرق أوربا، ولذا فهم (على عكس كثير من المهاجرين) لم يأتوا إلى
الولايات المتحدة ليجربوا حظهم وإنا ليستقروا ويقيموا . ومن ثم، فقد كانت نسبة
العائدين إلى أوربا من بين المهاجرين اليهود هي أقل نسبة بين منختلف جماعات
المهاجرين (ربما باستثناء اللرلنديين) . وبعد أن استقر يهود شرق أوربا ، وضعوا
أنفسهم داخل الإطار الأمريكي وأصبحوا أمريكيين بشرطة (أمريكيين / يهودا) بحيث
أصبحت إسرائيل بالنسبة إليهم مثل أيرلندا بالنسبة للأمريكيين من أصل أيرلندي .
ويجب ملاحظة أن إسرائيل ، بذلك ، أصبحت البلد الأصلي ، أي البلد الذي يهاجر منه
الإنسان لا إليه ، لكن فكرة أن إسرائيل هي البلد الأصلي هي فكرة مناقضة للفكرة
الصهيونية .
وفي
الوقت الحاضر ، يلاحظ أن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ، على عكس ما
هوشائع ، من أكثرالأقليات اندماجاوتأمركا حيث يتبدى هذا في تزايد
٢٧٣
معدلات
العلمنة . فقد لوحظ أن عدد اليهود الذين يمارسون شعائر عقيدتهم لا يزيد عن ٠ ٧٥ ،
ووصلت معدلات الزواج المختلط في بعض الولايات إلى ما يزيد على ٧/٥٠ . ولذا، فنحن
نسميهم «اليهودالجدد» ، فهم مختلفون بشكل جوهري عن يهودأورباويهود عصر ما قبل
الاستنارة في أواخر القرن الثامن عشر . ولفهم سلوكهم الانتخابي والسياسي الحقيقي،
لابدأن نضعهم داخل سياقهم الأمريكي خارج الأساطيرالصهيونية التي يرددها بعض العرب
(لمزيد من التفاصيل، انظر كتابنا من هو اليهودي؟) .
على
سبيل المثال ، يلاحظ أن العلاقة بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة ازدادات
عمقا أثناء حكم الرئيسين الجمهوريين نيكسون وريجان ، وخصوص الأخير . ويلاحظ كذلك
أن سياسات الحزب الجمهوري ، التي تتبنى سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي
وتصعيدالحرب الباردة ، تلقى صدى في صفوف الصهاينة والدولة الصهيونية المستفيدة من
حالة التوتر الدولي والاستقطاب . ويلاحظ كذلك أن برنامج الحزب الجمهوري عام ٩٨٨ ١
يتسم بالتحيزالشديد لإسرائيل من مطالبة بتقوية الأواصرالإستراتيجية معها وتعميق
العلاقة الخاصة بهاوالوقوف ضد إنشاء دولة فلسطين وتأييد إلغاء قرار مساواة
الصهيونية بالعنصرية . كماأن الحزب الجمهوري لايضم في صفوفه شخصية مثل جيسي جاكسون
الذي نجح هو وأتباعه ، ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات الأحزاب الأمريكية ، في وضع
فكرة الدولة الفلسطينية موضع المناقشة . فإن صدقت مقولة «الصوت اليهودي» كأداة ضغط
في يد الصهاينة ، فإن من المتوقع أن يصوت اليهود لصالح الجمهوريين بأعداد متزايدة
٠ ومع هذا ، فقد أدلى معظم اليهود بأصواتهم لصالح الحزب الديموقراطي ، بنسبة ٠ ٦٧
- ٠ ٨ من مجمل الأصوات كما حدد بعض المحللين . وفي محاولة تفسير هذا الوضع نجد أن
المحللين يسقطون «الولاء الصهيوني» كعنص ححرك ويتوجهون لعلاقة هؤلاء الأمريكيين
اليهود بمجتمعهم الأمريكي . فيلاحظ أن الحزب الديموقراطي كان دائعآحزب المهاجرين
والأقليات وسكان المدن وهو أيضا الحزب الذي يمثل مصالحهم ويحاول التعبيرعن هذه
المصالح . ومنذعام ١٩٣٢، حصل حختلف الرؤساء الأمريكيين من الحزب الديموقراطي على
ما يزيد على ٠ ٠/٠٧ من الأصوات اليهودية. وبحسب كثير من المحللين ، لا تزال هذه
النسبة هي النسبة القائمة ، ففي انتخابات عام ١٩٨٤ لم يحصل ريجان إلاعلى ٣٠/- ٧٤٠
من الصوت اليهودي، وقدحصل بوش على نسبة أقل . ويقال إن كلينتون قد حصل على حوالي
٠/٠٨٥ من الصوت اليهودي .
فالحزب
الجمهوري هو حزب البيض (الواسب) بالدرجة الأولى (من بين المندوبين لمؤتمر الحزب
الجمهوري لاختيار مرشح الرئاسة عام ١٩٨٨ ، كان هناك ٨٢ من اليهود مقابل ٦ في مؤتمر
الحزب الديموقراطي، وكان هناك ٣/ من السود مقابل ٠ ٢/ في مؤتمر الحزب الديموقراطي)
. ورغم أن برنامج الحزب الجمهوري مؤيد للصهيونية وإسرائيل، فإن البرنامج نفسه يقف
ضد إباحة الإجهاض ويطالب بإدخال الصلوات في المدارس ويؤكد ضرورة ترديد يمين الولاء
في المدارس. كما أن البرنامج يطالب بإعطاء خصم ضريبي لأولياء الأمور الذي يلحقون
أولادهم بمدارس خاصة حتى لو كانت دينية . وهي سياسات محافظة لا تروق للناخبين
اليهود واستجابتهم لها هي التي تحدد سلوكهم الانتخابي ٠
وقد
تبدو كل هذه الأمور بالنسبة إلى المراقب الخارجي وكأنها أمور تافهة ، وهي حقا كذلك
من منظور السياسة الخارجية ، ولكنها ليست كذلك من منظور الحركيات الداخلية للمجتمع
الأمريكي ونمط التصويت الذي يتبعه أعضاء الجماعة . فمنذ بداية الستينيات والمعركة
مستمرة بين دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة بشكل كامل ومطلق ، بقيادة الجاعة
اليهودية من جهة ، وبعض الجماعات الأخرى ذات التوجه الديني من جهة أخرى. ويرى معظم
أعضاء الجماعة اليهودية أن مصلحتهم تكمن في تزايد معدلات العلمنة، وأن هذا هو
الضمان الوحيد لحريتهم بل وجودهم . وقد اكتسح هذا التيار المجتمع الأمريكي في
الستينيات، ووصلت عملية الفصل بين الدين والدولة مراحل هستيرية حتى أن ذكر كلمة
«الإله» في الكتب المدرسية منع ، ومنعت الصلوات كما منعت نشاطات الجمعيات الدينية
في المدارس حتى لوأرادت تسجيل نفسهاعلى أنها من جماعات الهوايات أوكرة القدم !
ولكن
، مع بداية السبعينيات ، بدأ رد فعل ضد هذا الاتجاه وبدأت حركة بعث ديني ذات طابع
أصولي . والطريف أن هذه الحركة ذات توجه صهيوني بمعنى أن أتبلع هذا الاتجاه يرون
عدم إمكان أن يتم الخلاص المسيحي إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون (فلسطين) !
وقد
استفادت الدولة الصهيونية من هذا الوضع، وهي تعتبر هذه الجماعات جماعات ضغط
لصالحها ، بل إن بعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين يرون أنها أكثر أهمية من
جماعة اليهود كجياعة ضغط باعتبار أن اليهود أقلية توجد خارج المجتمع الأمريكي (المسيحي)
حتى ولو كانت مندمجة فيه . أما الجياعات المسيحية الأصولية ، فهي ليست
مندمجة
فيه وإنما هي جزء عضوي منه تعمل من داخله . ولكن رؤية الأمريكيين اليهود لهذا
الموضوع مختلفة عن رؤية الدولة الصهيونية له . فهذه الجماعات الأصولية ، برغم
صهيونيتها، تهدد حرية أعضاء الجماعة وكل ما حققته من مكانة اجتماعية وحراك
اجتماعي. ويقال إن كثباً من اليهود صوتوا لصالح مونديل عام ١٩٨٤ بسبب اجتماع
الإفطار الذي أقيمت أثناءه الصلاة المسيحية وحضره ريجان وذلك إبان انعقاد مؤتمر
الحزب الجمهوري في دالاس . وقد حاول الجمهوريون تصحيح خطئهم هذه المرة (عام ١٩٨٨)،
فعقدوا اجتماع إفطار صلاة تعدديا حضره بروتستانت وكاثوليك ويهود . ولكن دونالد
هودل وزير الداخلية (وهو مسيحي أصولي) ألقى موعظة في هذا الاجتماع طلب فيها من
مستمعيه ، بما في ذلك اليهود ، أن يدخلوا المسيح في حياتهم الشخصية ، فزاد الطين
بلة! ويحاول بوش أن يخفف حدة برنامج الحزب الجمهوري الخاص بإدخال الصلوات ويدعو
إلى م أن تأخذ الصلاة شكل «لحظة صمت» يستطيع الطلبة فيها أن يصلوا أو أن يجلسوا
أثناءها في صمت دون صلاة إن شاءوا . ولكن ، مهما حاول الحزب الجمهوري ، فسوف يظل
موقفه باهتا بالقياس إلى موقف الحزب الديموقراطي حيث طالب دوكاكيس بكل حدة بفصل
الدين عن الدولة. وربما كان أكبردليل على ليبراليته وعلانيته أن زوجته يهودية.
ثم
يأقي كلنتون ليعبر عن تزايد معدلات العلمنة ويبدأ فترة رئاسته بإباحة الإجهاض
ومحاولة إدخال الشواذ جنسيا القوات المسلحة الأمريكية . ونضيف إلى هذا أن سياسات
الحزب الجمهوري الداخلية بشأن الإنفاق على مشاريع الرخاء الاجتماعي والتعليم هي
سياسات محافظة في حين أن سياسة الحزب الديموقراطي في هذا المضمار ليبرالية . وكما
أسلفنا ، يتبنى معظم اليهود مواقف الحزب الديموقراطي الليبرالية .
لكل
هذا ، يصوت معظم يهود أمريكا للحزب الديموقراطي وليس للحزب الجمهوري، تعبيرا عن
وضعهم كمواطنين أمريكيين لهم حركياتهم الأمريكية الخاصة وليس بوصفهم أعضاء في
الحركة الصهيونية أو متعاطفين معها .
ومع
هذا ، يجب الإشارة إلى بعض العناصر المهمة التي قد تغير سلوك الناخبين اليهود
في
المستقبل :
١ -
يلاحظ ، في الآونة الأخيرة ، تزايد تحول اليهود عن الليبرالية واليسار وتبنيهم
مواقف محافظة . وربيا يعود هذا إلى تزايد اندماجهم وحراكهم الاجتماعي حتى أصبحوا
من
أعضاء الطبقات الثرية الأمريكية بعد أن فقدوا ميراثهم
الاقتصادي والحضاري المتميز. ويلاحظ هذا في مجلة مثل كومنتاري التابعة للجنة
اليهودية الأمريكية ، فقد كانت من أكثر المجلات ليبرالية ، ولكنها أصبحت مجلة
محافظة تدافع عن التسلح والحرب الباردة .
وهناك بالفعل جماعة تسمى «المحافظون الجدد"
من بينهم إرفنج كريستول ونورمان بودورتز (رئيس تحرير كومنتاري) ينادون بتحالف
سياسي جديد . وربا يعتر هذا التغيير في الوضع الطبقي ، والتحول في التوجه السياسي
العام ، عن مزيد من تعاطف اليهود مع فلسفة الحزب الجمهوري الاجتماعية واستعدادهم
للتصويت لصالحه .
٢ -
يلاحظ أن الحزب الديموقراطي هو حزب السود ، فظهور شخصية مثل جيسي جاكسون هو تعبير
عن تزايد نفوذهم . والعلاقات بين اليهود والسود تتسم بالتوتر ابتداء من منتصف
الستينيات . ومع تزايد نفوذ السود داخل الحزب الديموقراطي ، يمكن أن نتوقع تزايداً
في انكماش عدد اليهود وفي انصرافهم عن الحزب ليبحثوا عن بدائل أخرى، أي الحزب
الجمهوري .
٣ -
يلاحظ أن البعث الديني في الولايات المتحدة يجد صداه أيضا في صفوف اليهود الأثوذكس
والمحافظين . ولذا ، لايساير هؤلاءالمحاولات التي يقوم بها اليهود الليبراليون
لزيادة معدلات العلمنة داخل المجتمع الأمريكي ، بل يطالبون بأن تقوم الدولة بتمويل
التعليم الديني . وربيا يكون لهذا أثره أيضاً في السلوك السياسي والانتخابي لهذه
القطاعات من الصوت اليهودي . وهذا الفريق يرى أن زوجة دوكاكيس اليهودية نقطة سلبية
محسوبة عليه لا له ، وذلك باعتبار أنها تعبير عن تزايد العلمنة بزواجها المختلط من
مسيحي ، وباعتبار أنها ستكون قدوة ومثلا أعلى للمرأة اليهودية .
كل هذه الاتجاهات داخل الجماعة اليهودية قد تجعل
الناخبين اليهود يصوتون للحزب الجمهوري بأعداد متزايدة . ويلاحظ مثل هذا الاتجاه
بالفعل ، ففي انتخابات ٩٦٨ ١ صوت نحو ٧٨٣ لصالح الديموقراطي هيوبرت همفري ، أي أن
١٧/ وحسب صوتوا لنيكسون ، في حين صوت ٥ ٧٣ لصالحه في انتخابات ٢ ٩٧ ١ . وفي
انتخابات ١٩٧٦، صوت لكارتر ٠/٠٥٤ من اليهود وحسب ، وصوت ٦٤٥ لصالح فورد ، لكن هناك
إحصاء آخر يرى أن العدد كان ٣ ٣/ لفورد والباقي لكارتر ، وهو ما يبين أن الإحصاءات
غير دقيقة بسبب طبيعة الموضوع . ومع هذا تشير كل الدلائل إلى أن النمط
٢٧٧
القديم
(المتمثل في أن اليهود أقلية ليبرالية تقطن المدن وتصوت للحزب الديموقراطي) قد
يطرأ عليه بعض التغير الطفيف ولكنه سيظل النمط السائد .
إن
كل العناصر السابقة تجعل من المستحيل ألحديث عن «صوت يهودي» توظفه الحركة
الصهيونية ببساطة لصالحها ، فالمسألة أكثر تركيبا . فالصوت اليهودي قادر على
التأثير دون شك ، ولكنه لا يتصرف في إطار صهيوني وإنا في إطار أمريكي .
أسباب ازدهار الأسطورة
البروتوكولية
يمكننا
القول بأن تضخيم قوة اللوي والإعلام الصهيوني وجعلها مسئولين عن كل ما يحدث في
الغرب هي أسطورة قد يكون لها علاقة ما بالواقع ، ولكنها ذات مقدرة تفسيرية ضعيفة
لعدم إحاطتها بهذا الواقع ولعجزها عن التمييز بين ما هو جوهري وما هو فرعي فيه. بل
يمكن القول بأن هذه الأطروحة الشائعة في أشكالها المتطرفة ، هي امتداد للرؤية
التآمرية الاختزالية البروتوكولية (نسبة إلى بروتوكولات حكماء صهيون) ، التي تجعل
اليهود مسئولين عن كل شيء وتجعل الغرب ضحية للتلاعب اليهودي الصهيوني. وهذا تبسيط
للأمور يعمي الأصار ، فهل يمكن أن يتصور أحد أن التشكيل الاستعماري الغربي الذي
حول العالم بأسره إلى ساحة لنشاطه من خلال جيوشه ومخابراته (والآن من خلال عملائه
ومخابراته) والذي أسس تشكيلا حضاريا وبنية اجتماعية ونظاما سياسيا يهدف إللى
استغلال المصادر البشرية والطبيعية للكون بأسره وتوظيفها لصالحه ، نقول هل يمكن أن
تحدد سياسات هذا الكيان نتيجة تدخل قوة سياسية مثل اللوبي اليهودي الصهيوني ؟ هل
لوأن اليهود اختفوا تماماولم يعد لهم من أثر ، ولوأن إسرائيل اختفت من على خريطة
العالم ، هل ستتغير سياسة الولايات المتحدة وتصبح قوة مسالمة تتصالح مع القوى
القومية والداعية للسلام والبناء ، أو أنها كانت ستبحث عن عملاء آخرين وعن أشكال
أخرى من التدخل ؟ هذا هو السؤال الذي وجهته مرة للسناتور الأمريكي السابق جيمس أبو
رزق (من أصل عربي) وكان رده أنه لا يمكن تخيل العالم بدون يهود أو الشرق الأوسط
بدون إسرائيل ! والإجابة لا تدل على عجز السناتور أبو رزق عن التخيل بقدر ما تدل
على كفاءته النادرة في المراوغة .
ورغم
ضعف المقدرة التفسيرية لأسطورة نفوذ اللوبي الصهيوني إلا أنها تزدهر وتترعرع
لعدة
أسباب نورد بعضها فيما يلي :
١ -
يروج الصهاينة أنفسهم لأسطورة اللوي ويرسخونها في الأذهان. فكان وايزمان
يتصور أن وعد بلفور قد
منح لليهود بسبب اكتشاف الأسيتون ، وكان اليهود يتصورن أن أول مندوب سامي بريطاني
في فلسطين بعد فرض الانتداب ، سير هربرت صمويل ، هو أول ملك يهودي لفلسطين بعد هدم
الهيكل ا وقد ألقى أحد الحاخامات في معبد يهودي في واشنطن مؤخرا موعظة بدأها
بالعبارة التالية : » الولايات المتحدة لم تعد حكومة للأغيار (أي غير اليهود) بل
هي إدارة يشارك فيها اليهود بشكل كامل على كل المستويات . ولا شك في أن الصهاينة
يستفيدون من مثل هذه الشائعات والأساطير ، فهي تضفي عليهم أهمية لا يستحقونها ،
وتنسب لهم قوة تزيد وزنهم وهو ما يحين وضعهم التفاوضي . وقد عششت أسطورة اللوبي
اليهودي والصهيوني في رؤوس بعض أعضاء النخب الحاكمة العربية ، حتى أنهم يحددون
سياساتهم انطلاقا منها وتأسيسا عليها .
٢ -
نجحت الدولة الصهيونية الوظيفية في إنجاز مهمتها باعتبارها قاعدة عسكرية رخيصة
وحارسا للمنطقة العربية ، وقد دعم هذا من رواج أسطورة اللوي . ويمكن القول بأن ثمة
علاقة طردية بين قوة اللوبي الصهيوني وضعف العرب ، فكلا ازداد العرب ضعفأ وغيابأ
ازداد اللوبي الصهيوني قوة وحضورا وزاد تلاحم المصالح الغربية والمصالح الصهيونية
. ولكن لوزادت تكلفة إسرائيل (من خلال المقاومة والمقاطعة والجهاد) لأعادت
الولايات المتحدة حساباتها ، ولأصبحت هذه الحسابات أكثر رشدا ( من وجهة نظرنا)
ولما استمرت الولايات المتحدة في انحيازها ، ولما ازداد منحنى التحيز انحناء لصالح
إسرائيل.
٣ -
تروج الحكومة الأمريكية ذاتها لمثل هذه المزاعم البروتوكولية عن اللوبي الصهيوني
للإيحاء بأنها ترغب في اتخاذ مواقف أكثر اعتدالا تجاه القضايا العربية ولكنها لا
تستطيع ذلك بسبب اللوبي الصهيوني ، وبذا يصبح الدعم الأمريكي السخي والمستمر
لإسرائيل أمرا يتم رغم إرادة الولايات المتحدة وضد رغبتها، وتصبح هذه القوة العظمى
الباطشة مجرد ضحية للنفوذ اليهودي وألعوبة في يد القوة الصهونية التي لا تقهر. وهو
يحين صورتها أمام زبائنها من العرب .
