Şevahidül Hakk...Yusuf b. Nebhani Arapça
قال الامام ابن حجر في
الجوهر المنظم: من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله وصار بها بين اهل
الاسلام مثلة انه انكر الاستغاثة والتوسل به صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك كما
افتى به، بل التوسل به حسن في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في الدنيا والآخرة فمما
يدل لطلب التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل خلقه وان ذلك هو سير السلف الصالح
الانبياء والاولياء وغيرهم، فقول ابن تيمية ليس له اصل من افترائه: ما اخرجه
الحاكم وصححه انه صلى الله عليه وسلم قال: (ولما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب
اسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم الا ما غفرت لي. قال الله يا آدم كيف عرفت
محمدا ولم اخلقه؟ قال يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على
قوائم العرش مكتوبا: لا اله الا الله محمد رسول الله، فعلمت انك لم تضف الى اسمك
الا احب الخلق اليك، فقال له صدقت يا آدم انه لاحب الخلق الي واذ سألتني بحقه فقد
غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك) والمراد بحقه صلى الله عليه وسلم رتبته ومزلته لديه
تعالى، او الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالى له على الخلق، او الحق الذي جعله
الله تعالى بفضله له عليه كما في الحديث الصحيح قال فما حق العباد على الله لا الواجب؛
اذ لا يجب على الله تعالى شئ، ثم السؤال به صلى الله عليه وسلم ليس سؤالا له حت
يوجب اشتراكا، وانما هو سؤال الله تعالى بمن له عنده قدر علي ومرتبة رفيعة وجاه
عظيم فمن كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه ان لا يخيب السائل به والمتوسل اليه
بجاهه، ويكفي في هوان منكر ذلك حرمانه اياه وفي حياته صلى الله عليه وسلم ما
فقال ادع الله لي ان
يعافيني، فقال (ان شئت دعوت وان شئت صبرت وهو خير لك
قال فادعه) وفي رواية ليس لي قائد وقد شق علي فامره ان يتوضأ فيحسن
وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه
وسلم نبي الرحة، يا محمد الي اتوجه بك الى ربي في قضاء حاجتي لتقضي لي اللهم شفعه
في) وصححه ايضا البيهقي وزاد، فقام وقد ابصر وفي رواية (اللهم شفعه في، وشفعني في
التوجه وبذل الافتقار والانكسار والاضطرار
مستغيثا به صلى الله عليه وسلم
ليحصل له كمال مقصوده، وهذا المعنى حاصل في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه
وسلم؛ ومن ثم استعمل السلف هذا الدعاء في حاجاتهم بعد موته صلى الله عليه
عفان زمن امارته بعده صلى الله عليه وسلم وعسر
عليه قضاؤها منه وفعله فقضاها،
رواه الطبراني والبيهقي وروى الطبراني بسند جيد انه صلى الله عليه وسلم ذكر في
دعائه (بحق نبيك والانبياء الذين من قبلي) ولا فرق بين ذكر التوسل والاستغاثة
والتشفع والتوجه به صلى الله عليه وسلم او بغيره من الانبياء وكذا الاولياء، وذلك
لانه ورد جواز التوسل بالاعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها اعراضا
فالذوات الفاضلة اولى، ولان عمر بن الخطاب رضي الله عنه توسل بالعباس رضي
عليه وسلم وقبره اظهار
غاية التواضع لنفسه، والرفعة لقرابته صلى الله عليه وسلم،
فف ته سله بالعاس ته سله بالنه . صل الله علبه ه سلم، ه : يادة. لا يقال لفظ التوجه
التوجه من الجاه وهو علو المزلة، وقد يتوسل بذي الجاه الى من هو اعلى جاها منه،
غيره وان كان ذلك الغير
اعلى منه. فالتوجه والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم
وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك ولا يقصد بهما احد منهم سواه
فمن لم ينشرح صدره لذلك
فليبك على نفسه، نسأل الله العافية، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى والنبي
صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه
خلقا وايجادا، والني مستغاث والغوث منه سببا
سببا وكسبا امر معلوم
لا شك فيه لغة ولا شرعا فلا فرق بينه وبين السؤال لا سيما مع ما نقل ان في حديث
البخاري رحمه الله تعالى في الشفاعة يوم القيامة فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم
بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد يكون معنى التوسل به صلى الله عليه وسلم طلب
الدعاء منه اذ هو حي يعلم سؤال من يسأله وقد صح في حديث طويل: ان الناس اصابهم قحط
في زمن امير المؤمنين عمر بن
الله استسق لامتك فانهم
قد هلكوا فاتاه صلى الله عليه وسلم في النوم واخبره انهم يسقون فكان كذلك، وفيه
ائت عمر فاقرئه السلام واخبره انهم يسقون، وقل له، عليك الكيس الكيس: اي الرفق
لانه رضي الله عنه كان شديدا في دين الله فاتاه
بلال بن الحارث المزلى الصحابي رضي الله عنه.
فعلم
انه صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته لعلمه بسؤال
من سأله كما ورد مع قدرته على التسبب في حصول ما سئل فيه بسؤاله وشفاعته صلى الله
عليه وسلم الى ربه عز وجل، وانه صلى الله عليه وسلم يتوسل به في كل خير قبل بروزه
لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته، وكذا في عرصات القيامة فيشفع الى ربه،
وهذا مما قام الاجماع عليه وتواترت به الاخبار.
الله على نبينا وعليه
وسلامه: (يا عيسى آمن بمحمد ومر من ادركه من امتك ان يؤمنوا به، فلولا محمد ما
خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت
العرش على الماء
فاضطرب، فكتبت عليه: لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن) فكيف لا يتشفع ومتوسل
بمن له هذا الجاه الوسيع والقدر المنيع عند سيده ومولاه
وقال
الامام السبكي بعد ذكر حديث آدم الذي فيه (اسألك بحق محمد لما غفرت لي) وقول الله
تعالى له (واذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) الحديث، هو حديث
صحيح الاسناد رواه الحاكم. قال وذكر معه الحاكم حديث
قال
الامام السكي بعد ما ذكر، واما ما ورد من توسل نوح وابراهيم وغيرهما من الانبياء
فذكره المفسرون واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته وتصحيح الحاكم له، وعبارة ابن حجر
السابقة وان كانت كافية وافية فلا بأس من ذكر بعض ما ذكره الامام السبكي وان تكرر
بعضه مع ما تقدم عن ابن حجر رحمهم الله تعالى لانه نقل
قال الامام السبكي:
اعلم انه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالني
لكل ذي دين المعروفة من
فعل الانبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين،
والتوسل بالني صلى الله عليه وسلم جائز في كل حال قبل خلقه وبعده في مدة حياته في
الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة، وهو على ثلاثة
انواع: ان يتوسل به صلى الله عليه وسلم بمعنى ان طالب الحاجة يسأل الله تعالى به
او بجاهه او ببركته، فيجوز ذلك في الاحوال الثلاثة، وقد ورد في كل منها خبر صحيح،
ولا فرق في المعنى بين ان يعبر
وسلم لانه جعله وسيلة
لاجابة الله دعاءه ومستغيث به صلى الله عليه وسلم لانه استغاث الله تعالى به صلى
الله عليه وسلم على ما يقصده، ومستشفع به صلى الله
عليه وسلم لانه سأل
الله بجاهه صلى الله عليه وسلم، والمقصود جواز ان يسأل العبد
وسلم له عند الله تعالى
قدر علي ومرتبة رفيعة وجاه عظيم، وفي العادة ان من كان له عند الشخص قدر بحيث انه
اذا شفع عنده قبل شفاعته، فاذا انتسب اليه شخص في غيبته وتوسل بذلك يشفعه به وان
لم يكن حاضرا ولا شافعا ويكون ذلك المحبوب او العظيم سببا للاجابة كما في الادعية
الصحيحة الماثورة (اسألك بكل اسم لك، واسألك باسمائك الحسني، واسألك بانك انت
الله، واعوذ برضاك من سخطك، ومعافاتك من عقوبتك، وبك منك) وحديث الغار الذي فيه
الدعاء بالاعمال الصالحة، وهو من الاحاديث الصحيحة المشهورة، فالمسئول في هذه
الدعوات كلها
وسلم ليس سؤالا للني،
بل سؤال لله تعالى به صلى الله عليه وسلم، وتارة يكون المسئول به اعلى من المسئول
كما في قوله (من سألكم بالله فاعطوه) فالمسئول به هنا
المسئول به كما في سؤال الله تعالى بالبي صلى
الله عليه وسلم، فانه لا شك ان للني صلى الله عليه وسلم قدرا عنده تعالى، فمن قال
اسألك بالني صلى الله عليه وسلم فلاشك في جوازه وكذااذاقال بحق محمد، والمرادبالحق
الرتبة والمزلة، والحق الذي جعله الله على الخلق، او الحق الذي جعله الله بفضله له
عليه كما في الحديث
قال:
وفي التجاء الناس الى الانبياء في ذلك اليوم ادل دليل على التوسل بهم في
لم ينكره احد ولا فرق
بين ان يسمى ذلك تشفعا او توسلا او استغاثة؛ وليس ذلك من باب تقرب المشركين الى
الله تعالى بعبادة غيره فان ذلك كفر، والمسلمون اذا
توسلوا بالني صلى
الله وسلم او بغيره من الانبياء والصالحين لم يعبدوهم ولا
وقد
جمعت ذلك من اماكن متفرقة من كتاب الامام السبكي أشفاء السقام: في زيارة خير
الانام عليه الصلاة والسلاما وهو مشهور مطبوع من اراده فليراجعه. وقال السيد
السمهودي في خلاصة الوفا: ولا فرق في ذلك بين التعبير بالتوسل او
في حال الحياة، اذ هو غير ممتنع مع علمه بسؤال
من يسأله صلى الله
فقد
ظهر من هذا ان استغاثة المستغيثين به صلى الله عليه وسلم تجئ على
بحقه او ببركته ان
يقضي حاجته، فالمستغيث على هذا هو الذي يدعو الله تعالى
والمعنى الثاني ان يسأل المستغيث البي صلى الله
عليه وسلم ليدعو الله تعالى وليسأله قضاء حاجته لانه حي في قبره كما يسأله الناس
الشفاعة يوم القيامة فيشفع لهم، وكما سأله الناس في حياته الدنيوية الدعاء
بالاستسقاء وغيره فدعا لهم بالسقيا
المعنيين، ورأيت في
وسئل
العلامة الشهاب الرملي الشافعي رحمه الله تعالى عما يقع من العامة من
عليهم الصلاة والسلام والاولياء والعلماء
والصالحين جائزة. قال الشيخ عبد الغني
الذين امنوا اثقوا الله
وابتغوا اليه الوسيلة المائدة: ٣٥).
قال الشيخ الرملي
وللرسل والانبياء والاولياء اغاثة بعد موتهم، لان معجزة الانبياء وكرامة الاولياء
لا تنقطع بعد موتهم. اما الانبياء فانهم احياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به
الاخبار، فتكون الاغاثة منهم معجزة لهم، والشهداء ايضا احياء شوهدوا شهارا جهارا يقاتلون
الكفار. واما الاولياء فهي كرامة لهم انتهى كلام الرملي وقد ذكر الشيخ عبد الغني
بعدها فتوى من العلامة الامام الشيخ عبد الحي الشرنبلالي الحنفي من جملتها قوله
رحمه الله تعالى: واما التوسل بالانبياء
ان له ايجاد شيء من
قضاء مصلحة او غيرها الا بارادة الله تعالى وقدرته، والمسلم متى امكن حمل كلامه
على معنى صحيح سالم من التكفير وجب المصير اليه انتهى كلام الشرنبلالي، ثم نقل
الشيخ عبد الغني رضي الله عنه فتوى الشيخ سليمان الشبرخيتي المالكي بذلك واتبعها
بفتوى الشمس الشوبري الشافعي التي قدمتها في اواخر الباب
محمد الخليلي الشافعي،
وذكر فتواه بطولها الى ان قال الخليلي رحمه الله: واعلم ان الاعتراض على القوم.
يعني الصوفية مما يوجب الخذلان فيوقع فاعله في واد من
الخاتمة
*
١٢٥). قال الشيخ الخليلي واما قوله، يعني
المعترض انه لا يجوز التوسل بالانبياء والاولياء، فهذا كذب وافتراء. وقد نص ائمتنا
على انه يجوز التوسل باهل الخير
يحدث شيئاً في الكون،
وانما يرون ان رتبتهم تقصر عن السؤال من الله تعالى،
قال رحمه الله: اذا
علمت ذلك علمت ان التوسل بالانبياء والاولياء جائز وارد عن السلف والخلف سواء
كانوا احياء ام امواتا؛ ولا ينكر ذلك الا من ابتلى بالحرمان او سوء العقيدة، نعوذ
بالله منه ومن سيرته فجميع ما قاله مردود عليه ووجب ان لا يعول عليه. وقال العارف
النابلسي قبل ذلك في كتابه المذكور نقلا عن فتوى الشيخ الامام العلامة ابي العز
احمد بن العجمي الشافعي الوفائي الازهري؛ وقول: يا سيدي احمد او يا شيخ فلان ليس
من الاشراك لان القصد التوسل
الفصل الرابع في توضيح هذه المسألة
يقول جامعه الفقير
يوسف النبهاني عفا الله عنه: اعلم ان جميع المسلمين الزائرين والمستغيثين بعباد
الله الصالحين ولا سيما الانبياء والمرسلين خصوصا سيدهم الاعظم صلى الله عليه وسلم
هم مع كمال تعظيمهم لاولئك السادات بالزيارات والاستغاثات يعلمون انهم من جملة عبيد
الله تعالى لا يملكون لانفسهم ولا لغيرهم من دون الله تعالى ضرا ولا نفعا ولكنهم
احب عبيده تعالى اليه واقربهم زلفى لديه، وهو سبحانه قد اتخذهم ولا سيما المرسلين
منهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ دينه وشرائعه، فاتخذوهم خلقه المجيبون لدعوتهم
المصدقون بنبوتهم وصفوتهم وسائط اليه في غفران زلاتهم وقضاء حاجاتهم لعلمهم بان
المناسبة بينهم وبينه تعالى اقوى بكثير من المناسبة بين غيرهم وبينه عز وجل وان
كانوا كلهم عبيده تعالى؛ فاذا علم
بتوحيده سبحانه وتعالى هو من لباب توحيده،
عز وجل، فكيف يقال مع هذا ان تعظيمهم يخل
بالتوحيد، هذا والله عكس الموضوع، ولا يقدم على القول به مسلم موفق، فالحمد لله
الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من خلقه ولو حصل من المخالفين ادنى تدقيق لعرفوا
انفسهم على الباطل بشذوذهم عن السواد الاعظم، وهو جمهور امته صلى الله عليه وسلم
حتى ان العلم
بهذه المسئلة: اي مشروعية السفر لزيارة الني صلى
الله عليه وسلم، ومثله الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم من الامور المعلومة من
الدين بالضرورة عند جميع العلماء والعوام من اهل الاسلام، حتى قال بعض ائمة
المالكية كما نقله السبكي في (شفاء السقام) وابن حجر في (الجوهر المنظم) بكفر
المانعين لذلك وان كان هذا القول غير معتمد، وليس في شيء من الاستغاثة وشد الرحل
ما يأباه العقل او النقل، وحديث منع شد الرحال هو وارد في المساجد بالتصريح، ولا
داعي الى تعميمه في غيرها، وعبارته لا تفيد ذلك من جهة العربية، وهو غير صحيح من
جهة الاحكام الشريعة، وتفصيل ذلك تقدم في الباب الاول، وكل ما اتوا به في هذا
الباب من المحاذير والاوهام تأباه هذه الشريعة الحنيفية السمحة ولا يقتضيه دين
الاسلام ولا يخفى على احد من المسلمين، بل وغير المسلمين عنده ادلنى المام بمعرفة
هذا الدين المبين واحوال
والصوفية وغيرهم من الخواص والعوام من جميع
مذاهب الاسلام، متفقون بالقول والفعل على استحسان الاستغاثة والتوسل والتشفع بالبي
صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى لقضاء الحوائج الدنيوية والاخروية، واستحباب شد
الرحال، والسفر
الامور المعلومة من
الدين بالضرورة بحيث لا يجهله ولا يتصور خلافه احد، بل لا يتوهم خلافه ولا يتخيله
كثير من طلبة العلم فضلا عن جمهور العامة الذين لا يخطر
استحسان ذلك، وما زالت الامة بحمد الله تعالى
كذلك يتلقاه المتأخرون عن المتقدمين، ويعتقدون كما هو الواقع ان ذلك من افضل
الطاعات واكمل القربات الى ان شذ عنهم اقل من القليل من بعض العلماء اشهرهم في ذلك
ابن تيمية وتلميذاه المذكوران، وكل المخالفين لو جمعوا في سالف الاعصار لا يجتمع
منهم الا شرذمة في غاية القلة لو نسبناها الى ذلك الجمهور الاعظم من علماء الامة
على
اختلاف المذاهب والمشارب لوجدنا في مقابلة كل
واحد من المخالفين الوف الوف من اولئك العلماء الاعلام فضلا عمن سواهم من الخواص
والعوام، وهذا وحده كاف لظهور ان الحق مع السواد الاعظم الذي يجب اتباعه عند وقوع
الخلاف كما
وقدورد في الحديث عن
الني المختار(من شذ شذ في النار) وكل عاقل صحبه ادنى توفيق اذا اعمل فكره قليلا
يدرك ان الحق الواضح مع اولئك الجماهير والخطأ الفاضح مع ذلك الترر القليل مع ان
ما قاله جماهير العلماء وعملوا به وشنعوا على مخالفه وعليه عمل الامة من جواز الاستغاثة
به والسفر لزيارته صلى الله عليه وسلم
تعالى تكليفا لا مندوحة عنه بل لا يصح ولا يتم
الايمان الا به كما ورد ذلك في الكتاب والسنة واستفاض بين الامة وما زعمته تلك
الشرذمة الشاذة فيه عدم الرعاية لجنابه الشريف وقدره المنيف صلى الله عليه وسلم،
ولا ينفعهم ما يلقونه من الاوهام، ويغالطون به انفسهم، ويلبسون به على العوام مما
تأباه ذووا الاحلام، وتجل عنه محاسن دين الاسلام، من ان ذلك شرك في تعظيم الملك
العلام سبحانه وتعالى، فان ذلك دليل على قصور الافهام التي لبس عليها الشيطان
وحيرها في هذا الشأن، حتى جعلهم يستنبطون في ذلك بحسب اوهامهم احكاما تأباها هذه الشريعة
السمحة، التي ليلها مثل نهارها، ولا يضل فيها الا ضال، ويفهمون من بعض آياتها
واحاديثها عكس مقصود الشارع، ولا سيما فيما يتعلق بسيد الوجود وصاحب المقام
المحمود صلى الله عليه وسلم، ويلبسون بذلك على الخلق، ويعتقدون خلاف الحقيقة
والحق، ويخالفون هذه الامة المحمدية التي لا تجتمع على ضلالة، وقد الهمها الله
تعالى بفضله رشدها وهداها الى معرفة درجات التعظيم الواجب لله تعالى، وسادات عبيده
الكرام الذين اصطفاهم من الانام، ولا سيما حبيبه الاعظم صلى الله عليه وسلم، ولا
يشك عاقل بان تعظيم خواص عبيد الله واصفيائه من الانبياء
والاولياء في حياتهم وبعد مماتهم هو في الحقيقة تعظيم لله تعالى، ولا
يفهم موفق ان في ذلك شركا مع الربوبية لانهم عبيده الطائعون وخدامه الصادقون،
الذين قضوا اعمارهم في خدمته كما يحب ويرضى سبحانه وتعالى، وكانوا الوسائط بينه
وبين خلقه في ارشادهم وهدايتهم وتبليغهم شرائعه وتعريفهم دينه وكفية عبادته وما
يجب له تعالى من اوصاف الكمال وما يستحيل عليه من اوصاف النقص، وبذلك امتازوا عن
سائر عبيده عز وجل، وصاروا اقربهم واحبهم اليه، فاستحقوا بذلك ان تعظمهم الناس لا
لذاتهم بل لعلمهم ان تعظيمهم اياهم هو من اجل تعظيم الله لهم، فهو تعظيم له سبحانه
وتعالى، وليس هذا من العلوم الدقيقة التي تختص بها العلماء الاعلام ولا تدركها
العوام، بل هو من الامور التي تدرك بالبداهة، وقد جبلت عليها طبائع الناس عالمهم
وجاهلهم، اذا استوى ادلى الناس عقلا واكثرهم فضلا في معرفة ان اكرام عبيد السلطان واتباعه
وتعظيمهم هو من احسن وجوه التقرب اليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد او
التابع اقرب له واحب اليه كان اكرامه وتعظيمه والتوسل به اليه اقرب في نجاح الحاجة
وحصول المقصود، كما انه يغضيه تحقير عبيده واتباعه فيترتب على ذلك سخطه كما ترتب
على تعظيمهم واكرامهم رضاه، وهكذا الامر هنا في تعظيم انبياء الله تعالى واصفيائه
وخواص عبيده، فهو من اقوى اسباب رضاه تعالى كما ان تحقيرهم من اقوى اسباب غضبه عز
وجل.