٤ -
تستفيد النظم العربية من أسطورة اللوبي اليهودي والصهيوني. فهي تبرر الهزيمة
العربية إذ تجعلها شيئاً متروعاً ومفهوماً ، كما أن ساحة القتال تنتقل من فلسطين
إلى غرف الكونجرس وشوارع واشنطن وباريس حتى يتسنى لهذه الأنظمة العربية مارسة ضغط
يشبه الضغط اليهودي!
إن
توافق المصالح ، وتوافق الإدراك الغربي والصهيوني ، هو سر نجاح إسرائيل الإعلامي
ومصدر قوة اللوبي الصهيوني وليس العكس، وهي العوامل التي تحدد في غهاية الأمر
السلوك الغربي . فالإعلام واللوبي الصهيوني لا يستمدان قوتهما من كفاءة الصهاينة
وإنا من أن إسرائيل وجدت لنفسها مكانا داخل الإستراتيجية الغربية، ولأنها جعلت
نفسها أداة طيعة رخيصة كفئا لتحقيق هذه الإستراتيجية . وتحديد القضية على هذا
النحو يعني أننا لا نقلل من أهمية اللوبي الصهيوني أو من مقدرته على تعبئة الرأي
العام الأمريكي لصالح إسرائيل أو من فعاليته في التأثير على صانع القرار الأمريكي
(وبخاصة في أمور الشرق الأوسط والصراع العربي - الإسرائيلي) . ولكننا مع هذا لا
نفسر كل سلوك الغرب على أساسه، إذ تظل الأولويات الإستراتيجية التي حددها صانع
القرار الغربي هي التي تفسر سلوكه . وإدراكنا لهذه الحقيقة سيعمق إدراكنا للواقع
وحركياته ويزيد مقدرتنا على التنبؤ والتصدي. إن النموذج التفسيري الذي نطرحه ليس
مجرد تمرين أكاديمى، وإنما هو أمر أساسي في تحديد إستراتيجية التصدي لإسرائيل ،
وفي تحديد الأولويات .
وقد
ركز الإعلام العري أثناء إحدى انتخابات الرئاسة الأمريكية على مسألة أن كيتي
دوكاكيس زوجة المرشح الديموقراطي آنذاك يهودية، وأن هذا سيؤدي إلى تزايد نفوذ
اللوبي الصهيونى . ولابد أن هذا الموقف شارك فيه بعض صانعي القرار العربي . ويقف
هذا على الطرف النقيض من الموقف التركي ، فحين سئل المتحدث الرسمي التركي عن رأيه
في مسألة ترشيح دوكاكيس للرئاسة، وهو من أصل يوناني، ومدى تأثير ذلك في الموقف
الأمريكي من تركيا إن تم انتخابه، قال ببساطة إن الولايات المتحدة لهامصالح
إستراتيجية ثابتة سيتمسك بها الرئيس المنتخب آياً كان أصله . فهذه المصالح الثابتة
هي السبب الحقيقي الكامن وراء دعم الولايات المتحدة لتركيا وهي أيضاً وراء تأييد
الولايات المتحدة للدولة الصهيونية ، ولا يمكن تصور أن كيتي دوكاكيس ستؤثر في ذلك الموقف
بشكل جوهري! وهذه مقولة غير مريحة بالنسبة لمن استناموا لمقولة أخطبوطية اللوبي
الصهيوفي ، إذ أنها تعني أن عدونا ليس الأفعى اليهودية الخيالية الميتافيزيقية
التي لا يمكن الإمساك بها لأنها خفية رغم أنها في كل مكان (وهذه دعوة مقنعة
للاستسلام) وإنا هوالعالم الغربي الذي يدافع عن مصالحه الإستراتيجية التي يمكن
تعريفها والتصدي لها ومحاربتها في كل مكان .
بعد أن درسنا بعض جوانب فكر المؤامرة يمكننا
الآن أن نتناول بعض القضايا المنهجية. وقد استخدمنا عبر الكتاب كلمة «نموذج» ،
والنموذج هو بنية تصورية يجردها العقل البشري من كم هائل من العلاقات والتفاصيل
والحقائق والوقائع ، يستبعد بعضها لعدم دلالتها (من وجهة نظر صاحب النموذج)
ويستبقى البعض الآخر ، ثم يرتبها ترتيبا خاصا وينسقها تنسيقاً خاصا بحيث تصبح (من
وجهة نظره) متابطة وماثلة للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع . ورغم أن النموذج
بنية تصورية إلا أنه يمكن اختباره لاكتشاف مقدرته التفسيرية والتصنيفية . وإن تمكن
النموذج من تفسير أكبر قدر من جوانب الظاهرة فهو «أكثر تفسيرية» وإن لم يتمكن من
ذلك فهو من ثم «أقل تفسيرية» . ونحن نفضل استخدام هاتين العبارتين بدلا من عبارقي
«موضوعي» و «ذاقي» لأنهيا يؤكدان البعد الاجتهادي غير النهائي في عملية رصد الواقع
، على عكس «موضوعي» و «ذاقي» اللتين تدوران في إطار الموضوعية المتلقية . ونحن
نذهب إلى أن النموذج الإدراكي الكامن وراء الفكر التآمري هو النموذج الاختزالي.
النموذج الاختزالى
تشكل أطروحات نموذج الرصد الموضوعي المادي
(المتلقي) التربة الخصبة (وليس السبب الوحيد) لظهور النماذج الاختزالية التي تتسم
با يلي : التماسك الشديد - البساطة - التجانس - الواحدية - السببية الصلبة -
الطموح نحو شمولية التفسير- الطموح نحو درجة عالية من اليقينية - الطموح نحو الدقة
المتناهية في المصطلحات .
٢٨١
والنموذج الاختزالي
(الذي يمكن أن يشار إليه أيضا ب »النموذج البسيط» و«النموذج المغلق» ووالنموذج
الواحدي» و«النموذج المصمت» و«النموذج الموضوعي المادي (المتلقي)») يتجه نحو
اختزال العالم إلى عدة عناصر (عادة مادية) بسيطة . فالظواهر ، حسب هذا النموذج ،
ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة ،
والمجهولة من جهة ، وإرادة إنسانية حرة وعقل مبدع من جهة أخرى، وإنا هي نتاج سبب
واحد بسيط عام أو سببين أو ثلاثة (قد يكون قانوناًطبيعياًواحداً ، أو دافعاًمادياً
واحدا ، أو قوة مدبرة خارقة) ، تنطبع على عقل متلق لهذا القانون أو الدافع أو
القوة . والعنصر المشترك هنا هو استبعاد الفاعل الإنساني ورده إلى ما هو دونه
(الطبيعة/ المادة أو هذا العنصر الواحد أو ذاك) فالنموذج الاختزالي لا يفرق بين
الطبيعة/ المادة والإنسان . ومها تنوعت الأسباب وتعددت فإن التنوع والتعدد ، من
منظور النموذج الاختزالي ، مسألة ظاهرية ، إذ أن كلي الأسباب عادة ما تنحل كلها
وتمتزج، في غهاية الأمر وفي التحليل الأخير ، لتصبح مبداًواحداًثابتاً لا يتغير ،
تخضع له كل الظواهر بشكل مباشر يلغي كل الخصوصيات والثنائيات وأشكال التنوع .
ولهذا السبب فإن
النهاذج الاختزالية نماذج مطلقة مغلقة ترى التاريخ كيانا يتحرك بطريقة واحدة ونحو
نقطة واحدة . وأحداث التاريخ وإلواقع الإنساني ككل هي نتاج بطولة بطل أو بطلين ،
أو نتاج عقل واحد متآمر وضع مخططاً جبارا وصاغ الواقع حسب هواه ، أو نتاج نظرية
ثورية فورية أو فكرة انقلابية جذرية أو عودة مشيحانية أو حتمية تاريخية أو بيئية
أو وراثية أو العنصر الاقتصادي أو الدافع الجنسي.
هذا
المبدأ الواحد يمكن أن يكون روحيا (الإله - البطل - العقل الثوري - المؤامرة
الكبرى) أو ماديا (قانون الحركة العنصر الاقتصادي - العنصر الجنسى) أو روحيااسا،
ماديا فعلا (نفس العالم-روح الشعب) . وفي الحالة الأولى ، يفسركل شى تغسياً روحيا
أو مثاليا أو تآمريا (فلا موجود إلا هو) . وهذا هو التفكير الديني المتطرف الذي
يؤدي لى الإرهاب والذي يعلن نهاية التاريخ المشيحانية والعودة إلى العصر الذهبي أو
صهيون . أما في الحالة الثانية ، فإن كل شيء يفسر تفسير مادياً (ولا موجود إلا هى
: الطبيعة / المادة ، أو قانون الحركة) . وهذا هو التفكير العلياني الشامل المادي
المتطرف الذي يؤدي إلى النسبية والعدمية وإلى أشكال مختلفة من الإرهاب الفكري
والفعلي مثل الستالينية وإعلان الحل النهائي النازي أو نهاية التاريخ الليبرالية
أو اليوتوبيا التكنولوجية (التى أوشكت على التحقق في الحضارة الغربية كماهو الزعم
هذه الأيام). .
ويمكن أن نصف هذا
التصورالواحدي للتاريخ بطريقة مغايرة فنقول إن المبدأالواحد في الناذج المغلقة لا
يتجاوز العالم ولا يظل منزها عنه ، وإنا يتجسد فيه . وحينا يتجسد فيه ، ينغلق
النسق وتلغى الثنائيات الفضفاضة والخصوصيات . ويدور هذا النموذج في إطار السببية
الصلبة المطلقة المغلقة حيث توجد وحدات بسيطة تتفاعل بشكل بسيط لتؤدي إلى نتائج
بسيطة يمكن رصدها ببساطة وبحيث تؤدي (أ) حتما إلى (ب) داي في كل زمان ومكان . وكل
شيء لابد أن يدخل شبكة السببية الصلبة حتى نستطيع أن نصل إلى التفسير الكامل
الشامل . وكل هذا يعني سيادة الواحدية السببية وسيادة الحتمية . وحينما يتعامل هذا
النموذج مع العام والخاص والكل والجزء فإنه يذيب الجزء والخاص في الكل والعام
تماما بحيث لا يتعامل إلا مع الكل والعام .
ومها
كان أساس التفسير أو طبيعة التوجه السياسي أو الفلسفي للنموذج الاختزالي، فإن
الرؤية المعرفية الكامنة واحدة ؛ وهي رؤية تذهب عادة إلى أن عقل الإنسان كيان سلبي
متلق يسجل كل ما ينطبع عليه من معطيات مادي—ة بشكل آلي ، أو أن الواقع بسيط مكون
من عنصر واحد أو اثنين ، ومن ثم فالعلاقة بين العقل والواقع بسيطة يمكن رصدها
ببساطة ، فالعقل إما أن يتحكم في الواقع تماما أو يذعن له تماهاً . هذا يعني في
واقع الأمر أن السمة الأساسية للنهاذج الاختزالية هي استبعادها التركيبية تماما
واستبعادهاالفاعل (المدرك) الإنساني() .
(4ح) هذا هو وصف النموذج الاختزالي في عصر العقلانية المادية الشمولية .
وقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الرؤية الاستنارية وضد هذا النسق المغلق الواحدي الصلب
وظهر الفكر المعادي للاستنارة الذي يصل إلى قمته عند نيتشه . ولكن الثورة تمت في
نفس الإطار المعرفي (الكلي والنهائي) المادي . ولذا رفض الإطار التفسيري الاحتزالي
الشامل وحل محله إطار يرفض فكرة التفسير نفسها ولكنه لا يقل عنه اختزالية ، فبدلا
من فكرة الكل المادي ظهرت فكرة الغياب المادي للكل ، وبدلا من المطلقات الشاملة
ظهرت النسبيات المطلقة ، وبدلا من التحدد الكامل ظهر اللاتحدد الكامل، وبدلا من
السببية الصلبة ظهرت اللاسببية والصدفة ، ريدلأ من التماسك المصمت ظهرت الذرية
والتشتت ، وبدلا من اليقين الكامل ظهر الشك الكامل، وبدلا من التركيز على العام
وإنكار الخاص تم التركيز على الخاص وإنكار العام ، وبدلا من التجانس المتطرف ظهر
اللاتجانس المفرط، وبدلا من البساطة السطحية ظهر التأيقن المنغلق على ذاته، وبدلا
من الرغبة في التحكم الإمبريالي ظهرت السيولة الكاملة، أي بدلا من العقلانية
المادية (والاستنارة المنيرة) ظهرت اللاعقلانية المادية (والاستنارة المظلمة).
٢٨٣
والنهاذج
الاختزالية ذات جاذبية خاصة للأسباب التالية :
١ -
عملية نحت النماذج المركبة (بما تتضمنه من عملية التجريد والتفكيك والتركيب) عملية
صعبة للغاية تتطلب جهداًإبداعياًواجتهاداً خاصاً ، ولذا فإن ما يحدث في كثير من
الأحيان أن يقوم الناس أثناء عملية التفسير بعملية تجريد تفكيكية اختزالية أبعد ما
تكون عن التركيب وتتسم بالتبسيط والوضوح والتحرك في إطار السببية البسيطة (الروحية
أو المادية) واليقينية المطلقة أو شبه المطلقة . فيستبعدون بعض العناصر ذات القيمة
الأساسية في عملية الفهم والتفسير والتغير التي لم يدرك صاحب النموذج الاختزللي
أهميتها ، بحيث يصبح التعامل مع الواقع مسألة سهلة وتصبح النتائج التي يتوصل لها
الباحث يقينية (تقترب من اليقينية التي يتوصل لها الباحث في الظواهر الطبيعية)
الأمر الذي يولد لدى الإنسان وهم التحكم الكامل في واقعه والتفاؤل الشديد البسيط .
والعقل الإنسافي ، منذ أن وجد الإنسان ، دائم البحث عن صيغة بسيطة يمكنه عن طريقها
تفسير كل شيء والتحكم في كل شيء وحل كل مشاكله : خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين
أو جملة سحرية أومعادلة رياضية أوقانون علمي واحديفك به كل الشفرات ويحل به كل
الألغاز ويفتح به كل الكنوز ، فثمة رغبة طفولية جنينية كامنة في النفس البشرية
تدفع الإنسان إلى محاولة الوصول إلى عالم فردوسي لا صراع فيه ولا تدافع ولا
اختيارات أخلاقية ، عالم كل الأمور فيه واضحة لا لبس فيها ولا إبهام، ومن ثم يمكن
التحكم فيه تماماً .
٢ - أدى شيوع وهم الموضوعية الكاملة المتلقية والواقع الخام إلى
شيوع النماذج الاختزالية. فنحن كماً ما نتصور أن الحقائق هي الحقيقة وأن الواقع
الحام هو مستقرها، ولذا فنحن نحاول أن نكون موضوعيين تماما في رصد الحقائق فلا
نعمل عقولنا . ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع
ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما
يجتزئونها، ولكن كثيرا ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة
لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهى تسمى بالإنجليزية : ترولايز5ع:1 علا11
أكاذيب حقيقية، أي كلمة حق جزئى يراد يها باطل كلي). "
٣-
النموذج الاختزالي هو النموذج السائد في الصحافة والإعلام على وجه العموم ، بسبب
أن المشتغل بالإعلام عادة ليس عنده فسحة من الوقت للنظر العميق في الوقائع التي
يكتب عنها (فرئيس التحرير يود أن يجد الخبر فوراً على مكتبه) ولذا ارتبط الإعلام
تماما
بالآن
وهنا وبما يسمونه الأحداث الساخنة ، التي يضطر الإعلامي لعزلها عن أي سياق أو
خلفية تاريخية أو اجتماعية وأية دوافع إنسانية مركبة وأية إشكاليات سابقة . وإن
حدث وأدرك الإعلامي بعض الأبعاد المركبة للحادثة التي يكتب عنها فهناك مشكلة أن
السيد رئيس التحرير الافتراضي يريدها في حيز صغير جداً (٢٠٠ كلمة - ٣ دقائق) . وقد
أدى كل هذا إلى سيادة النماذج الاختزالية على الإعلام والإعلاميين ، وبسبب سيطرة
الإعلام على عقول الناس بدأت النماذج الاختزالية تهيمن على السواد الأعظم من البشر
.
٤ -
وقد عمق هذا الاتجاه ظهور الصورة كمصدر أساسي للمعرفة ، فالصورة منغلقة على نفسها
توصل رسالتها بشكل مباشر إلى وجدان الإنسان العادي ، الأمر الذي لا يتيح له أية
فرصة للتأمل أو التفكر .
٥ -
لا شك في أن إيقاع الحياة الحديثة ذاته الآخذ في التسارع لا يسمح بأي تأمل أو تفكر
، ولذا فمن الأفضل للإنسان أن يدور في إطار الصيغ اللفظية الجاهزة (الكلشيهات)
والصور النمطية .
والأسباب
السابقة تجعل البشر وبخاصة في العصر الحديث ، يميلون إلى تبني النماذج الإدراكية
والتحليلية الاختزالية . غير أن هناك عناصر تكمن في واقع أعضاء الجماعات اليهودية
ساعدت على انتشار النماذج الإدراكية الاختزالية التبسيطية بين دارسي الظواهر
اليهودية .
١ -
لعل من أهم هذه الأسباب أن ظاهرة الجماعات اليهودية ظاهرة شديدة التركيب وعدم
التجانس . فهم ينتمون لعدة مجتمعات في مراحل تاريخية مختلفة وغالبيتهم تعيش في
الوقت الحاضر في الولايات المتحدة. ولكن هناك كتلة بشرية يهودية في الشرق الأوسط
تدعي أنها أقامت دولة يهودية . وهم يوجدون في كل الطبقات القائمة، فمنهم كبار
الرأسماليين في الولايات المتحدة ومنهم الحرفيون البدائيون في إثيوبيا . لكن العقل
البشري (ربما تأثر بالرؤية التوراتية والإنجيلية لليهود) نظر إليهم باعتبارهم
شعباًواحداً (مقدساً أو شاهدا أو شهيدا أو مختاراً أو وضيعاً أو منبوذاً) ثم هيمنت
مقولة وحدة اليهود هذه وتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم ظاهرة واحدة
ينتظمها إطار واحد ، وتمت عملية التراكم المعرفي في هذا الإطار الذي يفترض وجود
مثل هذه الوحدة الوهمية . وقد استنام معظم الباحثين لهذه الأطروحة السهلة ، ولم
يعد أحد يختبرثثها مع أنها قابلة للاختبار
بالعودة
إلى الواقع المتنوع الشري وغير المتجانس للجاعات اليهودية في التاريخ . ولو فعلنا
ذلك لاكتشفنا أن اليهود ليسوا يهودا والسلام ، بل هم جماعات يهودية لا ينتظمها
تاريخ يهودي واحد وإنما تواريخ إنسانية متعددة ، ولاكتشفنا أيضاً أن عناصر عدم
التجانس بين هذه الجماعات أكثر أهمية من الناحية التفسيرية من العناصر المشتركة
بينها ، وأن الجماعات اليهودية «جماعات» أكثر أهمية من كونها «يهودية» . ولكن
التوصل إلى هذا المستوى من التعميم يتطلب جهداًبحثياوإبداعيا شاقا ، عادة ما
يستغرق وقتاطويلا ، إذ يجب أن يقوم الباحث بمقارنة يهود الصين مثلا بيهود إثيوبيا
بيهود الولايات المتحدة ويهود العالم الإسلامي ، في الماضي والحاضر، وعلى
المستويات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية والسكانية . . . إلخ ، وذلك
حتى يكون بوسعه أن يحدد العناصر المشتركة بينهم ، والثوابت والمتغيرات ، وعلاقة
الواحد بالآخر ، وهكذا.
٢ -
يمكن القول بأن الشعائر اليهودية المركبة التي لا يستطيع الكثيرون من غير اليهود
فهمها تعد من أهم العناصر التي ساهمت في إشاعة النماذج الاختزالية في دراسة
الظواهر اليهودية . فحينما لا يفهم الإنسان شيئا فإنه كثيرا ما يلجأ إلى تفسيرات
اختزالية (تآمرية أو صهيونية) تريحه من عناء التفكير .