واعلم انه لا عبرة في المحاذير الموهومة التي
ذكروها لانها فضلا عن كونها لا مقبولة ولا معقولة هي الى الآن في كل هذه الاعصار
لم يحصل منها شئ، فلم يترتب على زيارتهم، والاستغاثة بهم دعوى الالوهية في احد
منهم من المستغيثين والزائرين، والحمد لله رب العالمين. وانت اذا نظرت الى كل فرد
فرد من افراد المسلمين عامتهم وخاصتهم لا تجد في نفس احد منهم غير مجرد التقرب الى
الله تعالى لقضاء حاجاتهم الدنيوية والاخروية بالاستغاثات والزيارات لاولئك
السادات مع علمهم بانهم عبيد الله تعالى ليس لهم من الامر شئ، فقلوب المسلمين وجوارحهم
ولحمهم ودمهم
مجبولة —و الحمد لله- على توحيد الله تعالى واعتقاد انه الفعال المطلق
المستحق للتعظيم بالاصالة وحده لا شريك له، وتعظيمهم لسواه من خواص عبيده انما
يكون بقدر مزلة ذلك العبد عند الله تعالى بحسب ما علموه، فهم يعظمون حبيبه الاعظم
صلى الله عليه وسلم اكثر من سائر الخلق لعلمهم انه احب عبيده تعالى اليه واقربهم
لديه، ثم يعظمون بعده الانبياء المرسلين اكثر من غير المرسلين لان درجاتهم في
الفضل تلي درجته صلى الله عليه وسلم، ثم يعظمون بعدهم سائر الانبياء اكثر من
الاولياء لعلمهم بانهم افضل منهم عند الله تعالى، ثم يعظمون اهل بيته واصحابه صلى
الله عليه وسلم بحسب ما علموه من درجاتهم عند الله ورسوله، وكذلك سائر الاولياء
يعظمونهم بحسب ما ثبت في نفوسهم من قربهم من الله تعالى. اما آل الني واصحابه رضي
الله عنهم، فقد جعلت لهم هذه القرابة والصحبة مزية امتازوا بها عند الله تعالى
ورسوله عن سائر الاولياء تقتضي تعظيمهم لمجرد القرابة والصحابة وهم مع ذلك درجات
بحسب ما عندهم من الفضل والتقوى ومحاسن الصفات.
واما الاولياء وهم المؤمنون المتقون والعلماء
العاملون والغزاة المجاهدون فهم انما يمتازون عن غيرهم بعلمهم وتقواهم وما فضلهم
الله به من الكرامات وخوارق العادات، وما خدموا به هذه الشريعة المحمدية ونفعوا به
الامة الاسلامية من العلوم والمعارف والفتوحات والذب عن المسلمين والاسلام: بعضهم
بحد القلم، وبعضهم بحد الحسام، فمتى ثبت عند المسلمين: اما بالمشاهدة او التواتر
او نقل الثقات من المؤلفين وغيرهم ان فلانا كان من الاولياء العارفين او من
العلماء العاملين او من المؤمنين الصالحين او من الشهداء والمجاهدين يعظمونه بالزيارة
والتوسل بحسب ما ثبت في نفوسهم من درجة قربه الى الله تعالى وحسن طاعته لمولاه عز
وجل، ولا يعظمون احدا منهم لذاته اصلا؛ فالتعظيم كله راجع لله تعالى فهو لا شك من
جملة الطاعات له عز وجل التي يؤجرون عليها ان شاء الله تعالى، ولو فرضنا ان بعض
اولئك المزارين ليس كما ظنه بهم الزائرون من الولاية والصلاح، فهم بذلك انما والوا
اولياء الله واحبوهم في الله وهم يعلمون يقينا انه لا احد من خلق الله
يستحق معه تعالى ذرة من التعظيم لذاته، بل ذلك كله راجع له سبحانه وتعالى
بالاصالة، وهو من فضله الذي تكرم عليهم بالاوصاف الجميلة التي ميزهم بها عن سائر
عبيده فنالوا منهم لاجله ذلك التكريم والتعظيم وخلع عليهم حلل كرامته في حياتهم
وبعد مماتهم وفي دنياهم وآخرتهم وهو البر الكريم؛ فمن حاول من تلك الشرذمة الشاذة
شرذمة ابن تيمية ان لا يعظم احدا من خواص عبيد الله الصالحين زاعما ان ذلك يخل
بتعظيم الله تعالى فقد خالف الحق وعكس الحقيقة وتعدى برأيه الفاسد على حقوق الله
تعالى واخل بذلك في تعظيمه اللائق باوصاف ربوبيته وسيادته المطلقة، واراد ان يحجر
عليه عز وجل اختياره المطلق في تخصيص من شاء من الاصفياء عبيده بالاوصاف الجميلة
التي تقربهم اليه وتحمل الناس على تعظيمهم لاجله والتوسل بهم لديه سبحانه وتعالى
وبعكس حب المسلمين لاولياء الله تعالى بغضهم لاعدائه عز وجل، فتراهم يبغضونه احياء
وامواتا وما ذاك الا محبة في الله تعالى، وهم مكلفون شرعا بموالاة اوليائه ومعاداة
اعدائه سبحانه وتعالى، وكم من آيات قرآنية واحاديث نبوية وردت في ذلك دلت على كثرة
اعتناء الشارع بالحب في الله والبغض في الله كما وردت آيات واحاديث كثيرة في
الثناء على انبياء الله تعالى وعباده الصالحين، ولا سيما حبيبه الاعظم صلى الله
عليه وسلم، أليس ذلك من تعظيم الله تعالى لهم وحبه اياهم؛ كما ان ما ورد من الآيات
والاحاديث في ذم اعدائه تعالى هو تحقير من الله تعالى لهم. أليس من تمام طاعته
تعالى ان نعظم ونحب اصفياءه الدين اثنى عليهم وعظمهم، ونحقر ونبغض اعداءه الدين
ذمهم وحقرهم؟ أليس هو تعالى الذي دلنا بالثناء على اولياءه على رعايته لهم وعلو
مقامهم عنده ومحبته اياهم، فاذا عظمناهم وتقربنا وتشفعنا وتوسلنا بهم اليه لقضاء
حوائجنا الدنيوية والاخروية مع اعتقادنا الجازم الذي لا يعتريه خلل ولا يشوبه خطأ
ولا زلل انهم عبيده، وليس لهم معه من الامر شئ، وانه تعالى يشفع من شاء منهم ويرد
شفاعة من شاء (من ذا الذي يشفع عئدة
الا باذنه" البقرة: ٢٥٥) ولا يجب عليه تعالى لاحد شئ، وانما هو من
فضله اثنى عليهم في كتابه واثنى عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم في احاديثه ببيان
اوصافهم الجميلة وهي كلها ترجع الى صدق عبوديتهم لله تعالى وحسن خدمتهم له عز وجل
فعظمناهم لذلك واتخذناهم وسائط لقضاء حوائجنا عنده لكونهم وان شاركونا في اصل
العبودية له تعالى، فقد امتازوا عنا بما تفضل الله عليهم به من الرسالة والنبوة
والولاية وكثرة العلم والعمل والمعرفة والطاعات وسائر الخدمات التي تليق به تعالى
ان نكون بذلك قد اشركنا بعبادته تعالى، او نكون قد اطعناه سبحانه وتعالى بتعظيم من
عظم الله واحتقار انفسنا عن ان نكون اهلا لطلب حوائجنا منه تعالى بلا واسطة لكثرة
ذنوبنا وتقصيرنا في طاعة مولانا عز وجل ولذلك اتخذنا افضل عبيده وسائل اليه لنوال
فضله، فهذا لا يشك عاقل بانه من حسن الادب مع الله تعالى الذي يترتب عليه رضاه والحمد
الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.
واعلم ان هذه الشرذمة
الشاذة التي تمنع من ذلك هي توافق جمهور العلماء والمسلمين في ان لانبياء الله
تعالى واوليائه خصوصية عند الله تعالى امتازوا بها عن سائر الناس في حياتهم ويوم
القيامة وانه يجوز الاستغاثة والتوسل والاستشفاع بهم الى الله تعالى في هاتين الحالتين
لورود الاحاديث الصحيحة بذلك، ويسلمون حياة الانبياء في قبورهم لصحة الاحاديث
الكثيرة بها؛ ولكن يقولون انها حياة برزخية دون حياة الدنيا والآخرة، ويسلمون ان
لارواح الاولياء بل لارواح سائر المؤمنين وغيرهم اتصالا باجسامهم في قبورهم وانها
تزورها في بعض الاحيان وانهم يعلمون بمن يزورهم، وان الميت يتأذى مما يتأذى منه
الحي، ولذلك حرم الجلوس على القبور والمشي عليها لورود الاحاديث الصحيحة بذلك،
وانه يستحب زيارة القبور ومخاطبة الاموات بما ورد في الاحاديث الصحيحة من قول
الزائر: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، واذا كان الامركذلك فلم لا يجوز التوسل
والاستغاثة والاستثفاع باصحاب الخصوصيات منهم الانبياء والاولياء بعد مماتهم كما
جاز قبل ذلك في حياتهم وبعد
ذلك يوم القيامة،
والله تعالى في جميع المواطن الثلاثة هو الله تعالى وحده لا شريك له وهم خواص
عبيده الذين جاز التوسل بهم اليه تعالى من قبل ومن بعد فلم لا يجوزفي البين،
وتعظيمهم لاجله هو في الحقيقة راجع اليه تعالى، ولا وجه لذم من فعله والاعتراض
عليه واي محذور في ذلك كما زعموه ونحن من اول الاسلام الى الآن لم نسمع بأحد من
المسلمين اعتقد الالوهية في واحد من الانبياء والصالحين بعد موتهم بل الذين ضل بهم
بعض الناس منهم واعتقدوا فيهم الالوهية كسيدنا عيسى عليه السلام من انبياءالله
وسيدنا علي رضي الله عنه من اوليائه تعالى انما ضلوا بهم في حياتهم لما
شاهدوه منهم من خوارق العادات واستمر بهم ذلك الضلال الى ما بعد، فاصل
ضلالهم لم يقع منهم من زيارتهم للقبور واستغاثتهم بهم بل وقع في حياتهم كما علمت،
والمخالفون لا يمنعون الاستغاثة بالانبياء والاولياء والسفر لزيارتهم في حياتهم،
فظهر ان المحذور الذي ذكروه لا يعول عليه ولا يلتفت اليه، وان زعمهم الفرق بين
الحياة والممات ويوم القيامة هو في غير محله، اذ هذا الفرق انما هو بحسب ما عندهم
واما الله تعالى الذي اختص خواص عبيده بما اختصهم به من الاوصاف الجميلة التي
اجلها صدق عبوديتهم وحسن عبادتهم له تعالى فلا فرق عنده بين هذه المواطن الثلاثة
قد استوى عنده عر وجل رضاه عنهم ومحبته اياهم في حياتهم ومماتهم ويوم القيامة مع
ان صفاء ارواحهم الطاهرة بعد الممات لا ينكره الا جاهل او مكابر.
واعلم ان جميع المسلمين على علم يقيني بان الله
تعالى هو السيد المطلق للخلائق اجمعين وكلهم عبيده، قد اشترك في وصف العبودية له
عر وجل اتقاهم واشقاهم، ولكنهم فيها درجات، فاشدهم عبودية له تعالى الانبياء
والملائكة لان معرفتهم بعظمته وجلاله اشد من معرفة من هو دونهم، وهم ايضا درجات
اعظمهم درجة واعلاهم في العبودية رتبة سيدنا محمد سيد عبيد الله واحبهم اليه
وافضلهم من كل الوجوه لديه، وتلي رتبته صلى الله عليه وسلم في العبودية رتب
الانبياء ورؤساء الملائكة ثم عوامهم واولياء الموحدين، ثم سائر المؤمنين بحسب
درجاتهم في التقوى
ومعرفة الله تعالى؛ وادنى الناس في مراتب
العبودية الكفار الذين اشركوا بالله تعالى فلم يخلصوا عبوديتهم له بل زعموا انهم
عبيد غيره سبحانه وتعالى، وان كان لسان حالهم يكذبهم كعباد الاصنام وعباد المسيح
عليه السلام.
اذا علمت ذلك تعلم ان
قلة الشرف للخلق وزيادته بحسب قلة وصف العبودية فيهم وزيادته، فكلما كانت العبودية
اقوى كان الشرف اعلى، ومن هنا يظهر جليا ان سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم انما
ساد الخلق على الاطلاق بعد الملك الخلاق بعلو درجته وارتفاع مزلته وسمو مرتبته في
العبودية لله تعالى فهو العبد الخالص الذي لم يشم رائحة الالوهية وكذلك سائر
الانبياء ووراثهم الاولياء الا انه صلى الله عليه وسلم امكنهم في ذلك، وقد حماه
الله تعالى من ان يدعي فيه الالوهية احد من الناس كما ادعوها في سيدنا عيسى عليه
السلام وعلي رضي الله عنه مع انه صلى الله عليه وسلم قد ظهر له من المعجزات
والفضائل وخوارق العادات مالم يشاركه فيه احد، وهذه امته صلى الله عليه وسلم مع
شدة محبتها له اكثر من محبة سائر الامم لانبيائهم لم نسمع باحد قط منهم ادعى فيه
صلى الله عليه وسلم الالوهية من عهده الى الآن. فتبين ان المحاذير التي تخيلها ابن
تيمية وجماعته لا يلتفت اليها ولا يعول عليها على انه لم يحصل على شيء منها، وانما
هي مجرد خيالات واوهام لا ينبني عليها احكام، والاحاديث التي استدلوا بها لذلك
انما حملوها على غير محاملها كما ذكره العلماء ونقلته عنهم في مواضعه من هذا
الكتاب.
(فائدة
مهمة) قال العارف الكبير الشهير سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في (المنن
الكبرى): سمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول: اياكم ان تسألوا في حوائجكم
الاولياء الذين ماتوا فان غالبهم لا تصرف له في القبر، واما غير الغالب: كالامام
الشافعي رضي الله عنه، والامام الليث رضي الله عنه، وسيدي احمد البدوي رضي الله
عنه واضرابهم فربما جعل الله تبارك وتعالى لهم التصريف في قبورهم بحسب صدق من توجه
اليهم. قال: اي الخواص رضي الله عنه، وقد استدارت
ابواب جميع الاولياء رضي الله تعالى عنهم لتغلق
وما بقى مفتوحا الا باب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه،
فمن كان له حاجة فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم الف مرة بتوجه تام، ثم يسأله
في قضاء حاجته فانها تقضي ان شاء الله تعالى.
(تتمة: اذكر فيها كلام بعض ائمة العلماء
والاولياء في زيارة قبور الصالحين
والانتفاع بزيارتهم وصفاء ارواحم بعد مماتهم)
قال سيدي العلامة السيد
احمد دحلان رحمه الله تعالى في كتابه (تقريب الاصول لتسهيل الوصول) قد صرح كثير من
العارفين ان الولي بعد وفاته تتعلق روحه بمريديه فيحصل لهم ببركته انوار وفيوضات.
قال: وممن صرح بذلك قطب الارشاد سيدي عبد الله بن علوي الحداد، فانه قال رضي الله
عنه: الولي يكون اعتناؤه بقرابته واللائذين به بعد موته اكثر من اعتنائه بهم في
حياته لانه في حياته كان مشغولا بالتكليف وبعد موته طرح عنه الاعباء وتجرد، والحي
فيه خصوصية وبشرية، وربما غلبت احداهما الاخرى وخصوصا في هذا الزمان فانها تغلب
البشرية، والميت ما فيه الا الخصوصية فقط. وقال القطب الحداد ايضا: ان الاخيار اذا
ماتوا لم تفقد منهم الا اعيانهم وصورهم، واما حقائقهم فموجودة، فهم احياء في
قبورهم، واذا كان الولي حيا في قبره فانه لم يفقد شيئا من علمه وعقله وقواه
الروحانية بل تزداد ارواحهم بعد الموت بصيرة وعلما وحياة روحانية وتوجها الى الله
تعالى، فاذا توجهت ارواحهم الى الله تعالى في شيء قضاه سبحانه وتعالى واجراه
اكراما لهم وهذا معنى قول بعضهم: ان لهم التصرف، فالتصرف الحقيقي الذي هو التأثير
والخلق والايجاد لله تعالى وحده لا شريك له، ولا تأثير للولي ولا غيره في شيء قط
لا حيا ولا ميتا، فمن اعتقد ان للولي او غيره تأثيرا في شيء فهو كافر بالله تعالى،
فاهل البرزخ من الاولياء في حضرة الله تعالى، فمن توجه اليهم وتوسل بهم فانهم
يتوجهون الى الله تعالى في حصول مطلوبه، فالتصرف الحاصل منهم هو توجههم بارواحهم
الى الله تعالى
والتصرف الحقيقي لله وحده، فالواقع منهم من جملة الاسباب العادية التي
لا تأثير لها، وانما يوجد الامرعندها لا بها على حسب ما اجراه الله تعالى من
العوائد انتهى
ثم ذكر في كتابه المذكور شيئا من كلام سيدي ابي
المواهب الشاذلي، ومنه قوله سمعت شيخنا ابا عثمان المغربي رضي الله عنه يقول: اذا
زار الانسان قبر الولي فان ذلك الولي يعرفه، واذا سلم عليه يرد عليه السلام واذا
ذكر الله على قبره ذكر معه لا سيما ان ذكر لا اله الا الله فانه يقوم ويجلس معه
متربعا ويذكر معه، ثم قال الشيخ ابوالمواهب رضي الله عنه: وحاشا قلوب العارفين ان
تخبر بغير فهم، ومعلوم ان الاولياء احياء في قبورهم انما ينقلون من دار الى دار،
فحرمتهم امواتا كحرمتهم احياء، والادب معهم بعد موتهم كالادب معهم حال الحياة، وفي
حال الموت واذا مات الولي صلى عليه جميع ارواح الانبياء والاولياء قال: وعلى هذا
الذي ذكره شيخنا قول صاحب الحقائق والدقائق حاشا الصوفي ان يموت. وكان الشيخ ابو
المواهب رضي الله عنه ايضا يقول: من الاولياء من ينفع مريده الصادق بعد مماته اكثر
مما ينفعه حال حياته، ومن العباد من تولى الله تعالى تربيته بنفسه بغير واسطة،
ومنهم من تولاه بواسطة بعض اوليائه ولو ميتا في قبره فيربي مريده وهو في قبره
ويسمع مريده صوته من القبر ولله عباد يتولى تربيتهم النبي صلى الله عليه وسلم
بنفسه من غير واسطة لكثرة صلاتهم عليه صلى الله عليه وسلم.