٣-
ساهمت النزعة الانعزالية في الدين اليهودي ، والتصورات الدينية اليهودية الخاصة
بالشعب المختار والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم في
تعميق شكوك غيراليهود فيهم . ومع هذا، يجب التنبه إلى أن ثمة نزعة توحيدية قوية في
العقيدة اليهودية رغم هيمنة النزعة الحلولية الواحدية (ابتداء من القرن السادس عشر
على وجه الخصوص) .
٤ - يلاحظ أن اليهود يلعبون دوراً مركزيا في
الدراما التاريخية المسيحية (نزول المسيح - صلبه على يد اليهود-هداية اليهود
تمهيدا للعصر المشيحاني. . . إلخ) . وقد ارتبطت فكرة الخروج في الوجدان الغربي
باليهود، فهم داي في حالة خروج (ودخول) من فلسطين (أرض كنعان) إلى مصر، ثم من
مصرإلي فلسطين، ثم من فلسطين إلى بابل، ومن بابل إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى أرض
الشتات، وهكذا. وساهم كل هذا في تحويل اليهود إلى مقولة غير زمانية وفي اختزالهم
إلى بعد واحد .
.
ومع أن اليهود لم يلعبوا دورا متميزا ماثلا في الإسلام، فقد كانوا أهل كتاب وذمة،
إلا أنه من خلال تفسيرحرني يطابق بشكل هندسي بين ماجاءفي القران ووقائع التاريخ
المتناثرة
، تم الربط بين ما جاء في القرآن والسنة عن اليهود وبين يهود العالم في العصر
الحديث. ومن ثم، تحول اليهود إلى مقولة ثابتة غير زمانية، وتم اختزالهم مرة أخرى
إلى بعد واحد رغم المفاهيم الإسلامية الحاكمة الخاصة بالفطرة والتدافع وقبول
الآخر.
٥ -
ممالا شك فيه أن وجود اليهود داخل عديد من المجتمعات الغربية، كجاعات وظيفية
متفرقة تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة، والتي تحقق من خلالها قدرا
كبيرا من النجاح التجاري والمالي، عمق الرؤية الاختزالية التآمرية في النظر
لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تصل
بين يهود الأزندا في شرق أوربا (في بولندا وأوكرانيا) ، ويهود البلاط في وسطها
وغربها، ويبود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبريا
والعالم الجديد. وخلق هذا الوجود إحساساً عميقاً لدى كثير من الدارسين بأن ثمة
تنسيقا تآمريا بين اليهود في كل أنحاء العالم (وقد انحلت هذه الشبكة تماماً بقيام
النظام المصرفي الحديث وظهور الدول القومية العلانية الحديثة) .
٦ -
أدى تعثر التحديث في الإمبراطورية الروسية في أواخرالقرن التاسع عشروتزايد عدد
اليهود نتيجة انفجار سكاني صغير (ولمركب آخر من الأسباب) إلى خلق مشكلة عدم تأقلم
لدى الكثيرين من أعضاء الجياعات اليهودية إزاء النظام الاقتصادي الجديد، الأمر
الذي اضطر أعداداً كبيرة منهم للهجرة ، وقد وصف هذا بأنه دليل على رغبة اليهود
الأزلية فى الخروج مر، أوطانهم ودليل على تطلعهم الدائم لصهيون.
٧ -
ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي ، بسبب انتشار قيم النفعية واللذة، ومع
تركز أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحركات الفوضوية وفي قطاع اللذة
(الكباريهات- السينما- السياحة) ، تعمق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية لا تهدف إلى
السيطرة على العالم وحسب ، بل تهدف أيضا إلى إفساده (مع العلم بأن الجماعات
اليهودية في أوربا كانت من أكثر القطاعات البشرية محافظة من الناحيتين الأخلاقية
والسياسية حتى منتصف القرن التاسع عشر ، ولم تكن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين
معروفة بينهم) .
وطريقة
صياغة النموذج الاختزالي لا تختلف عن طريقة صياغة أية نماذج تحليلية أخرى، فهي
عملية تفكيك وتركيب :
١ -
يحدد صاحب النموذج الاختزالي الواحدي (الروحي أوالمادي) أطروحته الأولية (الفرض
العلمي) ، وهي عادة أطروحة بالغة البساطة ، وفائقة العمومية بسبب استبعادها
لتركيبية الواقع وتركيبية الفاعل الإنسافي (اليهود إن هم إلا عناصر بورجوازية -
اليهود إن هم إلا شياطين . . . إلخ) .
٢ -
تمنح الأطروحة البسيطة مركزية تفسيرية .
٣-
تتم مراكمة المعلومات في ضوء هذه الأطروحة البسيطة ، ومهما بلغت سذاجة وبساطة
الأطروحات والفروض الأولية ، فهناك داليا في الواقع بعض المعطيات والحقائق التى
يمكنها أن تضفى قدراً من المصداقية على هذه الأطروحات والافتراضات ، وهي عادة
حقائق صلبة وصادقة تماماًمن الناحية الإخبارية المباشرة ، أي أنها موجودة بالفعل
في الواقع.
٤ -
ولكن ما يحدث لهذه الحقائق الصلبة هو ما يلي :
أ )
تنزع الوقائع والتفاصيل من سياقها التاريخي والإنسافي ، بحيث تصبح لا تاريخ لها
ولا أصول اجتماعية ولا أبعاد إنسانية .
ب)
تعزل الوقائع والتفاصيل عن كل أومعظم الحقائق الأخرى، وعن أية نماذج أو أناط
تاريخية أو اجتماعية أوإنسانية أخرى ، أي أن المنظور المقارن يسقط ثماماً .
ج)
بعد إتجام هاتين العمليتين يمكن فرض أي اتجاه على هذه الحقائق فتتحول إلى مؤشر
إمبريقي دقيق ودليل مادي قاطع على صدق الأطروحة أو الفرضية الأولية ، فهناك عدد لا
بأس به من البورجوازيين من أعضاء الجماعات اليهودية ، ولا شك في أن هناك من اليهود
من يسلك سلوكا شيطانيا (شأنهم في هذا شأن بعض البشر) .
وبعد
أن تتم صياغة النموذج البسيط وتوثيقه ، لابد أن يتسم من يتلقى " الأطروحة
الموثقة 11 بمقدرة فاثقة على تقبل الحقائق المادية الصلبة دون مساءلة
وعلى استبعاد الفاعل الإنساني ، فهو متلق موضوعي محايد ، إن رأى أرقاماآمن بها على
التو ، وإن سمع عن واقعة حدثت فعلا عليه أن يصدقها بكل ما أوتي من عنف وموضوعية
دون تفكيك أو تركيب ، ودون استدعاء حقائق وأناط أخرى ، ودون إدراك السياق
الاجتماعي والتاريخي الإنساني للتفاصيل والوقائع التي تعرض عليه ، ودون تساؤل عن
مدى أهميتها ومركزيتها.
وتتسم
النماذج الاختزالية ، روحية كانت أم مادية ، بالواحدية ، وتعبر هذه الواحدية عن
نفسها إما في مستوى متدن جدا من الخصوصية في حالة النماذج الروحية أو مستوى عال
جدا من التعميم في حالة النماذج المادية (كما يمكن أن يتأرجح النموذج الاختزللي
بشدة بين المستويين) ، فالنماذج الاختزالية التآمرية ترى اليهود ظاهرة واحدة
متماسكة (شعب واحد- طبقة واحدة- تشكيل حضاري واحد) ، وهو شكل من أشكال التعميم
المفرط . وتبدأ هذه الدراسات في الحديث عن تاريخ واحد مع أن مثل هذا التاريخ غير
موجود . والأبحاث التي تقبل مثل هذه المقولات تجد نفسها تدور داخل حدود ضيقة
متحيزة تؤكد بعض العناصر الهامشية وتهمش (أو تسقط تماما) بعض العناصر الأساسية ،
ثم يجد الباحث نفسه يراكم الحقائق داخل هذه الحدود ويبحث عن أنماط مستمرة حيث لا
أناط ولا استمرار ، فتفرض عليه المقدمات المتحيزة الكامنة نتائج مضللة . ثم يجد
نفسه في نهاية المطاف يكتشف خصوصية يهودية تعزل الظواهر اليهودية عن الظواهر
الإنسانية الأخرى ، أي أن النموذج الاختزالي التآمري انتقل من التعميم المفرط إلى
التخصيص المفرط.
وقد
يكون من المفيد أن نضرب بعض الأمثلة على ذلك : حين يفترض الباحث ذو النزعة
الاختزالية (التآمرية) أن اليهود (وليس ، على سبيل المثال ، أعضاء الجماعات
اليهودية في القرن التاسع عشر في روسيا) يتحركون داخل التاريخ اليهودي (وليس داخل
التاريخ الروسي بشكل محدد) ، فإنه يبحث عن أسباب ظهور الصهيونية داخل هذا النطاق
اليهودي الضيق ، وذلك بدلأ من أن ينظر إلى الديناميات الحضارية والإنسانية الأشمل
والأكثر فعالية مثل تعثر التحديث في روسيا القيصرية وظهور التشكيل الاستعماري
الغربي وتآكل المنظومات الأخلاقية للمجتمع القيصري ككل . بدلا من ذلك يشير صاحب
النزعة التآمرية إلى إحدى خصائص اليهود الفريدة : اتجاههم نحو التعالي على غير
اليهود، الأمر الذي يستفز الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها .
وحينيا تكتشف عصابة
مخدرات ودعارة في كاليفورنيا يديرها مهاجرون سوفييت أو يعلن عن وجود مافيا من
اليهود السوفييت والإسرائيليين ، فإن هذه الواقعة تتحول في ذهن التآمريين من أعداء
اليهود إلى مؤشر على انحلال الشخصية اليهودية . وفي الوقت نفسه وافق بعض الصهاينة
على هذا ولكنهم يحولون هذا الانحلال إلى مؤشرصلب وأكيديدل على أن اليهود إن عاشوا
خارج أرض الميعاد فإنهم يصابون بالانحلال الخلقي والتفسخ
٢٨٩
الاجتماعي بسبب اغترابهم
ولا صلاح لهم إلابالعودة لوطنهم القومي ٠ ولا يرد في سياق هذا التحليل أي شيء عن
معدلات الجريمة في كاليفورنيا ، ولا نسبة اشتراك الجماعات المهاجرة الأخرى فيها ،
ولا نسبة اشتراك المهاجرين السوفييت ، ولا نسبة اشتراك اليهود الأمريكيين (الذين
استقروا في الولايات المتحدة منذ أمد طويل) .
وحينما
يظهر مجرم يهودي ، فهذا تعبير عن الإجرام المتأصل في الطبيعة اليهودية (بالنسبة
للمعادين لليهودية) ولا تتم الإشارة إلى عتاة المجرمين الآخرين من غير اليهود. وإن
حصل يهودي على جائزة نوبل، فإن الصهاينة يشيرون إلى أن اليهود عباقرة بطبيعتهم،
وإلى أن اليهود يشكلون ٧٣ من الشعب الأمريكي بينما بلغ عدد اليهود من الحاصلين على
جائزة نوبل ٠ ٣/ (مثلا) وذلك دون الإشارة إلى أن العلماء اليهود الذين يكسبون
جائزة نوبل يوجدون دائعآداخل التشكيل الحضاري الغربي ولم يظهر عباقرة بين يهود
الهند أو إثيوبيا (وهو ما يدل على أن العنصر الثابت ليس يهودية العبقري وإنما
وجوده في الحضارة الغربية بما تتيحه من إمكانيات وإعلام) . وما يحدث هنا أن نقطة
البدء هي حقيقة صلبة جزئية
يتم
تعميمها على اليهود ككل (وهذا هو جوهر التفكير العنصري) .
أماالنموذج
الاختزالي العلمي فاختزاليته تتضح عادة في رفضه أية خصوصية. فاليهود ظاهرة عامة
ليس لها ما يميزها. والصهيونية إن هي إلا نتاج تفاعل عوامل اقتصادية سياسية (عادة
واضحة ومحددة) داخل المجتمعات الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر. وهى لا علاقة
لها بالدين اليهودي أو ميراث الجماعات اليهودية أو بوضعها المتميز داخل الحضارة
الغربية . ومن ثم فإن الأشكال الحضارية المختلفة هي عبارة عن قشور (بناء فوقي) ،
والدين إن هو إلا الأفيون يستخدمه المستغلون لخداع الجماهير . ويتم إسقاط عشرات
العناصر التاريخية والإنسانية والسقوط في التعميمات الكاسحة المخلة مثل القول بأن»
الصهيونية هى جزء عضوي لا يتجزأ من الإمبريالية الغربية "أو أن "
الصهيونية تعبير عن مصالح البورجوازية اليهودية ٠ . ومن هناطرح في وقت من الأوقات
شعار وحدة الطبقة العاملة العربية واليهودية ضد البورجوازيات العربية واليهودية
والاستعمار العالمي المتحالف مع الصهيونية “ . . . إلخ ، وهي شعارات وأقوال تنم عن
عدم إدراك أصحابها لخصوصية العمال من أعضاء الجماعات اليهودية وخصوصية وضع هذه
الجاعات في الحضارة الغربية وخصوصية الحضارة العربية . وتتضح هذه السذاجة
الاختزالية حينيا انطلق أحد كبار علماء السياسة العرب من إيانه بأن النظام السياسي
الإسرائيلي يشبه أي
نظام
" ديموقراطي آخر" ولذا قرر أن هذا النظام ينتمي إلى نظام الحزبين على
النمط البريطاني ، وفي ذهنه بالطبع حزبا العمال والمحافظين مقابل المعراخ والليكود
. والمقارنة صادقة تماماًلكنها سطحية جداً ، فالحزب داخل النظام الاستيطاني
الصهيوني يضطلع بوظائف تختلف تماما عن وظائف الحزب في النظام الرأسيالي
الديموقراطي الغربي ، كماأن بنية الحزب وطريقة تمويله في إنجلترا مختلفتان عن
مثيلتيها في إسرائيل إذ لا يوجد نظير للمنظمة الصهيونية العالمية في النظام
السياسي البريطافي . وعلى هذا النحو ، يتم تناول النظام السياسي أو البنية
الاقتصادية أو البناء الطبقي في إسرائيل وكأنها لا تختلف عن فظائرها في المجتمعات
الأخرى . وهذا بطبيعة الحال مناف تماماًللرابع ، فالظواهر الصهيونية الإسرائيلية
لها أبعادها الخاصة وقوانين حركتها المتميزة . وبما يجدر ذكره في هذا المضار أن
بعض الصهاينة يحاولون قدر استطاعتهم أن يطرحوا تصورا للصهيونية باعتبارها تشكيلا
قوميا مثل أي تشكيل قومي آخر وتصورا لإسرائيل باعتبارها دولة صغيرة مثل أية دولة
صغيرة .
وما
يحدث هنا أن نقطة الانطلاق هي قانون عام أو بدهية واضحة يتقبلها الباحث باعتبارها
مسلمة لا تخضع للبحث ويظل الباحث حبيساًفيهاثم يعمم منهاعلى الواقع، متجاهلا كل
السمات الخاصة التي قد تشكل جوهر الظاهرة .
ومن
الممكن أن يلتقي النموذجان الاختزاليان ، التآمري والعلمي . فإذا كان الباحث
التآمري الاختزالي يتخذ اضطهاد اليهود دليلا على شيطانيتهم المتأصلة، فبإمكان
أصحاب النموذج الاختزلي العلمي أن يأخذوا الظاهرة نفسها باعتبارها تعبيراً عن بؤس
اليهود وضرورة تعويضهم عما لحق بهم من أضرار وأذى، وما لا يدركه الفريقان أنهما لم
يتحركا خارج حدود الظاهرة اليهودية ليدرساها في إطارها الإنسافي الأوسع .
وأطروحة اللوبي
الصهيوني القوي ، التي تدرس بعلمية وموضوعية شديدتين ، هي نتاج هذه العقلية
الاختزالية التي تبدأ من أطروحة بدهية : الولايات المتحدة دولة ذات مصالح - من بين
هذه المصالح البترول والنفوذ في الشرق الأوسط - يمكن أن تخدم الولايات المتحدة
مصالحها عن طريق التعاون مع العرب، ولكنها مع هذا تعاديهم ٠ وهنا، فإن العقلية
الاختزالية تركن إلى تفسير مثل هذا السلوك اللا عقلاني من قبل دولة يفترض فيها
أنها عقلانية بالعودة لعنصر خارجي هو اللوي الصهيوني الذي يحرك كل شيء ، وتصبح هذه
المقولة المنطقية الإطارالذي تراكم داخله المعلومات ولا يختبرها أحد .
ولايسأل أحد : هل يوجد لوبي شيلي قوي في الولايات المتحدة يجعلها تطيح
بالرئيس ألليندي وتؤيد حكم بينوشيه العسكري ؟ هل يوجد لوبي صربي قوي يضغط على
الولايات المتحدة (وهيئة الأمم) بحيث يضطرهم لترك الصرب يذبحون البوسنيين ويكتفي
العالم الحر بإصدار البيانات الصارمة ؟ أليس من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة
قد حددت . صالحها» بطريقة تختلف عن تصورنا العقلاني، وأنها ترى الأمور بطريقة
مختلفة ومع هذا تتصورأنها طريقة عقلانية تماماً ؟
ومن آطرف الأمثلة على
سذاجة النموذج الاختزالي (التآمري والعلمي) وبساطته وطريقة عمله ما ورد في إحدى
الدراسات التي قام كاتبها بحشد عدد هائل من الحقائق الصلبة المتناثرة . كان بين
هذه الحقائق الصلبة : وجود صديقة يهودية لليدي بيرد (زوجة الرئيس الأمريكى جونسون)
في البيت الأبيض أثناء حرب ٩٦٧ ١ . وقد قدمت هذه الحقيقة الصلبة باعتبارها دليلا
مادياً علمياً وقا هلعاً عل قوة النفوذ الصهيوني واليهودي وكيف يحرك اليهود
الولايات المتحدة ، وكيف يضغطون عليها حتى تسمح لقاعدتها العسكرية في الشرق الأوسط
بالهجوم على مصرعام ٩٦٧ ١ (لضرب القومية العربية) ، وكأن مثل هذه الأمور
الإستراتيجية الكبرى لم يتم إقرارها إلا لوجود الصديقة اليهودية داخل البيت الأيض.
ولعل ما حدث أثناء هجرة
اليهود السوفييت وذلك الحديث الهستيري عن جريمة العصر" يبين مدى قصور وكسل
وسطحية النموذج الاختزالي العلمي الموضوعي والتآمري ، فا حدث هو أن بعض المحللين
السياسيين الاختزاليين الواحديين (من الموضوعيين الماديين والروحيين التآمريين)
قرأوا في جريدة عالمية (أي غربية) أن هناك ملايين اليهود السوفييت سيهاجرون إلى
إسرائيل فصدق الجميع الخبر على الفور استناداإلى فرضيات وأطروحات عامة بسيطة ،
استقرت في العقول تماما إلى أن أصبحت 11 بدهيات 11 أو قوانين علمية عامة . ومن المعروف بشكل عام لدى الموضوعيين الماديين
والتآمريين الذين يتقبلون الفرضيات البدهية السائدة ما يلي :
١ -
إن فتحت أبواب الهجرة ليهود الاتحاد السوفيتي ، فإنهم سيهاجرون إلى إسرائيل لأن
اليهود (كما هو معروف) لا يرتبطون بأوطانهم أو أماكن إقامتهم فهم مرتبطون بأرض
الميعاد يتوجهون إليها حينما تسنح لهم الفرصة .
٢ -
من المعروف كذلك أن إسرائيل دولة استيطانية تحتاج للمستوطنين.
٣-
هؤلاء المهاجرون (باعتبارهم جزءاعضويا من هذه الكتلة اليهودية الواحدية) سيتحولون
إلى رواد صهاينة يحملون السيف بيد والبندقية بالأخرى فور وصولهم إلى فلسطين
المحتلة.
إن
أضفنا الأطروحة البدهية الأولى للفرضية البدهية الثانية والثالثة فإننا سنصل إلى
النتيجة الواضحة الحتمية ، وهي أن هجرة الملايين من اليهود السوفييت وشيكة ، وأن
كارثة العصر على وشك الوقوع . ثم تسابق المحللون الأختزاليون إلى اقتباس الإحصاءات
الموضوعية الصلبة (وهي في واقع الأمر تصريحات كبار المسئولين في الاتحاد السوفيتي
أو في إسرائيل) التي تؤكد أن ملايين اليهود سيهاجرون من الاتحاد السوفيتي إلى
فلسطين . وظهرت جريدة عربية كبرى تحمل عنواناًرئيساً في صفحتها الأولى تؤكد هذا
المعنى استنادا إلى تصريح وكيل وزارة الخارجية في الاتحاد السوفيتي . وبدأت عملية
التوثيق الاختزالية الهستيرية . فتم عزل حقيقة هجرة اليهود السوفييت عن الحقائق
والظواهر الأخرى وتم البحث الدائب عن شواهد مادية لتوثيقها دون كد أو عناء ودون
بحث عن أناط عامة متكررة .
ووسط هذا الصخب شبه
المعرفي لم يكلف أحد نفسه مشقة النظر في أبعاد الواقع الأخرى المركبة التي تتجاوز
الاستنتاجات العقلية والمنطقية النظرية أو عناء التساؤل بشأن الأطروحات والفرضيات
التي استندوا إليها. ولم يشر أحد إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي تعرضوا للدعاية الإلحادية
لمدة سبعين عاماً وفقدوا علاقتهم بأية عقيدة أو مثل ، فهم لا يحنون إلى أي أرض
إلاأرض السمن والعسل، تلك التي تحقق لهم دخلا عاليا يفوق ما يحققونه في أماكن
إقامتهم (إذ يصعب أن نطلق عليها أوطانهم). ولم يبين أحد أن هؤلء المهاجرين
السوفييت هم في واقع الأمر مرتزقة يأكلون الأخضر واليابس ولا علاقة لهم بأية
مثاليات صهيونية أو غير صهيونية ولذا تقدم لهم الدولة الصهيونية الرشاوى السخية ،
وهم قد يضطرون إلى الذهاب إلى إسرائيل (بسبب إغلاق أبواب الولايات المتحدة)
فيصبحون عنصر تدمير فيها ، وربما لا يجد كثير من المؤهلين منهم عملا مناسباً وهو
ما قد يضطرهم إلى العمل في السوق السوداء والحرف الطفيلية. وحينما يحمل هؤلاء
المرتزقة السلاح فإنهم لن يحملوه إلا بأجر، وهم سيجلسون على حقائبهم حتى تتاح لهم
فرصة الهروب إلى أرض الميعاد الأمريكية . ولم يكلف أحد نفسه عناء النظر في استجابة
العناصر الدينية والشرقية
لدى هؤلا المهاجرين
اللادينيين الأوربيين . بل لم يكلف أحد نفسه مشقة النظر في آخر إحصاءات يهود
الاتحاد السوفيتي التي تقول إن عددهم قبل ازدياد عمليات الهجرة لا يمكن أن يزيد
على مليون وربع (أي أن الموضوعية الاختزالية المتلقية في هذه الحالة أسقطت أبسط
قواعد الموضوعية ، فقد بلغت بها مقدرتها على التلقي أن تصدق كل ما يقال لها دون
اختبار !). ولم يثر أحد قضية أن الهدف من التصريحات الصهيونية المليونية وهذا
التضخيم للأعداد الوافدة يخدم مصالح معينة ، وهو تعبير عن الرغبة في زيادة حجم
الدعم الأمريكي وتدفق الأموال اليهودية .كماأن من المحتمل أن هذه التصريحات
مجردتعبيرعن أمنيات وأحلام أصحابها . وقد أثبتت الأحداث أن عدد المهاجرين لم يقترب
من نصف مليون ، وأن نسبة النزوح بينهم كانت عالية ، وأنهم أدوا إلى تصدعات داخل
النظام السياسي الإسرائيلي أو على الأقل لم يدخلوا العافية عليه كما كان مترقعاً .
ولم يستوطن هؤلاء المستوطنون في الضفة الغربية ، فقدآثروا المدن القريبة من الساحل
، حيث تتوافر لهم أسباب الراحة واللذة .
لم يجتهد أحد وتقبل
الاختزاليون العلميون والتآمريون البدهيات وسقطوا صرعى لها ، وقاموا بالتوثيق
العلمي الذي لم يعمق الرؤية وإنما حجبها تماماً .
ويمكن
تلخيص نقط قصور النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية فيما يلي :
١ - النماذج الاختزالية - كا أسلفنا - ناذج مغلقة ، رؤيتها للتاريخ
واحدية مصمتة وواضحة، فتطور «التاريخ اليهودي» معروف مسبقا ويتبع نمطاًمحدداً :
عبودية في مصر - خروج منها- تغلغل في كنعان- نفي إلى بابل-سقوط الهيكل-عودة إلى
فلسطين فى غهاية الأيام. فالعودة النهائية إلى صهيون أمر حتمي ومتوقع في الرؤية
المشيحانية، إذسيأقي الماشيح ويقود شعبه إلى صهيون وينهي الآلام ويؤسس الفردوس
الأزضي فيها ويصل بالتاريخ اليهودي إلى غهايته الفردوسية. والصهيونية هي الوريثة
العلمانية لهذه الرؤية الدينية وتتبنى النمط نفسه، فبعد السقوط هناك الشتات وآلام
المنفى ثم العودة إلى صهيون والجنة. والإبادة النازية هي قمة المسي تعقبها العودة
والدولة الصهيونية ونهاية التاريخ الفردوسية المتوقعة حين يعود كل اليهود ليهنأوا
في أرض أجدادهم وليؤسسوا دولة يودية تكون منارة لكل الأمم .
٢ -
تسقط النماذج الاختزالية في نوع من السببية الاختزالية البسيطة السهلة ، فتصبح كل
النتائج لها سبب واحد وهذا ما يجعلها عاجزة عن تقديم تفسير معقول لتنؤع الواقع .
وعلى هذا ، تكون المقدرة التفسيرية للنماذج الاختزالية (العلمية والتأمرية) ضعيفة
للغاية.
أ ) ولنبدأ بالنماذج التآمرية التي ترى أن
خصوصية اليهود تكمن في شرهم الأزلي وطبيعتهم الشيطانية التي لاتتغير. ولكن إذاكان
اليهود أشرارامتآمرين بطبيعتهم ، وإذا كان اليهود والشر صنوين، فكيف نفسر ظهور بعض
اليهود الخيرين المعادين للصهيونية (أمثال الحاخام إلمر برجر وأعضاء الناطوري
كارتا) المؤمنين بالإله الواحد والمعادين للصهيونية أكثر من عداء معظم العرب لها ؟
وكيف نفسر نجاح الجاعة اليهودية في الأندلس (إسبانيا الإسلامية) في الانتماء
الكامل للحضارة العربية الإسلامية والتفاعل معها والإسهام فيها ؟ بل تذهب كثير من المراجع
إلى أنهم قاموا بمساعدة الفاتحين الإسلاميين لشبه جزيرة أيبريا ، تماماً كعا فعل
اليهود السامريون أثناء الفتح الإسلامي لبيت المقدس. كما يقال إن يهود العالم
العربي ساعدوا العرب أثناء حروب الفرنجة بتسريب الأخبار لهم عن الاستعدادات
العسكرية في أوربا وعن الحملات التي كانت تجردها أوربا (وكانت هذه هي أحد الأسباب
التي حدت بالوجدان الغربي في العصور الوسطى إلى الربط بين اليهودي والمسلم) . وإذا
كان انتشار الشر في العالم مرده تأثير اليهود السيء على الشعوب (وهو ما يعني
استبعاد احتمال وجود الشر في النفس البشرية ، وتلك حقيقة تؤيدها كل الأديان
السماوية ولا ينكرها سوى غلاة الحتميين الماديين) فكيف نفسر ظهور الشر في بلاد لا
يوجد فيها يهود، فتايلاند عاصمة الإباحية والبغاء في العالم لا يوجد فيها يهود ،
كما لا يوجد يهود بين الصرب الذي بعثوا أمجاد هتلر وإن كان الضحايا هذه المرة
مسلمين ؟
ب) تسقط النماذج الاختزالية العلمية المادية في
التعميم المخل فلا ترى المنحنى الخاص للظاهرة وهو ما يضعف مقدرتها التفسيرية ، فهي
لا يمكنها أن تفينر لنا سبب ظهور الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وعدم ظهورها
، مثلا ، في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي بعد حروب الفرنجة (التي يقال لها
«صليبية») ، وهي الحروب التي ارتكبت المذابح أثناءها ضد تجمعات الجماعات اليهودية
في غرب ووسط أوربا واجتثتها من جذورها في بعض الأحيان ؟كما أن النموذج الاختزالي
يفشل في أن يفيرلنا سبب ظهورالصهيونية في شرق أوربا وليس في غربها ، أو حتى في
الولايات المتحدة ، مع أن عدد يهود الولايات
٢٩٥
المتحدة
مع بداية القرن كان أخذا في التزايد حتى بلغ عدة ملايين قبيل الحرب العالمية
الأولى؟ ولماذا ظلت فاشلة في إحراز أية انتصارات على مستوى الاستيطان في فلسطين أو
على مستوى التحرك الدبلوماسي في العالم حتى عام ١٩١٧ (عام صدور وعد بلفور) ؟
ج)
وتفشل النظريات الاختزالية (العلمية المادية) في تفسير لماذا اتخذت مشاكل اليهود
الاجتماعية الاقتصادية شكل بنية تاريخية محددة تعرف باسم «المسألة اليهودية» ، وهي
بنية قد تشترك في بعض قساتها وملامحها العامة مع البنى الماثلة ولكنها تختلف عنها
في الملامح الخاصة وفي الحلول المطروحة ؟ وتفشل النظريات العلمية في تفسير سبب
توطين الإمبرياليين في فلسطين يهودا وعدم توطينهم أوربيين مسيحيين كما فعلوا في
الجزائر أو روديسيا ؟ أليست كلها مصالح إمبريالية تخدم المخطط الإمبريالي ؟ أوليس
المستوطنون هم مجرد «الفائض البشري» الذي كان على أوربا الرأسمالية أن تصدره إلى
الشرق (وحينيا نتحدث عن «فائض بشري» يجب ألانفرق بين يهودي ومسيحي) ؟كما أن هذه
النظريات لا يمكنها أن تفسر تعين البرنامج الصهيوني وخصوصيته ، فالاستعمار
الصهيوني ليس استعمارا بالمعنى العام بل هو استعمار استيطاني ، كما أنه استعمار
استيطاني يختلف عن الأناط الاستيطانية التقليدية في أنه لا يهدف إلى الاستيطان
وحسب، بل يهدف إلى الإحلال أيضاً .
٣-
تبسط النماذج الاختزالية دوافع الآخر. فاليهود-حسب الرؤية الاختزالية (العلمية أو
التآمرية) - دائمو التطلع لصهيون يهاجرون إليها إن سنحت الفرصة . ولكن هذه
الأطروحة البسيطة لا تفسر أن عدد اليهود خارج فلسطين كانوا أكثر من عددهم داخلها
قبل سقوط الهيكل، ولا تفسرلملم يهاجر الملايين من اليهود إلى فلسطين بعد أن وقعت
في يد الصهاينة وبعد أن فتحت أبوابها للهجرة الاستيطانية، بل وبعد تقديم الرشاوي
المالية والعينية لمن يوافق منهم على الاستيطان ؟ ولماذا كان من الضروري أن توصد
أبواب الولايات المتحدة أمام المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا للهجرة إلى
إسرائيل؟
٤-
من خصائص النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) أنها قابلة للتوظيف ببساطة في
أي اتجاه . فعملية الاختزال، كمابينا ، هي عملية فصل الحقائق والوقائع عن سياقها
الاجتماعي والتاريخي، ومن ثم يمكن فرض أي معنى عليها واستخلاص أية نتائج منها.
ومن ثم يمكن استخدامها
للتبشير بالحرب أو السلام ، وباستمرار الصراع أو ضرورة وقفه، ويمكن المناداة
بضرورة الحرب المستمرة ضد الإمبريالية الغربية متمثلة في قاعدتها إسرائيل ، ويمكن
أيضاً الحديث عن ضرورة التحالف مع الطبقة العاملة اليهودية .
٥ -
توظف النماذج الاختزالية في بث الهزيمة والرعب في قلب العرب، كما حدث في حكاية
جريمة العصر، وكما يحدث في بعض الدراسات العربية التي تجعل همها توثيق قوة العدو
دون أن تشير إلى جوانب أخرى، وكما حدث في النظريات التآمرية التي ترى أن اليهود
قادرون على كل شيء فهم قوة عجائبية وظاهرة خرافية من المستحيل ضربها وإلحاق
الهزيمة بها . ولذا ، فإن الصهاينة يروجون النموذج الاختزالي العلمي التآمري إذ أن
من صالحهم تضخيم دوراليهودعبرالتاريخ والمبالغة في قدرات الدولة الصهيونية في كل
المجالات، فهذا يكسبهم شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية .
ولعل كثبراً من الكتب التي تنشر تحت شعار «اعرف عدوك» تهدف إلى بث الرعب في نفوسنا
عن طريق توفير بعض المعلومات الصلبة التي تؤكد أن العدو لا يقهر (وحجب غيرها من
المعلومات) . وعندي إحساس عميق بأن المخابرات الإسرائيلية قد سا همت في نشرها
تماماً كما تساهم في نشر البروتوكولات . ويجب أن نتذكر أن كثباً من الدول الكبرى
تبني أسلحة ولا تستخدمها لمجرد أن تبث الرعب في قلب أعدائها. بل إنها أحيانا تلوح
بمقدرتهاعلى إنتاج سلاح ما دون أن تفعل لتدعم موقفها التفاوضي. واصطلاح «توازن
الرعب» يعني أن توليد الرعب في قلب العدو هو أحد الأهداف الأساسية في الحروب وهي
مسألة يحسب حساها . والاختزالية العلمية ، المادية وإلتآمرية، تنجز هذا بالنسبة
للصهاينة دون جهد من جانبهم . وبعد قليل سيكون بوسع المتلقي الموضوعي أن يستخلص
بنفسه النتائج، ويرى أن الواقعية تدعو لقبول العدو وأن الرؤية العلمية تؤيد
الاستسلام والإذعان له ، فهو عدو لا يقهر ، ومن هو هذا الأجمق (المثالي وغير
العلمي) الذي يريد أن يضرب برأسه في الحجر الصلب ؟
٦-
لا تفيد النماذج الاختزالية كثباً في عملية المارسة إذ أن المارسة تتطلب نموذجاً
تحليليا أكثرتفصيلا ودقة وتركيبية يزود الدارس بخريطة يعرف من خلالها كل نتوءات
الواقع، وما هو مركزي منها وما هو هامشي، وما الوضع القائم وما الإمكانات الكامنة
، ومن العدو ومن الصديق، خريطة يفهم بواسطتها العناصر والانقسامات المختلفة في
٢٩٧
معسكر العدو ومدى كفاءته ودوافعه ومواطن ضعفه
وآلاف التفاصيل الأخرى التي تظل بمنأى عن النموذج الاختزللي .
٧- يبرى النموذج الاختزللي التآمري
الإمبريالية الغربية والدول الغربية من الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها ضد الشعب
العربي ، فهذه الدول (حسب النموذج التامري) إن هي إلا ضحية التآمر اليهودي الأزلي
وهي ليست مسئولة عن غرس الجيب الاستيطاني الصهيوني في المنطقة وتمويله ودعمه وفرضه
بقوة السلاح علينا ، فالمشروع الصهيوني (حسب النموذج الاختزللي الصهيوني) هو أمر
قام به اليهود تعبيرا عن إرادتهم الحرة القومية المستقلة وبجهودهم الذاتية . وعادة
ما تنسب النماذج الاختزالية مقدرات فائقة لليهود ومخططاتهم. وبمعنى آخر، فإن هذه
النماذج تقوم بالتهويل من الجزء(الصهيونية) والتهوين من شأن الكل (الإمبريالية).
٨ — تؤدي النماذج الاختزالية إلى السقوط في
رؤية اليهود من منظور عنصري ، فجوهر العنصرية هو عملية الاختزال هذه ، التي تحول
الكل الإنساني المركب إلى عنصر واحد ، وهذا ما فعله الصهاينة والمعادون لليهود في
إدراكهم اليهود واليهودية.
٩ - تبني النهاذج الاختزالية هو تعبير عن كسل
عقلي، ولكن هذا التبني يزيد في الوقت نفسه هذا الكسل إذ يصيب العقل بالشلل حتى
نصبح موضوعيين نتلقى تماماً كل مايأتينا من حقائق صلبة دون تساؤل أوإبداع .
٠ ١ - أشرنا من قبل إلى أن النموذج الاختزالي
يولد تفاؤلآ لا أساس له ، ويمكن أن نشير هنا إلى أنه ، يمكن أن يولد أيضا في نفس
صاحبه اليأس والقنوط إذ أنه قد يصعد التوقعات التي لا تتحقق وقد يخفي الإمكانات
التي يمكن أن تتحقق في المستقبل .
لكل هذا يصبح من
الضروري (من الناحية المعرفية والأخلاقية بل والعملية) تبني ناذج أكثر تركيبا من
النهاذج الاختزالية المادية العلمية أو الغيبية التآمرية.
ونحن نضع «النموذج الاختزالي» مقابل «النموذج
المركب» ، ونذهب إلى أن الصراع بين النماذج الموضوعية المادية (المتلقية) والنماذج
التفسيرية (الاجتهادية) يتبدى في نهاية الأمر في الصراع بين النموذج الاختزالي
والنموذج المركب. فالبعد المعرفي(الكلي والنهائي) للنموذج الاختزالي هو الموضوعية
المادية ، أما البعد المعرفي للنموذج المركب فهو التفسيرية الاجتهادية.
النموذج
المركب
«النموذج
المركب» (ويمكن أن نطلق عليه أيضا «النموذج المنفتح» أو «النموذج التعددي» أو
«النموذج الفضفاض» أو «نموذج التكامل غير العضوي») . وهو النموذج الذي يحوي عناصر
متداخلة مركبة (أهمها الفاعل الإنساني ودوافعه) بحيث يعطي الإنسان صورة مركبة عن
الواقع ولا يختزل أيا من عناصره أو مستوياته المتعددة أو تناقضاته أو العوامل
المادية والروحية ، المحدودة واللامحدودة والمعلومة والمجهولة ، التي تعتمل فيه .
وهو النموذج الذي لا يمكنه أن يطرح نهاية للأشياء بسبب تركيبيته ، فهو نموذج
تفسيري اجتهادي منفتح وليس نموذجا موضوعيا متلقيا ماديا .
والنموذج المركب يدور في إطار المرجعية
المتجاوزة . وهو يتسم بالتماسك والوحدة ولكن تماسكه ليس عضويا أو صلباً ، وثمة
وحدة في الوجود ولكنها وحدة غيرعضوية وغير مصمتة لأن مصدر الوحدة ومركز الكون غير
المنظور ليس كامنا أو حالا في العالم (فهو الإله الواحد المفارق المنزه في النظم
التوحيدية وهو الإنسان المتميز عن الطبيعة في النظم الهيومانية الإنسانية) .