قال الامام فخر الدين الرازي في المطالب في
الفصل الثالث عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة القبور والموتى: ان الانسان اذا
ذهب الى قبر انسان قوى النفس كامل الجواهر ووقف هناك ساعة وحصل تأثير في نفسه حين
حصل من الزائر تعلق بزيارة تلك التربة. فلا يخفى ان لنفس ذلك الميت تعلقا بتلك
التربة ايضا، فحينئذ يحصل لنفس الزائر الحي ولنفس ذلك الانسان الميت ملاقاة بسبب
اجتماعهما على تلك التربة، فصار هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين متقابلتين
بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما الى الاخرى، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر
الحي
من المعارف والبراهين والعلوم الكسبية والاخلاق
الفاضلة من الخشوع لله تعالى والرضا بقضاء الله تعالى ينعكس منه نور الى روح ذلك
الانسان الميت، وكل ما حصل في ذلك الانسان الميت من العلوم المشرقة والآثار القوية
الكاملة ينعكس من نور الى روح هذا الحي الزائر، وبهذه الطريقة تصير تلك الزيارة
سببا لحصول تلك المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح هذا الزائر، فهذا هو السبب
والاصل في مشروعية الزيارة، ولا يبعد ان يحصل منها اسرار اخرى ادق واخفى مما
ذكرنا، وتمام الحقائق ليس الا عند الله تعالى انتهى كلام الرازي.
قال الشيخ ابو المواهب:
قال بعض العارفين: وللاولياء عند زيارة الاولياء وقائع كثيرة تدل على اعتناء
المزور بالزائر وتوجهه اليه بالكلية على قدر توجهه وقابليته، انتهى ما نقلته من
(تقريب الاصول) للسيد احمد دحلان رحمه الله تعالى.
الباب الثالث في نقل كلام العلامة ناصرالسنة في
هذا الزمان
في نقل كلام العلامة
ناصر السنة في هذا الزمان سيدي السيد احمد دحلان مفتي الشافعية في مكة المشرفة في
كتابه (خلاصة الكلام: في بيان امراء البلد الحرام) وله كتاب مستقل في الرد على
الوهابية، ولكن كلامه في الكتاب المذكور كاف واف شاف، وها انا انقله برمته وان تكرر
بعضه مع ما تقدم في الباب الاول والثاني، وهو جامع لكل ما يلزم ذكره في هذا الشأن
من اثبات الحق ودحض الاباطيل، ورد شبههم باوضح بيان واقوى دليل.
قال رحمه الله تعالى:
ذكر الشبه التي تمسك بها الوهابية: ينبغي اولا ان نذكر الشبهات التي تمسك بها ابن
عبد الوهاب في اضلال العباد؛ ثم نذكر الرد عليه ببيان ان كل ما تمسك به زور
وافتراء وتلبيس على عوام الموحدين؛ فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه ان الناس مشركون
في توسلهم بالني صلى الله عليه وسلم وبغيره من الانبياء والاولياء والصالحين وفي
زيارتهم قبره صلى الله عليه وسلم وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة،
وزعم ان ذلك كله اشراك وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في
المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين كقوله
تعالى (فلا تذعوا مع الله احدا " الجن: ١٨) وقوله تعالى (ومن اضل ممن يدغوا
من ذون الله من لا يستجيب له الى يوم القيمة وهم عن دعآئهم غافلون ٠ واذا حشر
الناس كانوا لهم اعدآء وكائوا بعبادتهم كافرين ٠ الاحقاف: ٥-٦) وقوله تعالى (فلا
تذع مع الله الها آخر فتكون من المعذبين ٠ الشعراء: ٢١٣) وقوله تعالى (ولا تذع من
دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فان فعلت فائك اذا من الظالمين " يونس: ١٠٦)
وقوله تعالى (له دغوة الحق والذين يذعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ الا كباسط
كفيه الى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما ذعآء الكافرين الا في ضلال ٠ الرعد:
١٤) وقوله تعالى (والذين تذعون من ذونه ما يملكون من قطمير ٠ ان تذعوهم لا يسمعوا
ذعآءكم ولؤ سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل
خبير"فاطر: ٣ ١-١٤) وقوله تعالى (قل اذعوا الذين زعمتم من ذونه فلا يملكون
كشف الضر عنكم ولا تحويلا ٠ اولئك الذين يذعون يبتغون الى ربهم الوسيلة ايهم اقرب
ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ٠ الاسراء: ٥٦-٥٧) وامثال هذه
الآيات كثير في القرآن كلها حملها على الموحدين. قال محمد بن عبد الوهاب: ان من
استغاث او توسل بالني صلى الله عليه وسلم او بغيره من الانبياء والاولياء
والصالحين او ناداه او سأله الشفاعة فانه يكون مثل هؤلاء المشركين ويكون داخلا في
عموم هذه الآيات، وجعل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ايضا مثل ذلك، وقال في
قوله تعالى حكاية عن المشركين في اعتذارهم عن عبادة الاصنام: (ما ئعبدهم الا
ليقربونا الى الله زلفى" الزمر: ٣) ان المتوسلين مثل هؤلاء المشركين الذين
يقولون ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفي، فان المشركين ما اعتقدوا في الاصنام
انها تخلق شيئا، بل يعتقدون ان الخالق هو الله تعالى بدليل قوله تعالى (ولدن
سالتهم من خلقهم ليقولن الله ٠ الزخرف: ٨٧) وقوله تعالى (ولثن سالتهم من خلق
السموات وألارض ليقولن اله " الزمر: ٣٨) فما حكم الله عليهم بالكفر والاشراك
الا لقولهم (ليقربونا الى الله زلفى) فهؤلاء مثلهم
هكذا احتج محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه على المؤمنين، وهي حجة باطلة
فان المؤمنين ما اتخذوا الانبياء عليهم الصلاة والسلام ولا الاولياء آلهة وجعلوهم
شركاء الله، بل هم يعتقدون انهم عبيد الله مخلوقون له ولا يعتقدون استحقاقهم
العبادة ولا انهم يخلقون شيئا ولا انهم يملكون نفعا او ضرا، وانما قصدوا التبرك
بهم لكونهم احباء الله المقربين الذين اصطفاهم واجتباهم وببركتهم يرحم الله عباده،
ولذلك شواهد كثيرة من الكتاب والسنة سنذكر لك كثيرا منها؛ فاعتقاد المسلمين ان
الخالق النافع الضار هو الله وحده، ولا يعتقدون استحقاق العبادة الا لله وحده، ولا
يعتقدون التأثير لاحد سواه، واما المشركون الذين نزلت فيهم الآيات السابق ذكرها،
فكانوا يتخذون الاصنام آلهة والاله معناه المستحق للعبادة، فهم يعتقدون استحقاق
الاصنام للعبادة، فاعتقداهم استحقاقها العبادة هو الذي اوقعهم في الشرك فلما اقيمت
عليهم الحجة بانها لا تملك نفعا ولا ضرا قالوا ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله
زلفي، فكيف يجوز نحمد بن عبد الوهاب واتباعه ان يجعلوا المؤمنين الموحدين مثل
اولئك المشركين الذين يعتقدون الوهية الاصنام.
اذا علمنت هذا تعلم ان
جميع الآيات المتقدم ذكرها وما ماثلها من الآيات خاص بالكفار المشركين ولا يدخل
فيها احد من المؤمنين لانهم لا يعتقدون الوهية غير الله تعالى ولا يعتقدون استحقاق
العبادة لغيره، وقد تقدم حديث البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما في وصف الخوارج
انهم انطلقوا الى آيات نزلت في الكفار فحملوها على المؤمنين فهذا الوصف صادق على
ابن عبد الوهاب واتباعه فيما صنعوه، ولو كان شيء مما صنعه المؤمنون من التوسل
اشراكا ما كان يصدر من الني صلى الله عليه وسلم واصحابه وسلف الامة وخلفها فانهم
جميعهم كانوا يتوسلون، فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم افي اسألك بحق
السائلين عليك) وهذا توسل صريح لا شك فيه، وكان يعلم هذا الدعاء اصحابه رضي الله
عنهم ويأمرهم بالاتيان به فقد روى ابن ماجه باسناد صحيح عن ابي سعيد الخدري رضي
الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من خرج
من بيته الى الصلاة فقال: اللهم اني اسالك بحق السائلين عليك واسالك بحق ممشاي هذا
اليك فالي لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغء
مرضاتك، فاسألك ان تعيذبني من النار وان تغفر لي ذنوبي فانه لا يغفر الذنوب الا
انت اقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون الف ملك) وذكره الجلال السيوطي في
الجامع الكبير، وذكره ايضا كثير من الائمة في كتبهم عند ذكر الدعاء المسنون عند
الخروج الى الصلاة، بل قال بعضهم ما من احد من السلف الا وكان يدعو بهذا الدعاء
عند خروجه الى الصلاة، فانظر قوله (اسألك بحق السائلين عليك) فان فيه التوسل بكل
عبد مؤمن وروى الحديث المذكور ايضا ابن السني باسناد صحيح عن بلال مؤذن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه، ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا
خرج الى الصلاة قال: (بسم الله آمنت بالله وتوكلت على الله ولا حول ولا قوة الا
بالله، اللهم الي اسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا فالي لم اخرج بطرا ولا
اشرا ولا رياء ولا سمعة خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك اسألك ان تعيذلي من النار
وان تدخلني الجنة) ورواه الحافظ ابونعيم في عمل اليوم والليلة من حديث ابي سعيد
بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج الى الصلاة قال: (اللهم) الى آخر
ما تقدم في رواية ابن السني، ورواه البيهقي في كتاب الدعوات من حديث ابي سعيد
ايضا، ومحل الاستدلال قوله (بحق السائلين عليك) فهذا توسل صدر منه صلى الله عليه
وسلم وامر اصحابه ان يقولوه، ولم يزل السلف من التابعين واتباعهم ومن بعدهم
يستعملون هذا الدعاء عند خروجهم الى الصلاة ولم ينكر عليهم احد في الدعاء به.
ومما جاء عنه صلى الله
عليه وسلم من التوسل قوله صلى الله عليه وسلم (اغفر لامي فاطمة بنت اسد ووسع عليها
مدخلها بحق نبيك والانبياء الذين من قبلي)، وهذا اللفظ قطعة من حديث طويل رواه
الطبراني في الكبير والاوسط وابن حبان والحاكم وصححوه عن انس بن مالك رضي الله عنه
قال: لما ماتت فاطمة بنت اسد
رضي الله عنها وكانت ربت الني صلى الله عليه
وسلم، وهي ام على بن ابي طالب رضي الله عنه دخل عليها رسول الله صلى الله عليه
وسلم فجلس عند رأسها وقال (رحمك الله يا امي بعد امي) وذكر ثناءه عليها وتكفينها
ببرده وامره بحفر قبرها، قال فلما بلغوا اللحد حفره صلى الله عليه وسلم بيده واخرج
ترابه بيده، فلما فرغ دخل صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال: (الله الذي يحيي
ويميت وهو حي لا يموت اغفر لامي فاطمة بنت اسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك
والانبياء الذين من قبلي فانك ارحم الراحمين) وروى ابن ابي شيبة عن جابر رضي الله
عنه مثل ذلك، وكذا روى مثله ابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه
ابونعيم في الحلية عن انس رضي الله عنه ذكر ذلك كله الحافظ السيوطي في الجامع
الكبير.
ومن الاحاديث الصحيحة
التي جاء التصريح فيها بالتوسل مارواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني باسناد
صحيح عن عثمان بن حنيف، وهو صحابي مشهور رضي الله عنه ان رجلا ضريرا اتى الني صلى
الله عليه وسلم، فقال ادع الله ان يعافيني، فقال (ان شئت دعوت وان شئت صبرت وهو
خير)، قال فادعه، فامره ان يتوضأ فليحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم افي
اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد ني الرحمة، يا محمد الي اتوجه بك الى ربي في حاجتي
لتقضي اللهم شفعه في) فعاد وقد ابصر.
وفي رواية قال ابن حنيف فو الله ما تفرقنا وطال
بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كان لم يكن به ضرقط وخرح هذا الحديث ايضا البخاري
في تاريخه وابن ماجه والحاكم في المستدرك باسناد صحيح، ونكره الجلال السيوطي في الجامع الكبير
والصغير، ففي هذا الحديث والتوسل والنداء، وابن عبد الوهاب يمنع كلا منهما ويحكم
بكفر من فعل ذلك، وليس لابن عبد الوهاب ان يقول ان هذا انما كان في حياة البي
صلى الله عليه وسلم، لان الدعاء استعملته ايضا الصحابة
والتابعون بعد وفاته صلى الله
عليه وسلم لقضاء حوائجهم.
فقد
روى الطبراني والبيهقي ان رجلا كان يختلف الى عثمان رضي الله عنه في زمن خلافته في
حاجة فكان لا يلتفت اليه ولا ينظر في حاجته، فشكا ذلك لعثمان بن
حنيف، فقال له ائت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد
فصل، ثم قل: (اللهم الي اسألك واتوجه اليك بنبينا محمد نبي الرحة، يا محمد الي
اتوجه بك الى ربك لتقضي حاجتي) وتذكر حاجتك، فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم اتى باب
عثمان رضي الله عنه، فجاءه البواب فاخذ بيده فادخله على عثمان فاجلسه معه، وقال
اذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها ثم قال له ما كان لك من حاجة فاذكرها، ثم خرج من
عنده فلقى ابن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي حتى كلمته لي،
فقال ابن حنيف والله ما كلمته ولكنى شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم واتاه ضرير
فشكا اليه ذهاب بصره الى آخر الحديث المتقدم فهذا توسل ونداء بعد وفاته صلى الله
عليه وسلم.
وروى البيهقي وابن ابي
شيبة باسناد صحيح ان الناس اصابهم قحط في خلافة عمر رضي الله عنه فجاء بلال بن
الحارث رضي الله عنه الى قبر الني صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله استسق
لامتك فانهم هلكوا، فاتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام واخبره انهم
يسقون وليس الاستدلال بالرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فان رؤياه وان كان حقا
لكن لا تثبت بها الاحكام لامكان اشتباه الكلام على الرائي لا لشك في الرؤيا وانما
الاستدلال بفعل بلال بن الحارث في اليقظة فانه من اصحاب الني صلى الله عليه وسلم
فاتيانه لقبر صلى الله عليه وسلم ونداؤه له وطلبه ان يستسقي لامته دليل على ان ذلك
جائز، وهو من باب التوسل والتشفع والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم، وذلك من اعظم
القربات، وقد توسل به صلى الله عليه وسلم ابوه آدم قبل وجود سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم حين اكل من الشجرة التي نهاه الله عنها قال بعض المفسرين في قوله تعالى
(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه" البقرة: ٣٦) ان الكلمات هي توسله بالني
صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقي باسناد
صحيح في كتابه (دلائل النبوة) الذي قال فيه الحافظ الذهي عليك به فانه كله هدى
ونور. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لما
اقترف آدم الخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد
الا ما غفرت لي فقال الله تعالى يا آدم كيف عرفت
محمدا ولم اخلقه؟ قال: يا رب انك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش
مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعلمت انك لم تضف الى اسمك الا احب الخلق
اليه فقال الله تعالى صدقت يا آدم انه لاحب الخلق الي واذ سالتني بحقه فقد غفرت
لك، ولولا محمد ما خلقتك)، ورواه ايضا الحاكم وصححه والطبراني، وزاد فيه (وهو آخر
الانبياء من ذريتك).
والى هذا التوسل اشار
الامام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس، وهو المنصور جد
الخلفاء العباسيين. وذلك انه لما حج المنصور المذكور وزار قبر الني صلى الله عليه
وسلم سأل الامام مالكا وهو بالمسجد النبوي، وقال له يا اباعبد الله استقبل القبلة
وادعو ام استقبل رسول الله صلى الله علبيه وسلم؟ فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو
وسيلتك ووسيلة ابيك آدم الى الله تعالى، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك.
قال تعالى (ولو ائهم اد ظلموا الفسهم جآؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول
لوجدوا اله توابا رحيما " النساء: ٦٤) ذكره القاضي عياض في الشفاء وساقه
باسناد صحيح، وذكره الامام السبكي في (شفاء السقام في زيارة خير الانام) والسيد
السمهودي في (خلاصة الوفا) والعلامة القسطلاني في (المواهب اللدنية)، والعلامة ابن
حجر في (تحفة الزوار، والجوهر المنظم) وذكره كثير من ارباب المناسك في آداب زيارة
النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلامة ابن حجر في (الجوهر المنظم) رواية ذلك عن
الامام مالك جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه، وقال العلامة الزرقاني في (شرح
المواهب) ورواها ابن فهد باسناد جيد، ورواها القاضي عياض في الشفاء باسناد صحيح
رجاله ثقات ليس في اسنادها وضاع ولا كذاب ومراده بذلك الرد على من لم يصدق رواية
ذلك عن الامام مالك، ونسب له كراهية استقبال القبر، فنسبة الكراهة الى الامام مالك
مردودة، واستسقى عمر رضي الله عنه في زمن خلافته بالعباس بن عبد المطلب عم الني
صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه لما اشتد القحط عام الرمادة فسقوا، وذلك مذكور
في صحيح البخاري
من رواية انس بن مالك رضي الله عنه وذلك من
التوسل، بل في المواهب اللدنية للعلامة القسطلاني ان عمر رضي الله عنه لما استسقى
بالعباس رضي الله عنه. قال: يا ايها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا به في عمه العباس واتخذوه وسيلة الى الله
تعالى، ففيه التصريح بالتوسل.
وبهذا يبطل قول من منع
التوسل مطلقا سواء كان بالاحياء او بالاموات، وقول من منع ذلك بغير الني صلى الله
عليه وسلم، لان فعل عمر رضي الله عنه حجة لقوله صلى عليه وسلم (ان الله جعل الحق
على لسان عمر وقلبه) رواه الامام احمد وغيره عن ابن عمر وغيره، وروى الطبراني في
الكبير وابن عدي في الكامل عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال (عمر معي وانا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان)، وهذا مثل ما
صح في حق علي رضي الله عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم في حقه (وادر الحق معه حيث
دار) وهو حديث صحيح رواه كثير من اصحاب السنن، فكل من عمر وعلي رضي الله عنهما
يكون الحق معه حيث كان، وهذان الحديثان من جملة الادلة التي استدل بها اهل السنة
على صحة خلافة الخلفاء الاربعة، لان عليا رضي الله عنه كان مع الخلفاء الثلاثة
قبله لم ينازعهم في الخلافة فلما جاءت الخلافة له ونازعه غيره قاتله، ومن الادلة
الدالة على ان توسل عمر رضي الله عنه بالعباس رضي الله عنه حجة على جواز التوسل
قوله صلى الله عليه وسلم (لو كان بعدي ني لكان عمر) رواه الامام احمد وغيره عن
عقبة بن عامر وغيره.
وروى الطبراني في
الكبير عن ابي الدرداء رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اقتدوا
باللذين من بعدي ابي بكر وعمر فانهما حبل الله الممدود من تمسك بهما فقد تمسك
بالعروة الوثقى لا انفصام لها)، وانما استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس ولم يستسق
بالنبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس ان الاستسقاء بغير الني صلى الله عليه وسلم
جائز ومشروع لا حرج فيه، لان الاستسقاء بالنبي صلى
الله عليه وسلم كان معلوما عندهم فلربما يتوهم
بعض الناس انه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم فبين لهم عمر رضي
الله عنه الجواز، ولو استسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لافهم انه لا يجوز
الاستسقاء بغيره صلى الله عليه وسلم، ولا يصح ان يقال انما استسقى بالعباس ولم
يستسق بالبي صلى الله عليه وسلم لان العباس حي والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات،
لان الاستسقاء انما يكون بالحي، لان هذا القول باطل مردود بادلة كثيرة: منها توسل
الصحابة به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كما تقدم في القصة التي رواها عثمان بن حنيف،
وكما في حديث بلال ابن الحارث المتقدم، وكما في توسل آدم الذي رواه عمر رضي الله
عنه كما تقدم، فكيف يعتقد عدم صحته بعد وفاته، وقد روى التوسل به قبل وجوده مع انه
صلى الله عليه وسلم حي في قبره.
فتلخص من هذا انه يصح
التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وفي حياته وبعد وفاته وانه يصح التوسل
ايضا بغيره من الاخيار كما فعله عمر رضي الله عنه حين استسقى بالعباس رضي الله
عنه، وذلك من انواع التوسل كما تقدم، وانما خص عمر العباس رضي الله عنهما من سائر
الصحابة لاظهار شرف اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولبيان انه يجوز التوسل
بالمفضول مع وجود الفاضل فان عليا رضي الله عنه كان موجودا وهو افضل من العباس رضي
الله عنه.
قال بعض العارفين: وفي
توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما دون البي صلى الله عليه وسلم نكتة اخرى ايضا
زيادة على ما تقدم، وهي شفقة عمر رضي الله عنه على ضعفاء المؤمنين وعوامهم، فانه
لو استسقى بالني صلى الله عليه وسلم لربما تتأخر الاجابة لانها معلقة بارادة الله ومشيئته،
فاذا تأخرت الاجابة ربما يقع وسوسة واضطراب لمن كان ضعيف الايمان بسبب تأخر
الاجابة، بخلاف ما اذا كان التوسل بغير البي صلى الله عليه وسلم فانه اذا تأخرت
الاجابة لا تحصل تلك الوسوسة والاضطراب.
والحاصل ان مذهب اهل
السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالني صلى الله
عليه وسلم في حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الانبياء والمرسلين
والاولياء والصالحين كما دلت عليه الاحاديث السابقة لانا معاشراهل السنة لا
نعتقدتأثيرا ولا خلقا ولا ايجادا ولا اعداما ولا نفعا ولا ضرا الا لله وحده لا
شريك له فلا نعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا ضراللنبي صلى الله عليه وسلم باعتبارالخلق
والايجاد والتأثيرولا لغيره من الاحياء والاموات، فلا فرق في التوسل بالبي صلى
الله عليه وسلم وغيره من الانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم
اجمعين، وكذا بالاولياء والصالحين لا فرق بين كونهم احياء او امواتا لانهم لا
يخلقون شيئا وليس لهم تأثير في شئ، وانما يتبرك بهم لكونهم احباء الله تعالى،
والخلق والايجاد والتأثير لله وحده لا شريك له.
واما الذين يفرقون بين
الاحياء والاموات فانهم يعتقدون التأثير للاحياء دون الاموات ونحن نقول (اله خالق
كل شيئ " الرعد: ١٦) (واله خلقكم وماتعملون " الصافات: ٩٦) فهؤلاء
المجوزون التوسل بالاحياء دون الاموات هم الذين دخل الشرك في توحيدهم لكونهم اعتقدوا
تأثير الاحياء دون الاموات، فهم الذين اعتقدوا تأثير غير الله تعالى، فكيف يدعون
المحافطة على التوحيد وينسبون غيرهم الى الاشراك (سبحائك هذا بهتان عظيم"
النور: ١٦) فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب
المؤمنين معنى الا التبرك بذكر احباء الله تعالى لما ثبت ان الله يرحم العباد
بسببهم سواء كانوا احياء او امواتا، فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وهؤلاء
سبب عادي في بذلك لا تأثير لهم، وذلك مثل السبب العادي فانه لا تأثير له. وحياة
الانبياء في قبورهم ثابتة بادلة كثيرة استدل بها اهل السنة وكذا حياة الشهداءوالاولياء،
وليس هذا محل بسط الكلام عليها.
وشبهة هؤلاء المانعين
للتوسل انهم رأوا بعض العامة يتوسعون في الكلام ويأتون بالفاظ توهم انهم يعتقدون
التأثير لغير الله تعالى ويطلبون من الصالحين احياء وامواتا اشياء جرت العادة
بانها لا تطلب الا من الله تعالى ويقولون للولي افعل لي كذا وكذا، وربما يعتقدون
الولاية في اشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط
وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات واحوالا ومقامات
ليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فانما اراد هؤلاء المانعون للتوسل ان
يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعا للايهام وسدا للذريعة وان كانوا يعلمون ان
العامة لا تعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا ضرا لغير الله تعالى، ولا تقصد بالتوسل الا
التبرك ولو اسندوا للاولياء شيئا لا يعتقدون فيهم تأثيرا. فنقول لهم: اذا كان
الامر كذلك وقصدتم سد الذريعة، فما الحامل لكم على تكفير الامة عالمهم وجاهلهم
خاصهم وعامهم، وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقا؟ بل كان ينبغي لكم ان تمنعوا
العامة من الالفاظ الموهمة وتأمروهم سلوك الادب في التوسل مع ان تلك الالفاظ
الموهمة يمكن حملها على الاسناد المجازي بجازاعقلياكما يحمل على ذلك قول القائل:
هذا الطعام اشبعني وهذا الماء ارواني وهذا الدواء او الطبيب نفعني، فان ذلك كله
عند اهل السنة محمول على المجاز العقلي فان الطعام لا يشبع والمشبع هو الله تعالى،
والطعام سبب عادي لا تأثير له وكذا ما بعده. فالمسلم الموحد متى صدر منه اسناد
الشيء لغير من هو له يجب حمله على المجاز العقلي، واسلامه وتوحيده قرينة على ذلك
كما نص على ذلك علماء المعاني في كتبهم واجمعوا عليه.
واما منع التوسل مطلقا فلا وجه له مع ثبوته في
الاحاديث الصحيحة ومع صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وسلف الامة
وخلفها، فهؤلاء المنكرون التوسل المانعون منه: منهم من يجعله حراما، ومنهم من
يجعله كفرا واشراكا، وكل ذلك باطل لانه يؤدي الى اجتماع معظم الامة على الحرام
والاشراك، لان من تتبع كلام الصحابة والعلماء من السلف والخلف يجد التوسل صادرا
منهم، بل ومن كل مؤمن في اوقات كثيرة واجتماع اكثرهم على الحرام او الاشراك لا
يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (لا تجتمع امتي على ضلالة) بل قال
بعضهم انه حديث متواتر، وقال تعالى (كثتم خير امة اخرجت للناس " آل عمران:
١١٠) فكيف تجتمع كلها او اكثرها على ضلالة وهي خير امة اخرجت للناس، فاللائق
بهؤلاء
المنكرين اذا ارادوا سد الذريعة ومنع الالفاظ
الموهمة كما زعموا ان يقولوا: ينبغي ان يكون التوسل بالادب وبالالفاظ التي ليس
فيها ايهام كأن يقول المتوسل: اللهم اني اسألك واتوسل اليك بنبيك صلى الله عليه
وسلم وبالانبياء قبله وبعبادك الطالحين ان تفعل بي كذا وكذا، لا انهم يمنعون
التوسل مطلقا، ولا ان يتجاسروا على تكفير المسلمين الموحدين الذين لا يعتقدون
التأثير الا لله وحده لا شريك له.
ومما تمسك به هؤلاء
المنكرون للتوسل قوله تعالى (لا تجعلوا ذعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا"
النور: ٦٣) فان الله نهى المؤمنين في هذه الآية ان يخاطبوا النبي صلى الله عليه
وسلم بمثل ما يخاطب بعضهم بعضا: كأن ينادوه باسمه، وقياسا على ذلك لا ينبغي ان يطلب
من غير الله تعالى كالانبياء والصالحين الاشياء التي جرت العادة بانها لا تطلب الا
من الله تعالى لئلا تحصل المساوات بين الله تعالى وخلقه بحسب الظاهر وان كان الطلب
من الله تعالى على سبيل التأثير والايجاد ومن غيره على سبيل التسبب والكسب لكنه
ربما يوهم تأثير غير الله تعالى فمنع من ذلك الطلب لدفع هذا الايهام. والجواب ان
هذا لا يقتضي المنع من التوسل مطلقا ولا يقتضي منع الطلب اذا صدر من موحد فانه
يحمل على المجاز العقل بقرينة صدوره من موحد، فما وجه كونه حراما او شركا؟ فلو
قالوا انه خلاف الادب واجازوا التوسل وشرطوا فيه ان يكون بالادب والاحتراز عن
الالفاظ الموهمة لكان له وجه، فالمنع مطلقا لا وجه له.
ومن الادلة الدالة على صحة التوسل به صلى الله
عليه وسلم بعد وفاته ما ذكره العلامة السيد السمهودي في خلاصة الوفا حيث قال: روى
الدارمي في صحيحه عن ابي الجوزاء قال: قحط اهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا الى
عائشة رضي الله عنها، فقالت انظروا الى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجعلوا
منه كوة الى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب
وسمنت الابل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق. قال العلامة المراغي: وفتح الكوة
عند الجدب سنة اهل المدينة يفتحون كوة في اسفل الحجرة وان
كان السقف حائلا بين القبر الشريف والسماء.
قال السيد السمهودي وسنتهم اليوم فتح الباب
المواجه للوجه الشريف والاجتماع هناك وليس القصد الا التوسل بالنبي صلى الله عليه
وسلم والاستشفاع به الى ربه لرفعة قدره عند الله تعالى. وقال ايضا العلامة السيد
السمهودي في خلاصة الوفا: ان التوسل والتشفع به صلى الله عليه وسلم وبجاهه وبركته
من سنن المرسلين وسيرة السلف الصالحين، وذكركثير من علماءالمذاهب الاربعة في كتب
المناسك عند ذكرهم زيارة الني صلى الله عليه وسلم انه يسن للزائر ان يستقبل القبر
الشريف ويتوسل الى الله تعالى في غفران ذنوبه وقضاء حاجاته ويستشفع به صلى الله عليه
وسلم. قالوا: ومن احسن ما يقول ما جاء عن العتي، وهو مروي ايضا عن سفيان بن عيينة
وكل منهما من مشايخ الشافعي رضي الله عنه، ثم بعد ان ذكر قصة العتي المشهورة قال:
وليس محل الاستدلال الرؤيافانهالاتثبت بهااحكام لاحتمال حصول الاشتباه على الرائي،
وانما محل الاستدلال كون العلماء استحسنوا للزائر الاتيان بما قاله الاعرابي: قال
العلامة ابن حجر في (الجوهر المنظم) وروى بعض الحفاظ عن ابي سعيد السمعاني انه روي
عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه انهم بعد دفنه صلى الله عليه وسلم بثلاثة ايام
جاءهم اعرابي فرمى بنفسه على القبر الشريف على ساكنه افضل الصلاة والسلام، وحتى من
ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله ما وعينا عنك،
وكان فيما انزله عليك قوله تعالى (ولو ائهم اذ ظلموا انفسهم جآؤك فاستغفروا الة
واستغفر لهم الرسول لوجدوا اله توابا رحيما ٠ النساء: ٦٤) وقد ظلمت نفسي وجنتك
تستغفر لي الى ربي، فنودي من القبر الشريف ان قد غفر لك وجاء ذلك عن علي ايضا من
طريق اخرى، ويؤيد ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله (حيانتي خير لكم،
تحدثون ويحدث لكم، ووفاني خير لكم تعرض علي اعمالكم، ما رأيت من خير مدت الله، وما
رأيت من شر استغفرت لكم) ومما ذكره العلماء في آداب الزيارة انه
يستحب ان يجدد الزائر التوبة في ذلك الموقف
الشريف ويسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلها توبة نصوحا، ويستشفع به صلى الله عليه
وسلم الى ربه عز وجل في قبولها ويكثر الاستغفار والتضرع بعد تلاوة قوله تعالى (ولو
ائهم اد ظلموا انفسهم جآؤك فاستغفروا اس واستغفر لهم الرسول لوجدوا الة توابا
رحيما ٠ النساء: ٦٣) ويقولون نحن وفدك يا رسول الله وزوارك جئناك لقضاء حقك
والتبرك والاستشفاع بك مما اثقل ظهورنا واظلم قلوبنا، فليس لنا يار رسول الله شفيع
غيرك نؤمله ولا رجاء غير بابك نصله، فاستغفر لنا واشفع لنا عند ربك واسأله ان يمن علينا
بسائر طلباتنا ويحشرنا في زمرة عباده الصالحين والعلماء العاملين.
وفي الجوهر المنظم ايضا
ان اعرابيا وقف على القبر الشريف، وقال: اللهم ان هذا حبيبك وانا عبدك، والشيطان
عدوك، فان غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك، وان لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي
عدوك وهلك عبدك، وانت يا رب اكرم من ان تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك: اللهم
ان العرب اذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره، وان هذا سيد العالمين فاعتقني على
قبره يا ارحم الراحمين، فقال له بعض الحاضرين يا اخا العرب: ان الله قد غفر لك
بحسن هذا السؤال.
وذكر علماء المناسك ايضا ان استقبال قبره الشريف
صلى الله عليه وسلم وقت الزيارة والدعاء افضل من استقبال القبلة. قال العلامة
المحقق الكمال بن الهمام ان استقبال القبر الشريف افضل من استقبال القبلة واما ما
نقل عن الامام ابي حنيفة رضي الله عنه ان استقبال القبلة افضل فمردود بما رواه
الامام نفسه في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما ان استقبال القبلة افضل فمردود
بما رواه الامام نفسه في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال: من السنة
استقبال القبر المكرم وجعل الظهر للقبلة، وسبقه الى ذلك ابن جماعة، فنقل استحباب
استقبال القبر الشريف عن الامام ابي حنيفة ايضا، ورد قول الكرماني انه يستقبل
القبلة، وقال ليس بشئ.
قال في الجوهر المنظم: ويستدل لاستقبال القبر
ايضا بانا متفقون على انه صلى
الله عليه وسلم حي في قبره يعلم بزائره، وهو صلى
الله عليه وسلم لو كان حيا لم يسع الزائر الا استقباله واستدبار القبلة، فكذا يكون
الامر حين زيارته في قبره الشريف صلى الله عليه وسلم واذا اتفقنا في المدرس من
العلماء بالمسجد الحرام المستقبل للقبلة ان الطلبة يستقبلونه ويستدبرون الكعبة،
فما بالك به صلى الله عليه وسلم، فهذا اولى بذلك قطعا. وقد تقدم قول الامام مالك
رحمه الله للمنصور: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة ابيك آدم الى الله
تعالى؟ بل استقبله واستشفع به.
قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ان كتب
المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلا له مستدبرا للقبلة؛ ثم نقل عن مذهب الامام ابي حنيفة
والشافعي رحمهما الله تعالى والجمهور مثل ذلك. واما مذهب الامام احمد ففيه
اختلاف بين علماء مذهبه، والراجح عند المحققين منهم انه يستقبل القبر
الشريف كبقية المذاهب، وكذا القول في التوسل، فان المرجح عند المحققين منهم جوازه، بل
استحبابه لصحة الاحاديث الدالة على ذلك فيكون المرجح
عند الحنابلة موافقا لما
عليه اهل المذاهب الثلاثة.
واما ما ذكره الآلوسي في تفسيره من ان بعضهم نقل
عن الامام ابي حنيقة رضي الله عنه انه منع التوسل فهو غير صحيح اذ لم ينقله عن
الامام احد من اهل مذهبه، بل كتبهم طافحة باستحباب التوسل ونقل المخالف غير معتبر،
فاياك ان تغتر بذلك. وقد بسط الامام السبكي نصوص المذاهب الاربعة في استحباب
التوسل في كتابه: المسمى (شفاء السقام في زيارة خير الانام) فراجعه ان شئت.
وفي المواهب اللدنية للامام القسطلاني: وقف
اعرابي على قبره الشريف صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم انك امرت بعتق العبيد وهذا
حبيبك وانا عبدك فاعتقني من النار على قبر حبيبك فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق
لك وحدك؟ هلا سألت العتق لجميع الخلق: يعني من المؤمنين؛ اذهب فقد اعتقتك، ثم انشد
القسطلاني احد البيتين المشهورين، وشارحه الزرقاني البيت الآخر، وهما:
ان الملوك اذا شابت عبيدهم " في رقهم
اعتقوهم عتق احرار
وانت يا سيدي اولى بذا
كرما " قد شبت في الرق فاعتقني من النار
ثم قال في المواهب وعن
الحسن البصري قال: وقف حاتم الاصم على قبره صلى الله عليه وسلم، فقال يا رب انا
زرنا قبر نبيك صلى الله عليه وسلم فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا، ما اذنا لك في
زيارة قبر حبيبنا الا وقد قبلناك فارجع انت ومن معك من الزوار مغفورا لكم.
وقال ابن الي فديك:
سمعت بعض من ادركت من العلماء والصلحاء يقول: بلغنا ان من وقف عند قبر البي صلى
اله عليه وسلم، فقال هذه الآية (ان الة وملئكته يصلون على النبي يآ ايها الذين
أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ٠ الاحزاب: ٥٦) وقال صلى الله عليك يا محمد حتى
يقولها سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة.
قال الشيخ زين الدين
المراغي وغيره: الاولى ان يقول: صلى الله عليك يار رسول الله بدل قوله: يا محمد
للنهي عن ندائه باسمه حيا وميتا، صلى الله عليه وسلم، وابن ابي فديك من اتباع
التابعين، وكان من الائمة الثقات المشهورين، وهو من المروي عنهم في الصحيحين
وغيرهما من كتب السنن. قال الزرقاني في شرح المواهب: اسمه محمد بن اسمعيل بن مسلم
الديلمي. مات سنة مائتين على الصحيح، وهذا الذي نقله في المواهب عن ابن ابي فديك
رواه عنه البيقي.
وفي شرح المواهب
للزرقاني ان الداعي اذا قال: اللهم اني استشفع اليك بنبيك، يا نبي الرحمة اشفع لي
عند ربك، استجيب له.