والمركز مفارق للعالم لا يتجسد فيه رغم تجليه وتبديه من خلاله ، ولذا فإن النموذج
المركب لا يسقط في الكمونية الواحدية ويظل محتفظا دائا بمسافة بين الخالق والمخلوق
وبين الإنسان والطبيعة لا يمكن اختزالها ولا إلغاؤها إذ لا يمكن توحيد قطبي
الثنائية . ولكن هذه الثنائية الأولية ليست ثنائية صلب—ة (ثنائية غير تكاملية)
وإنا ثنائية فضفاضة ، فثمة تفاعل بين عنصري الثنائية ، فالإله خلق العالم ونفخ فيه
من روحه ولم يهجره بل دخل في علاقة معه فهو يرعاه . وقد منح الله الإنسان بعض
الصفات الربانية التي تميزه عن الطبيعة ثم استخلفه في الأزض . وهو لم يضعه في
الأرض ليكون في علاقة صراع مع الطبيعة أو ليوظفها وإنما استخلفه فيها واستأمنه
عليها ليستخدمها ويعمرها ، وهو يكتسب مركزيته من عملية الاستخلاف هذه . ولذا ، فإن
العلاقة بين الإنسان وإلطبيعة أو بين الإنسان والإله ليست علاقة وحدة وإنما علاقة
تكامل .
والإنسان الذي يحوي
داخله القبس الإلهي (في المنظومة التوحيدية) أو المتميز عن الطبيعة (في المنظومة
الإنسانية) قد يشارك في بعض سمات النظام الطبيعي وقد تسري القوانين الطبيعية
وقوانين الأشياء على بعض جوانب وجوده (فهو يولد ويأكل ويمشي ويضاجع النساء ويمرض
ويموت) ولكنه لا يرد في كليته إليها . وقد نعرف هذا الجانب أو ذاك من وجوده ، ولكن
تظل هناك جوأنب (ربانية) مجهولة لا يمكن معرفتها أو إخضاعها
٢٩٩
للقانون
المادي العام الواحد . ولذا ، يظل هناك قانونان : واحد للإنسان والآخر للأشياء .
وتنبع بعض جوانب فكر الإنسان من واقعه (المادي الطبيعي أو الإنساني) ، ولكنه لا
يمكن أن يرد في كليته إليه لأن بعض هذا الفكر نابع من ذاته (الربانية الإنسانية
غير الطبيعية) المتجاوزة لذاته المادية والطبيعية ، أي أن الإنسان جزء يتجزأ من
الطبيعة متجاوز لها . ولكل هذا ، يشكل الإنسان ثغرة في النظام الطبيعي/ المادي،
فهو كائن قادر على تجاوز الجوانب الطبيعية/المادية في ذاته وقادر على تجاوز
الطبيعة/ المادة ذاتها . وهى مسافة لا يمكن أن تسد تماما (مثل المسافة التى تفصل
الخالق عن المخلوق) ، فالجانب الربان فى الإنسان لصيق تماما بإنسانيته .
ووجود الإنسان كثغرة في النظام الطبيعي هو
الذي يؤدي إلى ظهور كل الثنائيات الفضفاضة الأخرى (كل / جزء - عام / خاص - ذات /
موضوع - سبب / نتيجة - محدود/ لا محدود - معروف / مجهول - ذكر/ أنثى - سماء / أرض)
. وكلها ثنائيات لا يمكن القضاء عليها ، فهي صدى للثنائية الكبرى الكلية والنهائية
(خالق/ مخلوق) . ولذا ، فإن وجود مسافات داخل النموذج المركب هي من صميم بنيته ،
ومن ثم فهو غير قابل للانغلاق ولا يمكن إخضاعه للقوانين الواحدية . وكما يتفاعل
الإله مع الإنسان تتفاعل وتتكامل الثنائيات كافة، ولذا فالنهاذج المركبة تتسم بالتكامل
غير العضوى .
والنماذج المادية تتأرجح بين التماسك العضوي
الكامل (الصلابة) والتجانس المطلق (الذي يفقد الأجزاء شخصيتها واستقلالها وهويتها)
والاستمرارية الكاملة من جهة ومن جهة أخرى عدم التماسك (السيولة) وعدم التجانس
(الذي يجعل لها هوية لا يمكن القضاء عليها) والانقطاع الكامل . أما نموذج التكامل
غير العضوي ، فهو يفترض أن العالم كل متماسك، مكون من كليات متماسكة، مكونة بدورها
من أجزاء غير مترابطة بشكل صلب وغيرمتجانسة بشكل كامل، ومع هذافهي أجزاءمتماسكة
لكل شخصيتها ولكنها لا تفهم إلا بالعودة إلى الكليات. ولكن الكليات ليست صلبة،
ومركزها ومصدر تماسكها يوجد خارجها، ولذا فهي تظل كليات فضفافة تحوي داخلها ثغرات
٠ وهذايعني أن الأجزاء هامة في أهمية الكل ، وأنها لاتردإلى الكل، فنموذج التكامل
غير العضوي يحاول إدراك الخاص دون السقوط في التأيقن، ويدرك العام دون الذوبان في
القانون العام إذ أن لكل ظاهرة منحناها الخاص رغم أنها تنضوي تحت نمط عام .
وعدم الالتحام العضوي
يسمح بقبول الشخصية المستقلة لكل جزء رغم انتمائه للكل ، فالجزءليس
جزءاًعضوياًلايتجزأوإنماهوجزء يتجزأ، أي أن انفصال الأجزاءعن الكل ليس انفصالا
كاملأ وإنا هو درجة من الاستقلال النسبي للأجزاء عن الكل وللأجزاء (الواحد عن
الآخر) . ومع هذا ، ثمة افتراض لأسبقية نهائية للكل على الأجزاء (وإلا انتفت فكرة
الحقيقة الكلية وفكرة النموذج نفسها) . ولذا ، لا يذوب الجزء في الكل ولا الكل في
الجزء ، ولا يذوب العام في الخاص ولا الخاص في العام، والاستمرار والانقطاع لا يجب
أي منها الآخر. ولذا، فبإمكان النموذج أن يتناول الظواهر والعلاقات بكل أشكالها
ومستوياتها ويحترم منحناها الخاص ويتناول الكل والجزء والخاص والعام والاستمرارية
والانقطاع دون أن يردالواحدإلى الآخر، بل يحاول الوصول إلى النقطة المفصلية حيث
يتصل الواحد بالآخر .
والنموذج المركب ينكر
وجود قوانين تاريخية عامة وحتمية ويرى أن مقدرتها التفسيرية ضعيفة ، ويطرح بدلآ من
ذلك فكرة الأنماط التاريخية المتشابهة ، وليست بالضرورة المتكررة والمتجانسة تماما
، فالتاريخ لا يتطور بنفس المستوى ولا بنفس المعدل ولا بنفس الطريقة من مجتمع لآخر
. بل إنه ، داخل المجتمع الواحديوجدمن العناصرالخاصة مايجعل التأني والدراسة
المدققة ضروريين لتفهم مسارات التاريخ المختلفة.
والنهاذج
المركبة لا تدور في إطار الواحدية السببية التي تدور إما في إطار عنصر روحي واحد
أو عنصر مادي واحد والتي تستوعب كل شيء في شبكة السببية الصلبة . وبدلا من ذلك،
يظهر مبدأ التعددية السببية ، ويحل مبدأ تعددية المؤثرات محل مبدأ أحادية المؤثرات
في فهم الطبيعة والإنسان وتفسيرهما والتنظير لهها . ومن ثم يجري النظرللى الظاهرة
في أبعادها المتكاملة دون الاقتصار على بعد واحد مادي أو روحي، ثم يتم بعد ذلك
تحديد أكثر الأبعاد فعالية وتأثيرا دون التقيد بأية مسلات مسبقة تقول إن أحد
الأبعاد (العنصر الاقتصادي أو العنصر الجنسي أو العنصر الروحي عل سبيل المثال)
أكثر فعالية وتأثيرا من الأبعاد الأخرى. فكل ظاهرة لها منحناها الخاص ولا توجد
حتميات سببية مطلقة ولا يوجد شى في مهاية الأمر وفي التحليل الأخيرإلا وجه الله،
ضمان حرية الإنسان ووعيه بحريته. ولذا، لابدأن تدرس كل ظاهرة حسب المقاييس
المناسبة لها، وينحت نموذج خاص لدراستها ، فلا تطبق قوانين الأشياء على الإنسان
ولا تطبق قوانين الإنسان على الأشياء . هذا لا يعني بطيعة الحال إسقاط النماذج
التفسيرية المادية الخالصة أو الروحية
الخالصة ، فالأولى لها
دورها في تفسير الوجود الطبيعي وتفسير بعض جوانب الوجود الإنساني ، تماماً كما أن
الثانية لها دورها في تفسير جوانب أخرى لهذا الوجود الإنساني .
والنموذج المركب ينكر
الواحدية السببية ولكنه لا يسقط في العبثية ، حيث لا سببية على الإطلاق، وإنا يدور
في إطار السببية المركبة التعددية حيث لا تؤدي (أ) حتما وبشكل ألي إلى (ب) (ولكنها
في معظم الأحوال تؤدي إليها) ، فهي بسبب عدم تحكمنا في كل الواقع وبسبب عدم معرفتنا
بكل عناصره قد تؤدي إلى (ج) (ولكنها بإذن الله تؤدي للى ب) .
وتحل النماذج المركبة
قضية القيمة ، فهي تستطيع التعامل مع المثالي والواقعي ، ومع الروحي والمادي ، فهي
ليست نهاذج واحدية بسيطة مادية لا تجيد التعامل إلا مع العالم الواقعي المادي ،
وليست ناذج روحية بسيطة لا تجيد إلا التعامل مع عالم الروح .
وتأخذ
عملية التفسير (أو الاجتهاد) داخل هذا النموذج شكلا حلزونياً، فالمفير المجتهد لن
يواجه الواقع بقانون عام أو افتراض عام يفسر به الواقع بأسره ، وهو لن يقوم
بمراكمة المعلومات عن الواقع بلا تمييز ، بل سيصوغ نموذجاًتفسيرياًصورياًض خلال
قراءة التاريح ومعرفة الدوافع الإنسانية وقوانين البنية الموضوعية والمتتاليات
التفسيرية السابقة ، ثم يختبر هذا النموذج بالعودة إلى التفاصيل التاريخية
والاجتماعية. ولكن عملية الختبار هذه ستقوم بتعديل النموذج ، ومن ثم فإن عملية
التفسير عملية حلزونية لا متناهية .
ومثل هذا النموذج لا
يطمح إلى الوصول إلى اليقين الكامل والتفسير النهائي والحلول الشاملة والتحكم
الإمبريالي الكامل في الطبيعة ، وبالتالي فهو لا يسقط في أسفل درجات العبثية
والإذعان التام للطبيعة / المادة كما أنه لا يحلق في أقصى درجات الروحية والتجاوز
التام لعالم الطبيعة / المادة ، وإنا هو نموذج يطرح إمكانية أن المعرفة ممكنة وأن
الحقيقة يمكن الوصول إليها، ولكنها معرفة إنسانية وحقيقة غير مطلقة ( لأن المعرفة
المطلقة تقع خارج نسق التاريخ الإنساني - وعند الإله وحده وهو مفارق للادة وإن كان
يسبغ عليها المعنى والاتجاه) ، فهو نموذج يقنع بتناول ما يمكن أن يعرف وحسب دون أن
يصاب باليأس بسبب المجهول وما لا يمكنه معرفته ، فالمسافات سمة بنيوية فيه . إن
النموذج المركب أقرب إلى الصورة المجازية منه إلى القانون ، وهي صورة مجازية لا
تتشيأ ولا كشيى لأن مركز الكون لا يتجسد فتظل هناك مسافة بين الدال والمدلول .
ومن
هذه النقطة يمكن أن نطرح فكرة النظرية الكبرى الحاكمة (بالإنجليزية : جراند ثيري
لام0ع11ا 812110) . ونحن
نذهب إلى أن التخلي عن محاولة الوصول إلى نظرية حاكمة كبرى (رؤية للكون وللأمور
المعرفية الكلية والنهائية) أمر غير ممكن . فالواقع قد ينقسم إلى مجموعة من القصص
الصغرى (على حد قول أنصار ما بعد الحداثة) ولكن هناك داخل كل قصة - مها بلغت من
صغر - قصة كبرى ، وهذا ما نعتر عنه بقولنا ٠ إن ثمة نموذجاً ما كامناً وراء كل
الظواهر" . وهذا أيضا ما يقال له «حتمية الميتافيزيقا» . وإن لم يطور الإنسان
نظرية كبرى ، فإنه سيقع فريسة النظرية الكبرى للآخر وضحية لما يسمى «إمبريالية
المقولات» ، أي أن يستورد الإنسان المقولات التفسيرية الكبرى من الآخر، ويقصر جهده
البحثي والمعرفي على مراكمة المعلومات من خلال المقولات الجاهزة التي استوردها .
وداخل إطار النموذج الفضفاض وفكرة الاجتهاد، سنحاول الوصول إلى نظرية شاملة كاملة،
ولكننا نعرف أننا لن نصل إلى اليقين المطلق أو التفسير النهائي ، فنظريتنا لن تكون
نظرية شاملة كاملة (جراند ثيري) وإنا «ريلاتيفلي جراند ثيري 2٥٥1٧ق١ 81220 1٧ج1٧أع1ع٢» ، أي 1نظرية
كبرى وشاملة إلى حد ما" أو داخل حدود ما هو ممكن إنسانيا . ومثل هذه المحاولة
لا يمكن أن تتم في إطار كموني مادي واحدي يرى أن كل القوانين كامنة في المادة؛
إطار يلغي ثنائية الإنسان والطبيعة ويتأرجح بين الموضوعية الكاملة والذاتية
الكاملة.
وكما
تصاغ النماذج عادة ، يمكن أيضا صياغة الناذج المركبة من خلال عملية تفكيك
وتركيب :
١ -
تفصل الوقائع والتفاصيل التي تستخدمها النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية)
عن هذه النماذج أو أي نماذج مسبقة بقدر الإمكان .
٢ -
توضع الوقائع والتفاصيل في سياق إنساني (تاريخي واجتماعي) عريض، أي تتم استعادة
البعد التاريخي والمنظور المقارن (وهو الأمر الذي تحرص على استبعاده الكتابات
الصهيونية والمعادية لليهود وإلكتابات العلمية الاحتزالية) .
٣-
تربط الأجزاء والتفاصيل والحقائق بالكليات التاريخية والاجتماعية داخل أناط.
٤ -
تضم وقائع ومعلومات كان قد تم استبعادها من منظور النهاذج الاختزالية القائمة،
ويتم توسيع وتعميق الأنماط .
٣٠٣
وبذلك يمكن إظهار عجز
النموذج الاختزالي عن تفسير كثير من المتغيرات وعناصر الواقع ، كما يمكن البرهنة
على مقدرة النموذج المركب على إنجاز ما عجز عنه النموذج الاختزالي ، إذ تكتسب
الوقائع معنى جديداً ويصبح بالإمكان تفسيرها بطريقة أكثر تركيبا وإنسانية .
واستخدام النماذج المركبة له نتائجه العملية
والمعرفية والأخلاقية الكثيرة . وقد بينا مواطن القصور الناجمة عن استخدام النهاذج
الاختزالية في دراسة الجاعات اليهودية ، ويمكننا أن نبين فيما يلى النتائج
الإيجابية (العلمية والمعرفية والأخلاقية) لاستخدام الناذج المركبة في نفس المجال
:
١ - النماذج المركبة لا تختزل العدو في
صهيونيته أو ماسونيته بل تراه في تركيبيته الإنسانية والعميقة وبمقدرته على
الانتصار والانكسار وفي سياقاته المتعددة ، ولذا فهي تسقط عن اليهودي عجائبيته
وإعجازه وتفرده (الذي يصر عليه الصهاينة والمعادون لليهود) وتستعيد له إنسانيته
وتركيبيته ومن ثم تعرفه في قوته وفي ضعفه الحقيقيين .
٢ - أسلفنا القول إن النموذج المركب سيساعدنا
على التخلص من الربط بين اليهودي وكل الظواهر السلبية في المجتمع ، الأمر الذي
سيوسع من أفقنا ويجعلنا أكثر قدرة على دراسة هذه السلبيات والبحث عن سببها الحقيقي
بدلا من البحث الاختزلي عن اليهود . وكثير من الوظائف التي ارتبطت في أذهاننا
باليهود ، وباليهود وحدهم (وبسبب الأدبيات العنصرية الغربية) ، يقوم بها غير
اليهود في أماكن وفترات نختلفة . كما أن ربط اليهود بالشريولد في أنفسنا الهلع ،
ويجعلنا غير قادرين على التمييز بين العناصر المعادية وتلك التي يمكتنا التحالف
معها .
٣ - سيساعدنا النموذج المركب على أن ندرك أعضاء الجماعات اليهودية
في سياقاتهم المتعددة (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية) ، فهم ليسوا
يهودا والسلام ، أي يهودا بشكل عام ، وإنا جماعات يهودية مختلفة ؛ لكل منها وضعها
ودوافعها وأبعادها ، وهو ما يحسن قدرتنا على تفسير كثير من الظواهر اليهودية ومن
مقدرتنا التنبؤية ويفيد كثير في الممارسة .
٤ - سيساعدنا النموذج المركب على إدراك
الطبيعة العميقة والبنيوية للعلاقة بين الدولة الصهيونية والحضارة الغربية
والتشكيل الاستعهاري الغربي ، ومدى عمق الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني ومدى
اتساعه .
٥ -
إذا استخدمنا النماذج التفسيرية المركبة ، فإننا نكون قد طبقنا واحدا من أهم
تعاليم الإسلام وهو ضرورة الحفاظ على حقوق الأقليات التي تعيش بيننا (لهم ما لنا
وعليهم ما علينا) إذ ليس من حق أحد إسقاط الحقوق التي أعطاها الله إياهم استنادا
إلى رؤية حرفية واختزالية حتمية تهدر حقوقهم حتى قبل أن يولدوا وتعتبرهم أشراراً
بالوراثة، أي من خلال طبيعتهم المادية لا اختيارهم الأخلاقي . ونظرية الحقوق
الدينية مختلفة في هذا المضمار عن نظرية الحقوق المدنية التي ترى أن هذه الحقوق
ليست مطلقة ، فالأمة مصدر السلطات وهي التي تمنح وتمنع . وفي حالة الدولة النازية
، قررت الدولة الألمانية (باعتبارها تجسيدا لإرادة الشعب) أن تدمر كل من يقف في
طريق التقدم والتنمية (مثل مشوهي الحرب والعجائز) وكثيرا من أعضاء الأقليات (مثل
الغجر واليهود) .
٦ -
إذا أدركنا ، من خلال النموذج المركب ، المغزى الإنساني الكامن في واقعة عنصرية ،
فإن الحزن من أجل الضحية سيكون حزنا إنسانيا لا يمكن توظيفه في خدمة عقيدة عنصرية
استيطانية كما يحدث في الوقت الحاضر . فإذا سقط اليهودي ضحية العنف والعنصرية في
مجتمعه الغربي ، فإن هذا لا يعني أن اليهودي هو الضحية الأزلية للعنف وإنما ضحية
مجتمعه الغربي العنصري ، والحل الإنسافي الوحيد لهذه المشكلة ليس هو تصدير المشكلة
لنا وإنا أن ينضم اليهودي للجاعات التي تدافع عن حقوق الإنسان (من أعضاء الأقليات
الأخرى وأعضاء الأغلبية) وأن يناضل من أجل حقوقه داخل مجتمعه . وتصبح القضية هي
كيفية الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية والدينية لليهود (وغيرهم من الأقليات)
داخل وطنهم، مثل الولايات المتحدة واتحاد دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد
السوفيتي سابغاً) لا أن نطالب بتهجيرهم (أو خروجهم) كما يفعل العنصريون من
الصهاينة والمتآمرون من بلهاء صهيون .