فقد اتضح لك من هذه
النصوص المروية عن سلف الامة وخلفها ان التوسل به صلى الله عليه وسلم وطلب الشفاعة
منه وزيارته ثابتة عنهم، وانها من اعظم القربات، وان التوسل به واقع قبل خلقه وبعد
خلقه في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ويكون ايضا بعد البعث في عرصات القيامة،
واحاديث التوسل به يوم
القيامة في الصحيحين وغيرهما فلا حاجة الى الاطالة بذكرها. فبطل بما
ذكرناه من النصوص جميع ما ابتدعه محمد بن عبد الوهاب وما افتراه ولبس به على
المؤمنين. قال في المواهب: ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد اجاب الله آدم اذ دعا " ونجى في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره " ومن اجله نال الفداء ذبيح
ثم قال في المواهب: فالتوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته
اكثر من ان يحصى او يدرك باستقصا قال: وفي كتاب (مصباح الظلام في المستغيثين بخير
الانام) للشيخ ابي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك، ثم ذكر في المواهب كثيرا من
البركات التي حصلت له ببركة توسله بالبي صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقي عن انس
رضي الله عن ان اعرابيا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي به، وانشد ابياتا
في آخرها:
وليس لنا الا اليك فرارنا" واين فرار الخلق الا الى الرسل
فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم هذا البيت، بل
قال انس لما انشده الاعرابي الابيات قام يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم،
فلم يزل يدعو حتى امطرت السماء وهو على المنبر وفي صحيح البخاري انه لما جاء
الاعرابي وشكا للبي صلى الله عليه وسلم القحط، فدعا الله فانجابت السحاب بالمطر
قال صلى الله عليه وسلم (لو كان ابوطالب حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله)؟ فقال
علي رضي الله عنه يا رسول الله كانك اردت قوله:
وابيض يستسقى الغمام بوجهه " ثمال اليتامى عصمة للارامل
فتهلل وجه الني صلى الله عليه وسلم ولم ينكر انشاد البيت ولا قوله
يستسقى الغمام بوجهه ولو كان في ذلك اشراك لانكره ولم يطلب انشاده، وكان سبب انشاء
البيت من ابي طالب من جملة قصيدة مدح بها النبي صلى الله عليه وسلم ان قريشا
اصابهم قحط فاستسقى بهم ابوطالب وتوسل بالبي صلى الله عليه وسلم فاغدودق عليهم
السحاب بالمطر وكان ذلك قبل بعثة البي صلى الله عليه وسلم فانشأ
ابوطالب تلك القصيدة، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: اوحى الله تعالى
الى عيسى عليه السلام: (يا عيسى آمن بمحمد ومر من ادركه من امتك ان يؤمنوا به
فلولا محمد ما خلقت الجنة والنار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا
اله الا الله محمد رسول الله فسكن). قال في (الجوخر المنظم): فاذا كان له صلى الله
عليه وسلم هذا الفضل والخصوصية أفلا يتوسل به؟ وذكر القسطلاني في شرحه على البخاري
عن كعب الاحبار ان بني اسرائيل كانوا اذا قحطوا استسقوا باهل بيت نبيهم. فعلم بذلك
ان التوسل مشروع حتى في الامم السابقة، وقال السيد السمهودي في خلاصة الوفا: ان
العادة جرت ان من توسل عند شخص بمن له قدر عنده يكرمه لاجله ويقضي حاجته، وقد
يتوجه بمن له جاه الى من هو اعلى منه، واذا جاز التوسل بالاعمال الصالحة كما في
صحيح البخاري في حديث الثلاثة الذين آووا الى غار فاطبق عليهم فتوسل كل واحد منهم
الى الله تعالى بارجى عمل له فانفرجت الصخرة التي سدت الغار عليهم، فالتوسل به صلى
الله عليه وسلم احق واولى لما فيه من النبوة والفضائل سواء كان ذلك في حياته او
بعد وفاته، فالمؤمن اذا توسل به انما يريد نبوته التي جمعت الكمالات. وهؤلاء
المانعون للتوسل يقولون: يجوز التوسل بالاعمال الصالحة مع كونها اعراضا، فالذوات
الفاضلة اولى، فان عمر رضي الله عنه توسل بالعباس رضي الله عنه، وايضا لو سلمنا
لهم ذلك فنقول لهم اذا جاز التوسل بالاعمال الصالحة فما المانع من جوازها بالبي
صلى الله عليه وسلم باعتبار ما قام به من النبوة والرسالة والكمالات التي فاقت كل
كمال وعظمت على كل عمل صالح في الحال والمآل مع ما ثبت من الاحاديث الدالة على ذلك
وعلى الاذن فيه، ومثله سائر الانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم
اجمعين، وكذا الاولياء وعباد الله الصالحون لما فيهم من الطهارة القدسية ومحبة رب
البرية وحيازة اعلى مراتب الطاعة واليقين والمعرفة لله رب العالمين، وذلك كله سبب
لكونهم من عباد
الله المقربين فيقضي سبحانه وتعالى بالتوسل بهم
حوائج المومنين. وينبغي ان يكون ذلك التوسل مع الادب الكامل واجتناب الالفاظ الموهمة
تأثير غير الله تعالى.
ومن ادلة جواز التوسل
قصة سواد بن قارب رضي الله عنه التي رواها الطبراني في الكبير، وفيها ان سواد بن
قارب انشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدته التي فيها:
فاشهد ان الله لا رب غيره" وانك مأمون على
كل غائب
وانك ادنى المرسلين وسيلة " الى الله يا
ابن الاكرمين الاطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وان كان فيما فيه
شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ادنى المرسلين وسيلة
ولا قوله وكن لي شفيعا وكذا من ادلة التوسل مرثية صفية رضي الله عنها عمة النبي
صلى الله عليه وسلم، فانها رثته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بابيات قالت فيها:
ألا يا رسول الله انت رجاؤنا" وكنت بنا برا
ولم تك جافيا
ففيها النداء مع قولها: انت رجاؤنا، وسمع تلك
المرثية الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليها احد قولها: يا رسول الله انت
رجاؤنا.
قال العلامة ابن حجر في
كتابه المسمى (بالخيرات الحسان في مناقب الامام ابي حنيقة النعمان) في الفصل
الخامس والعشرين: ان الامام الشافعي ايام هو ببغداد كان يتوسل بالامام ابي حنيقة
رضي الله عنه يجئ الى ضريحه يزوره فيسلم عليه ثم يتوسل الى الله تعالى به في قضاء حاجاته.
وقد ثبت توسل الامام احمد بالشافعي رضي الله عنهما حتى تعجب ابنه عبد الله ابن
الامام احمد من ذلك، فقال له الامام احمد ان الشافعي كالشمس للناس وكالعافية
للبدن. ولما بلغ الامام الشافعي ان اهل المغرب يتوسلون الى الله تعالى بالامام
مالك لم ينكر عليهم، وقال الامام ابوالحسن الشاذلي رضي الله عنه: من كانت له الى
الله تعالى حاجة واردا قضاءها فليتوسل الى الله تعالى بالامام الغزالي، وذكر
العلامة ابن حجر في كتابه المسمى: ب(الصواعق المحرقة لاهل الضلال
والزندقة)
ان الامام الشافعي رضي الله عنه توسل باهل البيت النبوي حيث قال: آل البي ذريعتي
" وهم اليه وسيلتي
ارجو بهم اعطى غدا " بيدي اليمين صحيفتي
وذكر العلامة السيد
طاهر بن محمد هاشم باعلوي في كتابه: المسمى (مجمع الاحباب) في ترجمة الامام ابي
عيسى الترمذي صاحب السنن، انه رأى في المنام رب العزة فنسأله عما يحفظ عليه
الايمان ويتوفاه عليه؟ قال فقال لي قل بعد صلاة ركعتي الفجر قبل صلاة فرض الصبح:
الهى بحرمة الحسن واخيه وجده وبنيه وامه وابيه نجني من الغم الذي انا فيه يا حى يا
قيوم يا ذا الجلال والاكرام اسألك ان تحيي قبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا
الله يا ارحم الراحمين؛ فكان الامام الترمذي يقول ذلك دائما بعد صلاة الصبح ويأمر
اصحابه به ويحثهم على المواظبة عليه، فلو كان التوسل ممنوعا لما فعله هذا الامام
ولا امر بفعله والمواظبة عليه، وهو امام حجة يقتدى به، بل هذا الامر اعني التوسل
لم ينكره قط احد من السلف والخلف حتى جاء هؤلاء المنكرون. وفي الاذكار للنووي ان
البي صلى الله عليه وسلم امر ان يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثا: (اللهم رب
جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ومحمد صلى الله عليه وسلم اجرلي من النار)
قال في شرح الاذكارخص هؤلاءبالذكرللتوسل
بهم في قبول الدعاء، والا فهو سبحانه وتعالى رب جميع المخلوقات فافهم ذلك انه من
التوسل المشروع. وفي شرح حزب البحر للامام زروق بعد ذكر كثير من الاخيار: اللهم
انا نتوسل اليك بهم فانهم احبوك وما احبوك حتى احببتهم فبحبك اياهم وصلوا الى حبك
ونحن لم نصل الى حبهم فيك فتمم لنا ذلك مع العافية الكاملة الشاملة حتى نلقاك يا
ارحم الراحمين. ولبعض العارفين دعاء مشتمل على قوله: اللهم رب الكعبة وبانيها
وفاطمة وابيها وبعلها وبنيها نور بصري وبصيرتي وسرى وسريرتي، وقد جرب هذا الدعاء
لتنوير البصر، وان من ذكره عند الاكتحال نور الله بصره، وذلك من الاسباب
العادية، وهي لا تأثير لها، والمؤثر هو الله وحده لا شريك له، فكما ان
الله تعالى جعل الطعام والشراب سببين للشبع والري لا تأثير لهما، والمؤثر هو الله
وحده تعالى، وكما جعل الطاعة سببا للسعادة ونيل الدرجات جعل ايضا التوسل بالاخيار
الذين عظمهم الله وامر بتعظيمهم سببا لقضاء الحاجات فليس في ذلك كفر ولا اشراك،
ومن تتبع اذكار السلف والخلف وادعيتهم واورادهم وجدها كلها مشتملة على التوسل ولم
ينكر ذلك احد عليهم حتى جاء هؤلاء المنكرون، ولو تتبعنا ما وقع من اكابر الامة من
التوسل لامتلات بذلك الصحف وفيما ذكر كفاية وانما اطلت في ذلك ليتضح الامرللمتشكك
فيه غاية الاتضاح، لان كثيرامن اتباع محمد بن عبد الوهاب يلقون الى كثير من الناس
شبهات يستميلونهم بها الى اعتقادهم الباطل فعسى ان يقف على هذه النصوص من اراد
الله حفظه من قبول شبهاتهم فلا يلتفت اليها ويقيم عليهم الحجة في ابطالها.
قال في الجوهر المنظم:
ولا فرق في التوسل بين ان يكون بلفظ التوسل او التشفع او الاستغاثة او التوجه، لان
التوجه من الجاه، وهو علو المزلة، وقد يتوسل بذي الجاه الىمنهو اعلى منه جاها،
والاستغاثة طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به ان يحصل له الغوث من غيره وان
كان اعلى منه فالتوجه والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وبغيره ليس لهما معنى في
قلوب المسلمين غير ذلك ولا يقصد بهما احد منهم سواه، فمن لم ينشرح صدره لذلك فليبك
على نفسه. نسأل الله العافية والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، واما النبي
صلى الله عليه وسلم فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه وتعالى مستغاث به
حقيقة، والغوث منه خلقا وايجادا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث به مجازا
والغوث منه تسببا وكسبا، فهو على حد قوله تعالى (وما رميت اد رميت ولكن اله
رمى" الانفال: ١٧) اي وما رميت خلقا وايجادا اذ رميت تسببا وكسبا ولكن الله
رمى خلقا وايجادا، وكذا قوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " الانفال:
١٧) وقوله صلى اله عليه
وسلم (ما انا حملتكم ولكن الله حملكم) وكثيرا ما تجئ السنة لبيان
الحقيقة ويجئ القرآن الكريم باضافة الفعل الى مكتسبه، ويسند اليه مجازا كقوله صلى
الله عليه وسلم (لن يدخل احد الجنة بعمله) مع قوله تعالى (اذخلوا الجنة بما كتتم
تعملون " النحل: ٣٢) فالآية بيان للسبب العادي الذي لا تأثير له، والحديث
بيان للسبب الحقيقي وهو فضل الله تعالى.
وبالجملة فاطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث
باعتبار الكسب امر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعا، فاذا قلت اغثني يا الله تريد
الاسناد الحقيقي باعتبار الخلق والايجاد، واذا قلت اغثني يار رسول الله تريد
الاسناد المجازي باعتبار الكسب والتوسط والتسبب بالشفاعة، ولو تتبعت كلام العلماء
والائمة لوجدت شيئا كثيرا من ذلك، ومنه ما مر في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف
الناس للحساب يوم القيامة بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله
عليه وسلم فتأمل تعبيره صلى الله عليه وسلم بقوله: (استغاثوا بآدم) فان الاسناد
مجازي اذ المستغاث به حقيقة هو الله تعالى، وصح عنه صلى الله عليه وسلم لمن اراد
عونا ان يقول (يا عباد الله اعينوني) وفي رواية (اغيثوني) وجاء في قصة قارون لما
خسف به انه استغاث بموسى عليه السلام فلم يغثه وصار يقول يا ارض خذيه فعاتبه الله
حيث لم يغثه وقال له استغاث بك فلم تغثه ولو استغاث بي لاغثته فاسناد الاغاثة الى
الله تعالى اسناد حقيقي، والى موسى عليه السلام مجازي. وقد يكون معنى التوسل به
صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه اذ هو حي صلى الله عليه وسلم يعلم سؤال من
يسأله وقد تقدم حديث بلال بن الحارث رضي الله عنه المذكور فيه انه جاء الى قبر
البي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله استسق لامتك، اي ادع الله لهم، فعلم
انه صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما كان يطلب منه في حياته
لعلمه بسؤال من يسأله مع قدرته على التسبب في حصول ما سئل فيه بسؤاله ودعائه
وشفاعته الى ربه عز وجل، وانه صلى الله عليه وسلم يتوسل به في
كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته، وكذا في
عرصات القيامة فيشفع الى ربه، وكل هذا مما تواترت به الاخبار وقام به الاجماع قبل
ظهور المانعين منه، فهو صلى الله عليه وسلم له الجاه الوسيع والقدر المنيع عند
سيده ومولاه المنعم عليه بما حباه واولاه. واما تخيل بعض المحرومين ان منع التوسل
والزيارة من المحافظة على التوحيد، وان فعل ذلك مما يؤدي الى الشرك فهو تخيل فاسد
باطل، فالتوسل والزيارة اذا فعل كل منهما مع المحافظة على آداب الشريعة الغراء لا
يؤدي الى محذور البتة، والقائل بمنع ذلك سدا للذريعة متقول على الله تعالى وعلى
رسوله صلى الله عليه وسلم وكأن هؤلاء المانعين للتوسل والزيارة يعتقدون انه لا
يجوز تعظيم البي صلى الله عليه وسلم فحيثما صدر من احد تعظيم له صلى الله عليه
وسلم حكموا على فاعله بالكفر والاشراك، وليس الامر كما يقولون، فان الله تعالى عظم
الني صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم باعلى انواع التعظيم، فيجب علينا ان
نعظم من عظمه الله تعالى وامر بتعظيمه، نعم يجب علينا ان لا نصفه بشيء من صفات
الربوبية، ورحم الله الشيخ الابوصيري حيث قال:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم - واحكم بما شئت
مدحا فيه واحتكم
فليس في تعظيمه صلى
الله عليه وسلم بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والاشراك، بل ذلك من اعظم الطاعات
والقربات، وهكذا كل من عظمهم الله تعالى كالانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه
عليهم اجمعين، وكالملائكة والصديقين والشهداء والصالحين. قال اله تعالى (ومن يعظم
شعآئر اله فائها من تقوى القلوب ٠ الحج: ٣٢) وقال تعالى (ومن يعظم حرمات اذ فهو
خير له عند ربه " الحج: ٣٠) ومن ذلك الكعبة المعظمة والحجر الاسود ومقام
ابراهيم عليه السلام فانها احجار وامرنا الله تعالى بتعظيمها بالطواف بالبيت ومس
الركن اليماني، وتقبيل الحجر الاسود، وبالصلاة خلف المقام، وبالوقوف للدعاء عند
المستجار وباب الكعبة والملتزم، ونحن في ذلك كله لم نعبد الا الله تعالى ولم نعتقد
تأثيرا لغيره ولا نفعا ولا
ضرا، فلا يثبت
شيء من ذلك لاحد سوى الله تعالى.
والحاصل ان هنا امرين:
احدهما وجوب تعظيم الني صلى الله عليه وسلم ورفع رتبته عن سائر الخلق، والثاني
افراد الربوبية واعتقاد ان الرب تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وافعاله عن جميع
خلقه، فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الباري سبحانه وتعالى في شيء من ذلك فقد اشرك كالمشركين
الذين كانوا يعتقدون الالوهية للاصنام واستحقاقها العبادة، ومن قصر بالرسول صلى
الله عليه وسلم عن شيء من مرتبته فقد عصى او كفر. واما من بالغ في تعظيمه بانواع
التعظيم ولم يصفه بشيء من صفات الباري عز وجل فقد اصاب الحق وحافظ على جانب
الربوبية والرسالة جميعاً، وذلك هو القول الذي لا افراط فيه ولا تفريط، واذا وجد
في كلام المؤمنين اسناد شيءلغيرالله تعالى يجب حمله على المجازالعقلي ولا سبيل الى
تكفيرهم اذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى (واذا تليت
عليهم آياته زادتهم ايمانا "الانفال: ٢) فاسناد الزيادة الى الآيات محاز عقلي
لانها سبب في الزيادة، والتي يزيد حقيقة هو الله تعالى وحده، وقوله تعالى (يوما
يجعل الولدان شيبا * المزمل: ١٧) فاسناد الجعل الى اليوم مجاز عقلي، لان اليوم محل
لجعلهم شيبا، فالجعل المذكور واقع في اليوم، والجاعل حقيقة هو الله تعالى وقوله
تعالى (ولا يغوث ويعوق وئسرا " وقد آضلوا كثيرا ٠ نوح: ٢٣-٢٤) فاسناد الاضلال
الى الاصنام مجاز عقلي لانها سبب في حصول الاضلال، والهادي والمضل هو الله تعالى
وحده، وقوله تعالى حكاية عن فرعون (يا هامان ابن لي صرحا * المؤمن: ٣٦) فاسناد
البناء الى هامان مجاز عقل لانه سبب فهو آمر يأمر ولا يبني بنفسه، والباني انما هو
الفعلة.
واما
الاحاديث ففيها شيء كثير يعرفه من وقف عليها وكان ممن يعرف الفرق بين الاسناد
الحقيقي والمجازي فلا حاجة الى الاطالة بنقلها. وقال العلماء: ان صدور ذلك الاسناد
من موحد كاف في جعله اسنادا مجازيا لان الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد ان الخالق
للعباد وافعالهم هو الله وحده فهو الخالق للعباد وافعالهم لا تأثير
لاحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو
التوحيد المحض، بخلاف من اعتقد غير هذا فانه يقع في الاشراك، واما الفرق بين الحي
والميت مع اعتقاد ان الحي يخلق افعال نفسه فهو اعتقاد المعتزلة، فلو كان هؤلاء
الذين يريدون المحافظة على التوحيد بزعمهم، وان مرادهم منع الالفاظ الموهمة وسد
الذريعة يقتصرون على منع العامة عن الالفاظ الموهمة تأثير غير الله تعالى تأدبا،
ومع هذا فاذا صدرت منهم تحمل على المجاز العقلي، ويجيزون لهم التوسل مع المحافظة
على الادب لكان لكلامهم وجه. واما المنع منه بالكلية فهو مصادم للاحاديث الصحيحة
ولفعل السلف والخلف. فعليك باتباع الجمهور والسواد الاعظم. قال الله تعالى (ومن
يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله
جهنم وسآءت مصيرا ٠ النساء: ١١٥) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليكم
بالسواد الاعظم فانما يأكل الذئب من الغنم القاصية) وقال صلى الله عليه وسلم (من
فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه) وقد ذكر العلامة ابن الجوزي
في كتابه المسمى: (تلبيس ابليس) احاديث كثيرة في التحذير من مفارقة السواد الاعظم:
منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه خطب في الجابية
فقال (من اراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فان الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين
ابعد) وفي حديث عرفجة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(يد الله على الجماعة والشيطان مع من يخالف الجماعة) وحديث اسامة بن شريك رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يد الله على الجماعة، فاذا شذ
الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم)، وحديث معاذ بن جبل
رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان الشيطان ذئب الانسان كذئب
الغنم يأخذ الشاة الشاذة القاصية والنائية فاياكم والشعاب وعليكم بالجماعة العامة
والمسجد) وحديث ابي ذر رضي الله عنه عن البي صلى الله عليه وسلم انه قال (اثنان
خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، واربعة خير من الثلاثة،
فعليكم بالجماعة فان الله تعالى لن يجمع امتي الا على هدى) فهؤلاء
المنكرون للتوسل والزيارة فارقوا الجماعة والسواد الاعظم وعمدوا الى آيات كثيرة من
آيات القرآن التي نزلت في المشركين، فحملوها على المؤمنين الذين تقع منهم الزيارة
والتوسل، وتوصلوا بذلك الى تكفير اكثر الامة من العلماء والصلحاء والعباد والزهاد
وعوام الخلق، وقالوا: انهم مثل اولئك المشركين الذين قالوا (ما ئعبدهم الا
ليقربونا الى اله زلفى " الزمر: ٣) وقد علمت ان المشركين اعتقدوا الوهية غير
الله تعالى واستحقاقه العبادة واما المؤمنون فما يعتقد احد منهم هذا الاعتقاد فكيف
يجعلونهم مثل اولئك المشركين، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وشبهة هؤلاء الخوارج في المنع من طلب الشفاعة
منه صلى الله عليه وسلم الهم يقولون ان اله تعالى قال في كتابه العزيز (من ذا الذي
يشفع عنده الأ باذنه ٠ البقرة: ٢٥٥) وقال تعالى (ولا يشفعون الأ لمن ارتضى ٠
الانبياء: ٢٨) فالطالب للشفاعة من اين يعلم حصول الاذن للني صلى الله عليه وسلم في
انه يشفع له حتى يطلب الشفاعة منه، ومن اين يعلم انه ممن ارتضى حتى يطلب الشفاعة
منهم واحتجاجهم هذا مردود بالاحاديث الصحيحة الصريحة في حصول الاذن له صلى الله
عليه وسلم في انه يشفع لمن قال بعد الاذان والاقامة: اللهم رب هذه الدعوة التامة الى
آخر الدعاء المشهور ولمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، ولمن زار
قبره صلى الله عليه وسلم بل جاءت احاديث كثيرة صريحة في شفاعته صلى الله عليه وسلم
لعصاة امته كقوله صلى الله عليه وسلم (شفاعتي لاهل الكبائر من امتي) فكل من مات
مؤمنا فانه يدخل في شفاعته صلى الله عليه وسلم، فهي ثابتة لجميع المؤمنين ومأذون
له صلى الله عليه وسلم فيها، فالطالب للشفاعة كأنه يتوسل الى الله تعالى بالنبي
صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى ان يحفظ عليه الايمان حتى يتوفاه الله عليه،
فيشفع فيه نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا حاجة الى التطويل ببسط الدلائل في ذلك مع
وضوح الامر الى لمن عميت بصيرته واما شبهتهم في المنع من
النداء، فقالوا: ان النداء والخطاب للجمادات والغائبين والاموات من
الشرك الاكبر الذي يباح به الدم والمال، ولامستندلهم في ذلك بل الاحاديث الصحيحة
الصريحة في بطلان قولهم هذا، وزعموا ان النداء للاموات والغائبين والجمادات يسمى
دعاء وان الدعاء عبادة، بل الدعاء مخ العبادة وحملوا كثيرا من الآيات القرآنية
التي نزلت في المشركين على الموحدين، وقد تقدم ذكر كثير من تلك الآيات، وهذا كله
منهم تلبيس في الدين وتضليل لاكثر الموحدين، فانه وان كان النداء قد يسمى دعاء كما
في قوله تعالى (لا تجعلوادعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا " النور: ٦٣)
لكن ليس كل نداء عبادة، ولو كان كل نداء عبادة لشمل ذلك نداء الاحياء والاموات،
فيكون كل نداء ممنوعا مطلقا، وليس الامر كذلك، وانما النداء الذي يكون عبادة هو
نداء من يعتقدون الوهيته واستحقاقه العبادة فيرغبون اليه ويخضعون بين يديه، فالذي
يوقع في الاشراك هو اعتقاد الوهية غير الله تعالى واعتقاد التأثير لغير الله
تعالى. واما مجرد النداء لمن لا يعتقدون الوهيته ولا تأثيره فانه ليس عبادة، ولو
كان لميت او غائب او جماد، وذلك كله وارد في كثير من الاحاديث الصحيحة والآثار
الصريحة، فقولهم ان نداء الميت والجماد والغائب دعاء وكل دعاء عبادة غير صحيح على
اطلاقه وعمومه ولو كان كل نداء عبادة لامتنع نداء الحي والميت فانهما مستويان في
ان كلا منهما لا تأثير له في شيء ولا يعتقد احد من المسلمين الوهية غير الله تعالى
ولا تأثير لاحد سواه، فالدعاء الذي هو مخ العبادة هو الرغبة للاله والخضوع بين
يديه، وسأذكر لك كثيرا من الاحاديث والآثار التي جاء فيها النداء والخطاب للاموات
والغائبين والجمادات وان تقدم كثير من ذلك فلا بأس باعادته، فمنها حديث الضرير
الذي رواه عثمان بن حنيف رضي الله عنه، فان فيه (يا محمد اني اتوجه بك الى ربك)
وتقدم ان الصحابة رضي الله عنهم استعملوا ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وحديث
بلال بن الحارث رضي الله عنه فان فيه انه جاء الى قبر الني صلى الله عليه وسلم
وقال ياررسول الله استسق لامتك ففيه النداءله بعدوفاته
والخطاب بالطلب منه ان يستسقي لامته.
والاحاديث الواردة عن الني صلى الله عليه وسلم
في زيارة القبور في كثير منها النداء والخطاب للاموات كقوله (السلام عليكم يا اهل
القبور، السلام عليكم اهل الديار من المؤمنين، وانا ان شاء الله بكم لاحقون) ففيها
نداء وخطاب، وهي احاديث كثيرة لا حاجة الى الاطالة بذكرها، وتقدم ان السلف والخلف
من اهل المذاهب الاربعة استحبوا للزائر ان يقول تجاه القبر الشريف: يا رسول الله
اني جئتك مستغفرا من ذبي مستشفعا بك الى ربي، وصح عن بلال بن الحارث رضي الله عنه
انه ذبح شاة عام القحط المسمى عام الرمادة فوجدها هزيلة فصار يقول: وا محمداه وا
محمداه، وصح ايضا ان اصحاب البي صلى الله عليه وسلم لما قاتلوا مسيلمة الكذاب كان
شعارهم: وا محمداه وا محمداه، وفي الشفاء للقاضي عياض ان عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما خدرت رجله مرة، فقيل له: اذكر احب الناس اليك، فقال وا محمداه فانطلقت رجله
وجاء الخطاب وصورة النداء في التشهد الذي يأتي به المسلم في كل صلاة علمه النبي
صلى الله عليه وسلم لاصحابه، فان فيه: (السلام عليك ايها النبي)، وكان البي صلى
الله عليه وسلم اذا نزل ارضا قال: (يا ارض ربي وربك الله) ففيه الخطاب والنداء
للجماد، وذكر الفقهاء في آداب السفر: ان المسافر اذا انفلتت دابته بارض ليس بها
انيس، فليقل: يا عباد الله احبسوا، واذا اضل شيئا او اراد عونا فليقل: يا عباد
الله اعينوني او اغيثوني فان لله عبادا لا تراهم.
واستدل الفقهاء على ذلك
بما رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا فإن
لله عبادا يجيبونه) ففيه نداء وطلب نفع: اي التسبب في ذلك من عباد الله الذين لم
يشاهدهم؛ وفي حديث آخر رواه الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال (إذا اضل احدكم
شيئا او اراد عونا، وهو بارض ليس فيها انيس فليقل: يا عباد الله اعينوبي)، وفي
رواية (اغيثوني فان غ عبادا لا ترونهم) قال
العلامة ابن حجر في حاشية (ايضاح المناسك) وهو
بجرب كما قاله الراوي، وروى ابوداود وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سافر فاقبل الليل قال (يا ارض ربي وربك
الله، اعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك، اعوذ بالله
من اسد واسود ومن الحية والعقرب ومن شر ساكن البلدووالدوما ولد)
وذكر الفقهاء في آداب السفر انه يسن للمسافر
الاتيان بهذا الدعاء عند اقبال الليل وفيه النداء والخطاب للجماد؛ وروى الترمذي عن
ابن عمر رضي الله عنهما والدارمي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه انه صلى الله
عليه وسلم كان اذا رأى الهلال قال (ربي وربك الله) ففيه خطاب للجماد. وصح انه لما
توفي صلى الله عليه وسلم اقبل ابوبكر رضي الله عنه حين بلغه الخبر، فدخل على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه؛ ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وقال: بأبي أنت
وأمي طبت حيا وميتا اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك.
وفي رواية للامام احمد فقبل جبهته، ثم قال وا
نبياه، ثم قبله ثلاثا وقال وا صفياه ثم قبله ثلاثا وقال وا خليلاه فغي ذلك نداء
خطاب له صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. ولما تحقق عمر رضي الله عنه وفاته صلى الله
عليه وسلم بقول ابي بكر رضي الله عنه، قال وهو يبكي بابي انت وامي يا رسول الله
لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا واتخذت منبرا لتسمعهم حن الجذع لفراقك
حتى جعلت يدك عليه فسكن فامتك اولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بابي انت وامي يا
رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك ان جعل طاعتك طاعته، فقال (من يطع الرسول فقد
اطاع الله" النساء: ٨٠) بابي انت وامي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده
ان بعثك آخر الانبياء وذكرك في اولهم، فقال (واذ اخذنا من النبين ميثاقهم ومنك ومن
نوح " الاحزاب: ٧) بابي انت وامي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده ان اهل
النار يودون ان يكونوا اطاعوك وهم بين اطباقها يعذبون
يقولون: (يا ليتنآ اطعنا الله واطعنا
الرسولا" الاحزاب: ٦٦) بابي انت وامي يا رسول الله لقد اتبعك في قصر عمرك من
لم يتبع نوحا في كبر سنه وطول عمره
فانظر الى هذه الالفاظ التي صدرت من عمر رضي
الله عنه. وقد تعدد فيها النداء له صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقد رواها كثير
من ائمة الحديث؛ وذكرها القاضي عياض في الشفاء والغزالي في الاحياء والقسطلاني في
المواهب اللدنية، وابن الحاج في المدخل فيبطل بها وبغيرها قول المانعين للنداء
القائلين ان كل نداء دعاء وكل دعاء عبادة، وروى البخاري عن انس رضي الله عنه ان
فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لما توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم: يا ابتاه اجاب ربا دعاه، يا ابتاه جنة الفردوس مأواه، يا ابتاه
الى جبريل ننعاه وفي رواية الينا جبريل نعاه والنعي هو الاخبار بالموت، وقد يكون
الاخبار للعالم بموته تأسفا على فقده، فكل من الروايتين صحيح في المعنى، ففي هذا
الحديث ايضا نداؤه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وفي المواهب: ورثته عمته صفية
رضي الله عنها بمراث كثيرة، قالت في مطلع قصيدة منها:
الا يا رسول الله كنت رجاءنا" وكنت بنا برا
ولم تك جافيا
ففي البيت نداؤه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم،
ولم ينكره عليها احد من الصحابة رضي الله عنهم مع حضورهم وسماعهم له، ومما جاء من
النداء للميت التلقين له بعد دفنه وقد ذكره كثير من الفقهاء واستندوا في ذلك الى
حديث الطبراني عن ابي امامة رضي الله عنه، واعتضد بشواهد. وصورته ان يقول للميت
عند قبره بعد دفنه (يا عبد الله ابن امة
الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا شهادة ان
لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان الجنة حق وان
النار
حق وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث
من في القبور، قل رضيت بالله ربا
وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالكعبة
قبلة وبالمسلمين اخوانا،
ربي لا اله الا هو رب العرش العظيم) ففي التلقين النداء والخطاب للميت،
وحديث
نداء الني صلى الله عليه وسلم كفار قريش
المقتولين ببدر بعد القائهم في القليب مشهور رواه البخاري واصحاب السنن، وذكروا ان
الني صلى الله عليه وسلم جعل يناديهم باسمائهم واسماء آبائهم ويقول (أيسركم انكم
اطعتم الله ورسوله فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟).
واما ما جاء من الآثار
عن الائمة الاحبار والعلماء الاخيار والاولياء الكبار مما يدل على جواز ذلك النداء
والخطاب فشيء كثير تنقضي دون نقله الاعمار، ومضى على ذلك القرون والاعصار وما وقع
منهم انكار، فكيف يجوز الاقدام على تكفير المسلمين بشيء قام على ثبوته البراهين:
وفي الحديث الصحيح (من قال لاخيه المسلم ياكافر فقد باء بها احدهماان كان كماقال
والارجعت عليه) قال العلماءترك قتل الف كافر اولى من اراقة دم امرئ مسلم. فيجب
الاحتياط في ذلك فلا يحكم بالكفر على احد من اهل القبلة الا بواضح قاطع للاسلام.
وممن رد على محمد بن
عبد الوهاب احد اشياخه، وهو الشيخ محمد بن سليمان الكردي صاحب حواشي شرح مختصر
بافضل، ومن جملة ما قاله في الرسالة التي رد بها عليه: يا ابن عبد الوهاب سلام على
من اتبع الهدى فاني انصحك لله تعالى ان تكف لسانك عن المسلمين، فان سمعت من شخص انه
يعتقد تأثير ذلك المستغاث به من دون الله تعالى فعرفه الصواب وابن له الادلة على
انه لا تأثير لغير الله، فان ابى فكفره حينئذ بخصوصه ولا سبيل لك الى تكفير السواد
الاعظم من المسلمين وانت شاذ عن السواد الاعظم، فنسبة الكفر الى من شذ عن السواد
الاعظم اقرب لانه اتبع غير سبيل المؤمنين. قال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما
تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ئوله ماتولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا"
النساء: ١١٥) (و انما يأكل الذئب من الغنم القاصية) انتهى
والحاصل ان الذين
اعتنوا بالرد عليه خلائق لا يحصون من مشارق الارض ومغار بها من ارباب المذاهب
الاربعة في كتب مبسوطة ومختصرة، وبعضهم التزم الرد
عليه بنصوص مذهب الامام احمد، ليبين له انه كاذب
ملبس في انتسابه لمذهب الامام احمد رضي الله عنه.
واما زيارة قبر النبي
صلى الله عليه وسلم فقد فعلها الصحابة، ومن بعدهم من سلف الامة وخلفها وانعقد
الاجماع على استحبابها وجاء في فضلها والترغيب فيها احاديث كثيرة: منها ما رواه
البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول (من زار قبري كنت له شفيعا وشهيدا) وهذه شفاعة خاصة للزائر غير شفاعته صلى
الله عليه وسلم للعصاة، وروى الدارقطني وابن السكن وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما (من زار قبري وجبت له شفاعتي). وفي رواية (من جاءلي زائر لا تعمله حاجة
غير زياربي كان حقا على ان اكون له شفيعا يوم القيامة). وفي رواية لابن منده (من
زارلي في مسجدي بعد وفاني كان كمن زاربي في حيالي) وفي رواية لابن عدى (من حج
البيت ولم يزربي فقد جفاي) والمراد من الجفاء غلظ الطبع والبعد والاعراض عن
المحبوب والمراد انه فعل فعل الجافي، لا انه جفا جفاء حقيقيا، لان ذلك اذى ولا
يجوز اذاه صلى الله عليه وسلم وفي رواية للدارقطني (من زارلي متعمدا كان في جواري
يوم القيامة، ومن مات في احد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة). زاد في
رواية (ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة)، وفي رواية
رواها ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(من زارني في مماني كان كمن زارلي في حياني، ومن زاربي حتى ينتهي الى قبري كنت له
يوم القيامة شهيدا)، او (قال شفيعا) والاحاديث الواردة في ذلك كثيرة لا حاجة لنا
الى الاطالة بذكرها مع اجماع السلف والخلف على استحبابها حتى ظهر المنكرون لها
المانعون منها. وفي هذا القدر كفاية ومقنع لمن كان بمرأى من التوفيق ومسمع.
وبمجموع ما ذكرناه يبطل
جميع ما ابتدعه محمد بن عبد الوهاب ولبس به على المؤمنين واستباح هو ومن تبعه
دماءهم واموالهم، ولم ينتدب لمحاربته ومن تبعه
احد مثل سيدنا الشريف غالب رحمه الله تعالى،
فانه قام بهذا الامر اتم قيام وبذل فيه جميع وسعه سنين متطاولة فجزاه الله عن
الاسلام والمسلمين خير، وتقدم ان الشريف مسعودا ومساعدا واحمد بن سعيد وسرورا كل
منهم لم يأذن لاحد من اتباعه في الحج انتهى كلام السيد احمد دحلان رحمه الله
تعالى.
الباب الرابع في نقل عبارات علماء المذاهب
الأربعة
في الرد على ابن تيمية، والكلام على بعض كتبه
ومخالفته أهل السنة
في بعض المسائل المهمة،
ومنها اعتقاد الجهة في جانب الله، تعالى وتقدس.
فمن عاصره الامام صدر
الدين بن الوكيل المعروف بابن المرحل الشافعي وقد ناظره، ومنهم الامام ابوحيان
وكان صديقا له، فلما اطلع على بدعه رفضه رفضا بتا وحذر الناس منه، ومنهم الامام عز
الدين بن جماعة رد عليه وشنع عليه كثيرا ولم اطلع على كتب هؤلاءالثلاثة وانماذكرهم
ابن حجروغيره، ومنهم الامام كمال الدين الزملكاني الشافعي المتوفي سنة ٧٢٧ ه. قال
ابن الوردي في تاريخه كان غزير العلم كثير الفنون مسدد الفتاوى دقيق الذهن وذكر له
في كشف الظنون (كتاب الدرة المضية في الرد على ابن تيمية) وقد ناظره في مسائله
التي شذ بها عن المذاهب الاربعة ومن اشنعها مسالة منعه شد الرحال الى قبور
الانبياء والصالحين ولا سيما سيد المرسلين والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وبهم
الى رب العالمين، ولم اطلع على كتابه هذا، وانما اطلعت له على قصيدة بليغة في مدح
الني صلى الله عليه وسلم تعرض فيها للرد على هذه الفرقة المفتونة فرقة ابن تيمية
بقوله:
يا صاحب الجاه عند الله خالقه "ما رد جاهك
الا كل افاك
انت الوجيه على رغم العدا ابدا" انت الشفيع لفتاك ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحة " ولا شفى الله يوما قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى ابدا ٦ ومن اعانك في الدنيا ووالاك
ومنهم
الامام الكبير الشهير تقي الدين السبكي الشافعي. قال رحمه الله تعالى
في كتابه (شفاس السقام في زيارة خير الانام عليه الصلاة والسلام):
اعلم انه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع
بالبي صلى الله عليه وسلم الى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنه من الامور
المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الانبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين
والعلما ء والعوام من المسلمين، ولم ينكر احد ذلك من اهل الايمان ولا سمع به في
زمن من الازمان حتى جاء ابن تيمية، فتكلم في ذلكم بكلام يلبس فيه على الضعفاء
الاغمار، وابتدع ما لم يسبق اليه في سائر الاعصار وحسبك ان انكار ابن تيمية
للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله وصار به بين اهل الاسلام مثلة، وقد وقفت
له على كلام طويل في ذلك رأيت من الرأي القويم ان اميل عنه الى الصراط المستقيم
ولا اتبعه بالنقض والابطال، فان دأب العلماء القاصدين لايضاح الدين وارشاد
المسلمين تقريب المعنى الى افهامهم وتحقيق مراده وبيان كحمه، ورأيت كلام هذا الشخص
بالضد من ذلك فالوجه الاضراب عنه انتهى. وكتابه هذا (شفاء السقام) هو الذي قال فيه
الامام القسطلاني في المواهب اللدنية في مبحث زيارة الني صلى الله عليه وسلم ما
نصه: وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة
النبوية المحمدية، وانه ليس من القرب بل بضد ذلك ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي
في (شفاء السقام) فشفى صدور المؤمنين انتهى وقد قال في خطبته وضمنت هذا الكتاب
الرد على من زعم: يعني ابن تيمية ان احاديث الزيارة كلها موضوعة وان السفر اليها
بدعة غير مشروعة وهذه المقالة اظهر فسادا من ان يرد عليها العلماء، ولكني جعلت هذا
الكتاب مستقلا في الزيارة وما يتعلق بها مشتملا من ذلك على جملة يعز جمعها على
طالبها انتهى وقال بعد ذلك في كتابه المذكور: وهذا الرجل يعني ابن تيمية قد تخيل
ان الناس بزيارتهم متعرضون للاشراك بالله تعالى وبنى كلامه كله على ذلك وكل دليل
ورد عليه يصرفه الى غير هذا الوجه، وكل شبهة عرضت له يستعين بها على ذلك. فهذا داء
لا دواء له الا بان يلهمه الله الحق، الا
ترى هو لما زار قصد ذلك واشرك مع الله غيره.