ويجب أن نتذكر أن
اليهودي الذي يفر من بغض أعداء اليهود وحربهم ضده هو نفسه اليهودي الذي يصبح
مستوطئاً صهيونياً يغتصب الأرض العربية ويتحول ، بعد قليل ، إلى الجندي الصهيوني
الذي نراه على شاشات التليفزيون يقتل الأطفال العرب أو يكسر عظامهم . وقد أدرك
الصهاينة ذلك تماماً ، ولذا فتاريخهم هو تاريخ التحالف مع أعداء اليهود ، بل إن
الصهيونية وصفت بأنهاتعيش على الكوارث اليهودية . ومن المعروف لدى الدارسين أن
الحركة الصهيونية نظمت هجيات ، أحيانا مسلحة ، على الأفراد والجماعات اليهودية ،
لترغمهم على الخروج من بلادهم ، ليتحولوا إلى مادة استيطانية وقتالية في
المستوطن
الصهيوني . وإشاعات الهجيات على اليهود السوفييت وظاهرة نبش قبور اليهود في أوربا
هي ، في أغلب الظن ، من تدبير الحركة الصهيونية . وقد جاء في أحد تواريخ الصهيونية
أنه إذا كان تيودور هرتزل هو ماركس الصهيونية ، أي منظرها ، فهتلر هو لينين
الصهيونية ، أي من وضعهاموضع التنفيذ ، وذلك عن طريق تصعيداضطهاداليهودفي أوربا ،
فهاجرت الآلاف إلى فلسطين ، الأمر الذي كانت الحركة الصهيونية قد فشلت تماماً في
تحقيقه حتى ذلك التاريخ .
ونحن
إذا أدركنا كل هذا ، يصبح من الواجب علينا أن نبتعد عن الدهاليز الضيقة المظلمة ،
وأن نتوقف عن البحث الطفولي الساذج عن اليهودي ذي الأنف المقوس والظهر المحدودب
(الذي لا يوجد إلا في كتب الكاريكاتير وفي النهاذج الاختزالية) ظنا منا أننا لو
عثرنا عليه وقضينا عليه فإننا سنريح ونستريح . فالصراع مع العدو مركب وطويل ،
والدولة الصهيونية ليست مؤامرة عالمية بدأت مع بداية الزمان ، وإنما هي قاعدة
عسكرية واقتصادية وثقافية وسكانية للاستعار الغربي ، والصراع معها إنا هو جزء من
المواجهة العامة مع الحضارة الغربية الغازية .
المؤشر بين النماذج الاختزالية والمركبة
كلمة
«المؤشر» من فعل «أشر» ، وهو من الألفاظ العربية المحدثة ، وتقابلها في اللغة
الإنجليزية كلمة «إنديكيتور 62٤0ز110» . والمؤشر هو عادة جسم متحرك (إبرة
أو عقرب) يتحرك على سطح به مقياس . وتدل حركة المؤشر على التحولات التي تطرأ على
شئء آخر، فالإبرة التي توجد في عداد السرعة في السيارة تدل على السرعة ، أما
الإبرة التي توجد في جهاز قياس الضغط ، فتدل على الضغط ، وتدل عقارب الساعة على
الزمن . ويلاحظ أنه توجد هنا علاقة بين شيئين : جسم مادي يشاهده المرء بشكل مباشر
، وشيء آخر غير منظور يجرى قياسه مثل السرعة والزمن وضغط الدم في الإنسان أو الضغط
الجوي.
وتستخدم
كلمة «مؤشر» في العلوم الإنسانية لنفس الهدف . فالمؤشر عنصر ما في الواقع تمكن
ملاحظته بسهولة، والتحولات التي تطرأ عليه تدل على التحولات التي تطرأ على مفهوم
مجرد . وبسبب هذه العلاقة يمكن جمع المعلومات والبيانات عن المفاهيم المجردة
(الطبقة - المكانة - الأسرة) من خلال المؤشر بحيث يتعمق إدراكنا لكل هذه المناهج
وبنيتها ، كايمكن رصد التحولات التي تطرأ عليها .
ويتاءى
للبعض أن علاقة المؤشربالواقع مباشرة تماما تشبه علاقة العقل بالواقع أو علاقته
بالمعلومات ، وذلك في الرؤى الموضوعية المتلقية المادية (صفحة بيضاء تنطبع عليها
معطيات الواقع الحسية دون تدخل الرؤى والرموز والذكريات والإرادة والمقدرة
والمصالح على خداع الذات وتجاوزها) ، كما تشبه علاقة المثير بالاستجابة في النماذج
السلوكية إذ لا توجد مسافة تفصل بين الواحد والآخر . ولكن المؤشر لا يتحرك في فراغ
أو على صفحة بيضاء ، فهو مرتبط داي بالنموذج الإدراكي أو التفسيري الذي يحكم رؤية
من يستخدم المؤشر ، وقد يكون المؤشرتعبباً عن نموذج مركب (ولنسمه «المؤشر المركب»)
، ولذا فإن علاقته بالواقع ستكون مركبة لأنه يشيرإلى الواقع في مستوياته المختلفة
الظاهره والباطنة والبرانية والجوانية وأبعاده المتنوعة دون اختصار أو اختزال .
وهو سيدور في إطار رؤية تفسيرية اجتهادية تدرك تماماً أن معرفة بعض جوانب الواقع
ممكنة ، أما معرفة كل جوانب الواقع فأمر إمبريالي مستحيل . وقد يدور المؤشر في
إطار نموذج اختزالي (ولنسمه «المؤشر الاختزلي») فتصبح مهمته اختزال الواقع .
فالمؤشر الاختزالي - شأنه شأن النماذج الاختزالية- يتعامل مع الواقع (متضمنا
الإنسان) باعتباره ظاهرة بسيطة واضحة ، خاضعة للسببية الصلبة المباشرة الكاملة ؛
الظاهر هو الباطن ، والسطح لا يختلف عن الأعماق ، والظاهر يكشف ما في الباطن
بسهولة ويسر ، والسطح يشف عا تحته بدون عناء . والدوافع الإنسانية بسيطة واضحة
يمكن رصدها ، ولذا فإن الإنسان يسلك حسب نمط متكرر مسبق ، وللا يسهل التنبؤ بعا
سيفعل كما يتصور السلوكيون (وهم حالة متطرفة من أصحاب المؤشرات الاختزالية الكمية
المادية) . ويظن صاحب المؤشر الاختزالي أن مؤشره أو مؤشراته يقينية نهائية صلبة
وما عليه إلا أن يتسلح بها وينظر للواقع بشكل موضوعي محايد (متجاهلا السياقات
المركبة المتداخلة والأبعاد التاريخية والتركيبات النفسية والرموز متعددة الأوجه)
. وهو عادة ما يحول الكيف إلى كم ، بل إنه يدرك الكيف باعتباره كما (فعلم اجتاع
عشة الدجاج لا يختلف بالنسبة له عن علم اجتاع المنزل الإنساني) ثم يعبى جداوله
التي لا تنتهي بالبيانات وهو فطن دانياًإلى أنه أحاط بكل جوانب الواقع وشرحه
تماماً بشكل موضوعي باهر .
وصاحب المؤشرات
الاختزالية جاهزداي بآلياته الرصدية وجداوله البحثية وإستبياناته ، ولكنه جاهز
بالدرجة الأولى بأطروحته الاختزالية التي تفير كل شيء ويرد إليها كل شيء . فالأمور
إن هي إلا : عناصراقتصادية - صراع من أجل البقاء - دوافع جنسية - شهوة
٣٠٧
للسلطة-
مؤامرة بلشفية- مؤامرة يهودية- مؤامرة إسلامية متطرفة . ويتم الرصد في إطار هذه
الأطروحة وتستخدم المؤشرات للتوثيق الذي لا ينتهي . وبذلك يصبح المؤشر ليس طريقة
لاكتشاف الواقع وإنا لتسطيحه وتبسيطه وتسويته .
ينظر
صاحب المؤشرات الاختزالية حوله جاهزا بأطروحاته البسيطة ، ويتحول كل ما حوله إلى
مؤشرات تثبت ما يؤمن به دون أي قلق أو اجتهاد أوإشكاليات . وبدلا من اكتشاف الواقع
وإعادة اكتشافه ، يقوم هو بعملية رصد موضوعي متلق وتوثيق سطحي . فإن اشترك يهودي
أمريكي في مظاهرة من أجل إسرائيل ، فإن الأمور منتهية والدلالة واضحة ، فالظاهر
والباطن واحد ، والمثير والاستجابة متصلان . فاشتراك هذا اليهودي في مثل هذه
المظاهرة دليل صلب لا يدحض على أنه صهيوني متعاطف مع إسرائيل . وإن ضبطت مجموعة من
المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية ، فإن المسألة أيضاً منتهية ، فهذ مؤشر صلب
على أن اليهود أشرار ينشرون الفساد في الأزض . وإن قررت الولايات المتحدة نقل
سفارتها إلى القدس ، فإن المسألة واضحة وسهلة وتنهض دليلا على سطوة اللوبي
الصهيوفي . وإن صرح أحدهم أن أبواب الهجرة من الاتحاد السوفيتي ستفتح أمام اليهود،
فهذه ولاشك جريمة العصر إذمن المتوقع أن تهاجرالملايين ، لأن الأطروحة السائدة أن
اليهود يهاجرون إلى إسرائيل كلا سنحت لهم الفرصة! .
وما يغيب في هذه
الاستجابات هو الإحساس بتركيبية الواقع وأن الظاهر ليس هو الباطن. ومن ثم، فإن
الأطروحات البسيطة لاتكفي، والمؤشرات الواضحة البسيطة لإبد أن تثير في أنفسنا الشك
. فالإنسان ظاهرة مركبة إلى أقصى حد، ظاهرة تحوي داخلها عناصر لا يمكن بأية حال
ردها إلى النظام الطبيعي (الوعي - الحس الخلقي - الحس الجمالي - المقدرة على
مراقبة الذات وتغييرها - المقدرة على فعل الخير وعلى فعل الشر بشكل ولع ونتيجة
اختيار حر- المقدرة على استخدام الرموز في العمليات الإدراكية) . وهذه العناصر
تتجلى في أشكال ملموسة مختلفة، ولكن إدخالها في شبكة السببية الصلبة والتوصل إلى
مؤشرات مادية عليها أمر عسير في معظم الأحيان ومستحيل في بعضها، ولعل هذا هو سبب
صعوبة التنبؤ بسلوك الإنسان. ولكن يظل من الضروري، مع هذا، استخدام المؤشرات
والتعميم منها، فبدونها لا يمكن رصد الواقع ولا يمكن رؤية الأنماط الكامنة وراء
سيل المعطيات والمعلومات ولا يمكن أن يقوم علم . ولكن لابد أن تحاول
أما في
أمريكا اللاتينية، فإن قولناإن أعضاء الجماعات اليهودية انخرطوا في صفوف الطبقة
المتوسطة هو من قبيل التجاوز . فهم طبقة متوسطة من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية
والمهنية ، ولكنهم مع هذا احتفظوا ببعض ملامح الجماعة الوظيفية المالية . ومن بين
هذه الملامح العلاقة مع النخبة الحاكمة، إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا
اللاتينية كانوا غيرممثلين (حتى عهد قريب) في النخبة الحاكمة بسبب التكوين الحضاري
الخاص للمجتمعات اللاتينية . فرغم أنها مجتمعات استيطانية ، إلا أنها لم تصل إلى
درجة عالية من العلمنة والانفتاح كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة .
٢ -
يجب أن ندرك أن مضمون المؤشرات في العلوم الإنسانية ليس مباشرا ، فظاهر الإنسان
يختلف عن باطنه ، إذ لإبد أن يكد الباحث لتحديد المعنى الحقيقي للمؤشر ، ولذا يمكن
أن تكون بعض المؤشرات متشاهة بشكل سطحي، ولكننا بعد شيء من التعمق فيها سنكتشف
أنها تشير إلى مدلولات مختلفة بل متناقضة . والعكس صحيح ، إذ يمكن أن تبدو
المؤشرات متناقضة، ولكن بعد شيء من التعمق يتضح أنها تشير إلى مدلول واحد.
ولنضرب
بعض الأمثلة على ما نقول : إن هجرة اليهود من بلادهم إلى إسرائيل هو مؤشر على أن
ثمة عناصر طرد في بلادهم الأصلية وعناصر جذب في إسرائيل وتدل على فشلهم في
الاندماج في مجتمعاتهم . وبناء على هذا التعميم المعقول ، بل البديهي ، يمكن القول
بأن هجرة يهود جورجيا هي تعبير عن نفس الاتجاه . ولكننا لو تعمقنا قليلا لوجدنا أن
هجرة تهود جورجيا تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم، فجماهير جورجيا السوفيتية (قبل
سقوط الاتحاد السوفيتي) كانت تناصب الدولة السوفيتية العداء ، وأعضاء الجماعات
اليهودية كانواجزءا لا يتجزأ من هذه الجياهير ومن مجتمعهم الجورجي . وبالتالي ،
فإن الخروج من جورجيا والذهاب إلى إسرائيل (عدو الاتحاد السوفيتي اللدود) ليس
خروجاً يهوديا بل هو خروج جورجي وتعبير عن حركيات المجتمع الجورجي وعن رفض الهيمنة
السوفيتية. وإذا نظرناللى يهود بني إسرائيل في الهند فسنجد أنهم يعيشون في عزلة
(وهذا يؤخذ كمؤشر على عدم اندماجهم) . ولكننا سنكتشف أن المجتمع الهندي مبني على
نظام الطائفة المغلقة، وأن من ينتمي إلى هذا المجتمع عليه أن ينظم نفسه على هيئة
طائفة مغلقة ، وهذا ما فعلته الجماعات اليهودية في الهند ، فعزلتها هي تعبير عن
اندماجها .
أما في أمريكا
اللاتينية، فإن قولنا إن أعضاء الجماعات اليهودية انخرطوا في صفوف الطبقة المتوسطة
هو من قبيل التجاوز. فهم طبقة متوسطة من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية والمهنية،
ولكنهم مع هذا احتفظوا ببعض ملامح الجياعة الوظيفية المالية. ومن بين هذه الملامح
العلاقة مع النخبة الحاكمة، إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية
كانوا غيرممثلين (حتى عهد قريب) في النخبة الحاكمة بسبب التكوين الحضاري الخاص
للمجتمعات اللاتينية. فرغم أنها مجتمعات استيطانية، إلا أغها لم تصل للى درجة
عالية من العلمنة والانفتاح كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة .
٢ - يجب أن ندرك أن مضمون المؤشرات في العلوم
الإنسانية ليس مباشرا ، فظاهر الإنسان يختلف عن باطنه ، إذ لابد أن يكد الباحث
لتحديد المعنى الحقيقي للمؤشر ، ولذا يمكن أن تكون بعض المؤشرات متشابهة بشكل
سطحي، ولكننا بعد شيء من التعمق فيها سنكتشف أنها تشير إلى مدلولات مختلفة بل
متناقضة . والعكس صحيح، إذ يمكن أن تبدو المؤشرات متناقضة، ولكن بعد شيء من التعمق
يتضح أنها تشير لملج مدلول واحد.
ولنضرب بعض الأمثلة على ما نقول : إن هجرة
اليهود من بلادهم إلى إسرائيل هو مؤشر على أن ثمة عناصر طرد في بلادهم الأصلية
وعناصر جذب في إسرائيل وتدل على فشلهم في الاندماج في مجتمعاتهم . وبناء على هذا
التعميم المعقول ، بل البديهي ، يمكن القول بأن هجرة يهود جورجيا هي تعبير عن نفس
الاتجاه . ولكننا لو تعمقنا قليلا لوجدنا أن هجرة يهود جورجيا تعبير عن اندماجهم
في مجتمعهم ، فجماهير جورجيا السوفيتية (قبل سقوط الاتحاد السوفيتي) كانت تناصب
الدولة السوفيتية العداء ، وأعضاء الجماعات اليهودية كانواجزءا لا يتجزأ من هذه الجماهير
ومن مجتمعهم الجورجي . وبالتالي ، فإن الخروج من جورجيا والذهاب إلى إسرائيل (عدو
الاتحاد السوفيتي اللدود) ليس خروجا يهوديا بل هو خروج جورجي وتعبيرعن حركيات
المجتمع الجورجي وعن رفض الهيمنة السوفيتية. وإذا نظرنا إلى يهود بني إسرائيل في
الهند فسنجد أنهم يعيشون في عزلة (وهذا يؤخذ كمؤشر على عدم اندماجهم) . ولكننا
سنكتشف أن المجتمع الهندي مبني على نظام الطائفة المغلقة ، وأن من ينتمي إلى هذا
المجتمع عليه أن ينظم نفسه على هيئة طائفة مغلقة ، وهذا ما فعلته الجماعات
اليهودية في الهند ، فعزلتها هي تعبير عن اندماجها .
٣- يجب أن ندرك أن مضمون المؤشر في العلوم
الإنسانية مرتبط إلى حد كبير بالمعنى الداخلي الذي ينسبه الفاعل إليه ومرتبط
بالدلالة الرمزية للمعطى المادي (وهو أمر غير
متوافر
وغير وارد في العلوم الطبيعية) . ولنأخذ هجرة اليهود السوفييت من الاتحاد السوفيتي
كمثل. إذا لم نعرف دوافع المهاجرين للهجرة وظروف هجرتهم، فلن نتمكن من فهم اتجاه
حركتهم . فإذا افترضنا -- كما يفعل الصهاينة- أن الدافع للهجرة هو العودة إلى أرض
الميعاد ، فإن اتجاه اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة يبدو كما لو كان غباء
منهم . ولكننا إذا عرفنا أن دوافعهم هي الحراك الاجتماعي ، لأصبحت الهجرة إلى
الولايات المتحدة أمرا منطقيا جداً . ويؤدي تنوع المعنى الداخلي إلى تنوع الدلالات
لنفس المؤشر المادي ، ولذا فإن ثمة مؤشرا ماديا وإحدا قد يشير إلى أكثر من مدلول
أو إلى المدلول وعكسه. وقد درس الزعيم الصهيوني بن جوريون دوافع يهود الولايات
المتحدة وتركيبتهم الأيديولوجية والنفسية، وخلص من هذا إلى أن صهيونية كثير من
يهود أمريكا التي تتبدى في دفع التبرعات لإسرائيل والتظاهر من أجلها ليست تعبر عن
رغبتهم في العودة إلى أرض الميعاد أو تمسكهم بهويتهم وإنما هي محاولة لتغطية
اندماجهم في المجتمع الأمريكي وإرضاء لضمائرهم اليهودية المتعبة . فكأن المؤشر هنا
(ادعاء الصهيونية) يشيرإلى عكس مضمونه الصهيوني التقليدي (تماسك الهوية اليهودية)
. ولذا ، رغم أن كثيرا من ييود أمريكا متعصبون ويعلنون صهيونيتهم بشراسة غير عادية
، إلا أن الملاحظ أنهم لا يذهبون إلى انتخابات المؤتمر الصهيوني ويكتفون بدفع
اشتراكات العضوية . ويلاحظ أن صهيونية يهود أمريكاتعني أنهم يهود/ أمريكيون (على
غرار إيطاليون/ أمريكيون) أي أن إسرائيل مسقط رأسهم . ولكن مسقط الرأس هو المكان
الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه . ومرة أخرى نلاحظ أن المضمون الحقيقي لصهيونية
يهود أمريكا ليس صهيونيا .
وهناك ، كذلك ، متحف
الهولوكوست في الولايات المتحدة الذي افترض بعضهم أنه مؤشر على النفوذ الصهيوني .
ولكن ، بعد دراسة الأمر ، ظهر أن يود أمريكا قد أسسوا هذا المتحف دفاعاً عن هويتهم
اليهودية الأمريكية وتأكيداً عل أن أمريكا (وليس إسرائيل) هي وطنهم ، وأنها ليست
المنفى الذي يتحدث عنه الصهاينة . ولذا ، لم يسعد صهاينة إسرائيل كثيرا بهذا
المتحف إذ جعل مركز يهود أمريكا في أمريكا نفسها .
ولنأخذ
ظاهرة حب اليهود وكرههم . فإذا عرفنا مثلا أن حب بلفور لليهود كان يعبر عن رغبته
في التخلص منهم ، فإننا سنكتشف أن حب بلفور لهم لا يختلف كثيرا عن كره هتلر لهم .
إن المعنى الداخلي للمؤشر مرتبط تماماًبرؤية الفاعل إلى الكون ، فكأن المضمون
المحدد والمتعين للمؤشر يتحدد إلى حد كبير في إطار رؤية الفاعل . وثمة نقطة هامة
أخرى
٣١١
مرتبطة
تماماً بقضية المعنى الداخلي وهي أن رؤية الفاعل ، ظاهرة كانت أم كامنة ، مختلفة
عن أمنياته وعن أقواله . فقد تتطابق الأمنيات والأقوال مع الرؤية إلى الكون ، وقد
تتناقض جزئيا أوكلياً معها . والمتتالية المحتملة والمشروع والبرنامج كثيرا ما
تختلف عن المتتالية المتحققة وعن النتائج الفعلية ، ويجب ألا يخلط الباحث الواحد
بالآخر ، فيأخذ البرنامج السياسي باعتباره مؤشرا صلباً على ما سيحدث .
٤ -
يرتبط بالعنصر السابق قضية استطلاعات الرأي التي ينظر إليها باعتبار أنها مؤشرات
صلبة على الاتجاهات السياسية في مجتمع ما . فتوجه أسئلة واضحة يمكن الإجابة عنها
بنعم أو لا ، ثم تصب المعلومات في جداول ويقسم أصحاب الإجابات إلى صقور وحمائم
مثلا . والتقسيهمات الثنائية تكون عادة مغرية ولكن اختزالية ، إذ لا يعقل أن يكون
الواقع بمثل هذه البساطة . فإن سئل إسرائيلي هل أنت مع السلام ؟ ستكون إجابته ولا
شك " نعم أنا مع السلام " ، إذ من النادر أن يوجد إنسان قادر على أن
يقول «أنا ضد السلام ومع سفك الدماء» . فالسؤال الساذج يؤدي إلى إجابة ساذجة .
ولكن الثنائيات المتعارضة لا يمكنها أن تصل للى تركيبية الواقع وتموجاته . وثمة
أسئلة يمكن الإجابة عنها ب «نعم» على مستوى و«لا» على مستوى أخر ، و«نعم ولا» في
آن واحد على مستوى ثالث . وهناك أيضا الدوافع المركبة (بعضها خفي وبعضها على مستوى
اللاوعي) . فقد بينت إحدى إحصاءات الرأي في الاتحاد السوفيتي أن ٧١٧ من يهود
الاتحاد السوفيتي يتحدثون اليديشية . ولكنهم، بعد مراجعة الأقام، وجدوا أن جزءا
كبيرا منهم قد صرح بأن اليديشية لغته كجزء من تأكيد هويته وكجزء من الاحتجاج على
الدولة السوفيتية ، وأن هؤلا في واقع الأمر لا يتحدثون اليديشية ، والأهم من هذا
أنهم لا يرسلون أولادهم لتعلم اليديشية ، وبالتالي فاستطلاع رأي هؤلا لا يجدي
كثيراًإذ أن ولاءهم العقائدي وأحلامهم المثالية هي التي تحدد إجابتهم وليس واقعهم
الفعلي . وفي أحد استطلاعات الرأي في إسرائيل ، قالت أغلبية المشتركين إنهم من
مؤيدي مؤتمر السلام ، فقام أحد الصحفيين باستطلاع رأي آخر ليتأكد أن المشاركين
يعنون ما يقولون ليكتشف أن ٠ ٧٨ لا يعرفون مؤتمر السلام هذا ولا أهدافه . وكمحاولة
للتوصل إلى إطار أكثر تركيبا ، اقترحت في إحدى دراساقي ، بدلا من الصقور والحمائم
، أن يكون هناك صقور وحمائم ودجاج (يفر) ونعام (يتجاهل الواقع) ، واقترحت المزيد
من " الطيور الإدراكية" .
٥ -
يجب أن ندرك أن المؤشر في العلوم الإنسانية يشير إلى عالم الإنسان المركب الذي
يوجد فيه ما هو جوهري وما هو هامشي ، وأن المؤشر على الجوانب الجوهرية للظاهرة
أكثر أهمية من المؤشر على الجوانب الهامشية . فيمكن أن يورد الإنسان مؤشرات صلبة
ولكن ليست لها مقدرة تفسيرية عالية أو مركزية . ولذا ، إن بين أحد أن كل نساء
ولاية إلينوي ممن تجاوزن سن الأربعين يؤيدن الدولة الصهيونية، فلابد أن يكون ذلك
الأمر مهما ولكنه أقل أهمية عن معرفة أن مستشاري الأمن القومي في الولايات المتحدة
(من يهود وغير يهود) مؤيدون لإسرائيل.
٦ -
كاينبغي ، بقدرالإمكان، الاحتفاظ بالبعدالمعرفي النهائي للمؤشر إذ سيساعدنا هذا
على التمييز بين المهم والأقل أهمية ، وبين الهامشي والجوهري والنماذجي ، وبين
الجزء والكل ، وبين الأمنية والحقيقة ، وبين المضمون المتعين للمؤشر وأي مضمون
عشوائي . فالمؤشر بدون بعد معرفي (وفي إطار محايد) قد يصلح لأن يكون مرراً على أي
فيء.
ويجب
أن ندرك أن المؤشر ، مها بلغ من شفافية أو سطحية أو وضوح ، له بعده المعرفي. وحين
يأخذ دارس ما اشتراك أمريكي يهودي في مظاهرة تأييد لإسرائيل دليلا واضحا على
صهيونية هذا اليهودي ، فلابد أنه يؤمن ، في واقع الأمر بشكل ما ، أن كل يهودي
صهيوني بشكل فعلي أو محتمل ، أي أنه يؤمن ببساطة الدوافع الإنسانية وأحاديتها
وجمود الطبيعة البشرية . أو كما يقولون بالإنجليزية " وانس أي جو ألويز أي جو
01106 ٥٣ /1
2
217275
,/010
1
2
من ولديهوديايظل كذلك مدى حياته ٠ . وكلمة «يهودي» هنا
تشير إلى مجموعة من الصفات التي يفترض فيها أنها يهودية . وهذه رؤية سطحية يائسة.
٧- وفي تحليل المضمون تؤخذ الكليات والجمل
كمؤشرات على أفكار أو مواقف من استخدمها أو نطق بها . ويمكن أن تدور الكلات والجمل
في إطار النماذج الأختزالية فيتم تصنيفها بشكل سطحي مباشر ، وكأنها انعكاس بسيط لواقع
المتحدث، وكأن الكلأت أدوات شفافة توصل ما يريد الإنسان التعبير عنه بشكل مباشر .
وتبدأ عملية الإحصاء والرسوم البيانية التي لا تلامس إلا السطح . ولتجاوز هذا لابد
أن يدرك الباحث أن علاقة الدال بالمدلول ليست بسيطة أو سهلة أو مباشرة وإنا بالغة
التركيب . فالمدلول يتغير
٣١٣
حسب تغير السياق.
ولذانجد أن الدال الواحد مثل «قومية» له مدلول داخل التشكيل الحضارى العرب مختلف
عن مدلوله داخل التشكيل الحضاري الياباني . كما أن اللغة المجازية لهاأبعاد مختلفة
عن اللغة المباشرة . وعلاقة الكلمات بعضها ببعض قد تكون أكثر أهمية من معنى الكلمة
في نفسها، وما بين السطور قد يحدد معنى الكلات التي فوقها .
٨ -
وقد يكون من المفيد أن نتوقف هنا لنشير إلى ظاهرة لاحظناها في العالم العربي وهي
أن كثياً من الباحثين ممن هزموا من الداخل بدأوا يوظفون المؤشرات في دعم الهزيمة .
وهذه ظاهرة بدأت مع العصر الحديث في العالم العربي. فبعد وصول القوات الغازية
الغربية في أوائل القرن التاسع عشر، اهتزت ثقة الإنسان العربي في نفسه ، وخصوصا
أنه لم يكن يعرف شيئاً عن الحضارة الغازية (فكرها - ألياتها - قوانينها - نقاط
تصورها) ، لم يكن يعرف مثلا أي شيء عن تاريخ النهب الإمبريالي والتراكم الإمبريالي
، فتصورواهماً أن الإنسان الغربي قد توصل إلى ما توصل إليه من نظام ورخاء من خلال
إعمال عقله وبذل جهده وعمله لا من خلال استخدام عضلاته وتكنولوجيا الفتك المتقدمة
وعمليات النهب المنظمة . وحينها ذهب الطهطاوي إلى باريس لم ير سوى الحرية
والثقافة، ولم ير الجوانب المظلمة لهذه الحضارة رغم أنه ذهب إلى هناك عام ٠ ٨٣ ١ ،
وهو نفس العام الذي كانت فيه المدافع الفرنسية تدك الجزائر الآمنة . وقد يكون من
المهم مقارنة استجابة الطهطاوي باستجابة ذلك الشيخ الجزائري الذي قيل له إن عساكر
الفرنسيين قد جاءوا لينشروا الحضارة والمحبة في ربوع الجزائر ، فأجاب إجابة مقتضبة
جدا : لم أحضروا كل هذه المدافع وكل هذه البارود إذن؟ وهذا هو السؤال الذي لم
يسأله الطهطاوي ولم يسأله كثير من الباحثين ممن وقعوا تحت وطأة الهزيمة واستبطنوها تماما . وبدلا من اكتشاف الواقع الغربي
بجوانبه المنيرة والمظلمة ، جعلوا شغلهم الشاغل النقل عن الغرب كجزء من محاولة
اللحاق به. وبالتدريج ، وتحت شعار الموضوعية والواقعية
، بدأوا يتجردون من مثالياتهم وتراثهم وإبداعهم وأصبح همهم تقبل الوضع القائم
وموازين القوى وأصبح الآخر هو المثل الأعلى . وقد أنتج هذا مجموعة من المؤشرات
الموضوعية هي في الواقع تعبير عن الهزيمة .
وقد
حدث شى مماثل بالنسبة لإسرائيل ، فنحن في رصدنا لها لا نركز إلا على مواطن قوتها
وتقدمها وتفوقها ، وهذه هي الموضوعية والواقعية ، أما إذا اكتشفنا نقط ضعف العدو
وقصوره وتآكله ، فإن هذا يصنف باعتباره خداعا للذات . إن الذات المهزومة تخضع
تماما للآخر ولا يمكنها أن تتصور أن من الممكن أن تتفاعل داخله عوامل الحياة
والانتصار والموت
والانكسار . وتدريييا ، يدمن الإنسان الهزيمة إدمانا كاملا حتى تصبح رؤية للكون لا
يستطيع المرء أن يحتفظ بتوازنه بدونها . ومع أطروحة الهزيمة الاختزالية ، تحول
كثير من الباحثين إلى جند مجندة تخدم العدو بنزاهة موضوعية دون أن تدري ، فهي ترصد
مواطن قوته ، وتصدق كل ما يقوله وتتصرف في إطاره بأمانة مضحكة دون تمحيص، وكيف
يتأتى لهم غير ذلك وهم المهزومون من الداخل ؟
ويمكن تجاوز النموذج
الاختزالي ، كما يمكن تحسين أداء المؤشر كأداة لمعرفة الواقع بدلا من أن تحوله إلى
أداة تخفيه تماماً عن عيوننا ، وذلك عن طريق إدراك تركيبية الواقع . ويترجم هذا
الموقف نفسه إلى تنويع السياقات التي يتم إدراك المؤشر في إطارها بحيث يتحول المؤشر
الصلب من مجرد آلة صلبة لتسطيح الواقع إلى أداة مرنة تكتشف نتوءه ومنحناه الخاص .
وهذا لا يتأتى للباحث إلا إذا قام بعملية تثقيف ذاتية فيما يتصل بالسياقات
المختلفة المحتملة للمؤشر، فإدرا كه لهذه السياقات سيمكنه من وضع المؤشر داخل نمط
عام ، كما أنه سيدرك معناه الداخلي والإشكاليات المختلفة المرتبطة به . ولنضرب
مثلا باللوبي الصهيوني الذي تجمع معظم الكتابات العربية أنه القوة الحقيقية وراء
تحركات الولايات المتحدة والعالم الغربي ضدنا . وقد كتبت كثير من الدراسات انطلاقا
من هذه الأطروحة البسيطة وقامت بتوثيقها بعناية بالغة دون اختبارها أو وضعها هي
نفسها موضع الاختبار (انظر الفصل الثامن) . وبإمكان الباحث أن يفعل ما يلي حتى
يمكنه وضع هذه الأطروحة الصلبة البسيطة موضع التساؤل :
١ -
دراسة جماعات الضغط الأخرى (الشواذ جنسيا- المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في
امتلاك السلاح) لنقارن قوتها بقوة اللوي الصهيوني ، ولنرى هل قوة اللوي الصهيوني
أمر فريد ، أم أنها إحدى سمات الديموقراطية الأمريكية (ديموقراطية جماعات الضغط) ؟
٣ - دراسة تزايد الدعم الأمريكي للصهيونية
وإسرائيل وعلاقته باللوبي الصهيوني. وهل هناك علاقة طردية بين هذا التزايد وتزايد
قوة اللوبي الصهيوني والحركة الصهيونية أم أن الدعم يتزايد بغض النظر عن قوة أو
ضعف اللوبي ؟
٥ - دراسة الدعم البريطاني لإسرائيل وهل يوجد
لوبي صهيوني قوي في إنجلترا أم أن
الدعم البريطاني مرتبط بالمصالح الإستراتيجية
لبريطانيا ؟
٦ -
هل صدرت قرارات أمريكية لدعم إسرائيل بدون ضغط من اللوبي الصهيوني أم
أن القرارات لا تصدر إلا من خلال الضغط الذي
يمارسه ؟
٧ -
دراسة طريقة صنع القرار في الولايات المتحدة ومدى تأثرها بجماعات الضغط
في الأمور الإستراتيجية الجوهرية.
٨-
دراسة التوجه الإستراتيجي العام للسياسة الأمريكية وهل تم تحديد هذا التوجه من
خلال الضغط الصهيوني أم أن هذه سياسة عليا لم يساهم الصهاينة في صياغتها ؟
٩ -
دراسة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل (عدوان ١٩٥٦
وحادثة بولارد) وهل نجح
اللوبي الصهيوني في تغيير السياسة ؟
٠ ١
- مقارنة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولحظات التوتر بين السلطات
البريطانية في فلسطين والمستوطنين الصهاينة (ولحظات التوتر بين فرنسا والمستوطنين
الفرنسيين في الجزائر) .
١ ١ - دراسة تاريخية للعناصر التي أدت إلى
صدور وعد بلفور (أهم إنجاز صهيوني على الإطلاق) وهل لعب اللوبي الصهيوني أي دور في
ذلك وماذا كان حجم الدور ؟
٢ ١
- إجراء عمليات عقلية تصورية عن مسار السياسة الأمريكية لو غاب اللوبي الصهيوني
وغابت إسرائيل . هل سياسة الولايات المتحدة تجاه القومية العربية (على سبيل
المثال) كانت ستتغير لو أن يهود العالم وإسرائيل اختفوا من على وجه الأزض أم أن
ملامحها الأساسية ستظل كما هي ؟
النموذج التحليلي المركب لهذه الدراسة (الحلولية-العلمانية
الشاملة- الجماعات
الوظيفية)
ثلاثة
نماذج فرعية (الحلولية الكمونية الواحدية - العلانية الشاملة - الجاعات الوظيفية)
،
وهو النموذج الذي
استخدمناه في هذه الدراسة :
١ - الحلولية(والغنوصية والمشيحانية)
مذهب
الحلول أو الكمون هوالمذهب القائل بأن كل ما في الكون (الإله والإنسان والطبيعة)
مكون من جوهر واحد ، ومن ثم فهو عالم واحدي متماسك بشكل عضوي لا تتخلله أي ثغرات
ولا يعرف الانقطاع وينكر التجاوز تماما ويتسم بالواحدية الصارمة . ويمكن رد كل
الظواهر فيه ، مها بلغ تنوعها وعدم تجانسها ، إلى مبدأ واحد كامن في العالم . ومن
ثم يتم تسوية الإنسان بالكائنات الطبيعية وتصبح كل الأمور نسبية . والمبدأ الواحد
هو مصدر وحدة الكون وتماسكه وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه . ويمكن تفسير كل
شيء من خلاله . ولا يوجد فارق بين وحدة الوجود الروحية والمادية إلا في تسمية
المبدأ الواحد :
أ-يسمى المبدأ الواحد
«الإله» في المنظومات الحلولية الكمونية الروحية (وحدة الوجود
الروحية).
ب -
ويسمى «قانون الحركة» أو «قوانين الطبيعة» أو «الطبيعة / المادة» أو «القوانين
العلمية» في المنظومات الحلولية الكمونية المادية (وحدة الوجود المادية) (التي
نسميها أيضاً «حلولية بدون إله») . أما في العقائد التوحيدية فالمبدأ الواحد هو
الإله وهو متجاوز للإنسان والطبيعة والتاريخ وإن كان هو أيضاًخالقها ومحركها .
ومن
أهم تجليات النموذج الحلولي الكموني نموذج الغنوصية . والغنوصية من الكلمة
اليونانية «غنوصيص» ، ومعناها «علم« أو «معرفة» أو «حكمة» أو «عرفان» . فالعرفان
يتم التوصل إليه من خلال طقوس وشعائر محددة . وهي حركة فلسفية وتعاليم دينية
متنافرة تأخذ شكل أنساق أسطورية جميلة في غاية التنوع وعدم التجانس، انتشرت في
الشرق الأوسط القديم في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد . ورغم عدم تجانس
أساطيرها وتعاليمها وأفكارها ، بل وتنافرها ، فإنه يمكن القول إنه ثمة بنية كامنة
واحدة أو نموذج معرفي حلولي كموني واحد .
وتذهب الغنوصية إلى
أن الكون شرير ومعاد ، وأن العالم سجن والزمان ردى ، وأن الإنسان لا ينتمى إلى هذا
العالم وأنه وقع فيه وفي الزمان لا لذنب اقترفه أو لشر متأصل فيه
٣١٧
وإنا بسبب خلل كوني،
فهو ينتمي إلى العالم النوراني عالم الإله الخفي . ولن يتم الخلاص ولن يبلغ
الإنسان الكمال (الذي هو اسم آخر للنجاة والخلاص) إلا من خلال معرفة خفية باطنية
(غنوص) بخصوص الحقيقة الكلية الشاملة والمبدأ الواحد المطلق الذي يحكم الكون بأسره
ويعبر عن الواحدية الكونية ، وهي معرفة أو عرفان بالإنسان يفضي إلى معرفة بالإله،
فالإله هو في نهاية الأمر الإنسان، والإنسان هو الإله، أو على الأقل كلاهما ينتمي
لنفس العالم ، وقد صيغ من نفس المادة أو الجوهر، ولذا فإن الخلاص والكمال هو اتحاد
الذات الإنسانية مع الألوهية اتحادا جوهريا (ومن ثم سميت فلسفة هيجل «فلسفة
غنوصية») .
والغنوصية
هي النموذج المتكرر والكامن وراء معظم (إن لم يكن كل) الفلسفات والأنساق الحلولية
الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) عبر التاريخ، وهي أهم تعبير عن الواحدية
الكونية وعن النزعة الطبيعة المادية، وأكثرها تبلوراً ، ولذا أصبحت كلمة «غنوصية»
في اللغات الغربية علما على المذاهب الباطنية وعلى الهرطقات الجوهرية التي تقف على
الطرف النقيض من العقائد السماوية التوحيدية .
ويرتبط
بالحلولية الكمونية الواحدية فكرة الماشيح (المسيح المخلص اليهودى) الذى سيأتى فى
نهاية الزمان (التاريخ) ويقود شعبه إلى صهيون ويحكم العالم . والإيمان بالماشيح
يعبر عن نفسه فى الحركات المشيحانية. وتعد القبالاه (من الكلمة العبرية «تقاليد»)
وهى التراث الصوفى اليهودى من أهم إفرازات الحلولية الكمونية اليهودية . وتميل
النظم الحلولية إلى الخلط بين الأزلى والزمنى وبين المقدس والمدنس ويظهر هذا فى
المصطلحات . ولذا فنحن نستخدم كلمة «الماشيح» (بمنطوقها العبرى) لنميز بينها وبين
كلمة «المسيح» . كما نستخدم كلمة «يسرائيل» لنشير إلى اليهود كجماعة دينية حتى
نميز بينها وبين «إسرائيل» الدولة الصهيونية .