انتهت عبارة شفاء السقام. ورأيت للامام السبكي عبارة في هذا الشأن، وهي موجودة
الآن بخط يده في المكتبة الخالدية في القدس الشريف، وقد ارسلت فاستكتبتها، وهذه
صورتها بحروفها:
قال رحمه الله تعالى في سنة احدى وحخمسين
وسبعمائة وقفت على كتاب العقل والنقل لابن تيمية وهو كتاب (موافقة صريح المعقول
لصحيح المنقول) المطبوع على هامش كتاب منهاج السنة النبوية كلاهما لابن تيمية
فوجدت فيه مواضع انكرتها وكتبت على بعضها حواشي فتحركت انوف خلق له ففكرت في
انتشار اصحاب هذا الرجل وما يخشى من انتشار بدعته وعدم من يقاومهم، فكتبت في ليلة
السبت عاشر شوال سنة احدى وخمسين وسبعمائة رقعة الى سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم اسأل الله فيها ذلك، وفي آخرها ان كنت مصيبا في اعتقادي فقوني، وان كنت مخطئا
فاهدني، ثم اصبحت دفعتها للشيخ نور الدين السخاوي ليحملها فانه عزم على الحج، وكان
ذلك قبل الظهر، فلما كان الظهر جاءلني شخص فاخبرني عن ابن تيمية بخبر يوجب شوطي
فيه، وكنت سمعت عنه من شخص مسألة من نحو اربعين سنة فلم اصدقها، فلما تابعه هذا
وقع في قبي صحة ذلك، ثم جاء آخر وآخر وآخر بمثل ذلك، ثم نظمت قصيدة ارسلتها مع
الشيخ نور الدين ايضا، فلما اكملت نظمهافي ليلة الاثنين ثاني عشرالشهرالمذكوروقع
في قبي ان الله تعالى ماهياًلي تلك الاخبار في ذلك اليوم الا هداية وجوابا عما
سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر هذه القضية ما اعجبها وفضل رسول
الله صلى الله عليه وسلم علي، وها انا اذكر نص ما كتبته في تلك الورقة وما نظمته
ان شاء الله، والمرجو من الله ارسالهما ووصولهما الى الني صلى الله عليه وسلم
ونجحهما ان شاء الله، اما الورقة فنص ما فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الى سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اني عبد ضعيف عاجز مسكين وجميع ما حصل
لي من خير الدنيا والآخرة انت كنت سببه وانت وسيلتي الى الله سبحانه: واني نشأت
على دين
الاسلام سالما عن الشبه والبدع والاهوية
والاغراض والميل الى نجانب من الجوانب، لا اعرف غير اشهد ان لا اله الا الله واشهد
ان محمدا رسول الله، ثم اشتغلت بالقرآن ثم بالفقه على مذهب الشافعي لا اعرف غير
ذلك ولم اسمع ولم يدخل في قبي شيء غير ذلك لا من العقائد ولا من غيرها، ثم اشتغلت
بنحو واصول فقه وفرائض، ثم بعلم الحديث ذا تصويب فيه اليك؛ ثم نظرت في شيء من
العلوم العقلية واشتغلت بعلم الكلام على طريقة الاشعري لانها المشهورة في بلادنا
التي رأيت عليها اهلي وقومي وبقيت اراها طريقة وسطى بين الحشو والاعتزال، ولا زلت
على تلك حتى جاوزت عشرين سنة من عمري وانا بالديار المصرية فشاع عندنا خبر ابن
تيمية وما يتفق له بدمشق، وكان بها اذ ذاك علماء يقاومونه؛ وفي مصر والقاهرة علماء
واكابر فاحضروه واتفق له ما اتفق بسبب العقائد؛ ثم كتبت كلامه في التوسل
والاستغاثة، وتكلم معه من هو اكبر مني ورأيته واجتمعت به كثيرا ثم عاد الى الشام،
ثم بلغنا كلامه في الطلاق، وان من علق الطلاق على قصد اليمين ثم حنث لا يقع عليه
طلاق، ورددت عليه في ذلك، ثم بلغنا كلامه في السفر الى زيارتك ومنعه اياه ورددت
عليه في ذلك، ثم توفى وله اصحاب كثيرون يشيعون رأيه وينشرون تصانيفه، وجئت الى
دمشق كما يقال نائب شريعتك، ومن لي برضاك بذلك فانا اقل عبيدك مسكت عن الكلام في
العقائد من الجانبين لاني في نفسي ان عقولنا تضعف عن ادراك سبحات الحق جل جلاله،
وارى البقاء على الفطرة السليمة والاكتفاء بالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وان لا ينبه العوام لشيء آخر، ومن كان عالما ينظر بما يتيسر له، والمعصوم
من عصم الله. لكن الطلاق والزيارة انا شديد الانكار لقول ابن تيمية فيهما ظاهرا
وباطنا، والعقائد لا يعجبني ما اعتمده فيها من تحريك قلوب العوام فيها، انتهت
عبارة الامام السبكي بحروفها، وهي مكتوبة بخطه بلا نقط، وهكذا جاءتني صورتها
فنقطتها، اما القصيدة التي ذكرها فغير موجودة.
ومنهم الحافظ ابن العسقلاني الشافعي الذي اتفقت
الامة باسرها حتى الوهابين التابعون مذهب ابن تيمية، على جلالة قدره وغزارة علمه
وتبحره في علم الكتاب والسنة وانه خاتمة الحفاظ لم يأت بعده مثله. قال رحمه الله
تعالى في (فتح الباري شرح البخاري) عند قول البي صلى الله عليه وسلم (لا تشد
الرحال الا الى ثلاثة مساجد) بعد ان ذكر ان السبكي رد على ابن تيمية في مسألة
تحريمه شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقره على ذلك
ما نصه وهي من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، ومن جملة ما استدل به على دفع
ما ادعاه غيره من الاجماع على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما نقل
عن مالك انه كره ان يقول زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اجاب عنه المحققون
من اصحابه بانه كره اللفظ ادبا، لا اصل الزيارة فانها من افضل الاعمال واجل
القربات الموصلة الى ذي الجلال وان مشروعيتها محل اجماع بلا نزاع، والله الهادي
الى الصواب. قال بعض المحققين قوله: (الا الى ثلاثة مساجد) المستثنى منه محذوف
فاما ان يقدر عاما فيصير لا تشد الرحال الى مكان في اي امر كان الا الى الثلاثة،
او اخص من ذلك لا سبيل الى الاول لافضائه الى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم
وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني والاولى ان يقدر ما هو اكثر مناسبة، وهو لا تشد
الرحال الى مسجد للصلاة فيه الا الى الثلاثة، فبطل بذلك قول من منع شد الرحال الى
زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين، والله اعلم. انتهت عبارة فتح الباري.
وقال الحافظ ابن حجر ايضا فيما كتبه على الرد
الوافر على من زعم ان من اطلق على ابن تيمية شيخ الاسلام كافر للحافظ ابن ناصر
الدمشقي كما نقله الصفي البخاري في (القول الجلي): ولقد قام على الشيخ تقي الدين
جماعة: يعني ابن تيمية مرارا بسبب اشياء انكروها عليه من الاصول والفروع وعقدت له
بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يحفظ عن احد منهم انه افتى بزندقته ولا
افتى بسفك دمه مع شدة المتعصبين عليه رحمه الله تعالى من اهل الدولة حتى حبس
بالقاهرة ثم
بالاسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه وكثرة ورعه وزهده ووصفه بالسخاء
والشجاعة وغير ذلك من قيامه في نصر الاسلام والدعاء الى الله في السر والعلانية،
فكيف لا ينكر على من اطلق عليه انه كافر بل من اطلق على من سماه بشيخ الاسلام
الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك فانه شيخ الاسلام بلاريب، والمسائل التي
انكرت عليه ما كان يقولها بالتشهي ولايصرعلى القول بها بعد قيام الدليل عليه
عنادا، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو
بشر يخطئ ويصيب، فالذي اصاب فيه وهو الاكثر يستفاد منه ويترحم عليه بسببه، والذي
اخطأ فيه لا يقلد فيه، اي كمسألة الزيارة والطلاق. انتهى ما اردت نقله من كلام
الحافظ ابن حجر.
ومنهم السيد صفي الدين
الحنفي البخاري نزيل نابلس الف كتابا مستقلا سماه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي
الدين بن تيمية الحنبلي) ذكر فيه مناقبه وكلام العلماء في الثناء عليه، ذكر كاتبه
في آخره انه انتهى تأليفه سنة ١٢٢٣ ه، وقرظ عليه علماء ذلك العصر كالشيخ عبد
الرحمن الكزبري الدمشقي والشيخ محمد التافلاتي المغربي مفتي القدس، وهو مطبوع على
هامش كتاب (جلاء العينين في محاكمة الاحمدين) للسيد نعمان افندي الآلوسي البغدادي.
قال صفي الدين في كتابه المذكور، قد نص على انه، اي ابن تيمية بلغ رتبة الاجتهاد
جمع من العلماء ولم يتفرد بمسألة منكرة قط وان كان قد خالف الائمة الاربعة في
مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة او التابعين، ومن اشنع ما وقع له مسألة تحريم
السفر الى زيارة القبور، وقد قال به قبله ابوعبد الله بن بطة الحنبلي في الابانة
الصغرى، ثم قال صفي الدين في موضع آخر من كتابه المذكور: فإن قلت ما نقلته في هذا
الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب اليه: يعني من التشبيه والتجسيم فما بال علي
القاري والتقي الحصني وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه الى امور فظيعة.
قلت: اعلم وفقك الله
تعالى ان ابن تيمية رحمه الله تعالى كان رجلا مشهورا
بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغا في مذهب الاثبات وكان يكره
التأويل اشد الكراهة، وكان يرد على الصوفية ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما
شاكلها كعادة اهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، فرد على الشيخ محيي الدين بن العربي
والشيخ عمر بن الفارض وعبد الحي بن سبعين واضرابهم، وكان قد خالف الائمة الاربعة
في بعض الفروع كمسألة الزيارة والطلاق، وكان يناظر عليهما، فقام عليه ناس وحسدوه
وابغضوه واشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك قدخل ذلك على بعض
اهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهم ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة
واعتمدوا على السماع فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من اهل العلم
والفضل، ثم قال وقد انكروا على الشيخ اشياء لا بأس بذكر الجواب عنها والاعتذار
فاقول: قالوا يقول بحرمة السفر الى زيارة القبور، وقد خالف في ذلك الاجماع.
قال صفي الدين: قلت وهو مخطئ في ذلك اشد الخطإ:
ولكن لا يلزم من القول به التفسيق فضلا عن التكفير لانه صدر ذلك عن شبهة ولو كان
ذلك الدليل خطأ عندنا، انتهى كلام صفي الدين البخاري ومثله العلماء الذين اثنوا
على ابن تيمية ذكروا خطأه الفاحش في مسائله التي خالف فيها الاجماع.
ومنهم الحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي، قال
رحمه الله تعالى: وبالجملة كان يعني الحافظ ابن القيم كما يدل عليه سياق كلامه
رحمه الله تعالى من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة الى صوابه
كنقطة في بحر لجي، وخطؤه ايضا مغفور له لما صح في صحيح البخاري (اذا اجتهد الحاكم
فاصاب فله اجران واذا اجتهد فاخطأ فله اجر) وقال الامام مالك بن انس: كل احد يؤخذ
من قوله ويترك الا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، وما قاله في غاية الحسن،
والحافظ المذكور ثقة حجة باتفاق، وقد ترجمه الحافظ ابن حجر بترجمة جليلة جدا فلا التفات
الى ما نقله عنه الشيخ تقي الدين الحصني نعم كان يقول بقول الشيخ ابن
تيمية في مسألة الطلاق فاوذي بسببه ومع انه خالف
الائمة الاربعة في ذلك فلم ينفرد به كما هو مبين في موضعه، وهو وان كان خطأ فاحشا
فلا يوجب التفسيق فافهم. انتهت عبارة القول الجلي.
ومنهم شيخ الاسلام صالح البلقيني الشافعي. قال
في القول الجلي: وقال شيخ السلام صالح ابن شيخ الاسلام عمر البلقيني رحمهما الله
تعالى فيما كتبه على كتاب (الرد الوافر): ولقد افتخر فاضي القضاة تاج الدين السبكي
بان الحافظ المزي لم يكتب لفظة شيخ الاسلام الا لابيه، وللشيخ تقي الدين ابن
تيمية، وللشيخ شمس الدين ابي عمر، فلولا ان ابن تيمية في غاية العلو في العلم
والعمل ما قرن ابن السبكي اباه معه في هذه المنقبة التي نقلها، ولو كان ابن تيمية
مبتدعا او زنديقا ما رضي ان يكون ابوه قرينا له. نعم قد ينسب الشيخ تقي الدين لاشياء
انكرها عليه معارضوه وانتصب للرد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة
والطلاق وافرد كلا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي كفره ولا زندقته اصلا، وكل
احد يؤخذ من قوله ويترك الا صاحب هذا القبر، والسعيد من عدت غلطاته وانحصرت
سقطاته، ثم ان الظن بالشيخ تقي الدين انه لم يصدر ذلك منه تهورا وعدوانا حاش لله،
بل لعله لرأي رآه واقام عليه برهانا، ولم نقف الى الآن بعد التتبع والفحص على شيء
من كلامه يقتضي كفره ولا زندقته انتهى.
ومنهم الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي، قال
الصفي البخاري في القول الجلي بعد ان ذكر بعض من اعترضوا على ابن الفارض: واما
الذي في اعتقادنا فابن الفارض رجل كبير عظيم المقدار وكان شيخنا الجلال السيوطي مع ذمه القول
بالوحدة المطلقة يعتقد فيه، وصنف جزء
وسماه (قمع المعارض لابن الفارض) وذكر
على هامش كتاب (جلاء العينين) المطبوع ما نصه،
وهو: اي الجزء الذي صنفه
السيوطي في ابن الفارض جزء نحو خمس ورقات ذكر فيه اهل الفنون
الشرعية
والعقلية واهل المذاهب الاربعة وتكلم على كل فريق منهم بما اداه اليه
نظره، فقال
في اثناء الكلام على الفقهاء الشافعية: واحذر
الكبر والعجب بعلمك فيا سعادتك ان نجوت منه كفافا لا عليك ولا لك، فوالله ما رمقت
عيني اوسع علما ولا اقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية مع الزهد في المأكل
والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبت في رزيته وفتنته
حتى مللت في سنين متطلولة فما وجدت قد اضره في اهل مصر والشام ومقتته نفوسهم
وازدروا به وكذبوه وكفروه الا بالكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة
والازدراء بالكبار.
فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور
ونسأل الله المسامحة
فقد قام عليه
ناس ليسوا باورع منه ولا
اعلم منه ولا ازهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب
اصحابهم وآثام اصدقائهم وما سلطهم الله عليه بتقواهم او جلالتهم بل
بذنوبه، وما دفع الله عنه وعن اتباعه اكثر، وما جرى عليهم الا بعض ما يستحقون فلا تكن في
ريب من
ذلك، وقال ايضا في اثناء الكلام على اصول الدين: فان
برعت في الاصول
وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة، وآراء
الاوائل ومجاراة العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة واحوال السلف، ولفقت بين
العقل والنقل، فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيت
ما آل امره اليه من الحط عليه والهجو والتضليل والتكفير بحق وبباطل، فقد كان قبل
ان يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف، ثم صار مظلما مكسوفا
عليه قتمة عند خلائف من الناس ودجالا افاكا كافرا عند اعدائه ومبتدعا فاضلا محققا
بارعا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الاسلام، وحامي حوزة الدين، ومحيي السنة
عند عموم اصحابه هو ما اقول لك، انتهت عبارة الحافظ السيوطي. قال كاتبها صديق حسن
خان البهوبالي: فانت ترى كلامه في الشيخ فزنه بعقلك فانه ظاهر التناقض، والله اعلم
بالسرائر.
وقد وزنت كلام السيوطي
بعقلي فلم اجد فيه تناقضا، ولكنه حكى ما يعلمه من احوال ابن تيمية، فمدحه تارة،
وذمه اخرى بحسب اوصافه التي تقتضي المدح
والذم، وليس في ذلك شيء من التناقض، رحمهما الله
تعالى.
ومنهم الشيخ عبد الرحمن
الكزبري الدمشقي الشافعي، قال في تقريظه على كتاب (القول الجلي) للصفي البخاري
المذكور سابقا بعد ان اثنى على ابن تيمية، وان ما يعزى اليه من بعض المخالفات في
الاصول والابتداع هو منه برئ كما يصرح به النقل من كلامه في مشهور مؤلفاته الدال
على انه بموافقة اهل السنة حري، وما يعزى اليه من المخالفات في بعض الفروع والطعن
في السادة الصوفية اولي الشأن العلي المعروف. فذلك مما لا نوافقه عليه ولا نسلم
شيئا من ذلك اليه (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل " الاحزاب: ٤) انتهى كلام
الكزبري، وبه يتم ما نقلته من كتاب (القول الجلي) للشيخ صفي الدين البخاري
وتقاريظه.
ومنهم ملا على القاري
الحنفي، قال في شرحه على الشفاء: وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر
لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم كما افرط غيره، حيث قال: كون الزيارة قربة معلوم
من الدين بالضرورة، وجاحده محكوم عليه بالكفر، ولعل الثاني اقرب الى الصواب لان تحريم
ما اجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لانه فوق تحريم المباح المتفق عليه في
هذا الباب انتهت عبارته.