٢ -
العلانية الشاملة
ونحن
نفرق بين العلانية الجزئية والعلانية الشاملة. أما الأولى، فهي رؤية جزئية للواقع
تنطبق على عالم السياسة والاقتصاد وحسب، وهو ما يعبرعنه بفصل الدين وحسب عن الدولة
، وأحيانا عن رقعة الحياة العامة . وهذه الصيغة هي الصيغة الشائعة بين معظم البشر
في الشرق والغرب، بل وبين الكثير من المفكرين العلمانيين . وهي صيغة على استعداد
للتصالح والتعايش مع القيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة، بل والقيم الدينية
طالما
أنها لا تتدخل في عالم السياسة (بالمعنى المحدود) . وهناك بعض المفكرين الإسلاميين
ممن يرون أن هذه العلانية الجزئية لا تتناقض بأية حال مع المنظومة الدينية
الإسلامية وأنهما يمكنها التجاور والتعايش.
أما
الثانية ، فهي رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته ، لا تفصل الدين عن الدولة
أو رقعة الحياة العامة وحسب وإنما تفصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن
العالم (الطبيعة والإنسان) ، بل وتفصله عن كل الغائيات وتنزع عنه كل قداسة .
فالعالم مكتف بذاته وهو مرجعية ذاته ، وهو قابل لأن يعرف كله أو معظمه وأن يوظف.
وهذا يعني أن الإنسان يمكن أن يكون مرجعية ذاته ، ويمكن للطبيعة أيضآ أن تكون
مرجعية ذاتها . كما يمكن للإنسان أن يولد معياريته من داخل ذاته أو من داخل
الطبيعة.
وقد
تبدت هذه العلمانية الشاملة فى رؤيتين للإنسان : الإنسان السوبرمان الذي يولد ميعاريته
من ذاته ، ولا يؤمن بأي قيم خارجة عنها ، ولا يؤمن إلا بفلسفة القوة كقيمة وحيدة
مطلقة ، وهو إنسان يرى أن من حقه أن يوظف الآخرين لحسابه باعتباره الأقوى المنتصر
وأن يحوسلهم (أى يحولهم إلى وسيلة ، وهى كلمة قمنا بنحتها) . كما ظهر الإنسان
الرشيد الذي يتكيف مع المعيارية التي تولد من داخل ا لطبيعة / المادة، فظهر
الإنسان الطبيعى : الإنسان البرجماني - الإنسان الوظيفي- الإنسان
الاقتصادي-الإنسان الجسماني أوالجنسي- الإنسان المدجن . من هذا المنظور يصبح فصل
القيم الأخلاقية عن القطاع الاقتصادي في غهاية العصور الوسطى في الغرب وتعاظم قوة
الدولة المركزية وظهور قطاع اللذة وتزايد هيمنته وتغلغل المنظومة الداروينية
الاجتماعية (الصراعية المادية) في وجدان البشر أكثر أهمية من فصل الدين عن الدولة
. ويمكن القول إن العلمانية الشاملة هى فى واقع الأمر الداروينية الاجتماعية والنفعية
المادية والعقلانية المادية والبرجماتية، فهذه فلسفات تعطى أولوية للواقع المادى
الصلب على المنظومات الدينية والأخلاقية والإنسانية.
٣ - الجماعات الوظيفية
مجموعات
بشرية صغيرة يوكل إليها المجتمع وظائف شتى يرى أن أعضاءه لا يمكنهم الاضطلاع بها
لأسباب مختلفة ، فهذه الوظائف قد تكون مشينة أو متميزة من وجهة نظر المجتمع
(البغاء- الربا-القتال) ، وقديتطلب الاضطلاع يها قدرا عاليا من الحياد والتعاقدية
(التجارة والربا) لأن المجتمع يريد الحفاظ على قداسته وتراحمه ومثالياته. وقد
يلجأ
المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات
المجتمع وحاجاته من ناحية ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية
أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوظيفهم في المناطق النائية - خبرات غير متوفرة -
الحاجة إلى رأس مال) . كما أنه يوكل لهم بالوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع
الأمني (حرس الملك - طبيبه - السفراء والجواسيس) ، ويمكن أن تكون الوظيفة مشينة
ومتميزة وحساسة في ذات الوقت (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على وجه العموم ).كما
أن المهاجرين عادة ما يتحولون إلي جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من استقرارهم
في وطنهم الجديد) لأن الوظائف الأساسية عادة ما يكون قد تم شغلها من قبل أعضاء
المجتمع المضيف .
ويتوارث
أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها
ويتوحدون بها ويكتسبون هويتهم منها بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب ،
لا من خلال إنسانيته الكاملة المتكاملة ، ولذا يصبح عضو الجماعة الوظيفية إنسانا
ذا بعد واحد ، يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البعد أو المبدأ الواحد وهو وظيفته .
وبعد
أن يتم استيراد أو تجنيد العنصر الوظيفي يحدث ما يلي :
أ -
يدخل المجتمع المضيف في علاقة نفعية حيادية رشيدة يحوسل فيها كل طرف الطرف الآخر،
أى يحوله إلى وسيلة، وينظر إليه باعتباره وسيلة لا غاية ؛ مادة نافعة يتم التعامل
معها بمقدار نفعها (التعاقدية) .
ب -
ويتم عزل أعضاء الجماعة الوظيفية (عن طريق الزي أو المسكن أو اللغة أو العقيدة أو
الانتماء الإثني) حتى يصبح العنصر الوظيفي غريباً مميزا ويظل بلا قاعدة جماهيرية
أو أساس للقوة ، وفي حالة خوف دائم من الجماهير ، لا يطمح في المشاركة في السلطة
(وهذه ميزة كبيرة من منظور النخبة الحاكمة) . ولذا ، يتعمق ولاء أعضاء الجماعة
الوظيفية للنخبة الحاكمة التي استوردته والتي تستخدمه كأداة وتضمن بقاءه واستمراره
. وغالبا ما يرتبط العنصر الغريب عاطفيا بوطن أصلي (صهيون - الصين - القبيلة-
العائلة) يصبح موضع ولائه وحبه وعاطفته المشبوبة . ولكن الجماعة الوظيفية
(والوظيفة ذاتها) هي موضع الولاء الفعلي والمباشر لعضو الجماعة الوظيفية . وينتج
عن هذا أنه يشعر بالغربة نحو المجتمع المضيف ، يعيش فيه دون أن يكون منه (العزلة
والغربة والعجز) .
ج ينفصل أعضاء الجماعات الوظيفية عن الزمان
والمكان اللذين يعيشون فيهما ، ويتطور لديهم إحساس عميق بهويتهم المستقلة (مركب
الشعب المختار المنفي المنبوذ ) ، وهي هوية في معظم الأحيان وهمية ، فهم لايعرفون
معجيا حضارياسوى معجم المجتمع المضيف (الانفصال عن الزمان وإلمكان والإحساس
بالهوية الوهمية) .
د - ويطور طرفا العلاقة (أعضاء الجماعة الوظيفية
والمجتمع المضيف) رؤية أخلاقية ثنائية، فما يسري على الواحد من قيم أخلاقية مطلقة
لا يسري على الآخر ، باعتبأر أن الآخر في هذه العلاقة يقع خارج نطاق الحرمات
والمطلقات الأخلاقية . ويحاول كل طرف أن يحقق منفعته ولذته مستخدما الآخر
(ازدوإجية المعايير والنسبية الأخلاقية) .
ه- لكل هذا ، يتسم
أعضاء الجماعة الوظيفية بالحركية البالغة ، فهم آلة لا وطن لها ولا
انتماء إلا الوظيفة (الحركية).
و -
ينجم عن هذا الوضع تأرجح شديد بين تمركز حول الذات (الوظيفة) وتمركز حول الموضوع،
إذ أن عضو الجماعة الوظيفية أداة في يد المجتمع (التمركز حول الذات والتمركز حول
الموضوع) ، وتظهر عقدة الاختيار .
ويلاحظ
أن أعضاء الجماعات الوظيفية شخصيات متحوسلة منعزلة مغتربة لا جذور لها توظف ، وهم
يدخلون في علاقات تعاقدية مادية مع المجتمع لا تراحم فيها. ورؤية أعضاء الجماعات
الوظيفية تكون في الغالب رؤية حلولية كمونية واحدية ، فالحلولية تجعل من عضو
الجماعة الوظيفية عضوا في شعب مختار (وهو ما يجعل من السهل عليه تحمل وضعه المؤلم)
. وعلى الرغم من هذا أو ربا بسببه ينظر أعضاء الجاعة الوظيفية للعالم ولأعضاء
مجتمع الأغلبية باعتبارهم مادة نافعة يمكن استغلالها والاستفادة منها . وعضو
الجماعة الوظيفية هوإنسان اقتصادي محض له بعد واحد (وظيفة محددة) متحرر من القيم
الأخلاقية ، يكرس ذاته لمنفعته ولذته ويؤمن بالنسبية الأخلاقية وبازدواجية
المعايير ، ومرجعيته النهائية في علاقته بالمجتمع المضيف مرجعية مادية. لكل ما سبق
نجد أن أعضاء الجياعة الوظيفية عادة من حملة الفكر العلماني الشامل . ونحن نذهب
إلى أن الدولة الصهيونية هى إعادة إنتاج لظاهرة الجماعة الوظيفية فى العصر الحديث
على مستوى الدولة، ولذا فنحن نسمى إسرائيل «الدولة الوظيفية» ، وهى دولة تتسم بكل
سمات الجماعة الوظيفية وعلاقتها بالمجتمع الغري لا تختلف كثيرا عن علاقة الجماعة
اليهودية الوظيفية به.
وما
يجمع كل هذه النهاذج أنها تؤدي في نهاية الأمر إلى الواحدية وإلى استيعاب الجزء
والتفاصيل فى الكل، والخاص فى العام، والإنسانى فى الطبيعى .
وقد
استخدمنا فى هذه الدراسة عدة مصطلحات تنبع من نموذجها التحليلى التفسيرى فنحن نشير
إلى اليهود واليهودية باعتبارهما تركيب جيولوجي . ونحن نستخدم عبارة «التركيب
الجيولوجي التراكمي» لنصف عمق عدم التجانس الذي تتسم به العقيدة / العقائد والهوية
/ الهويات اليهودية ، ولنشير إلى أن نقط الاختلاف لها قيمة تفسيرية أعلى . ويتسم
التركيب الجيولوجي بأنه يتكون من طبقات جامدة مستقلة، ترا كمت الواحدة فوق الأخرى
ولم تلغ أية طبقة جديدة ما قبلها ، ولذا تتجاور الطبقات وتتزامن وتتواجد مع بعضها
ولكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تلغي الواحدة الأخرى .
ورغم
تعدد الطبقات الجيولوجية داخل العقيدة اليهودية ، إلا أننا نرى أن أهم الطبقات على
الإطلاق هي الطبقة الحلولية الكمونية التي كانت روحية حتى عصر النهضة في الغرب (مع
هيمنة القبالاه) ثم أصبحت حلولية كمونية مادية (أي علمانية شاملة) ابتداء من ذلك
التاريخ.
وانطلاقاً
من إدراكنا للطبيعة الجيولوجية التراكمية للهويات اليهودية وعدم تجانسها ، ومن أن
الهويات اليهودية تشكلت من خلال المحيط الحضاري المحيط بها وليس رغما عنه، فإننا
نستخدم اصطلاح «جماعات يهودية» بدلا من أن نستخدم اصطلاح «يهود» بشكل مطلق ، ذلك
لأن مصطلح «جماعات يودية» يؤكد عدم التجانس (جماعات) رغم وجود عنصر تشابه ووحدة
بينها (يهودية) . ولكن عناصر عدم التجانس لها قيمة تفسيرية أعلى.
ومع
هذا ، فنحن نرى أن معظم الجماعات اليهودية في الغرب قد تحولت إلى جماعات وظيفية ،
وإن كان ثمة عنصر تجانس أساسي فهو وظيفية الجماعات اليهودية .
وقد
وردت مصطلحات أخرى ولكن المصطلحات والنماذج السابقة تشكل الأداة التحليلية
الأساسية في هذه الدراسة. ونحن نطرحها باعتبارها أكثرتفسيرية من النماذج السائدة،
ومن ثم فنحن نفتح باب الاجتهادولاندعي أن ما أتينابه هوالحقيقة العلمية الصارمة
النهائية . ومن اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد .
والله أعلم .
الفصل الأول : المؤامرة اليهودية عبر التاريخ المؤامرة اليهودية الكبرى ١١
بروتوكلات
حكماء صهيون..............................................
١٤
تاريخ التلمود
والموضوعات الأساسية الكامنة فيه.................................. ٢١
التلمود والجاعات اليهودية ................................................ ٣٥
السحر والتنجيم (نوستراداموس) .................................................. ٤٠
اليهود كشياطين في الأدب الغري
(شكسبير ودوستويفسكي). ......... ٤٥ المصالح
اليهودية
(دزرائيلي وكيسنجر وآخرون) .................................... ٥٩
الفصل الثاني : الحركات اليهودية الهدامة حتى غهاية القرن الثامن عشر عبد الله
بن سبأ والإسرائيليات.............................................................
٧٥
يهود المارانو المتخفون: تاريخ وعقيدة......... ....... ٨١
٣٢٣
الماشيح الدجال شبتاي تسفي.............................................................
٩٥
يهود اللونمه 4 ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ..................................... ١٠٠
الحركة الفرانكية................................................................
١٠٣
الفصل الثالث : الحركات اليهودية الهدامة في العصر الحديث
العبادات الجديدة............................................................................
١١٣
الماسونية : تاريخ وعقائد...................................................................
١١٥
الماسوية واليهود واليهردية.................................................
١٣١
البهائية والجماعات اليهودية.........................................
١٣٦
الفصل الرابع : الثورة الاشتراكية اليهودية الثورة
اليهودية...................... ١٤٣
الفكر الاشتراكي الغربى وموقفه
من الجماعات اليهودية....... ١٤٥
البلاشفة والجماعات اليهودية..........................................
١٥٢
ا لبلاشفة وا لصهيونية..................................................
١٥٦
مدى انخراط أعضاء الجماعات
اليهودية
في الحركات الاشتراكية والثورية....................................................
١٥٩
الفصل الخامس : الإباحية الجنسية اليهودية
الجنس.........................................................................
١٦٥
البغاء وتجارة ارقيق الأبيض....................................................
١٧٢
الشذوذالجنمي................................................................
١٧٨
اليهودية المتمركز حول الأنثى............................................
١٨٠
٣٢٤
الفصل السادس : الجرائم اليهودية
عتاة المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية
في العصر
الحديث.......................................................
١٩٧
جرائم اليهود المالية........................................................
٢٠١
الجاسوسية اليهودية......................................................
٢١١
روبرت ماكسويل: جاسوس وغشاش............................... ٢١٤
الفصل السابع : العبقرية
اليهودية
بروز اليهود وتميزهم........................... ٢٢٣
العباقرة من
أعضاء الجماعات اليهودية
(ابن نغريلة- يعقوب صنوع -ألبرت أينشتاين)........
... ٢٣٠
الفصل الثامن : هيمنة اليهود على السياسة والإعلام
اللوبي اليهودي والصهيوني (أو جماعات الضغط الصهونية) ٢٤٣
اللجنة الإسرائيلية
الأمريكية للشئون العامة (ايباك) .. ..... ٢٤٧ تلاقى المصالح الاستراتيجية
بين العالم الغربي والدولة الصهيونية..................................
٢٥١
اللوبي اليهودي والصهيوني في
أوربا الغربية ........٢٥٨ اللوبي اليهودي والصهيوني
في الولايات المتحدة الأمريكية..........................................
٢٦١
الصوت اليهودي فى الولايات المتحدة الأمريكية..... ...... ٢٦٩ أسباب
ازدهار الأسطورة البروتوكولية...................................................................
٢٧٨
٣٢٥
مطابع الشروق
القاهرة :٨ شارع سيويه المصرى -
ت:٤٠٢٣٣٩٩ - ماكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٠٢)
بيروت : ص ب: ٨٠٦٤-هاتف . ٣١٥٨٥٩-٨١٧٢١٣-فاكر : ٨١٧٧٦٥ (٠١)
|
دراسات ل
الحركات اليهودية الهدامة والسرية |
![]()
في وقت من الأوقات كانت هناك محاولات لمعرفة
إسرائيل تحت شعار «إعرف عدوك» - لكن هذه المعرفة كانت نوعا من التعبئة المشحونة
فات وقته، ولعل المحاولة منذ البداية كانت متخلفة من الأساس.
ثم جاء بعد ذلك وقت انقلبت فيه الآيات جميعا،
فإذا محاولة التعريف بإسرائيل عملية تسويق خاطفة الأضواء، باهرة الألوان، عالية
الأصوات - مؤداها أن إسرائيل نموذج يحتذى للتقدم إذا كنا نريده وللعصر إذا كنا
نقصده - هكذا قيل لئا ولا يزال يقال!
وفي التعبئة السابقة وفى التعليب الجديد
أظهرالتسطيح أنه لايصلح أداة للمعرفة.
والشاهد أن المعرفة التي يقدمها الدكتور عبد
الوهاب المسيري في هذا الكتاب وفي غيره مماكتب تجربة مختلفة بالكامل. فمنذ
الستينيات أخذ عبد الوهاب المسيري على نفسه مهمة أعطاها عقله وقلبه وأحلى سنوات
عمره، وهي مهمة دراسة الدين اليهودي والتواريخ والهويات اليهودية، حتى وقع ذلك
الانحراف الخطير الذي أدخلته الحركة الصهيونية على الدين والتاريخ والهوية كلها
معاً.
محمد حسنين هيكل
(من مقدمة كتاب الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ)
ستركز
هذه الدراسة على ما يسمى التفكير التآمرى والاتجاه نحو التخصيص الذى عادة ما ينسب
لليهود قوى عجائية ويزعم أن "يد اليهود الخفية" توجد في كل مكان
تقريياً، خاصة في المواقع الهامة (مثل مراكز صنع القرار) ، كما أن هناك تصورا عاما لدى الكثيرين أن
اليهودوراءكثيرمن الجمعيات السرية والحركات الهدامة
(الماسونية - البهائية - ألسبئية - التلمود - بروتوكولات حكماء صهيون - يهود
المارانو والدونمة - اللوبي الصهيوني - الجريمة والجنس) . بل ويذهب البعض إلى أن
ثمة مؤامرة يهودية كبرى عالمية قهدف إلى الهيمئة على العالم وتحقيق «المخطط
الصهيوني اليهودي» ! ومع تصرفات نتنياهو الأخيرة، ورفضه لتنفيذ حتى اتفاقيات
أوسلو، وتقبل الولايات المتحدة لهذا الوضع ، وسكوتها عنه، وعجز الكثيرين عن تفسير
سلوك نتنياهو وسكوت الولايات المتحدة، بدأ فكر المؤامرة يستشرى ويزيد. ٠ . .
ويجب
أن نذكر أنفسنا دائيا أن اليهودى الذى يفر من البغض العنصرى والاختزالى لاعداء
اليهود، هو نفسه المستوطن الصهيونى الذى يحمل السلاح ويغتصب الأض العربية، ويقتلع
أهلها ويطردهم أو يبيدهم. فالعداء لليهود والاستيطان الصهيونى هما وجهان اختزاليان
وعنصريان لعملة واحدة. فكلاهما يؤكد وحدة اليهود وكلاهما يطالب بطرد اليهود من
أوطانهم.
🍃 6633839173788273334
Not: Bazen Büyük Dosyaları tarayıcı açmayabilir...İndirerek okumaya Çalışınız.

Yorumlar
Yorum Gönder