ومنهم
شهاب الدين الخفاجي الحنفي. قال رحمه الله تعالى في شرح الشفاء بعد قول النبي صلى
الله عليه وسلم (لعن الله قوما اتخذوا قبور انبيائهم مساجد): واعلم ان هذا الحديث
هو الذي دعا ابن تيمية ومن تبعه كابن القيم الى مقالته الشنيعة التي كفروه بها،
وصنف فيها السبكي مصنفا مستقلا، وهي منعه من زيارة قبر الني صلى الله عليه وسلم
وشد الرحال اليه، وهو كما قيل:
لمهبط
الوحي حقا ترحل النجب " وعند ذاك المرجى ينتهي الطلب
فتوهم انه حمى جانب
التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها، فانها لا تصدر عن عاقل فضلا عن فاضل سامحه الله
تعالى، انتهت عبارة الشهاب الخفاجي، وفسر الحديث المذكور بان القوم الذين اتخذوا
قبور انبيائهم مساجد: اي يسجدون اليها
كما يسجدون للاوثان، وذكر رواية اخرى مصرحة
باولئك القوم، وهي قوله صلى الله
عليه وسلم (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد)، وانت على علم من انه لا احد من الزائرين يسجد لقبر النبي صلى الله عليه وسلم،
فان ذلك ممنوع قطعا بالاتفاق لهذا الحديث وغيره.
وقال ايضا في موضع آخر من شرح الشفاء: روى
القاضي عياض بسنده الى ابن حميد احد رواة مالك، قال: ناظر ابوجعفر امير المؤمنين
مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مالك: يا امير المؤمنين لا ترفع
صوتك في هذا المسجد فان الله ادب قوما، فقال (لا ترفعوا اصواتكم " الحجرات:
٢) ومدح قوما، فقال (الذين يغضون اصواتهم ٠ الححرات: ٣) وذم قوما، فقال (ان الذين
ينادوئك " الحجرات: ٤) وان حرمته صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا،
فاستكان لها ابوجعفر وقال: يا ابا عبد الله استقبل القبلة وادعو ام استقبل رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة ابيك آدم عليه
الصلاة والسلام الى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله.
قال الشهاب الخفاجي، وفي هذا رد على ما قاله ابن
تيمية من ان استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة امر منكر لم يقل به احد
ولم يرو الا في كحاية مفتراة على الامام مالك: يعني هذه القصة التي اوردها المصنف
القاضي عياض رحمه الله تعالى هنا، ولله دره حيث اوردها بسند صحيح وذكر انه تلقاها
عن عدة من ثقات مشايخه، فقوله اي ابن تيمية: انها امر منكر كذب محض ومجازفة من
ترهاته، وقوله: لم ينقل ولم يرو باطل؛ فان مذهب مالك واحمد والشافعي رضي الله
تعالى عنهم استحباب استقبال القبر الشريف في السلام والدعاء، وهو مسطر في كتبهم. انتهت
عبارة الشهاب الخفاجي.
وقال ايضافي شرح
الشفاءعندقول المصنف. وقال صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا قبري عيدا) اي كالعيد
باجتماع الناس عنده، وقد تقدم تأويل الحديث، وانه
لا حجة فيه لما قاله ابن تيمية وغيره، فان اجماع
الامة على خلافه يقتضي تفسيره بغير ما فهموه فانه نزغة شيطانية، انتهت عبارة
الشهاب. وقوله: وقد تقدم تأويل الحديث: اي في آخر عبارته السابقة، فانه قال هناك:
واما قوله صلى الله عليه وسلم (لا تتخذوا قبري عيدا)، فقيل كره الاجتماع عنده في
يوم معين على هيئة مخصوصة، وقيل المراد لا تزوروه في العام مرة فقط بل اكثروا
الزيارة له كما مر. واما احتماله للنهي عنها فهو بفرض انه المراد محمول على حالة
مخصوصة: اي لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه واظهار الزينة عنده وغيره مما يجتمع
له في الاعياد، بل لا يؤتي الا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف.
ومنهم العلامة خليل بن
اسحاق المالكي الشهير. قال الامام القسطلاني في المواهب اللدنية: وينبغي للزائر ان
يكثر الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به صلى الله عليه وسلم، فجدير بمن
استشفع به ان يشفعه الله فيه انتهى
قال
الامام الزرقاني في شرحه بعد ما ذكر: ونحو هذا في منسك العلامة خليل وزاد وليتوسل
به صلى الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى بجاهه في التوسل به، اذ هو محط احمال
الاوزار واثقال الذنوب لان بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد
خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس الله بصيرته واضل سريرته. الم يسمع قوله تعالى (ولو آئهم اذ ظلموا انفسهم جآؤك ٠ النساء:
٦٤) انتهى ولعل مراده التعريض بابن تيمية، انتهت عبارة
الامام الزرقاني.
ومنهم الامام محمد الزرقاني المالكي. قال رحمه
الله تعالى في شرحه على المواهب اللدنية عند قول الامام القسطلاني فيها، والحكاية
المروية عنه: اي عن الامام مالك انه امر المنصور ان يستقبل القبر وقت الدعاء كذب
على مالك كذا قال: يعني ابن تيمية، قال الزرقاني تبرأ: اي القسطلاني منه: اي من
كلام ابن تيمية في تكذيب الحكاية، لان الحكاية رواها ابوالحسن علي بن فهر في كتابه
(فضائل مالك): ومن طريقه الحافظ ابوالفضل عياض في الشفاء باسناد لا بأس به بل قيل
انه صحيح، فمن
اين انها كذب؟ وليس في رواتها كذاب ولا وضاع،
ولكنه: يعني ابن تيمية لما ابتدع له مذهبا، وهو عدم تعظيم القبور ما كانت، وانها
انما تزار للاعتبار والترحم، بشرط ان لا يشد اليها رحل صار كل ما خالف ما ابتدعه
بفاسد عقله عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فاذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها
بزعمه انتقل الى دعوى انه كذب على من نسب اليه مباهتة وبجازفة وقد انصف من قال
فيه: علمه اكبر من عقله انتهى
وقال الزرقاني ايضا في
موضع آخر من شرح المواهب عند قول القسطلاني فيها: وقد روى ان مالكا لما سأله
ابوجعفر المنصور العباسي: يا ابا عبد الله استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وادعو ام استقبل القبلة وادعو؟ فقال له مالك ولم تصرف وجهك عنه؟ وهو وسيلتك ووسيلة
ابيك آدم عليه السلام الى الله عز وجل يوم القيامة.
قال الامام القسطلاني:
لكن رأيت منسوبا للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه ان هذه الحكاية كذب على مالك،
وان الوقوف عند القبر بدعة، ولم يكن
![]()
![]()
![]()
في مسجده صلى الله عليه وسلم. قال: يعني ابن تيمية: ومالك من اعظم
الائمة
كراهية لذلك، انتهت
عبارة متن المواهب.
قال الزرقاني في شرحه
عند قول ابن تيمية: ان هذه الحكاية كذب على مالك: هذا تهور عجيب، فان الحكاية
رواها ابوالحسن علي بن فهرفي كتابه (فضائل مالك) باسناد لا بأس به واخرجها القاضي
عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه فمن اين انها كذب؟ وليس في اسنادها
وضاع ولا كذاب. وقال عند قول ابن تيمية: ان الوقوف عند القبر بدعة، ولم يكن احد من
الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه: نفيه مردود عليه من قصوره او مكابرته.
ففي
الشفاء قال بعضهم: رأيت انس بن مالك اتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف فرفع
يديه حتى ظننت انه افتتح الصلاة فسلم على الني صلى الهل عليه وسلم ثم انصرف وقال
عند قول ابن تيمية: ومالك من اعظم الائمة كراهية لذلك:
كذا قال، وهو خطأ قبيح، فان كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند
القبر مستقبلا له مستدبرا القبلة، وممن نص على ذلك ابوالحسن القابسي وابوبكر بن
عبد الرحمن والعلامة خليل في منسكه ونقله في الشفاء عن ابن وهب عن مالك قال: اذا
سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف وجهه الى القبر لا الى القبلة، ويدنو
ويسلم، ولا يمس القبر بيده انتهى. قال الزرقاني: والى هذا ذهب الشافعي والجمهور،
ونقل عن ابي حنيفة قال ابن الهمام: وما نقل عنه انه يستقبل القبلة مردود بما روي
عن ابن عمر: من السنة ان يستقبل القبر المكرم ويجعل ظهره للقبلة وهو الصحيح من
مذهب ابي حنيفة، وقول الكرماني مذهبه خلافه ليس بشيء لانه صلى الله عليه وسلم حي
ومن يأتي لحي انما يتوجه اليه انتهى
قال الزرقاني: ولكن هذا
الرجل: يعني ابن تيمية ابتدع له مذهبا، وهو عدم تعظيم القبور، وانها انما تزار
للترحم والاعتبار، بشرط ان لا يشد اليها رحل، فصار كل ما خالفه عنده كالصائل لا
يبالي بما يدفعه، فاذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه انتقل الى دعوى انه
كذب على من نسب اليه مجازفة وعدم نصفة، وقد انصف من قال فيه: علمه اكبر من عقله
انتهى
ثم بعد عدة اوراق اعاد
ذلك في المواهب: واعاد الزرقاني الرد على ابن تيمية فقال: قوله ومالك من اعظم
الائمة كراهية لذلك، يقال له في اي كتاب نص على كراهته، فانه نص في رواية ابن وهب
عنه، وهو من اجل اصحابه على انه يقف للدعاء، واقل مراتب الطلب والاستحباب، وجزم به
الحافظ ابوالحسن القابسي، وابوبكر بن عبد الرحمن وغيرهما من ائمة مذهب مالك، وجزم
به العلامة خليل بن اسحاق في منسكه، أفما يستحى هذا الرجل من تكذيبه بما لم يحط
بعلمه؟ واعاد قوله السابق في التشنيع على ابن تيمية انه صار كل ما خالف ما ابتدعه
بفاسد عقله عنده كالصائل الى آخره. ومنهم الصلاح الصفدي الشافعي. قال في شرحه على
لامية العجم عند قول الطغرائي:
ولا اهاب الصفاح البيض تسعدني " باللمح من
خلل الاستار والكلل وسألت الشيخ الامام العلامة تقي الدين احمد بن تيمية رحمه الله
تعالى سنة ٧١٨ بدمشق المحروسة عن قوله تعالى (واخر متشابهات ٠ آل عمران: ٧) الى
آخر ما قاله هناك من اسئلة واجوبة لا غرض لنا في نقلها هنا، وانما المقصود انه
اجتمع به وذاكره في العلم، ثم قال الصفدي في شرح قول الطغرائي:
ويا خبيرا على الاسرار مطلعا ٠ اصمت فغي الصمت منجاة من الزلل
قال القاضي بهاء الدين بن شداد في اول سيرة صلاح
الدين انه يعني الشهاب السهروردي المقتول بحلب، كان حسن العقيدة كثير التعظيم
لشعائر الدين قال: واكثر الناس على انه ملحد لا يعتقد شيئا وانه انما قتله قلة
عقله وكثرة كلامه. ويقال ان الخليل بن احمد رحمه الله تعالى اجتمع هو وعبد الله
ابن المقفع ليلة فتحادثا الى الغداة فلما تفرقا قيل للخليل كيف رأيته؟ قال رأيت
رجلا علمه اكثر من عقله، وكذا كان ابن المقفع، فانه قتله قلة عقله وكثرة كلامه شر
قتلة ومات شر ميتة. قال الصفدي بعد ما ذكر: قلت وكذا ايضا كان الشيخ الامام العالم
العلامة تقي الدين احمد بن تيمية رحمه الله تعالى علمه متسع جدا الى الغاية وعقله
ناقص يورطه في المهالك ويوقعه في المضايق انتهى كلام الصفدي.
ومنهم الامام عبد الرؤف المناوي الشافعي. قال
رحمه الله تعالى في شرح الشمايل: وقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: ان المصطفى
صلى الله عليه وسلم لما أري ربه واضعا يديه بين كتفيه اكرم ذلك الموضع بالعذبة رده
الشارح: يعني ابن حجر المكي بانه من قبيح ضلالهما، وهو مبني على مذهبهما من اثبات
الجهة والجسمية، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، قال المناوي بعدما ذكر
واقول: اما كونهما من المبتدعة فمسلم. واما كون هذا بخصوصه مبنيا على التجسيم فغير
مستقيم، ثم استدل لرد ذلك كما رده الشيخ علي القاري في شرحه على الشمايل ايضا،
واطال في الثناء عليهما وتبرئتهما من اعتقاد الجهة والتجسيم، وهو وان اثنى
عليهما من هذه الجهة هنا، لانه لم يثبت عنده اعتقادهما هذا الاعتقاد
الفاسد بل ثبت عنده من مؤلفاتهما خلافه فهو قد ذم ابن تيمية في شرح الشفاء
بالعبارة المتقدمة عنه التي ذكر فيها تفريطه بتحريم السفر لزيارة الني صلى الله
عليه وسلم واستقرب كفر القائل بذلك قائلا لان تحريم ما اجمع العلماء على استحبابه
يكون كفرا، وهذا من ملا على القاري غاية الذم لابن تيمية فلا ينفع بعده مدحه اياه
في شرح الشمايل من جهة اخرى، وانما ذكرت عبارة المناوي هنا لانها مصرحة بان كون
ابن القيم وابن تيمية هما من المبتدعة امر مسلم.
ومنهم صاحبنا العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ
مصطفى بن احمد الشطي الحنبلي الدمشقي الف حفظه الله وجزاه احسن الجزاء رسالة
مخصوصة سماها (النقول الشرعية في الرد على الوهابية) وختمها بخاتمة في تأييد مذهب
ساداتنا الصوفية وطبعها ونشرها فمما قاله في المقالة الاولى منها التي تكلم فيها
على الاجتهاد: لا شك ان من ادعى ذلك في هذا الزمان عليه امارة البهتان كما يقع
دعوى ذلك من فرقة شاذة نسبت نفسها للحنابلة من جهة نجد التي يخرج منها قرن
الشيطان، كما ورد في الحديث حتى انهم ربما لا يستدلون بالاجماع ولا بالقياس اصلا
بل يقتصرون على الاستدلال بالكتاب والسنة بلا فهم منهم لشيء من الوجوه السابقة اي
شرائط الاجتهاد، ولا معرفة لهم بمبادئ العلوم فضلا عن مقاصدها واصولها ويعلمون
اولادهم من ابان نشأتهم هذه الدعوى ويجرئونهم على الاحتجاجات بظواهر النصوص وترك
ما وراء ذلك عن جهل ومكابر، وقد ينكرون دعوى الاجتهاد ويحتجون بعبارة شيخ الاسلام
ابن تيمية فقط مع ان الامام المذكور قد خرج من مذهب الحنبلي في عدة مسائل تفرد بها
وتهيأ بخصوصها للاجتهاد المطلق الا انها لم تدون على كونها مذهبا له كما دونت فروع
مسائل المذاهب الاربعة. فمنها ما كان يحب المناظرة فيه ولم يفت به لاحد كمسألة
الغاء مفهوم العدد في الطلاق وانه يقع واحدة وان كان بلفظ الثلاث والالف او الاكثر
من ذلك. ومنها تحريم شد الرحل لغير المساحد الثلاثة. ومنها منع الاستغاثة
بالانبياء والصالحين وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه فليست المسائل المذكورة من
مذهب الامام احمد ولا ورد فيها رواية عن الامام احمد، ونص فقهاء الحنابلة على انه
لا يتابع فيها، فمن ادعى انه حنبلي المذهب فليس له القول بها كما قالت بها هذه
الفرقة المذكورة عن جهل وانطماس بصيرة. وفقنا الله واياهم لاتباع سبيل المصطفى
عليه الصلاة والسلام الداعي اليها على بصيرة هو ومن اتبعه. انتهت عبارة هذا العالم
الحنبلي المنصف بحروفها. وذكر في المقالة الرابعة من هذه الرسالة جواز التوسل
والاستغاثة والاستشفاع بالانبياء والاولياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم،
واقام الدليل على ذلك من الكتاب والسنة وعبارات العلماء والفقهاء، ولا سيما فقهاء
الحنابلة اهل مذهبه، وذكر حفظه الله في المقالة الخامسة استحباب زيارة القبور وشد
الرحل اليها لا سيما زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم ونقل النقول الصحيحة
الصريحة في ذلك عن علماء الحنابلة وكتبهم المعتمدة: كالمنتهى والاقناع وشرحيهما
وصرح بان ما قاله ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في منع ذلك هو خلاف الصحيح من مذهب
الامام احمد واثنى في خاتمة الكتاب على ساداتنا الصوفية رضي الله عنهم وجزاء احسن
الجزاء.
ومنهم الامام شهاب
الدين احمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي: وهو اشدهم ردا على ابن تيمية محاماة عن
الدين وشفقة على المسلمين من ان يسري اليهم شيء من غلطاته الفاحشة، ولا سيما فيما
يتعلق بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آله واصحابه اجمعين، ومن نظر بعين الانصاف
شهد لهذا الامام ابن حجر بالولاية، وانه ربما يكون قد اطلعه الله على ما سيحصل في
المستقبل من الاضرار العظيمة التي ترتبت على اقوال ابن تيمية من فرقته الوهابية
التي هو اصل اعتقادها واساس فسادها، ولا يخفى ما حصل منها من الاضرار العظيمة في
حق المسلمين والاسلام. ولا سيما في الحرمين الشريفين وجزيرة العرب، فمن المحتمل
احتمالا قريبا ان يكون الحق سبحانه وتعالى قد اطلع الامام ابن حجر على ذلك على
سبيل
الكرامة وهو اهل لذلك، فانه رضي الله عنه كان من اكابر العلماء
العاملين والائمة الهادين المهديين، وهذا علمه وكتبه النافعة التي خدم بها الامة
المحمدية خدمة لم يشاركه فيها سواء من عصره الى الآن ملأت الدنيا وانتفع بها الخاص
والعام في جميع بلاد الاسلام، ومن كان كذلك لا يستبعد عليه ان يكون الله تعالى قد
اكرمه باطلاعه على بعض المغيبات، ومنها ما حدث من فرقة الوهابية اتباع ابن تيمية
من المضار العظيمة على الشريعة المحمدية والملة الاسلامية، ولذلك كان رضي الله عنه
اشد ائمة المسلمين انكارا لبدع ابن تيمية وردا عليه باشد العبارات شفقة على
المسلمين ومحاماة عن هذا الدين المبين؛ وله في ذلك عبارات كثيرة في كتبه، ولا سيما
في الفتاوى الحديثية ولم ار حاجة الى نقلها هنا فمن شاءها فليراجعها فقد ثبت وتحقق
وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار ان علماء المذاهب الاربعة قد اتفقوا على رد بدعة
ابن تيمية ومنهم من طعنوا بصحة نقله كما طعنوا بكمال عقله فضلا عن شدة تشنيعهم
عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل التي شذ بها في الدين وخالف بها اجماع
المسلمين، ولا سيما فيما يتعلق بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وممن طعن بصحة
نقله من الحنفية الشهاب الخفاجي في شرح الشفاء كما تقدم، ومن المالكية الامام
الزرقاني في شرح المواهب كما تقدم ايضا، ومن الشافعية الامام السبكي كما هو مذكور
في كتابه (شفاء السقام) فقد اوضح فيه مع توضيح خطأ ابن تيمية في رأيه عدم صحة نقله
احكاما شرعية استدل بها على تقوية بدعته ونسبها الى علماء من ائمة المذاهب الاربعة
لم يقولوا بها، وذكر مثل ذلك من عدم صحة نقله الامام ابن حجر الهي تمي في ردوده
عليه، ولا يخفى ان ذلك من اقوى العيوب في العالم واشنع الاخلاق التي تضعف الثقة به
وتسقط اعتبار نقله عن غيره وان كان من احفظ الحفاظ واعلم العلماء ويقوي عدم اعتبار
نقل ابن تيمية في بعض ما ينقله ما قاله في حقه الحافظ العراقي الكبير.
Not: Bazen Büyük Dosyaları tarayıcı açmayabilir...İndirerek okumaya Çalışınız.

Yorumlar
Yorum Gönder